إن الله سبحانه وتعالى يأمر في التعامل مع اليتامى بأن يبدأ الولي في اختبار اليتيم وتدريبه على إدارة أمواله من قبل الرشد، أي لا تنتظر وقت أن يصل اليتيم إلى حد البلوغ ثم تبتليه بعد ذلك، فقبل أن يبلغ الرشد، لا بد أن تجربه في مسائل جزئية فإذا تبين واتضح لك اهتداء منه وحسن تصرف في ماله ؛ لحظتها تجد الحكم جاهزا، فلا تضطر إلى تأخير إيتاء الأموال إلى أن تبتليه في رشده. بل عليك أن تختبره وتدربه وتمتحنه وهو تحت ولايتك حتى يأتي أوان بلوغ الرشد فيستطيع أن يتسلم منك ماله ويديره بنفسه. وحتى لا تمر على المال لحظة من رشد صاحبه وهو عندك.
فسبحانه يقول :" وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا ".
فعندما يبلغ اليتيم الرشد وقد تم تدريبه على حسن إدارة المال. وعرف الوصي أن اليتيم قد استطاع أن يدبر ماله، ومن فور بلوغه الرشد يجب على الوصي أن يدفع إليه ماله، ولا يصح أن يأكل الوصي مال اليتيم إسرافا. والإسراف هو الزيادة في الحد ؛ لأنه ليس ماله، إنه مال اليتيم. وعندما قيل لرجل شره : ماذا تريد أيها الشره ؟ قال الشره :" أريد قصعة من ثريد أضرب فيها بيدي كما يضرب الولي السوء في مال اليتيم ". أنجانا الله وإياكم من هذا الموقف، ونجد الحق يقول :" ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ".
إن الحق سبحانه يحذرنا من الإسراف في مال اليتيم في أثناء مرحلة ما قبل الرشد، وذلك من الخوف أن يكبر اليتيم وله عند الولي شيء من المال أي أن يسرف الولي فينفق كل مال اليتيم قبل أن يكبر اليتيم ويرشد، والله سبحانه وتعالى حين يشرع فهو بجلال كماله يشرع تشريعا لا يمنع قوامة الفقير العادل غير الواجد. كان الحق قادرا أن يقول : لا تعطوا الوصية إلا لإنسان عنده مال لأنه في غنى عن مال اليتيم.
لكن الحق لا يمنع الفقير النزيه صاحب الخبرة والإيمان من الولاية.
ولذلك يقول الحق سبحانه عن الولي :" ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " فلا يقولن أحد عن أحد آخر : إنه فقير، ولو وضعنا يده على مال اليتيم فإنه يأكله. لا، فهذا قول بمقاييس البشر، لا يجوز أن يمنع أحد فقيرا مؤمنا أن يكون وليا لليتيم ؛ لأننا نريد من يملك رصيدا إيمانيا يعلو به فوق الطمع في المال ؛ لذلك يقول الحق عن الوصي على مال اليتيم : إن عليه مسئولية واضحة.
فإن كان غنيا فليستعفف، وإن كان فقيرا فليأكل بالمعروف. وحددوا المعروف بأن يأخذ أجر مثله في العمل الذي يقوم به.
وكلمة المعروف تعني الأمر المتداول عند الناس، أو أن يأخذ على قدر حاجته. ويقول الحق :" فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا " وانظروا الحماية، هو سبحانه يصنع الحماية للولي أو الوصي، فالحق يعلم خلقه، وخلقه من الأغيار والولي على اليتيم لا بد أن يلي الأمر بحكمة وحرص ؛ حتى لا يكرهه اليتيم. وربما قد يراضيه في كل شيء. نقول له : لا، أعطه بقدر حتى لا تفسده. فإذا ما أعطى الولي اليتيم بقدر ربما كرهه اليتيم ؛ لأن اليتيم قد يرغب في أشياء كمالية لا تصلح له ولا تناسب إمكاناته، وعندما يصل اليتيم إلى سن الرشد قد يتركز كرهه ضد الوصي، فيقول له : لقد أكلت مالي ؛ لذلك يوضح الحق للولي أو الوصي : كما حميت اليتيم بحسن ولايتك أحميك أنا من رشد اليتيم.
لذلك يجب عليك أيها الولي حين تدفع المال إليه أن تشهد عليه، لأنك لا تملك الأغيار النفسية، فربما وجد عليك وكرهك ؛ لأنك كنت حازما معه على ماله، وكنت تضرب على يده إذا انحرف. وإذا ما كرهك ربما التمس فترة من الفترات وقام ضدك واتهمك بما ليس فيك ؛ لذلك لابد من أن تحضر شهودا عدولا لحظة تسليمه المال. وهذه الشهادة لتستبرئ بها من المال فحسب، أما استبراء الدين فموكول إلى الله " وكفى بالله حسيبا ".
هذا وإن سورة النساء تعالج الضعف في المرأة والضعف في اليتيم، لأن الحال في المجتمع الذي جاء عليه الإسلام انهم كانوا لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار الذين لم تشتد أجنحتهم، وكانت القاعدة الغريبة عندهم هي : من لم يطعن برمح ولم يذد عن حريم أو مال ولم يشهد معارك فهو لا يأخذ من التركة. وكانت هذه قمة استضعاف أقوياء لضعفاء. وجاء الإسلام ليصفي هذه القاعدة. بل فرض وأوجب أن تأخذ النساء حقوقهن وكذلك الأطفال، ولهذا قال الحق سبحانه " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ٧ . ".
تفسير الشعراوي
الشعراوي