نمضي مع سورة النساء في هذا الجزء، الذي يتضمن معظم أهداف السورة وموضوعاتها، التي أجملنا الإشارة إليها في مطالعها في الجزء الرابع.
ونجد في هذا الجزء من الأهداف الأساسية للسورة والموضوعات الرئيسية عناصر كثيرة :
نجد في الدرس الأول بقية من تنظيم شؤون الأسرة ؛ وإقامتها على أساس ثابت من موحيات الفطرة ؛ وحمايتها من تأثير الملابسات العارضة في جو الحياة الزوجية ؛ وحمايتها كذلك وحماية المجتمع معها من انتشار الفاحشة، والاستهتار بالحرمات، ووهن الروابط العائلية.
كذلك نجد بقية من التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية. تتناول العلاقات المالية والتجارية، كما تتناول بعض أحكام الميراث، وحقوق الملكية للجنسين في المجتمع..
وهذه التنظيمات وتلك تستهدف - كما قلنا في مطالع السورة - نقل المجتمع المسلم من النظام الجاهلي إلى النظام الإسلامي للحياة ؛ ومحو الملامح الجاهلية المترسبة، وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة، والارتفاع بالجماعة المسلمة - التي التقطها المنهج الرباني من سفح الجاهلية - والمضي بها صعدا في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة.
ثم نجد في الدرس الثاني عودة إلى تقرير أصول التصور الإسلامي ؛ تبين حد الإيمان وشرط الإسلام.. ليقوم هذا التقرير المستأنف قاعدة لبعض تنظيمات أخرى للتكافل الاجتماعي في الجماعة. التكافل الذي يبدأ من أضيق الحدود في الأسرة، ثم يمتد ليشمل المحتاجين والضعاف في الجماعة كلها، ومع الأمر بالبذل والتكافل نجد تقبيح البخل بالمال، والاختيال بالثراء، وكتمان النعمة، والرياء في الإنفاق.
كما نجد في هذا الدرس جانبا من التربية النفسية بالعبادة التي بدأ بها، والتطهير لأدائها، واعتبار الخمر دنسا لا يتفق مع حال العبادة.. وذلك كخطوة في طريق تحريمها.. وفق المنهج التربوي الحكيم.
وفي الدرس الثالث نجد من موضوعات السورة الأساسية موقفا مع أهل الكتاب يتضمن كشفا لأهدافهم الخبيثة ونياتهم الماكرة بالجماعة المسلمة، وبيانا لطبيعة كيدهم ومكرهم، وتعجيبا من أمرهم، واعتبارهم عدوا للمسلمين. وتهديدهم بسوء المصير والعذاب الأليم.
أما الدرس الرابع فيستهدف بيان معنى الدين، وشرط الإيمان، وحد الإسلام. بيانا حاسما جازما. يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي، ومنهج المسلمين في الطاعة والاتباع والتلقي من الله وحده، والتحاكم إلى منهج الله وحده، واتباع حكم رسوله وطاعته.. كما يكشف عن تكاليف المسلمين في الأرض في أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالعدل، وإقامة منهج الله في حياة الناس - باعتبار هذا كله شرطا لتحقق الإيمان - مع التعجيب من أمر الذين يدعون الإيمان، ثم لا يحققون شرطه الأول من التحاكم إلى الله ورسوله، مع الرضى والتسليم المطلق.. والتوكيد بعد التوكيد على أنه لا إيمان - مهما ادعاه المدعون - إلا بتحقق هذا الشرط الواضح الصريح.
ومن ثم نجد في الدرس الخامس توجيه الجماعة المسلمة لحماية هذا المنهج الواضح بالقتال دونه، والتنديد بالمعوقين والمنافقين الذين يبطئون عن الجهاد. واستجاشة الضمائر المؤمنة، ببيان أهداف القتال، لاستنقاذ الضعاف من المؤمنين من دار الكفر إلى دار الإسلام، وتمتيعهم بالحياة في ظل ذلك المنهج الرفيع الكريم، وبيان حقيقة الأجل والقدر، لتطهير القلوب من الخوف والفزع.. وينتهي الدرس بأمر للنبي [ ص ] أن يمضي إلى الجهاد، ولو لم يجد إلا نفسه ! فلا مناص من المضي فيه للتمكين لهذا الدين، وللمنهج الإلهي القويم.
وبمناسبة القتال نجد في الدرس السادس بيانا للكثير من قواعد المعاملات الدولية، بين المعسكر الإسلامي وشتى المعسكرات المناوئة له، والمهادنة، والمعاهدة، فليس الأمر أمر قوة وبطش وغلب، ولكنه أمر مواجهة للواقع مع إقامة الحدود المنظمة للعلاقات الإنسانية، في المعسكرات المختلفة الاتجاه..
وفي الدرس السابع نجد الحديث عن الجهاد بالأموال والأنفس، في صدد التنديد بالقاعدين عن الهجرة في دار الكفر، حيث يفتنون عن دينهم، بينما دار الإسلام قائمة، وراية الدين فيها عزيزة كريمة.. وينتهي هذا الدرس أيضا بالتحضيض للمؤمنين على القتال، ومتابعة أعدائهم، وعدم الوهن في طلبهم، وبيان حقيقة موقف المؤمنين وموقف أعدائهم، واختلاف وجهتهم ومصائرهم وجزائهم.
وفي الدرس الثامن نستشرف تلك القمة السامقة في العدل الإسلامي، في قصة اليهودي الذي اتهم ظلما، وقامت الشهادات الملفقة ضده، فنزل القرآن من الملأ الأعلى يبرئ هذا اليهودي.. مع كل ما كانت تكيده يهود للإسلام والمسلمين. ولكن العدل الإسلامي الإلهي هو العدل الذي لا يتأثر بالمودة أو الشنأن. وهو القمة السامقة التي لم تبلغ إليها البشرية قط إلا في ظلال هذا المنهج الرفيع الفريد.
والدرس التاسع جولة مع الشرك والمشركين، وخرافات الشرك وآثاره في إنشاء الشعائر الضالة، والتصورات السخيفة ! مع تصحيح الأوهام والأماني الزائفة عن عدل الله. وتقرير الجزاء على أساس العمل لا الأماني والأوهام. وتوكيد أن الإسلام هو وحدة الدين، وهو ملة إبراهيم.
ويعود الدرس العاشر إلى النساء ؛ وحقوقهن - وبخاصة اليتامى منهن - وحقوق المستضعفين من الولدان - وهو الموضوع الذي بدأت به السورة - وإلى الإجراءات التي يعالج بها موقف النشوز والإعراض من جانب الزوج. مع بيان حدود العدل المطلوب في معاشرة الزوجات، والذي لا تستقيم العشرة بدونه، ويكون خيرا منها الفرقة، عندما يتعذر الإصلاح..
والتعقيب على هذه الأحكام المتعلقة بالأسرة، والعدل في المعاشرة يربط هذه الأحكام والتوجيهات بالله، وملكيته للسماوات والأرض ؛ وقدرته على الذهاب بالناس واستبدال غيرهم بهم - فيدل على ضخامة الأمر، وعلاقته بحقيقة الألوهية الهائلة.. ومن ثم يستجيش تقوى الله في الضمائر ؛ ويستطرد إلى دعوة الذين آمنوا إلى العدل المطلق في معاملاتهم كلها، وفي أحكامهم جميعها.. على طريقة القرآن في الاستطراد من القطاع الضيق الخاص، إلى المحيط الشامل العام.
ثم يجيء الدرس الأخير في هذا الجزء. وهو يكاد يكون مقصورا على التنديد بالنفاق والمنافقين ؛ ودعوة المؤمنين إلى الإيمان الجاد الواضح المستقيم ؛ وتحذيرهم من الولاء لغير الجماعة المسلمة وقيادتها الخاصة، ومن التهاون والتراخي في دينهم مجاملة أو مراعاة للعلاقات الاجتماعية أو المصلحية مع المنافقين وأعداء هذا الدين. فهذه سمة من سمات النفاق، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار. والمنافقون هم الذين يتولون الكافرين.
ويختم الدرس، ويختم الجزء معه بتقرير حقيقة مؤثرة عن صفة الله سبحانه، وعلاقته بعباده، والحكمة في عقابه للمنحرفين والضالين. وهو - سبحانه - لا حاجة به إلى عقاب مخاليقه لو آمنوا وشكروا :( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ؟ وكان الله شاكرا عليما )..
وهو تعبير عجيب يوحي للقلب برحمة الله، واستغنائه - سبحانه - عن تعذيب الناس، لو استقاموا على منهجه، وشكروا فضله في هذا المنهج ومنته.. ولكنهم هم الذين يشترون العذاب لأنفسهم بالكفر والجحود، وما ينشئه الكفر والجحود من فساد في الأرض، وفساد في النفس، وفساد في الحياة.
وهكذا يضم الجزء جناحيه على هذا الحشد من الأهداف والموضوعات، وعلى هذا المدى من الأشواط والأبعاد.. فنكتفي في التقديم له بهذه الإشارات الخاطفة، ريثما نستعرض النصوص فيما يلي بتوفيق الله..
وفي مقابل اجتناب " الكبائر " - ومنها أكل الأموال بينهم بالباطل - يعدهم الله برحمته، وغفرانه، وتجاوزه عما عدا الكبائر ؛ مراعاة لضعفهم الذي يعلمه - سبحانه - وتيسيرًا عليهم، وتطمينًا لقلوبهم ؛ وعونًا لهم على التحاجز عن النار ؛ باجتناب الفواحش الكبار :
( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه، نكفر عنكم سيئاتكم، وندخلكم مدخلا كريما ).
ألا ما أسمح هذا الدين ! وما أيسر منهجه ! على كل ما فيه من هتاف بالرفعة والسمو والطهر والنظافة، والطاعة. وعلى كل ما فيه من التكاليف والحدود، والأوامر والنواهي، التي يراد بها إنشاء نفوس زكية طاهرة ؛ وإنشاء مجتمع نظيف سليم.
إن هذا الهتاف، وهذه التكاليف، لا تغفل - في الوقت ذاته - ضعف الإنسان وقصوره ؛ ولا تتجاوز به حدود طاقته وتكوينه ؛ ولا تتجاهل فطرته وحدودها ودوافعها ؛ ولا تجهل كذلك دروب نفسه ومنحنياتها الكثيرة.
ومن ثم هذا التوازن بين التكليف والطاقة. وبين الأشواق والضرورات. وبين الدوافع والكوابح. وبين الأوامر والزواجر. وبين الترغيب والترهيب. وبين التهديد الرعيب بالعذاب عند المعصية والإطماع العميق في العفو والمغفرة..
إنه حسب هذا الدين من النفس البشرية أن يتم اتجاهها لله ؛ وأن تخلص حقًا في هذا الاتجاه، وأن تبذل غاية الجهد في طاعته ورضاه.. فأما بعد ذلك.. فهناك رحمة الله.. هناك رحمة الله ترحم الضعف، وتعطف على القصور ؛ وتقبل التوبة، وتصفح عن التقصير ؛ وتكفر الذنب وتفتح الباب للعائدين، في إيناس وفي تكريم..
وآية بذل الطاقة اجتناب كبائر ما نهى الله عنه. أما مقارفة هذه الكبائر - وهي واضحة ضخمة بارزة ؛ لا ترتكبها النفس وهي جاهلة لها أو غير واعية ! فهي دليل على أن هذه النفس لم تبذل المحاولة المطلوبة ؛ ولم تستنفد الطاقة في المقاومة.. وحتى هذه فالتوبة منها في كل وقت مع الإخلاص مقبولة برحمة الله التي كتبها على نفسه.. وقد قال فيها :( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا الله - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ).. وعدهم من " المتقين ".
إنما الذي نحن بصدده هنا هو تكفير السيئات والذنوب مباشرة من الله، متى اجتنبت الكبائر ؛ وهذا هو وعد الله هنا وبشراه للمؤمنين.
أما ما هي الكبائر.. فقد وردت أحاديث تعدد أنواعًا منها - ولا تستقصيها - وذلك بدليل احتواء كل حديث على مجموعة تزيد أو تنقص ؛ مما يدل على أن هذه الأحاديث كانت تعالج حالات واقعة ؛ فتذكر من الكبائر - في كل حديث - ما يناسب الملابسة الحاضرة، والمسلم لا يعسر عليه أن يعلم " الكبائر " من الذنوب. وإن كانت تختلف عددًا ونوعًا بين بيئة وبيئة، وبين جيل وجيل !
ونذكر هنا قصة عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو المتحرج المتشدد الشديد الحساسية بالمعصية. تبين - مع ذلك كله - كيف قوم الإسلام حسه المرهف، وكيف جعل الميزان الحساس يعتدل في يده ويستقيم ؛ وهو يعالج أمور المجتمع وأمور النفوس :
قال ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ابن عون ؛ عن الحسن أن ناسًا سألوا عبدالله بن عمرو بمصر، فقالوا : نرى أشياء من كتاب الله - عز وجل - أمر أن يعمل بها، لا يعمل بها ؛ فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك. فقدم وقدموا معه. فلقي عمر - رضي الله عنه - فقال : متى قدمت ؟ فقال : منذ كذا وكذا. قال : أبإذن قدمت ؟ قال : فلا أدري كيف رد عليه. فقال : أمير المؤمنين إن ناسًا لقوني بمصر، فقالوا : إنا نرى أشياء في كتاب الله، أمر أن يعمل بها، فلا يعمل بها فأحبوا أن يلقوك في ذلك. قال : فاجمعهم لي. قال فجمعتهم له. قال أبو عون : أظنه قال : في بهو.. فأخذ أدناهم رجلاً ؛ فقال أنشدك الله، وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله ! قال : نعم. قال : فهل أحصيته في نفسك ؟ فقال : اللهم لا - ولو قال : نعم، لخصمه ! قال : فهل أحصيته في بصرك ؟ فهل أحصيته في لفظك ؟ هل أحصيته في أثرك.. ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم فقال : ثكلت عمر أمه ! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله ؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال وتلا :( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم )... الآية. ثم قال : هل علم أهل المدينة ؟ أو قال : هل علم أحد بما قدمتم ؟ قالوا : لا. قال : لو علموا لوعظت بكم ! ".
فهكذا كان عمر - المتحرج الشديد الحساسية - يسوس القلوب والمجتمع ؛ وقد قوم القرآن حسه ؛ وأعطاه الميزان الدقيق.. " وقد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات ! " ولن نكون غير ما علم ربه أن نكون ! إنما المعول عليه هو القصد والتصويب والمحاولة والرغبة في الوفاء بالالتزامات، وبذل الجهد في هذا الوفاء.. إنه التوازن والجد واليسر والاعتدال.
نمضي مع سورة النساء في هذا الجزء، الذي يتضمن معظم أهداف السورة وموضوعاتها، التي أجملنا الإشارة إليها في مطالعها في الجزء الرابع.
ونجد في هذا الجزء من الأهداف الأساسية للسورة والموضوعات الرئيسية عناصر كثيرة :
نجد في الدرس الأول بقية من تنظيم شؤون الأسرة ؛ وإقامتها على أساس ثابت من موحيات الفطرة ؛ وحمايتها من تأثير الملابسات العارضة في جو الحياة الزوجية ؛ وحمايتها كذلك وحماية المجتمع معها من انتشار الفاحشة، والاستهتار بالحرمات، ووهن الروابط العائلية.
كذلك نجد بقية من التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية. تتناول العلاقات المالية والتجارية، كما تتناول بعض أحكام الميراث، وحقوق الملكية للجنسين في المجتمع..
وهذه التنظيمات وتلك تستهدف - كما قلنا في مطالع السورة - نقل المجتمع المسلم من النظام الجاهلي إلى النظام الإسلامي للحياة ؛ ومحو الملامح الجاهلية المترسبة، وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة، والارتفاع بالجماعة المسلمة - التي التقطها المنهج الرباني من سفح الجاهلية - والمضي بها صعدا في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة.
ثم نجد في الدرس الثاني عودة إلى تقرير أصول التصور الإسلامي ؛ تبين حد الإيمان وشرط الإسلام.. ليقوم هذا التقرير المستأنف قاعدة لبعض تنظيمات أخرى للتكافل الاجتماعي في الجماعة. التكافل الذي يبدأ من أضيق الحدود في الأسرة، ثم يمتد ليشمل المحتاجين والضعاف في الجماعة كلها، ومع الأمر بالبذل والتكافل نجد تقبيح البخل بالمال، والاختيال بالثراء، وكتمان النعمة، والرياء في الإنفاق.
كما نجد في هذا الدرس جانبا من التربية النفسية بالعبادة التي بدأ بها، والتطهير لأدائها، واعتبار الخمر دنسا لا يتفق مع حال العبادة.. وذلك كخطوة في طريق تحريمها.. وفق المنهج التربوي الحكيم.
وفي الدرس الثالث نجد من موضوعات السورة الأساسية موقفا مع أهل الكتاب يتضمن كشفا لأهدافهم الخبيثة ونياتهم الماكرة بالجماعة المسلمة، وبيانا لطبيعة كيدهم ومكرهم، وتعجيبا من أمرهم، واعتبارهم عدوا للمسلمين. وتهديدهم بسوء المصير والعذاب الأليم.
أما الدرس الرابع فيستهدف بيان معنى الدين، وشرط الإيمان، وحد الإسلام. بيانا حاسما جازما. يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي، ومنهج المسلمين في الطاعة والاتباع والتلقي من الله وحده، والتحاكم إلى منهج الله وحده، واتباع حكم رسوله وطاعته.. كما يكشف عن تكاليف المسلمين في الأرض في أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالعدل، وإقامة منهج الله في حياة الناس - باعتبار هذا كله شرطا لتحقق الإيمان - مع التعجيب من أمر الذين يدعون الإيمان، ثم لا يحققون شرطه الأول من التحاكم إلى الله ورسوله، مع الرضى والتسليم المطلق.. والتوكيد بعد التوكيد على أنه لا إيمان - مهما ادعاه المدعون - إلا بتحقق هذا الشرط الواضح الصريح.
ومن ثم نجد في الدرس الخامس توجيه الجماعة المسلمة لحماية هذا المنهج الواضح بالقتال دونه، والتنديد بالمعوقين والمنافقين الذين يبطئون عن الجهاد. واستجاشة الضمائر المؤمنة، ببيان أهداف القتال، لاستنقاذ الضعاف من المؤمنين من دار الكفر إلى دار الإسلام، وتمتيعهم بالحياة في ظل ذلك المنهج الرفيع الكريم، وبيان حقيقة الأجل والقدر، لتطهير القلوب من الخوف والفزع.. وينتهي الدرس بأمر للنبي [ ص ] أن يمضي إلى الجهاد، ولو لم يجد إلا نفسه ! فلا مناص من المضي فيه للتمكين لهذا الدين، وللمنهج الإلهي القويم.
وبمناسبة القتال نجد في الدرس السادس بيانا للكثير من قواعد المعاملات الدولية، بين المعسكر الإسلامي وشتى المعسكرات المناوئة له، والمهادنة، والمعاهدة، فليس الأمر أمر قوة وبطش وغلب، ولكنه أمر مواجهة للواقع مع إقامة الحدود المنظمة للعلاقات الإنسانية، في المعسكرات المختلفة الاتجاه..
وفي الدرس السابع نجد الحديث عن الجهاد بالأموال والأنفس، في صدد التنديد بالقاعدين عن الهجرة في دار الكفر، حيث يفتنون عن دينهم، بينما دار الإسلام قائمة، وراية الدين فيها عزيزة كريمة.. وينتهي هذا الدرس أيضا بالتحضيض للمؤمنين على القتال، ومتابعة أعدائهم، وعدم الوهن في طلبهم، وبيان حقيقة موقف المؤمنين وموقف أعدائهم، واختلاف وجهتهم ومصائرهم وجزائهم.
وفي الدرس الثامن نستشرف تلك القمة السامقة في العدل الإسلامي، في قصة اليهودي الذي اتهم ظلما، وقامت الشهادات الملفقة ضده، فنزل القرآن من الملأ الأعلى يبرئ هذا اليهودي.. مع كل ما كانت تكيده يهود للإسلام والمسلمين. ولكن العدل الإسلامي الإلهي هو العدل الذي لا يتأثر بالمودة أو الشنأن. وهو القمة السامقة التي لم تبلغ إليها البشرية قط إلا في ظلال هذا المنهج الرفيع الفريد.
والدرس التاسع جولة مع الشرك والمشركين، وخرافات الشرك وآثاره في إنشاء الشعائر الضالة، والتصورات السخيفة ! مع تصحيح الأوهام والأماني الزائفة عن عدل الله. وتقرير الجزاء على أساس العمل لا الأماني والأوهام. وتوكيد أن الإسلام هو وحدة الدين، وهو ملة إبراهيم.
ويعود الدرس العاشر إلى النساء ؛ وحقوقهن - وبخاصة اليتامى منهن - وحقوق المستضعفين من الولدان - وهو الموضوع الذي بدأت به السورة - وإلى الإجراءات التي يعالج بها موقف النشوز والإعراض من جانب الزوج. مع بيان حدود العدل المطلوب في معاشرة الزوجات، والذي لا تستقيم العشرة بدونه، ويكون خيرا منها الفرقة، عندما يتعذر الإصلاح..
والتعقيب على هذه الأحكام المتعلقة بالأسرة، والعدل في المعاشرة يربط هذه الأحكام والتوجيهات بالله، وملكيته للسماوات والأرض ؛ وقدرته على الذهاب بالناس واستبدال غيرهم بهم - فيدل على ضخامة الأمر، وعلاقته بحقيقة الألوهية الهائلة.. ومن ثم يستجيش تقوى الله في الضمائر ؛ ويستطرد إلى دعوة الذين آمنوا إلى العدل المطلق في معاملاتهم كلها، وفي أحكامهم جميعها.. على طريقة القرآن في الاستطراد من القطاع الضيق الخاص، إلى المحيط الشامل العام.
ثم يجيء الدرس الأخير في هذا الجزء. وهو يكاد يكون مقصورا على التنديد بالنفاق والمنافقين ؛ ودعوة المؤمنين إلى الإيمان الجاد الواضح المستقيم ؛ وتحذيرهم من الولاء لغير الجماعة المسلمة وقيادتها الخاصة، ومن التهاون والتراخي في دينهم مجاملة أو مراعاة للعلاقات الاجتماعية أو المصلحية مع المنافقين وأعداء هذا الدين. فهذه سمة من سمات النفاق، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار. والمنافقون هم الذين يتولون الكافرين.
ويختم الدرس، ويختم الجزء معه بتقرير حقيقة مؤثرة عن صفة الله سبحانه، وعلاقته بعباده، والحكمة في عقابه للمنحرفين والضالين. وهو - سبحانه - لا حاجة به إلى عقاب مخاليقه لو آمنوا وشكروا :( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ؟ وكان الله شاكرا عليما )..
وهو تعبير عجيب يوحي للقلب برحمة الله، واستغنائه - سبحانه - عن تعذيب الناس، لو استقاموا على منهجه، وشكروا فضله في هذا المنهج ومنته.. ولكنهم هم الذين يشترون العذاب لأنفسهم بالكفر والجحود، وما ينشئه الكفر والجحود من فساد في الأرض، وفساد في النفس، وفساد في الحياة.
وهكذا يضم الجزء جناحيه على هذا الحشد من الأهداف والموضوعات، وعلى هذا المدى من الأشواط والأبعاد.. فنكتفي في التقديم له بهذه الإشارات الخاطفة، ريثما نستعرض النصوص فيما يلي بتوفيق الله..
وفي مقابل اجتناب " الكبائر " - ومنها أكل الأموال بينهم بالباطل - يعدهم الله برحمته، وغفرانه، وتجاوزه عما عدا الكبائر ؛ مراعاة لضعفهم الذي يعلمه - سبحانه - وتيسيرًا عليهم، وتطمينًا لقلوبهم ؛ وعونًا لهم على التحاجز عن النار ؛ باجتناب الفواحش الكبار :
( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه، نكفر عنكم سيئاتكم، وندخلكم مدخلا كريما ).
ألا ما أسمح هذا الدين ! وما أيسر منهجه ! على كل ما فيه من هتاف بالرفعة والسمو والطهر والنظافة، والطاعة. وعلى كل ما فيه من التكاليف والحدود، والأوامر والنواهي، التي يراد بها إنشاء نفوس زكية طاهرة ؛ وإنشاء مجتمع نظيف سليم.
إن هذا الهتاف، وهذه التكاليف، لا تغفل - في الوقت ذاته - ضعف الإنسان وقصوره ؛ ولا تتجاوز به حدود طاقته وتكوينه ؛ ولا تتجاهل فطرته وحدودها ودوافعها ؛ ولا تجهل كذلك دروب نفسه ومنحنياتها الكثيرة.
ومن ثم هذا التوازن بين التكليف والطاقة. وبين الأشواق والضرورات. وبين الدوافع والكوابح. وبين الأوامر والزواجر. وبين الترغيب والترهيب. وبين التهديد الرعيب بالعذاب عند المعصية والإطماع العميق في العفو والمغفرة..
إنه حسب هذا الدين من النفس البشرية أن يتم اتجاهها لله ؛ وأن تخلص حقًا في هذا الاتجاه، وأن تبذل غاية الجهد في طاعته ورضاه.. فأما بعد ذلك.. فهناك رحمة الله.. هناك رحمة الله ترحم الضعف، وتعطف على القصور ؛ وتقبل التوبة، وتصفح عن التقصير ؛ وتكفر الذنب وتفتح الباب للعائدين، في إيناس وفي تكريم..
وآية بذل الطاقة اجتناب كبائر ما نهى الله عنه. أما مقارفة هذه الكبائر - وهي واضحة ضخمة بارزة ؛ لا ترتكبها النفس وهي جاهلة لها أو غير واعية ! فهي دليل على أن هذه النفس لم تبذل المحاولة المطلوبة ؛ ولم تستنفد الطاقة في المقاومة.. وحتى هذه فالتوبة منها في كل وقت مع الإخلاص مقبولة برحمة الله التي كتبها على نفسه.. وقد قال فيها :( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا الله - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ).. وعدهم من " المتقين ".
إنما الذي نحن بصدده هنا هو تكفير السيئات والذنوب مباشرة من الله، متى اجتنبت الكبائر ؛ وهذا هو وعد الله هنا وبشراه للمؤمنين.
أما ما هي الكبائر.. فقد وردت أحاديث تعدد أنواعًا منها - ولا تستقصيها - وذلك بدليل احتواء كل حديث على مجموعة تزيد أو تنقص ؛ مما يدل على أن هذه الأحاديث كانت تعالج حالات واقعة ؛ فتذكر من الكبائر - في كل حديث - ما يناسب الملابسة الحاضرة، والمسلم لا يعسر عليه أن يعلم " الكبائر " من الذنوب. وإن كانت تختلف عددًا ونوعًا بين بيئة وبيئة، وبين جيل وجيل !
ونذكر هنا قصة عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو المتحرج المتشدد الشديد الحساسية بالمعصية. تبين - مع ذلك كله - كيف قوم الإسلام حسه المرهف، وكيف جعل الميزان الحساس يعتدل في يده ويستقيم ؛ وهو يعالج أمور المجتمع وأمور النفوس :
قال ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ابن عون ؛ عن الحسن أن ناسًا سألوا عبدالله بن عمرو بمصر، فقالوا : نرى أشياء من كتاب الله - عز وجل - أمر أن يعمل بها، لا يعمل بها ؛ فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك. فقدم وقدموا معه. فلقي عمر - رضي الله عنه - فقال : متى قدمت ؟ فقال : منذ كذا وكذا. قال : أبإذن قدمت ؟ قال : فلا أدري كيف رد عليه. فقال : أمير المؤمنين إن ناسًا لقوني بمصر، فقالوا : إنا نرى أشياء في كتاب الله، أمر أن يعمل بها، فلا يعمل بها فأحبوا أن يلقوك في ذلك. قال : فاجمعهم لي. قال فجمعتهم له. قال أبو عون : أظنه قال : في بهو.. فأخذ أدناهم رجلاً ؛ فقال أنشدك الله، وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله ! قال : نعم. قال : فهل أحصيته في نفسك ؟ فقال : اللهم لا - ولو قال : نعم، لخصمه ! قال : فهل أحصيته في بصرك ؟ فهل أحصيته في لفظك ؟ هل أحصيته في أثرك.. ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم فقال : ثكلت عمر أمه ! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله ؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال وتلا :( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم )... الآية. ثم قال : هل علم أهل المدينة ؟ أو قال : هل علم أحد بما قدمتم ؟ قالوا : لا. قال : لو علموا لوعظت بكم ! ".
فهكذا كان عمر - المتحرج الشديد الحساسية - يسوس القلوب والمجتمع ؛ وقد قوم القرآن حسه ؛ وأعطاه الميزان الدقيق.. " وقد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات ! " ولن نكون غير ما علم ربه أن نكون ! إنما المعول عليه هو القصد والتصويب والمحاولة والرغبة في الوفاء بالالتزامات، وبذل الجهد في هذا الوفاء.. إنه التوازن والجد واليسر والاعتدال.