ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝ

الإِنسان أن يحفظ نفسه عن الصغيرة خشية أن يقع فيما هو أعظم
منها، ومعنى الآية أن من يفعل ما نهُي عنه من قتل النفس وأكل
المال بالباطل وسائر ما تقدم النهي عنه فسوف يجعله صلا كما
قال: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
ونبّه بقوله (وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا)
أنه لا يتعذر عليه عقابهم.
قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)
من المفسرين - وهو أكثرهم - من حمل السيئات على الصغائر.
وقال: معنى الآية: إن تجتنبوا كبائر الذنوب نُكفّر عنكم صغائرها.
ثم اختلفوا على أي وجه اعتبار الصغيرة والكبيرة.
وذاك أن الصغير والكبير من الأسماء المتضايفة التي
لا يعرف أحدهما إلا باعتبار الآخر،

صفحة رقم 1208

وقال بعضهم: في الذنوب كبيرة لا أكبر منها كالشرك، وصغيرة
لا أصغر منها كحديث النفس أو همّه بسيئة ونحو ذلك.
وبينهما وسائط كل واحد بالإِضافة إلى ما فوقه صغير، وبالإِضافة إلى
ما دونه كبير، وقال: ومعنى الآية أن من عنَّ له أمران فيهما
مأثم، واضطر إلى ارتكاب أحدهما فارتكب أصغرهما وترك أكبرهما:
كمن أكره على أنْ يقتل مسلمًا، أو يشرب قدح خمر فارتكب
أصغرهما كُفِّر عنه ما ارتكبه.
وقال بعضهم: الذنوب كلها ضربان:
ضرب: كبيرة كالشرك، وقتل النفس بغير حق، والزنا.
وضرب: صغيرة، وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال: الصغيرة
غير معلومة، وهي كل ما عُلِّق به وعيد في

صفحة رقم 1209

الآخرة، أو جُعِل له عقوبة في الدنيا، وبعضها غير معلوم.
قالوا: والصغائر كلها يجب أن تكون غير معلومة، وإلا كان
إغراءً بالمعصية، وذلك أن الله تعالى وعد أن يغفر بتجنُّب الكبائرِ
الصغائرَ، فلو بيّنا جميعًا لكان المكلَّف لا يبالي بارتكاب الصغائر
مع تجنب الكبائر، فكان يؤدي ذلك إلى مفسدة، ومنهم من
قال: يجب أن يكونا معلومين، وإلا لم يصح أن تكون الكبيرة
معلومة من حيث ما هي كبيرة لما تقدم أن ذلك من الأسماء
المتضايفة، التي لا يُعرف أحدهما إلا بالآخر، قال: فالكبائر هي

صفحة رقم 1210

محارم الله التي علم كونها محجورة، والصغائر ما هو متشكك فيه
المعني بقوله: "دع مما يريبك إلى ما لا يريبك ".
وعليه) دل النبي - ﷺ - بقوله:
"الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات.
وسأضرب لكم مثلًا: إن الله حمى حمىً، وإن حمى الله محارمه.
ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه ".
فمرتكب الكبائر

صفحة رقم 1211

جار مجرىً داخل الحمى، ومرتكب الصغائر جار مجرىً حوله.
والإِنسان منهي عن الدنو منه، ومن لا يعرف ذلك فهو مُعَرَّض
الوقوع فيه، ثم كما قد بين تعالى في كتابه أن يغتفر الصغائر بشرط
اجتناب الكبائر، فقد بين - ﷺ - أن الصغيرة إنما تكون صغيرة ما لم يكن عليها إصرار. فقال:
"لا صغيرة مع إصرار".
وقال: "إن المحرمات تجتمع على الرجل فتهلكه".
وإذا كانت الصغيرة منهيّا عنها محذرًا منها فلا ضير بتعريفها.
بل يجب تعريفها، فالإِنسان بتجنُّب الكبيرة يصير مطيعا غير فاسق.
وبتجنُّب الصغيرة وهي المتشكك فيها يصير ورعًا، ولذلك قيل لبعض الصحابة: ما أشد الورع؟
فقال: ما أيسر الورع، إذا شككت في شيء فدعه،

صفحة رقم 1212

وقال بعض الصوفية: اعتبار الصغيرة والكبيرة بمرتكب الذنب.
فقد يكون الذنب من زيد صغيرًا ومن عمرو كبيرًا، وذلك بحسب
مراتبهم في المعارف والأحوال، فالأولياء الذين بلغوا المنازل
قد يستعظم منهم ما لا يستعظم ممن لم يترشح لمنزلتهم، وذلك
معروف في السياسة الدنيوية، قال: ولهذا عاتب الله تعالى نبيه
في كثير من خطراته التي قد تجاوز بها عن غيره.
وقال بعض المفسرين: معنى الآية: إن تجتنبوا هذه الكبائر التي
نهيتم عنها في الآيات المتقدمة كفَّرنا عنكم ما قد أسأتم فيه من

صفحة رقم 1213

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية