إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ٣١ .
نهى سبحانه وتعالى عن أكل الأموال بالباطل وعن قتل الأنفس وهما أكبر الذنوب المتعلقة بحقوق العباد، وتوعد فاعل ذلك عدوانا وظلما بالنار، ثم نهى عن جميع الكبائر التي يعظم ضررها وتؤذن بضعف إيمان مرتكبها، ووعد على تركها بالجنة ومدخل الكرامة، وقيل المراد بالكبائر هنا جميع ما تقدم النهي عنه في هذه السورة. قال البقاعي بعد الآيتين السابقتين : ولما بين تعالى ما لفاعل ذلك تحذيرا، أتبعه ما للمنتهى تبشيرا، وكان قد تقدم جملة من الكبائر فقال : وذكر الآية.
الاجتناب ترك الشيء جانبا والكبائر جمع كبيرة أي الفعائل أو المعاصي الكبائر والسيئات جمع سيئة وهي الفعلة التي تسوء صاحبها عاجلا أو آجلا أو تسوء غيره كما تقدم في تفسير وكفر عنا سيئاتنا [ آل عمران : ١٩٣ ] وفسروها بالصغائر بدليل مقابلتها بالكبائر واللفظ أعم والتخصيص غير متعين.
الأستاذ الإمام : اختلف العلماء هل في المعاصي صغيرة وكبيرة أم المعاصي كلها كبائر ؟ نقلوا عن ابن عباس أن كل ما عصي الله به فهو كبيرة. صرح بذلك الباقلاني والإسفراييني وإمام الحرمين. وقالت المعتزلة وبعض الأشاعرة إن من الذنوب كبائر وصغائر وقال الغزالي إن هذا من البديهيات. وقد اختلف في الصغائر والكبائر فقيل هي سبع لحديث صحيح في ذلك ولكن الأحاديث الصحيحة في عدها مختلفة ومجموعها يزيد على سبع وقد ذكرت على سبيل التمثيل.
أقول : أشهر هذه الأحاديث ما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( اجتنبوا السبع الموبقات ) قالوا وما هي يا رسول الله ؟ قال :( الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) (١). ومنها أيضا من حديث أبي بكرة أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا بلى يا رسول الله، قال : الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس وقال ألا وقول الزور، وشهادة الزور ) فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت(٢). وفي لفظ عند البخاري من حديث ابن عمرو زيادة ( واليمين الغموس ) (٣) وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. قالوا وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ) (٤) وكان صلى الله عليه وسلم يذكر في كل مقام ما تمس إليه الحاجة فلم يرد شيء من ذلك في مقام الحصر والتحديد ولكن الأحاديث صريحة في إثبات الكبائر ويقابلها الصغائر والظاهر منها أن كبرها في ذواتها وأنفسها لما فيها من المفسدة والضرر، والموبقات أكبر الكبائر من أوبقه إذا أهلكه أو ذلَّلَه. ويقابل الموبق ما يضر ضررا قليلا وما حرم الإسلام شيئا إلا لضرره في الدين أو النفس أو العقل أو المال أو العرض.
وكيف ينكر أحد انقسام الذنوب إلى كبائر وغير كبائر وقد صرح بذلك القرآن في غير هذا الموضع وهو من ذاته بديهي كما قال الغزالي فإن المنهيات أنواع لها أفراد تتفاوت في أنفسها وفي الداعية التي تسوق إليها.
قال تعالى بعد ذكر جزاء المسيئين والمحسنين في سورة النجم : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشاكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم [ النجم : ٣٢ ] والفواحش معطوفة على الكبائر وهي ما فحش من الفعائل القبيحة، وهذه الآية تناسب الآية التي نفسرها في معناها بذاتها وموقعها مما قبلها فقد عبر في كل منهما باجتناب الكبائر وجعل جزاء هذا الاجتناب تكفير ما دون الكبائر والفواحش وغفرانه، ولكنه عبر عن مقابل الكبائر هنا بالسيئات وهو لفظ يشمل الصغائر والكبائر كما علم من استعماله في عدة مواضع من القرآن، وعبر في سورة النجم باللّمم، وفسروا اللّمم بما قلّ وصغر من الذنوب، كما فسروا السيئات هنا بالصغائر وما أخذوا ذلك إلا من المقابلة كما تقدم، وقد يكون اللّمم بمعنى مقاربة الكبيرة أو الفاحشة بإتيان بعض مقدماتها مع اجتناب اقترافها من ألمت النخلة إذا قاربت الإرطاب وألم الغلام إذا قارب البلوغ، وسيأتي من كلام الغزالي في تكفير الذنوب ما يوضحه بالأمثلة. ومن التناسب المتعلق بالسياق أنه علل في سورة النجم مغفرة اللّمم بعلم الله تعالى بحال الإنسان في خروجه من مواد الأرض الميتة تكون غذاء فدما فمنيا يلقح البيوض في رحم الأم، وعلمه بحاله بعد هذا التلقيح إذ يكون جنينا في بطن أمه لا يقدر على شيء فقصاراه أن الإنسان ضعيف كما قال في أخرى خلقكم من ضعف [ الروم : ٥٤ ] وقد تقدم الآية التي نفسرها تعليل التخفيف عن المكلفين بقوله تعالى : وخلق الإنسان ضعيفا [ النساء : ٢٨ ].
ومما ورد صريحا في تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر قوله تعالى : ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها [ الكهف : ٥٠ ] وقوله تعالى : وكل شيء فعلوه في الزبر* وكل صغير وكبير مستطر [ القمر : ٥٢ ٥٣ ].
وإذا كان هذا صريحا في القرآن فهل يعقل أن يصح عن ابن عباس إنكاره ؟ لا، بل روى عبد الرزاق عنه أنه قيل له هل الكبائر سبع ؟ فقال هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال هي إلى السبع مئة أقرب. وإنما عزي القول بإنكار تقسيم الذنوب على صغائر وكبائر إلى الأشعرية، وكأن القائلين بذلك منهم أرادوا أن يخالفوا به المعتزلة ولو بالتأويل كما يعلم من كلام ابن فورك فإنه صحح كلام الأشعرية وقال :" معاصي الله كلها كبائر وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة، وقالت المعتزلة الذنوب على ضربين صغائر وكبائر وهذا ليس بصحيح " اه وأول الآية تأويلا بعيدا. وهل يؤول سائر الآيات والأحاديث لأجل أن يخالف المعتزلة ولو فيما أصابوا فيه ؟ لا يبعد ذلك فإن التعصب للمذاهب هو الذي صرف كثيرا من العلماء الأذكياء عن إفادة أنفسهم وأمتهم بفطنتهم وجعل كتبهم فتنة للمسلمين اشتغلوا بالجدل فيها عن حقيقة الدين وسترى ما ينقله الرازي عن الغزالي ويرده لأجل ذلك وأين الرازي من الغزالي وأين معاوية من علي !.
والموافقون للمعتزلة من محققي الأشاعرة وغيرهم اختلفوا في تعريف الكبيرة فقيل هي كل معصية أوجبت الحد وقيل ما نص الكتاب على تحريمه ووجب في جنسه حد وقيل كل محرم لعينه أي لا لعارض أو لسد الذريعة، وضعفوا هذه الأقوال وأقوالا أخرى كثيرة. وقال بعض العلماء عن الكبائر كل ما توعد الله عليه قيل في القرآن فقط وقيل في الحديث أيضا، وقال بعضهم كإمام الحرمين والغزالي واستحسنه الرازي أنها كل ما يشعر بالاستهانة بالدين وعدم الاكتراث به وهو قول مقبول قريب من المعقول. والمختلفون في تعريفها متفقون على القول بأن هناك صغيرة وكبيرة وأن ترك الكبائر يكفر الصغائر. وقال بعضهم إن الله تعالى أبهم الكبائر لتجنب كل المعاصي فإن من عرضت له كل معصية لم يعلم أنها من الكبائر التي يعاقب عليها أو من الصغائر التي يكفرها الله عنه بترك الكبائر فالاحتياط يقضي عليه بأن يجتنبها. ولا يظهر فرق بين القول بأن جميع المعاصي كبائر والقول بأن منها صغائر مبهمة غير معينة فهي لا تعلم. وقد أطال ابن حجر البحث في ذلك فليراجع كتابه الزواجر من شاء.
الأستاذ الإمام : إن الذين قسموا المعصية إلى صغيرة وكبيرة وأرادوا بالسيئات الصغائر لم يفهموا الآية وقد قال الله تعالى : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ؟ ساء ما يحكمون [ الجاثية : ٢٠ ] فجعل أهل السيئات في مقابلة المؤمنين فهم المشركون والكافرون المفسدون، وقال : وليست التوبة للذين يعملون السيئات [ النساء : ١٧ ] الآية وما العهد بتفسيرها ببعيد ولا يمكن حمل السيئات فيها على الصغائر. والصواب أن في كل سيئة وفي كل نهي خاطبنا الله تعالى به كبيرة أو كبائر وصغيرة أو صغائر وأكبر الكبائر في كل ذنب عدم المبالاة بالنهي والأمر واحترام التكليف ومنه الإصرار فإن المصر على الذنب لا يكون محترما ولا مباليا بالأمر والنهي.
فالله تعالى يقول : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه أي الكبائر التي يتضمنها كل شيء تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم أي نكفر عنكم صغيره فلا نؤاخذكم عليه فإضافة السيئات إلى ضمير المخاطبين يدل على ما قاله جمهور الأشاعرة من أنه لا كبيرة بمعنى أن بعض السيئات يكون كبيرة مطلقا على الدوام وإن فعل بجهالة عارضة وعدم استهانة، ولا صغيرة مطلقا إن فعلت لعدم الاكتراث بالنهي وأصر الفاعل عليها. ويدل على هذا ما قاله ابن عباس رضي الله عنه حين قيل له الكبائر سبع فقال هي إلى السبع مئة أقرب ولا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، أي مع توبة فكل ذنب يرتكب لعارض يعرض على النفس من استشاطة غضب أو غلبة جبن أو ثورة شهوة وصاحبه متمكن من الدين يخاف الله ولا يستحل محارمه فهو من السيئات التي يكفرها الله تعالى إذا كان لولا ذلك العارض القاهر للنفس لم يكن ليجترحه تهاونا بالدين، وكان بعد اجتراحه إياه حال كونه مغلوبا على أمره يندم ويتألم ويتوب ويرجع إلى الله عز وجل ويعزم على عدم العودة إلى اقتراف مثله، فهو بعدم إصراره باستقرار هيبة الله وخوفه في نفسه، يكون أهلا لأن يتوب الله عليه ويكفر عنه، وكل ذنب يرتكبه الإنسان مع التهاون بالأمر وعدم المبالاة بنظر الله إليه ورؤيته إياه حيث نهاه فهو مهما كان صغيرا ( أي في صورته أو ضرره ) يعد كبيرة ( أي من حيث هو استهانة بالدين وداع إلى الإصرار والانهماك والاستهتار ) ومثال ذلك تطفيف الكيل والميزان وإخسارهما فقد قال تعالى : ويل للمطففين [ المطففين : ١ ] وهو يصدق بالقليل والكثير ولو حبة، والهمز واللمز فقد قال : ويل لكل همزة لمزة [ الهمزة : ١ ] أي الذين اعتادوا الهمز واللمز وهما عيب الناس والطعن في أعراضهم. والويل الهلاك فهو وعيد شديد.
أقول إن هذا الذي ذهب إليه هو ترجيح للقول بأن الكبائر بحسب قصد فاعلها وشعوره عند اقترافها وعقبه لا في ذاتها وحسب ضررها وهذا لا يقتضي إنكار تمايز المعاصي في أنفسها وكون منها الصغيرة كالنظر إلى ما لا يحل النظر إليه من المرأة الأجنبية ومنها ما هو كبيرة كالزنا وكذلك ضرب الرجل خادمه ضربا خفيفا بدون ذنب يقتضي ذلك يعد صغيرة وأما قتله إياه فلا يمكن أن يعد صغيرة في نفسه مهما كان الباعث النفسي عليه. ولكن مسألة تكفير السيئات وعدم المؤاخذة عليها في الآخرة تتعلق بمقاصد النفس وقوة الإيمان وسلطانه في القلب وهو ما جرى عليه الغزالي وتبعه الأستاذ الإمام. وإننا ننقل عن الغزالي نبذا تدل على رأيه في هذه المسألة.
قال الرازي : وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في منتخبات كتاب إحياء علوم الدين فصلا طويلا في الفرق بين الكبائر والصغائر فقال فهذا كله قول من قال إن الكبائر تمتاز عن الصغائر بحسب ذواتها وأنفسها.
وأما القول الثاني وهو قول من يقول إن لكل طاعة قدرا من الثواب ولكل معصية قدرا من العقاب فإذا أتى الإنسان بطاعة واستحق بها ثوابا ثم أتى بمعصية واستحق بها عقابا فهنا الحال بين ثواب الطاعة وعقاب المعصية بحسب القس
٢ أخرجه البخاري في الشهادات باب ١٠، والأدب باب٦، ومسلم في الإيمان حديث ١٤٣، والترمذي في الشهادات باب٣، وتفسير سورة٤، باب٥، وأحمد في المسند٥/٣٧..
٣ أخرجه البخاري في الأيمان باب١٦، والمرتدين باب١، والديات باب٢..
٤ أخرجه البخاري في الأدب باب٤، ومسلم في الأيمان حديث١٤٥، وأبو داود في الأدب باب٢٠، والترمذي في البر باب٤، واحمد في المسند٢/٢١٦..
تفسير المنار
رشيد رضا