قوله تعالى : وابْتَلُوا(١) اليَتامَى حتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُم مِنهُم رُشْداً فادْفَعُوا إلَيْهِم أمْوالهُم الآية [ ٦ ] :
واعلم أن كثيراً من العلماء جوزوا إذن الولي للصبي في التجارات وتسليم المال إليه، حتى يتصرف وتبدو بياعاته وتصرفاته، وليس في العلماء من يقول إنه إذا اختبر الصبي فوجد رشيداً ارتفع عنه الولاية، وأنه يجب دفع ماله إليه، وإطلاق يده في التصرف، وذلك يدل على أن الابتلاء في الصبي ليس يفيد العلم برشده، فكذلك قال الله تعالى : وابْتَلَوا اليَتامَى حتّى إذ بَلَغُوا النِّكاحَ فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ، فدل ذلك على أن الابتلاء قبل البلوغ لا بدفع المال إليه، ولا بأن يبقى بعقله ورأيه، حتى يزعم بكونه رشيداً، فإنه لو كان كذلك ما توقف وجوب دفع المال على بلوغ النكاح، بل دل على أن الابتلاء قبل البلوغ في أمر الدين والدنيا، بأن يربيه على الخيرات والطاعات، ويندبه إلى المراشد وتأمل التصرفات والتجارات، حتى يكون نشوة على الخيرات، فإذا بلغ النكاح نفعه ما تقدم من التدريب، ويحصل به إيناس الرشد، وهو إحساس الرشد، مثل قوله تعالى : إني آنَسْتُ ناراً(٢) : يعني أحسستها وأبصرتها، وذلك يدل على أن الذي يجري في الصبى غير موثوق به شرعاً، إنما توطئة وتمهيداً لزمان البلوغ الذي يوثق فيه بإيناس الرشد، فهذا تحقيق لمذهب الشافعي رضي الله عنه، ويرد على من خالفه، ثم قال الشافعي : ولما قال تعالى : فإنْ آنَسْتُمْ مِنهُمْ رُشدْاً ، وهو يقتضي صلاح الدين والدنيا، والفاسق غير رشيد ولا مأمون، وهذا لأن التبذير يتولد من غلبة الهوى، والهوى منشأ الفسق، ولا يؤمن من الفاسق صرف المال إلى المحصور المنكور، وذلك تبذير وإن قل، فإنه لا يكتسب به محمدة في الدنيا والآخرة، والكثير في الطاعات ليس بتبذير، على ما عرف من أقوال السلف رضوان الله عليهم أجمعين، فهذا معنى الآية.
قوله تعالى : وَمَنْ كانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ(٣) وَمَنْ كانَ فقيراً فَلْيَأكُلْ بالمَعْروفِ الآية [ ٦ ] : توهم متوهمون من السلف بحكم هذه الآية، أن للوصي أن يأكل من مال الصبي قدراً لا ينتهي إلى حد الإسراف، وذلك خلافاً ما أمر الله تعالى به في قوله : لا تَأكُلوا أمْوالَكُم بَيْنَكُم بالباطِلِ إلاَّ أنْ تَكونَ تِجارةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُم(٤) ، ولا يتحقق ذلك في مال اليتيم.
فقوله : فَمَن كانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ : يرجع إلى أكل مال نفسه دون مال اليتيم فمعناه : ولا تأكلوا أموال اليتيم مع أموالكم، بل اقتصروا على أكل أموالكم، وقد دل عليه قوله تعالى : ولا تَأكُلوا أمْوالَهُم إلى أمْوالَكُم إنّه كانَ حُوباً كَبِيراً(٥) ، وبان بقوله تعالى : وَمَن كانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ، ومَن كانَ فقيراً فَلْيأكُل بالمَعْروُفِ ، الاقتصار على البلغة حتى لا يحتاج إلى أكل مال اليتيم، فهذا تمام معنى هذه الآية، فقد وجدنا آيات محكمات بمنع أكل مال الغير بغير رضاه، سيما في حق اليتيم، ووجدنا هذه الآية محتملة للمعاني، فحملها على موجب الآيات المحكمات متعين(٦).
وقد جوز أبو حنيفة للوصي أن يعمل في مال الصبي مضاربة، فيأخذ منه مقدار ربحه، وإذا جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يأكل من ماله إذا عمل فيه، فيأخذ أجر المثل بل هو أولى، فإن أجر المثل معلوم في وضع الشرع، ومقدار أجرة عمله مأخوذ من العادة، وأما الربح فهو نتيجة الشرط وليس أجرة عمله، وهو على قدر الشرط، وأي قدر شرطه العامل الوصي لنفسه من الربح، فهو متحكم فيه، وإنما الشرط للعامل من جهة رب المال، وإلا فالواجب أجر المثل في القراض الفاسد، وهاهنا إذا لم يكن أجر المثل مع أنه أقرب، فالتحكم بالتقدير من جهة العامل كيف يحتمل، والربح أبعد عن الاستحقاق، فإن الربح زيادة على عين مال اليتيم، والزيادة تبع المزيد عليه، وليس للوصي في مال اليتيم حق.
وأما الأجرة : ففي مقابلة العمل والعمل حق للوصي، وأنه من منفعة فهو أولى ببذلها، فلا وجه لمذهب أبي حنيفة، والعمومات التي ذكرناها من قبل في إبطال التصرف في مال اليتيم بطريق القراض وغيره.
فإن قال من ينصر مذهب السلف، إن القضاة يأخذون أرزاقهم لأجل عملهم للمسلمين، فهلا كان للوصي كذلك، إذا عمل لليتيم ولم لا يأخذ الأجرة بقدر عمله ؟ قيل له : اعلم أن أحداً من السلف لم يجوز للوصي أن يأخذ من مال الصبي مع غنى الوصي، بخلاف القاضي، فذلك فارق بين المسألتين. . وبعد : فالذي يفصل بينهما من طريق المعنى يقول : إن الرزق ليس كأجرة الشيء، وإنما هو شيء جعله الله تعالى لكل من قام بشيء من أمور الإسلام، فللمقابلة بينهم من مال الله تعالى، وللفقهاء سهم، مع أنهم لم يعملوا شيئاً يستحقون عليه الأجرة، لأن اشتغالهم بالفتوى وتفقيه الناس، فرض لا يؤخذ عليه أجر، وكذلك الخلفاء لهم سهم من مال الله تعالى، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم سهم من الخمس والصفى وسهم من الغنيمة، وما كان يأخذ الأجرة على شيء يقوم به من أمر الدين، وكيف يجوز ذلك مع قول الله تعالى : قُلْ ما سَألْتُكُم مِن أجْرٍ فَهُوَ لَكُم(٧) ، قُل ما أسْألُكُم عَلَيهِ مِنْ أجْرٍ(٨) : فالذي يأخذه الفقهاء والقضاة والخلفاء، لا يأخذون من مال واحد معين، وإنما يأخذون من مال الله الذي لا يتعين له مالك، وقد جعل الله ذلك المال الضائع حقاً لأصناف بأوصاف، والقضاة من جملتهم، والوصي إنما يأخذ بعمله مال شخص معين من غير رضاه، وعمله مجهول وأجرته مجهولة، وذلك بعيد عن الاستحقاق.
واعلم أن الاحتياط الذي أمر الله به في حق اليتامى، وأن لا يدفع إليهم أموالهم إلا بعد إيناس الرشد، يدل لا محالة بطريق الأولى على أن الأولياء من الأوصياء، والأقارب والحكام، لا بد وأن يكونوا عدولاً ذوو رشد.
والفاسق المتهم من الآباء، والمرتشي من الحكام والأوصياء، والأمناء غير المأمونين، لا يجوز جعلهم أولياء وحكاماً، ويدل على ذلك أن الحاكم إذا فسق انعزل(٩).
قوله تعالى : فإذا دَفَعْتُم إليْهِمْ أمْوالهُمْ فأشْهِدُوا عَلَيْهِم : يؤذن بالاحتياط القاطع للدعوى الباطلة، كما أمر بالاحتياط في المداينات قطعاً للمنازعة، لا جرم قال الشافعي رضي الله عنه : لو ادعى تسليم المال إلى الصبي بعد البلوغ وأنكر الصبي، لم يصدق إلا بينة. . نعم المودع يصدق في الرد دون بينة، لمصلحة تعلقه بالوديعة، في أنه لا يرضى المودع بالإشهاد على ردها، لما فيه من إشهار أمرها، والودائع تعرض في خفية، ولأن المودع ائتمنه فرضي بقوله واعتقد أمانته.
وأما الائتمان من جهة الصبي فلم يجز أصلاً، وفي هذا المعنى نظر فإن الوصي في معنى النائب عن الصبي، فكذلك كان نائباً عنه في التصرفات، فيجوز أن يكون نائباً عنه في الحفظ حكماً، وإن لم توجد الاستنابة من جهة الصبي خاصة الآن، فإن نيابته عن الصبي ظاهرة، وكذلك إذا ادعى تلف المال. . قيل : ولولا النيابة كان ضامناً للمال، لأنه ممسك مال غيره دون استنابة. . ومما يتعلق به الشافعي رضي الله عنه، أن الله تعالى إنما أمر بالإشهاد، لأن دعواه مردودة في الرد دون البينة. . ويمكن أن يقال : فائدته ظهور أمانته وبعده عن التهمة، وقطع دعوى الصبي بالباطل وسقوط اليمين عن الوصي، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الملتقط بالإشهاد على اللقطة في حديث عياض بن حمار المجاشعي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" مَن وجَد لقطةً فلْيُشهِد ذوي عدلٍ ولا يَكْتُم ولا يغِيب(١٠) "، فأمره بالإشهاد ليظهر أمانته وتزول الشبهة عنه.
آنستم: أي علمتم وقيل: رأيتم، وأصل الإيناس: الإبصار، ومنه قوله تعالى: (آنس من جانب الطور نارا).
رشدا: الرشد الاهتداء إلى وجوه الخير، والمراد به هنا الاهتداء إلى حفظ الأموال.
إسرافا: الإسراف مجاوزة الحد والإفراط في الشيء، والسرف: التبذير.
بدارا: معناه مبادرة أي مسارعة، والمراد أن يسارع في أكل مال اليتيم خشية أن يكبر فيطالبه به..
٢ - سورة طه، الآية ١٠.
سورة النمل، الآية ٧.
سورة القصص، الآية ٢٩..
٣ - يقال: عف الرجل عن الشيء واستعف إذا أمس، والاستعفاف عن الشيء تركه، والعفة، الامتناع عما لا يحل ولا يجب فعله..
٤ - سورة النساء، آية ٢٩..
٥ - سورة النساء، آية ٢..
٦ - انظر القرطبي في تفسيره ج٥ ص٤٣..
٧ - سورة سبأ، آية ٤٧..
٨ - سورة الفرقان، آية ٥٧ وتمامها: (إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا). وسورة ص آية ٨٦ وتمامها: (وما أنا من المتكلفين)..
٩ - انظر أحكام القرآن للجصاص ج٢ ص٢٦٤..
١٠ - أخرجه ابن ماجة في سننه، ج٢ ص٨٢٧ رقم الحديث ٢٥٠٥..
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي