ﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄ

قوله :«مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ». يصلح أن يكون تبييناً، وأن يكون للتبعيض، ويُراد بِمَا خلق العضو المباح منهن، وكانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم١. بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ . معتدون مجاوزون الحلال إلى الحرام، والعادي : المعتدي في ظلمه.
والمعنى : أتركبون هذه المعصية على عظمها بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ في جميع المعاصي٢

فصل :


قال القاضي عبد الجبار في تفسير قوله : وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ دليل على بطلان الجبر من وجوه :
الأول : أنه لا يقال :«تَذَرُونَ » إلاَّ مع القدرة على خلافه، ولذلك لا يقال للمرء : لم تذر الصعود إلى السماء، كما يقال : لم تذر ( الدخول و )٣ الخروج.
الثاني : أنه قال : مَا خَلَقَ لَكُمْ ولو كان الفعل لله تعالى لكان الذي خلقه لهم ما خلقه فيهم وأوجبه لا ما لم يفعلوه.
الثالث : قوله تعالى : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ لإن كان تعالى خلق فيهم ما كانوا يعملون، فكيف ينسبون إلى أنهم تعدوا ؟ وهل يقال للأسود : إنك متعد في لونك ؟ وأجيب بأن حاصل هذه الوجوه يرجع إلى أن العبد لو لم يكن موجداً لأفعال نفسه لما توجه المدح والذم والأمر والنهي عليه، ( وليس لهذه )٤ الآية في هذا المعنى خاصية أزيد مما ورد من الأمر والنهي والمدح والذم في قصة إبراهيم وموسى ونوح وسائر القصص، فكيف خَصَّ هذه القصة بهذه الوجوه دون سائِر القصص. وإذا٥ ثبت أن هذه الوجوه هي ذلك الوجه المشهور فالجواب عنها هما٦ الجوابان المشهوران :
الأول : أنَّ اللَّهَ تعالى لمّا علم وقوع هذه الأشياء، فعدمها محال، لأَنّ عدمها يستلزم انقلاب العلم جهلاً، وهو محال، والمفضي إلى المحال محال، وإن كان عدمها محالاً كان التكليف بالترك تكليفاً بالمحال.
الثاني : أنَّ القادر لما كان قادراً على الضدين امتنع أن يرجح أحد المقدورين على الآخر لا لمرجح، والمرجح : هو الداعي والإرادة، وذلك المرجح مرجح محدث، فله مؤثر، وذلك المؤثر إن كان هو العبد لزم التسلسل، وهو محال، وإن كان هو الله تعالى فذاك الجبر على قولك، فثبت بهذين البرهانين القاطعين سقوط ما قاله٧.
١ انظر الكشاف ٣/١٢٣-١٢٤، الفخر الرازي ٢٤/١٦١..
٢ المرجعان السابقان..
٣ ما بين القوسين تكملة من الفخر الرازي..
٤ ما بين القوسين في الفخر الرازي: ولهذه..
٥ في ب: إذا..
٦ في ب: هو. وهو تحريف..
٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/١٦١-١٦٢..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية