ثم أمر نبيه بالإنذار والتذكير، فقال :
وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِياءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
يقول الحق جل جلاله : وأنَذِرْ يا محمد عشيرتَك الأقربين ، إنما خصهم بالذكر ؛ لئلا يتكلوا على النسب، فَيَدَعُوا ما يجب عليهم، لأن من الواجبات ما لا يشفع فيها، بقوله في تارك الزكاة وقد استغاث به :" لا أملك لكم من الله شيئاً ". وفي الغالِّ كذلك. وقيل : إنما خصهم لنفي التهمة ؛ إذ الإنسان يساهل قرابته، وليعلموا أنه لا يغني عنهم من الله شيئاً ؛ إذ النجاة في اتباعه، لا في قربه منهم.
ولما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصَّفا، ونادى الأقربَ فالأقرب، وقال :" يا بَني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، يا عباسُ – عم النبي صلى الله عليه وسلم – يا صفيَّةُ – عمَّة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لا أمْلِكُ لكم من الله شيئاً١ ". وقال ابن عباس رضي الله عنه : صَعدَ النبي صلى الله عليه وسلم الصَّفا، ونادى :" يا صباحَاه " ؛ فاجتمع الناس، فقال صلى الله عليه وسلم :" يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، إنْ أخبرتُكم أن خَيْلاً بسَفْح هذا الجَبَل، تريد أن تُغير عليكم، صدقتُموني ؟ قالوا : نَعَمْ. قال : فإني نذير لكم بين يَدَيْ عَذَاب شديدٍ. فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم، ما جمعتنا إلا لهذا " ؟ فنزلت : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ٢ [ المسد : ١ ].
قال صاحب القوت : وأبو ذر صاحب شدائد، وعزائم، وهذا من عزائمه وشدائده. هـ. وهذا في المؤمن بدليل قول أبي الدرداء : الأخ في الله لا يبغض لزلة. وأما الكافر فصريح آياته : إِنَّا بُرَءآؤاْ مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ [ الممتحنة : ٤ ]، ونحوها. وحديث ابن عمر وتبرئه من نفاة القدر - كما في مسلم - موجب للبراءة، وليس لكون حكم الأصول أشد من الفروع. وذكر في الإحياء تأكيد الإعراض عمن يتعدى أذاه لغيره ؛ بظلم، أو غصب، أو غيبة، أو نميمة، أو شهادة زور ؛ لأن المعصية شديدة فيما يرجع لأذى الخلق. هـ. من الحاشية.
قوله تعالى : فتوكل على العزيز الرحيم ، قيل : التوكل : تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وهو الله وحده، والمتوكل من إذا دهمه أمرٌ لم يحاولْ دفعه عن نفسه بما هو معصية. وقال الجنيد رضي الله عنه : التوكل أن تقبل بالكلية على ربك، وتُعرض بالكلية عمن دونه ؛ فإنَّ حاجتك إنما هي إليه في الدارين. هـ.
قال القشيري : وتقلبك في الساجدين من أصحابك، ويقال : تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين، الذين عرفوا الله، فسجدوا له، دون من لم يعرفه. هـ. وفي القوت : قيل : وتقلبك في أصلاب الأنبياء - عليهم السلام، يقلبك في صلب نبي بعد نبي، حتى أخرجك من ذرية إسماعيل، وروينا معنى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحاصل : أنه من ذرية الأنبياء والمؤمنين الساجدين في الجملة، ولا يقتضي كل فرد من الأفراد. هـ.
٢ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٢٦، حديث ٤٧٧٠، ومسلم في الإيمان حديث ٣٥٥..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي