١١٩ - قوله تعالى: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ. قال ابن عباس: "يريد من (١) سبيل الهدى" (٢). وقال الكلبي: لأضلنهم عن الحق (٣).
وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ. قال ابن عباس: يريد تسويف التوبة وتأخيرها (٤).
وقال الكلبي: أمنينهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث (٥).
الزجاج: أي أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون من الآخرة حظا (٦).
وقال غيره: ولأمنينهم ركوب الأهواء الداعية لهم إلى العصيان (٧).
وقيل: ولأمنينهم طول البقاء في نعيم الدنيا؛ ليؤثروها على الآخرة (٨).
وقوله تعالى: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ.
البتك: القطع (٩)، وسيف باتك: قاطع، وسيوف بواتك: قواطع، والتبتيك: التقطيع (١٠).
(٢) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٢٠٤، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٧.
(٣) لم أقف عليه، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ٢٢ ب.
(٤) انظر: "زاد المسير" ٢/ ٢٠٥.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" ص ٩٧، ونسب هذا القول لابن عباس. انظر: "زاد المسير" ٢/ ٢٠٥.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٠٩، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٢٠٥.
(٧) انظر: الطبري ٥/ ٢٨١.
(٨) هذا قول الماوردي في "النكت والعيون" ١/ ٥٣٠.
(٩) الطبري ٥/ ٢٨١، و"تهذيب اللغة" ١/ ٢٧١ (بتك).
(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٢٧١، و"مقاييس اللغة" ١/ ١٩٥، و"اللسان" ١/ ٢٠٦ (بتك).
وهو في هذا الموضعِ: قطع آذان البحيرة عند جميع أهل التفسير (١).
وقوله تعالى: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ. قال ابن عباس: يريد دين الله (٢).
وهو قول إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك وقتادة والسدي وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير (٣).
ومعنى تغيير دين الله على ما ذكره أهل العلم: هو أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم، وآمنوا، فمن كفر فقد غيّر فطرة الله التي فطر الناس عليها (٤).
وهذا معنى قوله - ﷺ -: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، ويُنصرانه، ويمجسانه" (٥).
(٢) "تفسيره" ص ١٥٨، وأخرجه الطبري ٥/ ٢٨٣ من طريق ابن أبي طلحة أيضًا.
(٣) أخرج الأقوال عنهم الطبري ٥/ ٢٨٣ - ٢٨٥، إلا الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، أما الحسن فإنه فسره بالوشم كما سيأتي.
وانظر: الطبري ٥/ ٢٨٥، وأما سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير فقد ذكره عنهما ابن الجوزي في "زاد المسير" ٢/ ٢٠٥، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٨٩، و"الكشف والبيان" ٤/ ١٢٢ ب، والبغوي ٢/ ٢٨٩.
(٤) انظر: الطبري ٥/ ٢٨٥، و"الكشف والبيان" ٤/ ١٢٢ ب.
(٥) أخرجه البخاري (١٣٥٨) كتاب: الجنائز، باب: إذا اسم الصبي فمات هل يصلي عليه؟، وفيه: "أو ينصرانه أو يمجسانه".
وقال بعضهم: معنى تغيير دين الله هو تبديل الحرام حلالًا، والحلال حرامًا (١).
وروي عن أنس وشهر بن حوشب (٢) وعكرمة وأبي صالح، أن معنى تغيير خلق ههنا: هو الخصاء، وقطع الآذان، وفقء العيون، لهذا كان أنس يكره خصاء الغنم (٣).
وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفًا، عوروا عين فحلها.
وروى يونس (٤) عن الحسن قال: هو الوشم (٥). يعني ما لعن رسول الله - ﷺ - من الواشمة والمستوشمة (٦).
(٢) تقدمت ترجمته.
(٣) أخرج الآثار عنهم الطبري ٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣، لكن فيها الاقتصار على الإخصاء، دون قطع الآذان وفقء العيون، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٢٠٥. ولعل المؤلف زاد قطع الآذان وفقء العيون من "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٢ ب.
(٤) هو أبو عبد الله يونس بن عبيد بن دينار العبدي البصري، من صغار التابعين وفضلائهم، كان إماما قدوة ثبتًا فاضلًا، توفي رحمه الله سنة ١٣٩هـ.
انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص ١٥٠، و"سير أعلام النبلاء" ٦/ ٢٨٨، و"التقريب" ص ٦١٣ رقم (٧٩٠٩).
(٥) أخرجه الطبري ٥/ ٢٨٥، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ٢٠٥، و"الدر المنثور" ٢/ ٣٩٦. والوشم هو: "أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره أو يخضر" "النهاية في غريب الحديث" ٥/ ١٨٩.
(٦) أخرج البخاري (٥٩٤٧) كتاب: العباس، باب: المستوشمة عن ابن عمر رضي الله عنها قال: "لعن النبي - ﷺ - الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة". وأخرجه مسلم (٢١٢٤) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة. والواشمة التي تقوم بفعل الوشم بغيرها. والمستوشمة التي تطلب ذلك.
وقال أبو زيد: هو التحنت (١).
وقال أبو إسحاق: معناه أن الله عز وجل خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها، فحرموها على أنفسهم، كالبحائر والسوائب والوصائب، وخلق الشمس والقمر سخرةً للناس ينتفعون بها، فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله (٢).
والأظهر هو القول الأول، لأنه يدخل فيه كل ما نهى الله عنه، وكل من ارتكب محظورًا، أو أتى منهيًّا، فقد غير دين الله (٣).
قال العلماء من أهل التأويل: إن إضلال إبليس تمنية وتزيين ووسواس، ليس له من الضلالة شيء (٤)، كما قال رسول الله - ﷺ -: "خلق إبليس مزينًا، وليس إليه من الضلالة شيء" (٥).
ولما علم أن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا قال: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء: ١١٨] يريد أهل النار (٦)، وقال: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ الآية، ولو كان شيء من الضلالة إليه سوى الدعاء إليها لأضل جميع الخلق عن الهدى (٧).
وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ يريد من يُطعه فيما يدعو إليه من الضلال، فكل من أطاعه فهو ولي له وإن لم يقصد
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١١٠، وانظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٢ ب.
(٣) وهذا ما اختاره الطبري ٥/ ٢٨٥، والزجاج في "معانيه" ٢/ ١١٠.
(٤) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٣ أ، و"زاد المسير" ٢/ ٢٠٤.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) انظر. "الكشف البيان" ٤/ ١٢٣ أ، و"زاد المسير" ٢/ ٢٠٧.
(٧) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٢٣ أ.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي