إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ٣١ .
هذه الآية هي إحدى ثماني آيات قال عنها ابن عباس رضي الله عنه : في هذه السورة سورة النساء ثماني آيات خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أو غربت، وقلنا : إن هذه الآيات تبدأ بقوله سبحانه : يريد الله ليبين لكم ، والله يريد ان يتوب عليكم ، يريد الله أن يخفف عنكم ، ثم جاءت : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه . و " الاجتناب " ليس معناه عدم مزاولة الحدث أو الفعل، ولكن عدم الاقتراب من مظان الحدث أو الفعل حتى يسد المؤمن على نفسه مخايلة شهوة المعصية له وتصوره لها وترائيها له.
هذه الآيات الكريمات كانت خيرا لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أو غربت، لأنها تحمي من حمق الاختيار الذي وجد في الإنسان حين لا يلتزم بمنهج الله، ولو أن الإنسان كان مسيرا ومكرها على الفعل لارتاح من هذا الاختيار. وتعب الإنسان جاء من ناحية أن اغتر بميزته على سائر خلق الله، والميزة التي ميز الله بها الإنسان هي العقل الذي يختار به بين البديلات. بينما سائر الأجناس كلها رضيت من الله أن تكون مسخرة مقهورة على ما جعلها له بدون اختيار. ونعرف أن الحق قال : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ٧٢ ( سورة الأحزاب ).
فالإنسان قد ظلم نفسه، لأنه أرجح نفسه عند اختيار الشهوة أو اختيار مرادات منهج الله، بينما المقهورون أو المسخرون ليست عندهم هذه المسألة. وكل كائن منهم يقوم بعمله آليا وارتاح من حمق الاختيار فهذه الآيات طمأنت الإنسان على أنه إن حمق اختياره في شيء فالله يريد أن يبصره، والله يريد ان يتوب عليه، والله يريد أن يخفف عنه. والله يريد إن اجتنب الكبائر أن يرفع عنه السيئات ويكفرها. كل هذه مطمئنات للنفس البشرية حتى لا تأخذها مسألة اليأس من حمق الاختيار، فيوضح : أنا خالقك وأعرف أنك ضعيف لأن عندك مسلكين : كل مسلك يغريك، تكليف الله بما فيه من الخير لك وما تنتظره من ثواب الله في الآخرة يغرى، وشهوة النفس العاجلة تغرى.
وما دامت المسألة قد تخلخلت بين اختيار واختيار فالضعف ينشأ ؛ لذلك يوضح سبحانه : أنا أحترم هذا فيك لأنه وليد الاختيار، وأنا الذي وهبت لك هذا الاختيار.
والحق حين وهب الاختيار لهذا الجنس الذي هو سيد الأجناس كلها، يحب أن يأتي لربه راغبا محبا : لأن هناك فارقا بين ان يسخر المسخر ولا يستطيع أن ينفلت عما قدر له أن يعمله، وتلك تؤديها صفة القدرة لله، لكن لم تعط لله صفة المحبوبية ؛ لأن المحبوبية أن تكون مختارا أن تطيع ومختارا أن تعصي ثم تطيع، هذه صفة المحبوبية، والله يريد من الإنسان أن يثبت بطاعته صفة المحبوبية له سبحانه، فالإنسان المحب لمولاه برغم أنه مختار أن يفعل الطاعة أولا يفعلها ينحاز بالإيمان إلى جانب الطاعة.
إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه كان الله بعد تكليفاته في أمور الأعراض والأموال وتكليفاته في الدماء من قتل النفس وغيرها، أوضح : إياكم أن تستقبلوا الأشياء استقبالا يجعلكم تيأسون من أنكم قد تعجزون عن التكليف لبعض الأمور، فأنا سأرضى باجتناب الكبائر من المساوئ : فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، والجمعة للجمعة كفارة، ومن رمضان لرمضان كفارة، لكن بشرط ألا يكون عندكم إصرار على الصغائر لماذا ؟ لأنك إن قدرت ذلك فقدر أنك لا تقدر على استبقاء حياتك إلى أن تستغفر، فلا تقل : سأفعل الذنب، ثم استغفر هذه لا تضمنها، وأيضا تكون كالمستهزئ بربه.
إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم في السيئات يقول : نكفر عنكم سيئاتكم وقلنا : إن " الكفر " هو " الستر " أي يسترها ومعنى نسترها يعني لا نعاقب عليها، فالتكفير إماطة للعقاب، والإحباط إماطة للثواب. فإن ارتكب إنسان أمرا يستحق عليه عقابا وقد اجتنب الكبائر يكفر عنه الله أي يضع ويستر عنه العقاب، أما من عمل حسنة ولم يقبلها الله، فهو يحبطها، إذن فالتكفير كما قلنا إماطة للعقاب، و " والإحباط " إماطة للثواب كما في قوله :
فأولئك حبطت أعمالهم ( من الآية ٢١٧ سورة البقرة ).
أي ليس لهم على تلك الأعمال ثواب ؛ لأنهم فعلوها وليس في بالهم الذي يعطي الثواب وهو الله. بل كان في بالهم الخلق، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
( فعلت ليقال وقد قيل ).
أنت فعلت ليقال وقد قيل، وقالوا عنك إنك محسن كبير، قالوا : إنك بنيت المسجد، وقرءوا اللافتة التي وضعتها على المسجد وسط احتفال كبير. ويقول الحق :
وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ٢٣ ( سورة الفرقان ).
أنت فعلت ليقال وقد قيل ؛ ولذلك فالذين عملوا مثل هذه ووضعوا لافتات من رخام عليهم أن يفطنوا لهذا الأمر، وإن كان الواحد منهم حريصا على أنه يأخذ الثواب من يد الله فليرفع هذه اللافتة ويسترها وتنتهي المسألة، فالله سبحانه وتعالى يحب ممن يتصدق أن يكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم :
( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه )(١).
فأنت حين تتصدق لماذا تفضح من يتقبل الصدقة. والحق يقول : ان تجتنبوا ، و " الاجتناب " هو إعطاء الشيء جانبا. ولذلك يقولون : فلان ازور جانبه عني، أي أنه عندما قابلني أعطاني جانبه، والمراد في قوله : إن تجتنبوا هو التباعد، والحق ساعة يطلب منك ألا تصنع الحدث ويطلب منك بأسلوب آخر أن تجتنبه، فهذا يدل على أن الاجتناب أبلغ، لأن الاجتناب معناه ألا تكون مع المنهي عنه في مكان واحد فعندما يقول الحق :
فاجتنبوا الرجس من الأوثان ( من الآية ٣٠ سورة الحج ).
وعندما يقول :
واجتنبوا قول الزور ( من الآية ٣٠ سورة الحج ).
فاجتنبوه أي : ابتعدوا عنه. لماذا ؟ لأن حمى الله محارمه..
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في المشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه.. }(٢).
والحق يقول :
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ( من الآية ٩٠ سورة المائدة ).
واجتنابه يكون بألا توجد معه في مكان واحد يخايلك ويشاغلك ويتمثل لك، فعندما تكون مثلا في منطقة الذين يشربون الخمر يقول لك الحق : اجتنبها. أي لا تذهب إليها ؛ لأن الخمر عندما توجد أمامك وترى من يشربون وهم مستريحون مسرورون.. فقد تشربها، لكن عندما تجتنب الخمر ومجالسها فأنت لا تقع في براثنها وإغرائها، ولذلك قلنا : إن الاجتناب أبلغ من التحريم، وهناك أناس يبررون الخمر لأنفسهم ويقولون : إن الخمر لم يرد فيها تحريم بالنص ! ! نقول لكل واحد منهم : حسبك أن شرب الخمر قرن بالرجس من الأوثان، فالحق يقول :
واجتنبوا الطاغوت ( من الآية ٣٦ سورة النحل ).
فاجتناب الطاغوت ليس معناه ألا تعبده، بل إياك أن تراه، إذن فاجتناب الخمر ليس بألا تشربها، بل إياك أن تكون في محضرها.
" والكبائر " جميع " كبيرة "، ومادام فيه " كبيرة " يكون هناك مقابل لها وهي " صغيرة " و " أصغر " فالأقل من " الكبيرة "، ليس " صغيرة " فقط ؛ لأن فيه " صغيرة "، وفيه " أصغر " من " الصغيرة " وهو " اللمم ".
والحق يقول :" إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } و " السيئات " منوطة بالأمر الصغير وبالأصغر، لكن هذه المسألة وقف فيها العلماء، قالوا : معنى ذلك أننا سنغري الناس بفعل السيئات ماداموا قد اجتنبوا الكبائر فقد يفعلون الصغائر. نقول : لا، فالإصرار على الصغيرة كبيرة من الكبائر ؛ لذلك لا تجز الصغائر لنفسك ؛ فالحق يكفر ما فلت منك فقط ؛ ولذلك يقول الحق :
إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ( من الآية ١٧ سورة النساء ).
يفعلون الأمر السيئ بدون ترتيب وتقدير سابق وهو سبحانه قال بعد ذلك :
وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ( من الآية ١٨ سورة النساء ).
إذن فمعنى أنك تصر على صغيرة وتكررها إنها بذلك تكون كبيرة، وإن لم نجتنب الكبائر ووقعنا فيها فماذا يكون ؟. يقول العلماء الذين جعلهم الله هبات لطف ورحمة على الخلق : لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. فإن أخذت هذه فخذ تلك، خذ الاثنتين، فلا كبيرة مع الاستغفار، ومقابلها لا صغيرة مع الإصرار. وحينما أراد العلماء أن يعرفوا الكبيرة قالوا : الكبيرة هي ما جاء فيها وعيد من الله بعذاب الآخرة، أو جاء فيها عقوبة كالحد مثلا فهذه كبيرة، والتي لم يأت فيها حد فقد دخلت في عداد السيئة المغفورة باجتناب الكبيرة أو الصغيرة أو الأصغر.
وأن سيدنا عمرو بن عبيد عالم من علماء البصرة وزاهد من زهادها، وهو الذي قال فيه أحد الخلفاء : كلهم طالب صيد غير عمرو بن عبيد، أي أن كل العلماء يذهبون إلى هناك ليأخذوا هبات وهدايا إلا عمرو بن عبيد، إذن فقد شهد له، هذا العالم عندما أراد أن يعرف مدلول الكبيرة، وأصر ألا يعرف مدلولها بكلام علماء، بل قال : أريد أن أعرفها من نص القرآن، الذي يقول لي على الكبيرة يأتيني بنص من القرآن. ودخل ابن عبيد البصري على سيدنا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، ونعرف سيدنا جعفر الصادق وهو أولى الناس بأن يسأل ؛ لأنه عالم أهل البيت، ولأنه قد بحث في كنوز القرآن وأخرج منها الأسرار وعاش في رحاب الفيض، فقال ابن عبيد : هذا هو من أسأله، فلما سلم وجلس قرأ قول الله سبحانه :
الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ( من الآية ٣٢ سورة النجم ).
ثم سكت ! ! فقال له سيدنا أبو عبد الله جعفر الصادق : ما أسكتك يا بن عبيد ؟ قال : أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله.
وانظروا إلى الثقة بمعرفة كنوز القرآن، ساعة قال له :" أحب أن اعرف الكبائر من كتاب الله ". قال أبو عبد الله : نعم، أي على خبير بها سقطت، أي جئت لمن يعرفها، ثم قال :" الشرك بالله، قال تعالى :
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( من الآية ٤٨ سورة النساء ).
وقال تعالى :
إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ( من الآية ٧٢ سورة المائدة ).
وأضاف : واليأس من رحمة الله فإن الحق قال :
إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ( من الآية ٨٧ سورة يوسف ).
وهكذا جاء سيدنا أبو عبد الله جعفر الصادق بالحكم وجاء بدليله، وأضاف : ومن أمن مكر الله ؛ لأنه سبحانه قال :
فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ( من الآية ٩٩ سورة الأعراف ).
والكبيرة الرابعة : عقوق الوالدين ؛ لأن الله وصف صاحبها بأنه جبار شقي، قال تعالى :
وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا ٣٢ ( سورة مريم ).
وقتل النفس. قال تعالى :
ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ( من الآية ٩٣ سورة النساء ).
وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. قال تعالى :
{ إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعن
٢ رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة..
تفسير الشعراوي
الشعراوي