مِنْكُمْ
أي عن رضى، فلا يصح العقد بالإكراه أو الإجبار.
٥- تحريم قتل النفس (الانتحار) وتحريم قتل أنفس الآخرين، أجمع أهل التأويل على أن المراد بآية وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ النهي أن يقتل بعض الناس بعضا. ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل، في الحرص على الدنيا وطلب المال، بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف. ويحتمل أن يقال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناوله النهي.
٦- عقوبة القتل وأكل المال بالباطل: دلت آية: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ..
على تحريم قتل النفس لأنه أقرب مذكور، وربما دل على تحريم كل ما سبق من أكل المال بالباطل وقتل النفس لأن النهي عنهما جاء عقبهما، ثم ورد الوعيد بحسب النهي. وقيل: هو عام على كل ما نهي عنه من القضايا، من أول السورة إلى قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ. وقال الطبري: ذلِكَ عائد على ما نهي عنه من آخر وعيد، وذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [الآية ١٩] لأن كل ما نهي عنه من أول السورة قرن به وعيد، إلا قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ.. فإنه لا وعيد بعده إلا قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً.
جزاء اجتناب الكبائر
[سورة النساء (٤) : آية ٣١]
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١)
الإعراب:
مُدْخَلًا مصدر أدخل، ومن قرأ بالفتح جعله مصدر دخل. ويجوز أن يكون مُدْخَلًا اسم المكان المدخول، والمراد به هاهنا الجنة.
المفردات اللغوية:
تَجْتَنِبُوا تتركوا الشيء جانبا، واجتناب الشيء: تركه والابتعاد عنه، كأنه ترك جانبه وناحيته كَبائِرَ جمع كبيرة: وهي المعصية العظيمة: وهي التي ورد عليها وعيد أو حد في القرآن أو السنة كالقتل والزنى والسرقة، وهي سبعون كبيرة كما في كتاب الكبائر للذهبي، وعن ابن عباس: هي إلى السبعمائة نُكَفِّرْ نغفر ونمح سَيِّئاتِكُمْ صغائركم، وغفرانها ومحوها بالطاعات مُدْخَلًا كَرِيماً بضم الميم: إدخالا، وبفتحها: موضعا أو مكانا كريما أي طيبا وهو الجنة.
المناسبة:
نهى الله سبحانه وتعالى فيما سبق عن أكل أموال الناس بالباطل وعن قتل النفس بغير حق، وتوعد على ذلك بنار جهنم، ثم نهى في هذه الآية نهيا عاما عن كل كبيرة، ووعد الممتثل بالجنة.
التفسير والبيان:
إن اجتنبتم وابتعدتم عن كبائر الآثام التي نهيتم عنها، كفّرنا عنكم صغائر الذنوب، وأدخلناكم الجنة.
ما المقصود بالكبائر والصغائر؟
اتفق جمهور العلماء على أن الذنوب نوعان: كبائر وصغائر.
والكبائر: هي كل معصية اقترنت بالوعيد الشديد أو أوجبت الحد.
وقيل: إنها سبع
لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم،
والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».
ورويت روايات أخرى تجعل من الكبائر عقوق الوالدين، وشهادة الزور لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، وليس ذلك للحصر.
وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: أكثر، فقد روى عبد الرزاق عن ابن عباس أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب. وروى سعيد بن جبير أنه قال: إلى السبعمائة أقرب.
أما الصغائر أو السيئات: فهي التي لم تقترن بوعيد شديد أو بحدّ، كالنظر إلى المرأة الأجنبية والقبلة. وتصبح الصغائر مع الإصرار والاستهتار كبائر، فتطفيف الكيل والميزان، والهمز واللمز (الطعن في كرامات الناس) لمن أصرّ عليه، كبيرة.
واجتناب الكبائر يكفّر الصغائر بشرطين: أولا- إذا كان الاجتناب مع القدرة والإرادة، كمن يأبى معاشرة امرأة دعته إلى نفسها، خوفا من الله، لا لشيء آخر. وثانيا- مع إقامة الفرائض،
روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفّرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»
فمن اجتنب ترك الصلاة واجتنب الكبائر، كفرت سيئاته الصغائر، فدل الحديث على أن ترك إقامة الصلاة من الكبائر.
ويمكن تكفير المعاصي التي تحدث عن جهل أو لظرف طارئ كثورة أو غضب بالندم والتوبة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن في الذنوب كبائر وصغائر، وعلى هذا جمهور الفقهاء والمفسرين.
ودلت أيضا على أن الله تعالى يغفر الصغائر كاللمسة والنظرة باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض، كما بينت في تفسير الآية. عن قتادة: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا».
ورأى الأصوليون: أنه لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمل ذلك على غلبة الظن، وقوة الرّجاء، وكون المشيئة الإلهية ثابتة.
والكبيرة كما قال ابن عباس: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. وقال ابن مسعود: الكبائر: ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية، وتصديقه قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ.
وقال طاوس: قيل لابن عباس كما تقدم: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس: الكبائر سبع؟
قال: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار.
ومن أمثلة الكبائر: الشرك بالله، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن ادعى لله ولدا أو صاحبة، وقتل النفس بغير الحق، والزنى، واللواطة، والقمار، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبا، والقذف، وأكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمدا، وسب أصحابه،
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي