وأنذر عشيرتك الأقربين ٢١٤
وهكذا نقل الأمر من رسول الله إلى أهله وعشيرته الأقربين، ذلك ليطمئن الآخرون من قومه، فهو يأمرهم لأمر ليس بنجوة عنه، فأول ما ألزم به ألزم نفسه ثم عشيرته، وهذا أدعى للطاعة وللقبول، فأنت ترد أمري إذا كنت آمرك به ولا أفعله، لكني آمرك وأسبقك إلى الفعل.
لذلك سيدنا عمر- رضي الله عنه- وكان على المنبر يخطب في الناس، ويقول : أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، فقام أعرابي وقال : لا سمع لك ولا طاعة، انظر إلى هذه الجرأة على من ؟ على عمر وهو على المنبر- فقال له عمر : ولم ؟.
قال : لأن ثيابك أطول من ثيابنا – وكان القماش يوزع بين المسلمين بالتساوي لا فرق بين طويل وقصير- فقال عمر لابنه عبد الله : قم يا عبد الله لترى الناس، فقام عبد الله فقال : إن أبي رجل طوال-مبالغة في الطول- وثوبه في المسلمين لم يكفه، فأعطيته ثوبي فوصله بثوبه، وها أنذا بمرقعتي بينكم، عندها قال الأعرابي : إذن نسمع ونطيع١.
لكن أين القدوة في دوائرنا ومصالحنا الحكومية الآن ؟ وأين هو رئيس المصلحة الذي يحضر، ويجلس على مكتبه في الثامنة صباحا ليكون قدوة لمرؤوسيه ؟ وإن من أشد ما ابتلينا به أن نفقد القدوة في الرؤساء والمسؤولين. لذلك أول ما وجه التشريع والتكليف وجه إلى رسول الله، وإلى أقرب الناس إليه وهم عشيرته الأقربون ؛ لأن الفساد يأتي أول ما يأتي من دوائر القربى والحاشية التي تحيط الإنسان، وقد يكون الرئيس أو الحاكم بخير، لكن حاشيته هي سبب الفساد، حيث تستغل اسمه في فسادها أو تضلله وتعمي عليه الحقائق... إلخ.
لذلك كان سيدنا عمر- رضي الله عنه- ساعة يريد أن يقرر شيئا للأمة، ويعلم أنه قاس عليهم يجمع أهله أولا ويقول لهم : لقد شاء أن أقرر كذا وكذا، فمن خالفني منكم في شيء من هذا جعلته نكالا لعامة المسلمين، وهكذا يضمن أهله وأقاربه أولا، ويبدأ بهم تنفيذ ما أراده للمسلمين.
وتأمل وأنذر عشيرتك الأقربين ٢١٤ ( الشعراء ) والإنذار كما ذكرنا التحذير من الشر قبل أوانه، فلم يقل : بشر عشيرتك، كأنه يقول له : إياك أن يأخذك به لين ورأفة، أو عطف لقرابتهم لك، بل بهم فابدأ.
وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا التوجيه، فكان صلى الله عليه وسلم يقول لقرابته : " يا عباس يا عم رسول الله، يا صفية عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، اعملوا فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، ولا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم " ٢.
٢ عن أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عز وجلوأنذر عشيرتك الأقربين ٢١٤(الشعراء) قال: يا معشر قريش- أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا " أخرجه البخاري في صحيحه(٢٧٥٣)، وكذا مسلم في صحيحه (٢٠٦)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي