ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎ

المعنى الجملي : بعد أن أمر الله تعالى في الآيات السالفة بإيتاء اليتامى أموالهم وبإيتاء النساء مهورهن أتى في هذه الآية بشرط للإيتاء يشمل الأمرين معا وهو ألا يكون كل منهما سفيها مع بيان أنهم يرزقون فيها ويكسون ما دامت في أيديهم مع قول المعروف لهم حتى تحسن أحوالهم وأنه لا تسلم إليهم الأموال إلا إذا أونس منهم الرشد وأنه لا ينبغي الإسراف في أكل أموال اليتامى فمن كان من الأولياء غنيا فليعف عن الأكل من أموالهم ومن كان فقيرا فليأكل بما يبيحه الشرع ويستجيزه أرباب المروءة.
المفردات :
آنستم منهم رشدا : أي أبصرتم منهم حسن التصرف في الأموال الإسراف/ مجاوزة الحد في التصرف في المال والبدار : المبادرة والمسارعة إلى الشيء يقال بادرت إلى الشيء وبدرت إليه فليستعفف : أي فليعف والعفة : ترك ما لا ينبغي من الشهوات والحسيب : الرقيب.
الإيضاح :
و بعد أن أمر سبحانه بإيتاء اليتامى أموالهم وكان هذا مجملا ذكر كيفية ذلك الإيتاء ووقته فقال : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ابتلاء اليتيم واختباره يكون بإعطاءه شيئا من المال يتصرف فيه فإن أحسن كان راشدا إذ لا معنى للرشد هنا إلا حسن التصرف وإصابة الخير فيه وهو نتيجة صحة العقل وجودة الرأي.
و بلوغ النكاح هو الوصول إلى السن التي يستعد فيها المرء للزواج وهو بلوغ الحلم وهو في هذه الحال تتوجه نفسه إلى أن يكون زوجا وأبا ورب أسرة ولا يتم له ذلك إلا بالمال ومن ثم وجب إيتاؤه إياه إلا إذا بلغ سفيها وخيف أن يضيعه.
و المعنى : أيها الأولياء ابتلوا اليتامى إلى ابتداء البلوغ وهو الحد الذي يبلغون فيه سن النكاح فإن آنستم منهم بعد البلوغ رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وإلا فاستمروا على الابتلاء حتى تأنسوه منهم ويرى أبو حنيفة دفع مال اليتيم إليه إذا بلغ خمسا وعشرون سنة وإن لم يرشد.
ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا أي ولا تأكلوا أموال اليتامى مسرفين في الإنفاق منها ولو على اليتيم نفسه ولا مبادرين كبرهم إليها أي ولا مسابقين الكبر في السن التي بها يأخذونها منكم فأنتم تطلبون أكل هذا المال كما يطلب كبر السن صاحبه فالسابق منكما هو الذي يظفر به فبعض الأولياء الخربى الذمة يستعجلون ببعض التصرفات التي لهم فيها منفعة وليس لليتيم فيها ذلك حتى لا تفوتهم إذا كبر اليتيم وأخذ ماله.
و لما كانت هاتان الحالان- الإسراف ومسابقة كبر اليتيم ببعض التصرف- من مواطن الضعف التي نعرض للإنسان نهى الله عنهما ونبه الأولياء إلى خطرهما حتى يراقبوا ربهم إذا عرضتا لهم فقد تخادع الإنسان نفسه في حد الإسراف وخفاء وجه منفعة الولي في المسابقة إلى بعض الأعمال في مال اليتيم ويغشها إذا لم يمكن أن يمارى في ذلك مراء ظاهرا تتضح فيه خيانته.
أما الأكل من مال اليتيم بلا إسراف ولا مبادرة خوف أخذها عند البلوغ فقد ذكر الله حكمه بقوله :
ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف أي فمن كان منكم غنيا غير محتاج إلى شيء من مال اليتيم الذي تحت ولايته فليعف عن الأكل من ماله ومن كان فقيرا لا يستغني عن الانتفاع بشيء من مال اليتيم الذي يشغل بعض وقته في تثميره وحفظه فليأكل منه بالمعروف وهو ما يبيحه الشرع ولا يستنكره أرباب المروءة ولا يعدونه خيانة وطمعا.
فال ابن جرير : إن الأمة مجمعة على أن مال اليتيم ليس مالا للولي فليس له أن يأكل منه شيئا ولكن له أن يستقرض منه عند الحاجة كما يستقرض له وله أن يؤاجر نفسه لليتيم بأجرة معلومة إذا كان اليتيم محتاجا إلى ذلك كما يستأجر له غيره من الأجراء غير مخصوص بها حال غنى ولا حال فقر وهكذا الحكم في أموال المجانين والمعاتيه.
و قد روى أحمد عن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس لي مال وإني ولي يتيم فقال :" كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالا ومن غير أن تقي مالك بماله ".
و الحكمة في هذا أن اليتيم يكون في بيت الولي كولده والخير له في تربية أن يخالط الولي وأهله في المؤاكلة والمعاشرة فإذا كان الولي غنيا ولا طمع له في ماله كانت المخالطة مصلحة لليتيم وإن كان ينفق فيها شيء من ماله فبقدر حاجته وإن كان فقيرا فهو لا يستغني عن إصابة بعض ما يحتاج إليه من مال اليتيم الغني الذي في حجرة فإن أكل من طعامه ما جرى به العرف بين الخلطاء غير مصيب من صلب المال شيئا ولا متأثل لنفسه منه عقارا ولا مالا آخر ولا منفق ماله في مصالحة ومرافقه كان بعمله هذا آكلا بالمعروف.
فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم أي فإذا دفعتم أيها الأولياء والأوصياء إلى اليتامى أموالهم فأشهدوا عليهم بقبضها وبراءة ذممكم منها كي لا يكون بينكم نزاع.
وهذا الأشهاد واجب عند الشافعية والمالكية إذ إن تركه يؤدي إلى التخاصم والتقاضي كما هو مشاهد وجعله الحنيفة مندوبا لا واجبا.
وكفى بالله حسيبا أي وكفى الله رقيبا عليكم يحاسبكم على ما تسرون وما تعلنون وقد جاء هذا بعد الأمر بالإشهاد ليرشدنا إلى أن الإشهاد وإن أسقط الدعوى بالمال عند القاضي فهو لا يسقط الحق عند الله إذا كان الولي خائنا فإن الله لا يخفى على الشهود والحكام.
و على الجملة فإنك ترى أن الله تعالى حاط أموال اليتامى بضروب من الصيانة والحفظ فأمر باختبار اليتيم قبل دفع ماله إليه ونهى عن أكل شيء منه بطرق الإسراف ومبادرة كبره وأمر بالإشهاد عليه عند الدفع ونبه إلى مراقبة الله تعالى في جميع التصرفات الخاصة به.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير