إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا ( النساء : ٣١ ).
تفسير المفردات : الاجتناب : ترك الشيء جانبا والكبائر واحدتها كبيرة وهي المعصية العظيمة والسيئات واحدتها سيئة وهي الفعلة التي تسوء صاحبها عاجلا أو آجلا والمراد بها هنا الصغيرة ونكفر : نغفر ونمح ومدخلا كريما : أي مكانا كريما وهو الجنة.
المعنى الجملي : بعد أن نهى سبحانه عن أكل أموال الناس بالباطل وعن قتل النفس وهما أكبر الذنوب المتعلقة بحقوق العباد وتوعد فاعل ذلك بأشد العقوبات – نهى عن جميع الكبائر التي يعظم ضررها وتؤذن بضعف إيمان مرتكبها ووعد من تركها بالمدخل الكريم.
الإيضاح : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم أي إن تتركوا جانبا كبائر ما ينهاكم الله عن ارتكابه به من الذنوب والآثام نمح عنكم صغائرها فلا نؤاخذكم بها.
و قد اختلف في عدد الكبائر فقيل هي سبع لما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اجتنبوا السبع الموبقات " قالوا : وما هي يا رسول الله ؟ قال :" الشرك بالله وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق والسحر وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " وفي رواية لهما عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ " قلنا بلى يا رسول الله قال :" الإشراك بالله وعقوق الوالدين- وكان متكئا فجلس وقال- ألا وقول الزور وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " و فيهما أيضا من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قالوا وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ".
و الأحاديث الصحيحة مختلفة في عددها ومجموعها يزيد على سبع ومن ثم قال ابن عباس لما قال له رجل : الكبائر السبع : قال : هي إلى سبعين أقرب إذ لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار ومراده أن كل ذنب يرتكب لعارض يعرض على النفس من استشاطة غضب أو ثورة شهوة وصاحبه متمكن من دينه يخاف الله ولا يستحل محارمه فهو من السيئات التي يكفرها الله تعالى إذ لولا ذلك العارض القاهر للنفس لم يكن ليجترحه تهاونا بالدين إذ هو بعد اجتراحه يندم ويتألم ويتوب ويرجع إلى الله تعالى ويعزم على عدم العودة إلى اقتراف مثله فهو إذ ذاك أهل لأن يتوب الله عليه ويكفر عنه.
وكل ذنب يرتكبه الإنسان مع التهاون بالأمر وعدم المبالاة بنظر الله إليه ورؤيته إياه حيث نهاه فهو مهما كان صغيرا في صورته أو في ضرره يعد كبيرا من حيث الإصرار والاستهتار فتطفيف الكيل والميزان ولو حبة لمن اعتاده والهمز واللمز ( عيب الناس والطعن في أعراضهم ) لمن تعوده – كل ذلك كبيرة ولا شك.
و كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر في كل مقام ما تمس إليه الحاجة ولم يرد الحصر والتحديد.
و قال بعض العلماء : الكبيرة كل ذنب رتب عليه الشارع حدا أو صرح فيه بوعيد.
وندخلكم مدخلا كريما أي وندخلكم مكانا لكم فيه الكرامة عند ربكم وهي الجنات التي تجري من تحتها الأنهار والعرب تقول : أرض كريمة وأرض مكرمة أي طيبة جيدة النبات قال تعالى : فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( الشعراء : ٥٧-٥٨ ).
تفسير المراغي
المراغي