ﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

ما دام إبليس قد قال :" لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا " فهذا اعتراف بأنه لن يستطيع أن يأخذ كل أولاد آدم والفرض كما نعلم هو القطع ويقال عن الشيء المفروض : إنه المقطوع الذي لا كلام فيه أبدا.
وما وسيلة إبليس إذن لأخذ نصيب مفروض من بني آدم ؟
ويوضح الحق لنا وسائل إبليس، على لسان إبليس :
ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا( ١١٩ ) .
وفي هذه الآية تفصيل لطرق أخذ إبليس لنصيب مفروض من بني آدم فإبليس هو القائل كما يحكي القرآن : لأقعدن لهم صراطك المستقيم ( من الآية١٦سورة الأعراف ).
وعرفنا من قبل أنه لن يقعد إلا على الطريق الطيب، لأن طريق من اختار السلوك السيئ لا يحتاج إلى شيطان لأنه هو نفسه شيطان لذلك لا يذهب إبليس إلى الخمارة ولكنه يقف على باب المسجد ليرى الناس وهي تفعل الخير فيوسوس لهم، وفي هذا إجابة لمن يقولون : إن الوساوس تأتيني لحظة الصلاة، والصلاة كما نعلم هي أشرف موقف للعبد لأنه يقف بين يدي الرب لذلك يحاول الشيطان أن يلهي الإنسان عنها حتى يحبس عنه الثواب وهذه الوساوس ظاهرة صحية في الإيمان ولكنها تحتاج إلى اليقظة فساعة ينزغ الشيطان الإنسان نزغة فليتذكر قول الحق :
وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ( من الآية٢٠٠سورة الأعراف )
وعندما نستعيذ بالله فورا يعرف الشيطان أنك منتبه له، حتى ولو كنت تقرأ القرآن في أثناء الصلاة ووسوس لك الشيطان، اقطع القراءة واستعذ بالله ثم واصل القراءة والصلاة وحين يعرف الشيطان أنك منتبه له مرة واثنتين وثلاثا فهو يبتعد عنك فلا يأتي لك من بعد ذلك إلا إذا أحس منك غفلة.
ويبين لنا الحق طريقة في أخذ النصيب المفروض من عباد الله فقال عن إبليس :" ولأضلنهم " والإضلال معناه أن يسلك الشيطان بالإنسان سبيلا غير مؤد للغاية الحميدة لأنه حين يسلك الشخص أقصر الطرق الموصلة إلى الغاية المنصوبة فمعنى ذلك أنه اهتدى أما إذا ذهب بعيدا عن الغاية فهذا هو الضلال، والحق سبحانه وتعالى بوضعه منهج الهداية أعطانا أقصر طريق مستقيم إلى الغاية فإذا ما انحرفنا هنا وهناك فالانحراف في البداية يتسع حتى ننتهي إلى غير غاية.
وضربنا قديما هذا المثل وقلنا : إن هناك نقطة في منتصف كل دائرة تسمى مركز الدائرة فإذا ما انحرف المتجه إليها بنسبة واحد على الألف من الملليمتر فتتسع مسافة ابتعاده عنها كلما سار على نسبة الانحراف نفسها برغم أنه يفترض في أن كل خطوة يخطوها تهيئ له القرب إلى الغاية.
لقد ضربنا مثلا توضيحيا ب " الكشك " الذي يوجد قبل محطات السكك الحديدية حيث ينظم عامل " كشك " اتجاهات القطارات على القضبان المختلفة ويتيح لكل قطار أن يتوقف عند رصيف معين حتى لا تتصادم القطارات ومن أجل إنجاح تلك المهمة نجد عامل التحويلات في هذا " الكشك " يحرك قضيبا يكون سمكه في بعض الأحيان عددا من الملليمترات، ليلتصق هذا القضيب بقضيب آخر وبذلك يسمح لعجلات القطار أن تنتقل من قضيب إلى آخر.
الضلال إذن أن يسلك الإنسان سبيلا غير موصل للغاية، وكلما خطا الإنسان خطوة في هذا السبيل ابتعد عنها، وهذا الابتعاد عن الغاية هو الضلال البعيد، والإضلال من الشيطان يكون بتزيينه الشر والقبح للإنسان ليبعده عن مسالك الخير والفضيلة.
ومن بعد ذلك يأتي على لسان الشيطان ما قاله الحق في هذه الآية :" ولأمنينهم " والأماني هي أن ينصب الإنسان في خياله شيئا يستمتع به من غير أن يخطو له خطوة عمل تقربه من ذلك، ومثال ذلك الإنسان الذي نراه جالسا ويمني نفسه قائلا : سيكون عندي كذا وكذا وكذا ولا يتقدم خطوة واحدة لتحقيق ذلك.
ولذلك يقول الشاعر تسلية لنفسه :

منى.. إن تكن حقا.. تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أي أنه استمتع بهذه الأماني في أحلام اليقظة سواء أكانت هذه الأحلام امتلاك قصر أم سيارة أم غير ذلك وكل أمنية لا تحفز الإنسان إلى عمل يقربه منها هي أمنية كاذبة ولذلك يقال :" إن الأماني بضاعة الحمقى " والشيطان يمني الإنسان بأنه لا يوجد بعث ولا جزاء.
ومن بعد ذلك يقول الشيطان :" ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام " والبتك هو القطع والأنعام : هي الإبل والبقر والغنم أي قطع آذان الأنعام والقرآن قال في الأنعام :
ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل أالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين( ١٤٣ )ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ألذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين ( الآية١٤٣وجزء من الآية١٤٤سورة الأنعام ).
لو كان الزوج يطلق على " الاثنين " لكان العدد أربعة فقط، ويعلمنا التعبير القرآني ويوضح لنا أن نفرق جيدا لنفهم أن معنى كلمة " زوج " ليس أبدا " اثنين "، ولكن معناها : واحد معه غيره من نوعه أو جنسه فيقال عن فردة الحذاء " زوج " لأن معها فردة أخرى، ومثال آخر أيضا : كلمة " توأم " التي نظن أنها تعني " اثنين "، لكن المعنى الحقيقي أن التوأم هو واحد له توأم آخر، فإذا ما أردنا التعبير عن الاثنين قلنا :" توأمان ".
وحين أورد من خطط الشيطان " ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام " فلهذا قصة، ونحن نعرف أن المنتفعين بالضلالات يصنعون لهم سلطة زمنية حتى يربطوا الناس بأشخاصهم هم. وكان المشرفون على الأصنام يقومون على خدمتها ولم يلحظ أحد أنه من الغباء تقبل فكرة أن يخدم البشر الآلهة فالإله هو القيوم على خلقه يرعاهم ويقوم بأسبابهم وكان هؤلاء الناس هم المنتفعين بخيبة الغفلة عند البشر، وكانوا يعيشون سدنة ليأخذوا الخير، وبطبيعة الحال فالشيطان من البشر أو الجن يجدها وسيلة فيجلس في جوف الصنم ويتكلم فيأخذ السدنة والخدم هذه المسألة لترويج الدعايات للصنم، فيأتي الأغبياء له بالأنعام من الإبل والبقر والغنم فيذبحونها ويأكلونها ولذلك كان السدنة دائما وفي أغلب الحالات أهل سمنة لأنهم أهل بطنة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال :
( إن الله يبغض الحبر السمين )١.
فمثل هذا الحبر يستسهل أكل خير الناس والانتفاع به، فهو ينتفع به بضلالات الناس، ومن ينتفع بالضلالة يرى أن حظه في أن تستمر الضلالة مثله في ذلك مثل المنتفع من تجارة المخدرات إنه يتمنى أن يتعاطى الناس جميعهم المخدرات وعندما تقوم حملات لمقاومة المخدرات يغضب ويحزن.
ومثل ذلك أيضا تاجر السوق السوداء الذي يصيبه الغم عندما تأتي البضائع على قدر حاجات الناس وتكفيهم فكل فساد مستتر وراءه أناس ينتفعون به. وعندما يرى المنتفع بالفساد هبة إصلاح يغضب ويحاول أن يجد وسيلة لاستمرار الفساد، ولهذا كان السدنة ينفخون في الأصنام لتصدر أصواتا ليطلبوا من وراء ذلك مطالب من الأغبياء المصدقين لهم، مثلهم مثل الدجالين الذين نسمع عنهم حيث يقول الواحد منهم لأهل المريض : إن على المريض عفريتا والعفريت يطلب ناقة أو ذبيحة أو دما.
هكذا كان يفعل السدنة ويحاولون بشتى الطرق من الحيل والخدع حتى يأخذوا من الغافلين السذج الإبل والبقر والغنم، وعندما يقطع صاحب الإبل أو البقر أو الغنم أذن أي واحدة منها فهذا يعني أنها منذورة للأصنام والأصنام بطبيعتها لا تأكل ولكن السدنة يأكلون.
وفي آية أخرى يقول فيها الحق :
قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ( من الآية٥٩سورة يونس )
ويورد الحق أيضا في هذا الأمر :
ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل أالذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين( ١٤٣ )ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل الذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين( ١٤٤ ) ( سورة الأنعام ).
فهل المحرم هو " الذكران " أو الأنثيان أو الذي اشتملت عليه أرحام الأنثيين ؟
لا شيء من هذه كلها محرم فقد خلقها الله كلها رزقا حلالا والنعمة نفسها تعرف وظيفتها ونلحظ في الريف المصري عندما تختنق جاموسة أو بقرة أو خروف بالحبل أو يصاب بأذى أو مرض فإنه ينام ويمد عنقه فيقال :" لقد طلب الحلال "، كأن البهيمة تقول لصاحبها : ألحقني بالذبح لتستفيد من لحمي ونتعجب لأن الحمار مثلا لا يفعل ذلك لأن لحمه غير محلل لكن البهيمة تعرف فائدتها بالنسبة للإنسان فتمد رقبتها طالبة الذبح كما نعرف أنها في أثناء حياتها تخدم الإنسان إما في أن تحمل الأثقال، وإما أن يأخذ منها الألبان أو الوبر أو الصوف أو الشعر ولحظة ما يدهمها ويغشاها ويصيبها خطر فهي تمد رقبتها كأنها تطلب الذبح ليستفيد الإنسان من لحمها فهي مسخرة للإنسان وتعرف ذلك إلهاما وتسخيرا.
وما دام الله قد جعل لنا كل هذا فلم نقبل تحريم غير محرم وتحليل غير الحلال ؟ لكن السدنة كانوا يفعلون الأعاجيب للسيطرة على الناس فإذا ما ولدت الناقة أربعة أبطن وجاءت بالمولود الخامس ذكرا يقول السدنة : يكفي أنها جاءت بأربعة بطون وأتت بالخامس فحلا ذكرا ويشقون أذن الناقة ويتركونها وعندما يراها أحد ويجد أذنها مشقوقة فالعرف يقضي بألا تستخدم في أي شيء لا في الرضاعة ولا في الحمل ولا يحلب لبنها ولا تمنع من المياه أو الكلأ وتسمى " البحيرة " ويأخذها السدنة في أي وقت لأنهم لا يريدون تخزين اللحوم يريدونها حية ليذبحوها في الوقت الذي يتراءى لهم ولذلك قال الحق :
ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ( من الآية١٠٣سورة المائدة )
والبحيرة إذن هي الناقة التي تبحر آذاتها أي تشق فذلك يعني أنها جاءت بأربعة أبطن تباعا ثم جاءت بالذكر في البطن الخامسة ويهبها صاحبها للأصنام، والبحيرة سائبة مع وجود سائبة أخرى، وهي وإن لم تأت بأربعة أبطن ولا بالذكر في البطن الخامسة ولكن صاحبها يقدمها نذرا أو هدية لأحد الأصنام، وتسمى " سائبة " لأن أحدا لا يقوم على شأنها ولكنها ترعى في أي الأرض وتشرب من أي ماء ولا أحد يأخذ من لبنها أو يركبها ويأخذها السدنة وقت احتياجهم للحم الطازج الغض، وإذا ولدت الشاة أنثى جعلوها لهم، وإن ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم وإن ولدت ذكرا وأنثى لم يذبحوا الذكر لآلهتهم وقالوا عن الشاة : وصلت أخاها فهذه هي الوصيلة، لأن الناس كانت تحتفظ بالإناث من البهائم فهي وعاء النسل لذلك فهبة الفحل للسدنة كان أمرا مقدورا عليه، ويقول الشاعر :
وإنما أمهات القوم أوعية مستحدثات وللأحساب آباء
ونرى في المزارع أن إناث المواشي تحتاج إلى فحل واحد وقد يكون في البلدة كلها فحل واحد أو اثنان لإناث الماشية من النوع نفسه ويفرح الأطفال في الريف حين تلد الماشية ذكرا لأنه سيتغذى قليلا ثم يتم ذبحه ويأكلون منه ويغضب الأطفال حين تلد الماشية أنثى لأنه سيتم تربيتها ولن يأكلوا منها.
أي أنهم عندما كانت الماشية تلد في بطن واحد أنثى وذكرا لا يذبحون الذكر ويقولون : الأنثى وصلت أخاها ويضمن الذكر حياته ويستخدم كفحل ليلقح بقية الإناث ويقال عنها : الوصيلة.
هكذا نجد البحيرة هي الناقة التي أنجبت خمسة أبطن آخرها ذكر، والسائبة وهي النذر من أول الأمر، والوصيلة وهي التي ولدت
١ أخرجه الواحدي في أسباب النزول، وعند أبي النعيم في الطب النبوي وعزاه أبو الليث السمرقندي في بستانه لأبي أمامة الباهلي مرفوعا..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير