المعنى الجملي : علمت فيما سلف ان قوله تعالى : إنا أنزلنا إليك الخ نزلت في شأن طعمة بن أبيرق سارق الدرع ورميه اليهودي بسرقته وأن قوله : ومن يشاقق الرسول الخ نزلت في ارتداده عن الدين ولحوقه بالمشركين وهنا ذكر أنه لو لم يرتد لم يكن محروما من رحمة الله ولكنه بارتداده صار بينه وبين رحمته حجاب أيما حجاب فإن كل ذنب يجوز أن يغفره الله للناس إلا ذنب الشرك فإن صاحبه مطرود من عفوه ورحمته.
تفسير المفردات :
والأماني : جمع أمنية يقال تمنى الشيء إذا أحب أن يكون له وإن لم يتخذ له أسبابه والتمني : تقدير شيء في النفس وتصويره فيها سواء أكان عن تخمين وظن أم كان عن رؤية وبناء على أصل ولكنه يغلب فيما يبني على الحدس والتخمين مالا حقيقة له والبتك : القطع وسيف باتك : أي قاطع والتبتيك : التقطيع
الإيضاح :
ولأضلنهم ولأمنيهم إضلال الشيطان لمن يضلهم هو من صرفهم عن العقائد الصحيحة وشغلهم عن الدلائل الموصلة إلى الحق والهدى وتمنيته لهم تزيينه لهم الاستعجال باللذات الحاضرة والتسويف بالتوبة والعمل الصالح.
و الخلاصة إن من شأن الشيطان ومقتضي طبعه إضلال العباد وشغلهم بالأماني الباطلة كرحمة الله المجرمين بغير توبة والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة وتزيين لذات الحياة العاجلة على ثواب الآجلة ونعيمها.
ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام أي ولآمرنهم بالضلال فليقطعن آذان الأنعام بموجب أمري والمراد به كانوا يفعلونه من قطع آذان بعض الأنعام لأصنامهم كالبحائر التي كانوا يقطعون آذانها أو يشقونها شقا واسعا ويتركون الحمل عليها وهذا من سخيف أعمالهم الوثنية الدالة على ضعف عقولهم.
ولآمرنهم فليغيرن خلق الله تغيير خلق الله وسوء التصرف فيه شامل للتغيير الحسي كالخصاء وروي ذلك عن ابن عباس وانس ابن مالك وللتغيير المعنوي وروي أيضا عن ابن عباس وغيره وعلى هذا فالمراد بخلق الله دينه لأنه دين الفطرة وهي الخلقة قال تعالى فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ( الروم : ٣٠ ) أي أنه المراد به تغيير الفطرة الإنسانية عما فطرت عليه من الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق وتربيتها وتعويدها الأباطيل والرذائل والمنكرات فالله قد احسن كل شيء خلقه وهؤلاء يفسدون ما خلق الله تعالى ويطمسون عقول الناس.
و الخلاصة إن الدين الفطري الذي هو من خلق الله تعالى وآثار قدرته ليس هي مجموع الأحكام التي جاء بها الرسل ليبلغوها للناس بل هو ما أودعه الله في فطرة البشر من توحيده والاعتراف بقدرته وجلاله وهو ما أشار إليه في الحديث " كل مولود يولد على الفطرة ".
و من أهم أسس هذا الدين الفطرية العبودية للسلطة الغيبية التي تنتهي إليها الأسباب وتقف دون الوصول إلى حقيقتها العقول.
ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا أي ومن يتبع الشيطان ووسوسته وإغواءه وهو البعيد من أسباب رحمة الله وفضله فقد خسر خسرانا ظاهرا في الدنيا والآخرة إذ إنه يكون أسير الأوهان والخرافات يتخبط في عمله على غير هدى ويفوته الانتفاع التام بما وهبه الله من العقل والمواهب الكسبية التي أوتيها الإنسان وميز بها من بين أصناف الحيوان
تفسير المراغي
المراغي