ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

١١٩ - قوله تعالى : حكاية عن الشيطان :{ ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ) :
فليبتكن أي ليقطعن والبتك القطع، وإنما ساقه الله تعالى بلفظ التكثير ؛ لأنه يكون(١) على أنحاء كثيرة، وإنما كنى عن السائمة(٢) والبحيرة ونحوهما(٣) مما كانت الجاهلية تفعله(٤) من مثل ذلك بسبب آلهتهم وبغير ذلك. وأما وشم الوجوه، فلا يجوز ذلك، لأنه من تغيير خلق الله تعالى. وأما وشم الآذان للتمييز فجائز، ليس من ذلك في شيء، وقد جاءت فيه الرخصة. وقوله : فليغيرن خلق الله ورد في هذه الآية ذم التغيير لخلق الله مطلقا. ونسبه تعالى إلى الشيطان وهو أمر ليس على عمومه ؛ لأن من التغيير لخلق الله ما هو سنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " خمس من الفطرة : تقليم الأظافر، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، والاختتان " (٥)، فهذا يخصص الآية بإجماع(٦). ومن التغيير ما هو محرم باتفاق ومكروه باتفاق، فهو داخل في الآية. ومنها ما هو مختلف فيه، وذلك كله على حسب ما ذكره المفسرون للآية. وقد اختلفوا في ذلك فقيل : أراد دين الله، وذهب قائلو ذلك إلى الاحتجاج بقوله تعالى : فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله [ الروم : ٣٠ ]، أي لدين الله(٧)، فدليل هذه الآية على هذا التأويل أي أن الإيمان مخلوق وقال بعضهم : الإيمان غير مخلوق. ومعنى قول من جعل خلق الله دين الله أي حكم الله، فكنى عن الحكم بالدين. وقيل : تغيير خلق الله هو أن الله تبار ك وتعالى خلق الشمس والقمر(٨) والنار والحجارة وغيرها من المخلوقات ليعتبر لها وينتفع(٩)، فغيّرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة.
وقال بعضهم في تغيير خلق الله : الخصاء، والآية إشارة إلى خصاء البهائم والخيل(١٠) وغيرها، وما يشاكله، فذلك عندهم ممنوع. ورخص في خصاء البهائم جماعة من أهل العلم إذا قصد به المنفعة. وفي المذهب أن ذلك مكروه في الخيل مباح في سائر البهائم(١١). وأما خصاء بني آدم فلا خلاف في منعه، وقد سئل مالك عن : شراء الخصيان فكرهه مخافة أن يكون داعية إلى فعل ذلك. وقال بعضهم : الآية إشارة إلى الوشم وما جرى مجراه ومن التصنع للحسن، فمن ذلك الحديث المروي(١٢) : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات(١٣) والمتفلجات المغيرات خلق الله(١٤). وقوله عليه الصلاة والسلام : " لعن الله الواصلة والمستوصلة " (١٥)، وقد اختلف في الوشم والتنمص، فلم يجزه الأكثر(١٦) للحديث المتقدم. والطبري من جملة من ذهب إلى هذا، وقال : إن المرأة إن(١٧) خلقت لها لحية أو شارب وعنفقة فلا يجوز لها أن تحلق ذلك أو بعضه طلبا للتجمل ؛ لأن ذلك تغيير لخلق الله ولكن تفعل فيها ما يجوز أن يفعله في لحيته. وفي المذهب أن الوشم جائز في اليد دون الوجه، وأجازه قوم، واحتجوا بقول عائشة حين سئلت عن المرأة تحفي جبينها لزوجها، فقالت : أميطي عنك الأذى ما استطعت، وبأن يد أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما كانت موشومة، فعلى هذا القول لا يدخلان تحت الآية. واختلف أيضا في الوصل فأجازه قوم جملة من غير تفصيل، ورووا عن عائشة في ذلك حديثا وهو ابن أشرع(١٨) سألها، فقال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة، فقالت : أيا سبحان الله وما بأس بالمرأة الزعراء أن تأخذ شيئا من صوف فتصل بها شعرها وتتزين به عند زوجها، وإنما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة الشابة تبغي في شيبتها حتى إذا أسنت وصلتها بالقيادة. ولم يجزه آخرون أيضا جملة من غير تفصيل، منهم مالك ؛ لعموم حديث النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولأنهم(١٩) رأوا ذلك تغييرا فتأولوا الآية عليه. وأجاز بعضهم وصل الشعر بالصوف والخرق، ولم يجز وصل الشعر بالشعر. وحجتهم حديث معاوية إذ تناول قصة من شعر وقال : إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم، قالوا : والخرق والصوف ليس من ذلك. وأجاز بعضهم أن يوضع الشعر على الرأس وضعا دون وصل ولم يجز الوصل. وأما التفليج المنهي عنه في الحديث فلم أر خلافا أنه لا يجوز للمرأة أن تفعله من تغيير خلق الله فهو داخل تحت الآية وسواء كانت الأسنان مستوية أو مختلفة في الطول فعلت(٢٠) ذلك لزوج أو غيره، قاله الطبري(٢١) : وملاك تفسير هذه الآية أن كل تغيير يؤدي إلى ضرر، فهو داخل تحت الآية وما لم يكن كذلك فهو مباح ويدخل تحت هذه المسألة جمة ويطول بذكرها الكتاب، فأعرضت عنها لذلك.

١ قوله: "يكون" ساقط في (ج)..
٢ في غير (د): "السائبة"..
٣ في (أ): "ونحوه" والصواب ما أثبتناه..
٤ في (ج) و(د): "تصنعه"..
٥ انظر صحيح البخاري: كتاب اللباس، باب ٦٣، وصحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب ٤٩، وسنن أبي داود: كتاب الترجل، باب١٦، وسنن النسائي: كتاب الزينة باب١..
٦ في (أ) و(ب) و(ج) و(د): "بالإجماع"..
٧ قوله: "أي لدين الله" سقطت في (ج) و(د)..
٨ قوله: "القمر" سقط في (ج) و(د)..
٩ في (ج) و(د): "ينتفع بها"..
١٠ في غير (ج): "البهائم، الخيل"..
١١ قوله: "إذا قصد به المنفعة، وفي المذهب أن ذلك مكروه في الخيل مباح في سائر البهائم" ساقط في (ب) و(د)..
١٢ قوله: "المروي" ساقط في (ج) و(د)..
١٣ في (د): "النامصات والمتنمصات"..
١٤ انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري: تفسير سورة الحشر: باب٤، ص ٦٣٠..
١٥ "والمستوصلة" ساقطة في (ب) و(ج) و(د)، فيما يتعلق بتخريج الحديث: انظر سنن أبي داود: كتاب الترجل، باب٤، ص٧٧..
١٦ "فلم يجزه" ساقط في (ب)..
١٧ قوله: "أن" ساقط في (ب) و(ج) وفي (د): "لو" وفي (هـ): "إذا"..
١٨ في (هـ): "ابن أشوع"..
١٩ في (ج) و(د): "وسلم لأنهم..."..
٢٠ في (د): "ففعلت" وفي (هـ): "فعلت"..
٢١ في (هـ): "قال الطبري"..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير