ولأضلّنهم عن الحق بإلقاء الوسوسة في قلوبهم وتزيين الشهوات عندهم فنسبه الإضلال إليه إنما هو بالمجاز، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك، فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته " ١ متفق عليه ولأمنينّهم الأماني الباطلة أن لا بعث ولا عذاب وطول الحياة وإدراك الآخرة مع ارتكاب المعاصي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم " ٢ متفق عليه، وعن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن للشيطان لمّة، بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليستعذ بالله من الشيطان الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ٣ رواه الترمذي وقال : حديث غريب ولأمرنّهم فليبتّكن البتك القطع والشق والتبتيك للتكثير والتكرير أي ليقطعن ويشققن آذان الأنعام وهي عبارة عما كانت تفعل بالبحائر، قال قتادة والسدي : كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم، قال في القاموس البحر الشق وشق الأذن ومنه البحيرة كانوا إذا أنتجت الناقة عشرة أبطن بحروها أي شقوا أذنها وتركوها ترعى وحرموا لحمها إذا ماتت على نسائهم وأكلها الرجال، وفيه إشارة إلى تحريم كلما أحل الله وتنقيص كل ما خلق كاملا بالفعل أو بالقوة ولأمرنهم فليغيرن خلق الله عن وجهه صورة أو صفة ويندرج فيه فقؤعين الحامي وخصاء العبيد والوشيم والوشير والمثلة واللواطة والسحاق وعبادة الشمس والقمر والحجارة لأنها ما وضعت لها واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا وتغيير فطرة الله التي هي الإسلام، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ٤ متفق عليه، يعني لا تبدلوا خلق الله، وجاز أن تكون هذه الجمل الخمس حكاية عما يأتيه الشيطان فعلا فحينئذ لا يختص هذا القول بإبليس، برهن الله سبحانه على أن الشرك ضلال غاية الضلال بأن ما تشركون به تعالى جمادات لا تضر ولا تنفع بل هي أسماء سميتموها بأسماء الإناث لا حقيقة لها، وبأن الإشراك طاعة للشيطان المريد المنهمك في الشر والضلال لا يعلق بشيء من الخير والهدى وبأنه ملعون لضلالته فلا يستجلب مطاوعته إلا اللعن والضلال، وبأنه غاية العداوة للإنسان والسعي في إهلاكهم فموالاة من هذا شأنه بعيد عن العقل ضلال غايته فضلا عن عبادته ثم حكم بما هو كالنتيجة لما سبق من البرهان فقال : ومن يتخذ الشيطان وليا ربا يطيعه من دون الله بإيثاره ما يدعوه إليه على ما أمر الله تعالى فيه إشارة إلى أن عبادة الله بالإشراك غير مقبول عند الله تعالى بل هو عبادة لغير الله فقط ولا يجتمع عبادة الله مع عبادة غيره، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معني غيره تركته وشركه " وفي رواية " فأنا منه بريء وهو للذي عمله " ٥ رواه مسلم فقد خسر خسرانا مبينا حيث ضيع رأس ماله واشترى النار بالجنة.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده (٣٢٨١) وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: بيان أنه يستحب لمن رؤي خاليا بامرأة وكانت زوجية أو محرما له أن يقول هذه فلانة ليدفع ظن السوء به (٢١٧٤)..
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة (٢٩٨٨)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله (٢٩٨٥)..
٥ سورة الأنفال، الآية: ٤٨..
التفسير المظهري
المظهري