{ ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر
خسرانا مبين( ١١٩ )يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا( ١٢٠ )أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا( ١٢١ )والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا( ١٢٢ ) }.
ذكر الله سبحانه في الآيات السابقة ما عاهد الشيطان عليه نفسه الشريرة، من أنه سيتخذ نصيبا مفروضا مقدرا من بني آدم عباد الله سبحانه، بين الله سبحانه إضلاله لهم، وطريق هذا الإضلال وهو أن يمنيهم بالأماني الكاذبة، فيهيموا في أحلام لا أصل لها، ويجعلهم بها في أوهام، فيقطعون آذان الأنعام من غير مبرر معقول ويغيرون خلق الله من غير مبرر ويحسبون ذلك عبادة يتقرب بها، ولكنهم بها يتخذون الشيطان وليا فيغيرهم ويخدعهم، ويكونون في ضلال ولذلك قال سبحانه وتعالى : ولأضلنهم ولأمنينهم
ولأضلنهم ولأمنينهم يؤكد الشيطان كما ذكر الله أنه سيضل عباده، ويبعدهم عن الحق، ليسيروا في الباطل إلى أقصى مداه ويتجنبوا الحق في كل مسالكه، وإنه قد بين سبحانه طريق الشيطان في الإضلال كما ذكرها على لسانه فقال : ولأمنينهم أي لأجعلنهم يتمنون الأماني. والمعنى أن الشيطان في إضلاله للعباد يخلق في صدورهم أماني يتمنونها ويطمعون في تحقيقها فتستولي على نفوسهم وينفذ إليهم من طريق المطامع، بأن يودع في أنفسهم أوهاما يظنونها تحققها، فكلما تمنوا ألقى الشيطان في أمنيتهم أوهاما معها، فيصيرون خاضعين له على الدوام، والمؤمن يصون نفسه من الأماني فلا يخضع للشيطان ابتداء. وقد قال تعالى في صور الأوهام التي يضعها الشيطان في نفوسهم، فيكون كالآمر لهم :
ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام والبتك معناه القطع، وقد اختص بقطع أعضاء الجسم أو الشعر، والمراد بالقطع هنا ما كانوا يفعلونه إذ كانوا يقطعون آذان الأنعام، أو يشقونها شقا واسعا، ويتركون الحمل عليها، ويفعلون ذلك كأنه أمر تكليفي مطلوب منهم تقربا للأوثان، وما كان ذلك الأمر إلا من الشيطان الذي زين لهم ذلك فاتبعوه، فهو كالآمر لهم الذي يجعل ما ليس بعبادة أصلا عبادة، وإنك ذلك تشويه لما خلق الله سبحانه وتعالى. يروى في ذلك أن أبا الأحوص من الصحابة أتى النبي صلى الله عليه وسلم :"هل لك من مال" قال : نعم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :"فإذا أتاك الله مالا، فلير عليك أثره"(١)، ثم قال عليه الصلاة والسلام :"هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتشق آذانها، وتقول : هذه بحر( أي جمع بحيرة ) وتشق جلودها، وتقول : هذه صرم( جمع صريمة ) ؟ قال : أجل. قال :"كل ما آتاك الله حل، وموسى الله أحد من موساك، وساعد الله أشد ساعدك"(٢).
ولآمرنهم فليغيرن خلق الله أي أنه يزين لهم الشر، فيغيرون خلق الله تعالى بتشويه الأجسام بالخصاء وفقء الأعين والوشم وتغيير الفطرة بتحويلها إلى أوهام.
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه :"إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وأمرتهم أن يغيروا خلقي"(٣). فتغيير الخلق يشمل التغيير المادي والمعنوي، وكان كل ذلك خضوعا لأوامر الشيطان. فكانوا بهذه أولياءه.
ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ومن يوالي الشيطان فيطيعه مع أنه متمرد عن الحق، داع إلى الشر ويترك الحق وأمر الله فإنه بهذا يخسر خسرانا واضحا يخسر الحق فلا يتبعه، ويرتكب الشر ويترك المعقول إلى المرذول، ويمسخ فطرة الله تعالى، وتنحرف نفسه ويلتوي تفكيره، وتشوه إنسانيته وذلك خزي في الدنيا ووراءه عذاب في الآخرة وأي خسارة أعظم من هذه الخسارة وأوضح منها.
٢ تتمة الرواية السابقة كما في مسند أحمد: مسند المكيين حديث مالك بن نضلة عن أبيه(١٥٤٥٧)..
٣ جزء من حديث طويل رواه مسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها الصفات التي يعرف بها في الدنيا(٢٨٦٥)..
ذكر الله سبحانه في الآيات السابقة ما عاهد الشيطان عليه نفسه الشريرة، من أنه سيتخذ نصيبا مفروضا مقدرا من بني آدم عباد الله سبحانه، بين الله سبحانه إضلاله لهم، وطريق هذا الإضلال وهو أن يمنيهم بالأماني الكاذبة، فيهيموا في أحلام لا أصل لها، ويجعلهم بها في أوهام، فيقطعون آذان الأنعام من غير مبرر معقول ويغيرون خلق الله من غير مبرر ويحسبون ذلك عبادة يتقرب بها، ولكنهم بها يتخذون الشيطان وليا فيغيرهم ويخدعهم، ويكونون في ضلال ولذلك قال سبحانه وتعالى : ولأضلنهم ولأمنينهم
زهرة التفاسير
أبو زهرة