ذلك منهم عبثًا.
وقال الكلبي: تَعْبَثُونَ بمن يمر بالطريق (١). وعلى هذا معنى الآية: تبنون بالمواضع المرتفعة كي تشرفوا على المارة والسائلة، فتسخروا منهم وتعبثوا بهم.
وقال مقاتل: بل (٢) كانوا إذا سافروا لا يهتدون إلا بالنجوم، فبنوا القصور الطوال على الطرق عبثًا (٣).
وروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد أنهما قالا: هذا (٤) في بنيان الحَمَام (٥). وعلى هذا أنكر عليهم اتخاذهم بروجًا للحَمَام عبثًا. وهذه أوجه أربعة في معنى العبث المذكور هاهنا. وذكر بعض أهل المعاني وجهًا له؛ فقال: كانوا يبنون بالمكان المرتفع البناء العالي ليدلوا بذلك على زيادة قوتهم، وذلك عبث.
١٢٩ - قوله تعالى: وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ قال الليث: المصنعة شبه صهريج عميق يُتخذ للماء، والجمع (٦) المصانع، والمصانع التي يتخذها الناس من الأبنية والآبار.
(٢) بل، في نسخة (أ)، (ب).
(٣) "تفسير مقاتل" ٥٢ ب.
(٤) هذا، في نسخة (ج).
(٥) واقتصر على هذا القول في "الوجيز" ٢/ ٧٩٣. وأخرج هذا القول عن مجاهد، ابن جرير ١٩/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٤. وذكره الماوردي ٤/ ١٨١، عن السدي. وذكره عنهما البغوي ٦/ ١٢٢. وابن الجوزي، في زاد المسير ٦/ ١٣.
(٦) في نسخة (أ)، الجميع. وفي كتاب "العين" ١/ ٣٠٥ (صنع): وتجمع المصانع.
قال لبيد:
| وما تَبْلى النجومُ الطوالعُ | وتبلى الديارُ بعدنا والمصانعُ (١) |
قال الأزهري: وقال بعضهم: هي أحباس تُتَّخذ للماء، كالزلَف، واحدها: مَصْنَعة، ومَصْنَع يحتفرها الناس فيملؤها ماءُ السماء فيشربونها. ويقال للقصور أيضًا: مصانع (٣).
قال ابن عباس: هي الأبنية (٤).
وقال مجاهد: قصورًا مشيدة، وبنيانًا مخلدًا (٥).
وقال الكلبي: مصانع: منازل (٦).
وقال مقاتل: يعني القصور (٧).
وذكر قتادة القولين؛ أحدهما: القصور، والحصون. والثاني: مآخذ
| بلينا وما تبلى النجوم الطوالع | وتبقى الجبال بعدنا والمصانع |
(٣) "تهذيب اللغة" ٢/ ٣٧ (صنع).
(٤) قال ابن قتيبة: "المصانع: الباء، واحدها مصنعة". "غريب القرآن" ٣١٩.
(٥) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٦٣. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٩٥، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٧٩٤. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٥، بلفظ: قصور، وحصون.
(٦) "تنوير المقباس" ٣١١. وذكر الهواري ٣/ ٢٣٤، عن الكلبي، أن المراد: القصور. وذكر البغوي ٦/ ١٢٣، عنه: الحصون.
(٧) "تفسير مقاتل" ٥٣ أ، وفيه: "يعني: القصور ليُذكروا بها، هذا منزل بني فلان، وبني فلان". واقتصر في الوجيز ٢/ ٧٩٣، على أن المراد بالمصانع: المباني والقصور.
للماء (١).
وقال سفيان: المصانع التي يكون فيها الماء (٢).
وقوله: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ قال ابن عباس: يريد كي تخلدوا (٣). وهي اختيار الفراء والزجاج، وابن قتيبة؛ [قال الفراء: كيما يخلدوا (٤).
وقال الزجاج: ومعنى لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أي: كي تخلدون، أي: وتتخذون مباني للخلود (٥).
وقال ابن قتيبة] (٦): وكأنهم كانوا يستوثقون من البناء، والحصون، ويذهبون إلى أنها تحصنهم من قدر الله (٧).
وقال ابن عباس وقتادة ومقاتل: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كأنكم تخلدون (٨)
(٢) قال ابن جرير ١٩/ ٩٥: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعَةٍ، والعرب تسمي كل بناءٍ مصنعةً، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصوراً، وحصوناً مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء، ولا خبر يقطع العذر بأي ذلك كان، ولا هو مما يدرك من جهة العقل، فالصواب أن يقال فيه ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع".
(٣) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١١٤ ب. وابن الجوزي، "زاد المسير" ٦/ ١٣٦.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٨١. وذكره ابن جرير ١٩/ ٩٦، بقوله: "وكان بعض أهل العربية يزعم أن لعلكم في هذا الموضع بمعنى: كيما". ولم يسمه، ولم يعلق عليه.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٩٦، وفيه: ومعنى لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ أي: لأن تخلدوا.
(٦) ما بين المعقوفين، ساقط من نسخة (أ)، (ب).
(٧) "غريب القرآن" لابن قتيبة ٣١٩.
(٨) كأنكم تخلدون، في نسخة (ج). ذكر البخاري، عن ابن عباس: لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ كأنكم. الفتح ٨/ ٤٩٦. وهو كذلك في "تنوير المقباس" ٣١١. ووصله ابن جرير=
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي