ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

١٣٧- قال الشافعي رحمه الله تعالى : قال الله تبارك وتعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا الآية. قال : الله أعلم بما أراد من خوف الشقاق الذي إذا بلغاه أمره أن يبعث حكما من أهله وحكما من أهلها، [والذي يشبه ظاهر الآية فما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما الآية.
وذلك أني وجدت الله عز وجل أذن في نشوز الزوج أن يصطلحا١، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك٢، وأذن في نشوز المرأة بالضرب، وأذن في خوفهما أن لا يقيما حدود الله بالخلع، ودلت السنة أن ذلك برضى من المرأة، وحظر أن يأخذ الرجل مما أعطى شيئا إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمر فيمن الشقاق بينه بالحكمين دل ذلك على أن حكمهما غير حكم الأزواج غيرهما، وكان يعرفهما بإباية الأزواج أن يشتبه حالاهما في الشقاق، فلا يفعل الرجل الصلح ولا الفرقة، ولا المرأة تأدية الحق ولا الفدية، أو تكون الفدية لا تجوز من قبل مجاوزة الرجل ماله من أدب المرأة وتباين حالهما في الشقاق، والتباين ] ٣ هو ما يصيران فيه من القول والفعل إلى ما لا يحل لهما ولا يحسن، ويمتنع كل واحد منهما من الرجعة، ويتماديان فيما ليس لهما، ولا يعطيان حقا، ولا يتطوعان ولا واحد منهما بأمر يصيران به في معنى الأزواج غيرهما، فإذا كان هكذا بعث حكما من أهله وحكما من أهلها، ولا يبعث الحكمان إلا مأمونين وبرضى الزوجين، ويوكلهما الزوجان بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك.
قال الشافعي رحمه الله : أخبرنا الثقفي٤، عن أيوب٥، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة٦، عن علي في هذه الآية : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنَ اَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنَ اَهْلِهَآ ٧ ثم قال للحكمين : هل تدريان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة : رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الرجل : أما الفرقة فلا، فقال علي رضي الله عنه كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به٨.
قال : فقول علي رضي الله عنه يدل على ما وصفت، من أن ليس للحاكم أن يبعث حكمين دون رضى المرأة والرجل بحكمهما، وعلى أن الحكمين إنما هما وكيلان للرجل والمرأة بالنظر بينهما في الجمع والفرقة.
فإن قال قائل : ما دل على ذلك ؟ قلنا : لو كان الحكم إلى علي رضي الله عنه دون الرجل والمرأة بعث هو حكمين ولم يقل ابعثوا حكمين.
فإن قال قائل : فقد يحتمل أن يقول : ابعثوا حكمين، فيجوز حكمهما بتسمية الله إياهما حكمين، كما يجوز حكم الحاكم الذي يصيره الإمام، فمن سماه الله تبارك وتعالى حاكما أكثر معنى أو يكونا كالشاهدين إذا رفعا شيئا إلى الإمام أنفذه عليهما، أو يقول : ابعثوا حكمين أي دلوني منكم على حكمين صالحين كما تدلوني على تعديل الشهود. قلنا : الظاهر ما وصفناه، والذي يمنعنا من أن نحيله عنه مع ظهوره أن قول علي رضي الله عنه للزوج : كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به، يدل على أنه ليس للحكمين أن يحكما إلا بأن يفوض الزوجان ذلك إليهما، وذلك أن المرأة فوضت وامتنع الزوج من تفويض الطلاق، فقال علي رضي الله عنه : كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به، يذهب إلى أنه إن لم يقر لم يلزمه الطلاق، وإن رأياه. ولو كان يلزمه طلاق بأمر الحاكم أو تفويض المرأة لقال له : لا أبالي أقررت أم سكت، وأمر الحكمين أن يحكما بما رأيا. ( الأم : ٥/١١٥-١١٦. ون الأم : ٥/١٩٤-١٩٥. وأحكام الشافعي : ١/٢١٠-٢١٢. )

١ - إشارة إلى الآية الكريمة: وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا اَوِ اِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَّصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا. النساء: ١٢٨..
٢ - ن تفسير الآية ١٢٨ من سورة النساء..
٣ - قوله: والذي يشبه إلى قوله: التباين وهو ما بين المعقوفتين وهو بادي التفكك والاضطراب..
٤ - هو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي. سبقت ترجمته..
٥ - هو أيوب بن أبي تميمة سبقت ترجمته..
٦ - عبيدة بن سفيان الحضرمي. عن: أبي هريرة وغيره. وعنه: محمد بن عمر بن علقمة، وغيره. وثقه النسائي. الكاشف: ٢/٢٣٦. ون التهذيب: ٥/٤٤٤. وقال في التقريب: ثقة..
٧ - النساء: ٣٥..
٨ - رواه البيهقي في القسم والنشوز باب: الحكمين في الشقاق بين الزوجين ٧/٣٠٥. ورواه الشافعي في المسند (ر١٦٦٦)..

تفسير الشافعي

عرض الكتاب
المؤلف

الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير