ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎ

وابتلوا اليتامى يعني اختبروا عقولهم قبل البلوغ بأن تدفعوا إليهم قليلا من المال حتى يتصرف فيه ويستبين حاله، فإن كان رشيدا يظهر رشده أول الأمر. ففي هذه الآية جليل على جواز إذن الصبي العاقل في التجارة وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وقال الشافعي : لا يجوز إذن التجارة للصبي والمراد بالابتلاء أن يكل إليه مقدمات العقد والأول أظهر حتى إذا بلغوا النكاح أي صلاح النكاح والتولد وذلك في الغلام بالاحتلام والإحبال والإنزال إذا وطئ وفي الجارية بالحيض والاحتلام والحبل، فإن لم يوجد شيء من ذلك فيهما فباستكمال خمس عشر سنة غلاما كان أو جارية عند مالك وأحمد والشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو رواية عن أبي حنيفة وعليه الفتوى، والمشهور عن أبي حنيفة باستكمال سبع عشرة في الجارية وثمان عشرة في الغلام وفي رواية تسع عشرة في الغلام، احتج الجمهور بحديث أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه وأقيمت عليه الحدود " رواه البيهقي في الخلافيات وسنده ضعيف، وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه " عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه ثم عرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشر سنة فأجازه " (١) وعند أحمد الإنبات أيضا علم على البلوغ، وقال الشافعي : هو علم في المشركين وفي المسلمين عنه قولان، وقال أبو حنيفة : لا عبرة به والحجة في الباب حديث عطية القرظي قال :" عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فشكوا فيّ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينظروا هل نبت بعد فنظروا فلم يجدوني أنبت فخلى عني وألحقني بالسبي " (٢) رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم فإن آنستم أي أبصرتم منهم بعد البلوغ رشدا أي هداية في التصرفات وصلاحا في المعاملات كذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد، وقال الشافعي : صلاحا في الدين وحفظا للمال وعلما بما يصلحه، روى البيهقي من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : آنستم منهم رشدا معناه منهم صلاحا في دينهم بعد الحلم وحفظا لأموالهم " وروى مثله الثوري في جامعه عن منصور عن مجاهد والبيهقي من طريق يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن الحسن، فالفاسق غير رشيد عند الشافعي رشيد عنده غيره فادفعوا إليهم أموالهم من غير تأخير عن البلوغ قوله فادفعوا جزاء لإن الشرطية، وإذا بلغوا ظرف فيه معنى الشرط متعلق بإدفعوا وحتى للابتداء وما قبلها سبب لما بعدها ولا يجوز أن يكون حتى جارة متعلقا بالجملة السابقة لأن إذا لتضمنه معنى في لا يصلح أن يدخل عليه حتى الجارة، فالمعنى وابتلوا اليتامى حتى تدفعوا إليهم أموالهم إذا بلغوا النكاح وآنستم منهم رشدا فالابتلاء سبب للدفع والدفع مشروط بشرطين البلوغ وإيناس الرشد، ولذا قال الشافعي ومالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد لا يدفع إليهم أموالهم أبدا ما لم يؤنس منهم الرشد خلافا لأبي حنيفة حيث قال إذا بلغ خمسا وعشرين سنة يدفع إليه ماله لأن المنع باعتبار أثر الصبا وهو في أوائل البلوغ وينقطع بتطاول الزمان فلا يبقى المنع، ولهذا قال أبو حنيفة لو بلغ رشيدا ثم صار سفيها لا يمنع المال عنه لأنه ليس بأثر الصبا، قال أبو حنيفة تنكير رشدا في الآية يفيد التقليل يعني نوعا من الرشد حتى لا ينتظر به تمام الرشد فإذا بلغ خمسا وعشرين سنة فقد يصير جدا في هذا السن فلا يخلو عن نوع من الرشد في التصرفات وإن منع المال عنه بطريق التأديب ولا تأديب بعد هذا ظاهرا أو غالبا فلا فائدة في المنع فلزم الدفع.
مسألة : السفيه الذي لا يدفع إليه ماله لا ينفذ تصرفه القولي في ماله مطلقا من البيع والإعتاق وغير ذلك عند الشافعي وعند محمد ينفذ ما لا يحتمل الفسخ كالعتق ولا ينفذها يحتمله كالبيع إلا بإذن وليه وعند أبي يوسف وأكثر العلماء ينفذ تصرفاته ما لم يحجر عليه القاضي ويجوز للقاضي حجره فإذا حجره القاضي لا ينفذ بيعه ولا كل تصرف يؤثر فيه الهزل وينفذ عتقه، وعلى العبد أن يسعى في قيمته عند أبي يوسف ومحمد، وعن محمد أنه لا يجب السعاية، وعند أبي حنيفة لا يجوز للقاضي الحجر على العاقل البالغ لأجل السفه أو الدين أو الفسق لأن فيه إهدار آدميته وإلحاقه بالبهائم وهو أشد ضررا من التبذير فلا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى. والحجة للشافعي ومالك وأحمد وغيرهم في حجر السفيه هذه الآية فإنها تدل على منع الأموال عن السفيه وهو لا يفيد بدون الحجر لأنه يتلف بلسانه ما منع من يده، وقال أبو حنيفة : منع المال مفيد لأن غالب السفه في الهبات والصدقات وذلك موقوف على اليد لا يتم الهبة إلا بالقبض. والحجة لأبي حنيفة حديث أنس أن رجلا كان في عقدته ضعف وكان يبايع وأن أهله أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله احجر عليه، فدعاه نبي الله فنهاه عن البيع، فقال : يا رسول الله لا أصبر عن البيع، فقال :" إذا بايعت فقل لا خلابة " (٣) رواه الترمذي وأحمد وقال الترمذي هذا حديث صحيح. وجه الاحتجاج أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحجر عليه ولم يمنع نهي تحريم، وأجيب عنه بأن ذلك الرجل لم يكن مبذرا قصدا بل كان يلحقه الخسران في المبالغة لضعف عقله فأمكن تداركه بقوله لا خلابة وكلامنا في سفيه مبذر مضيع باختياره، قال البغوي : والدليل على جواز الحجر اتفاق الصحابة عليه، روى الشافعي عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف القاضي عن هشام بن عروة عن أبيه :" أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضا سبخة بستين ألف درهم، فقال علي : لآتين عثمان فلأحجرن عليك، فأتى ابن جعفر الزبير فأعلمه بذلك، فقال الزبير : أنا شريكك، في بيعك، فأتى علي عثمان رضي الله عنهم وقال : احجر على هذا، فقال الزبير : أنا شريكه، فقال عثمان : كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير ". وروى أبو عبيد في كتاب الأموال بسنده عن ابن سيرين قال : قال عثمان لعلي : ألا تأخذ على يد ابن أخيك ؟ يعني عبد الله بن جعفر وتحجر عليه اشترى سبخة بستين ألف درهم ما تسرني أنها لي بنعلي، فذكر القصة كما مر " قال البغوي : فكان ذلك اتفاقا منهم على جواز الحجر حتى احتال الزبير لدفعه.
مسألة : إذا بلغ الصغير رشيدا ثم صار سفيها مبذرا جاز الحجر عليه عند من أجاز الحجر عليه فيما بلغ سفيها كما تدل عليه قصة ابن جعفر رضي الله عنهما، والحجة لهم في جواز حجر المديون حديث كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه " رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي، وروى أبو داود في المراسيل من حديث عبد الرزاق مرسلا وكذا روى سعيد في سننه وابن الجوزي من حديث ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلا " قال كان معاذ بن جبل شابا سخيا وكان لا يمسك شيئا فلم يزل يداين حتى غرق ماله كله في الدين، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه ليكلم غرماءه فلو تركوا لأحد لتركوا لمعاذ من أجل رسول الله فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله حتى قام معاذ بغير شيء " قال عبد الحق : المرسل أصح من المتصل، وقال ابن الصلاح في الأحكام : هو حديث ثابت كان ذلك في سنة تسع من الهجرة وجعل لغرمائه خمسة أسباع حقوقهم، فقالوا : يا رسول الله بعه لنا قال ليس لكم إليه سبيل. وقال أبو حنيفة في المديون : إن القاضي لا يحجر عليه ولا يبيع ماله لأنه نوع حجر ولأنه تجارة لا عن تراض وقد قال الله تعالى : إلا أن تكو ن تجارة عن تراض (٤) ولكن يحبسه أبدا حتى يبيعه في دينه إيفاء لحق الغرماء ودفعا لظلمه، والجواب عن قصة معاذ أنا لا نسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم باع ماله ولم يرض به معاذ ومحال أن لا يرضى معاذ بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فكان النبي صلى الله عليه وسلم باع ماله برضاه فهو من باب بيع الوكيل أو الفضولي مع الإجازة اللاحقة من المالك، وقول الراوي حجر على معاذ ماله وباعه زعم منه زعم بيع ماله حجرا عليه، كيف وقد أخرج البيهقي من طريق الواقدي هذا الحديث وزاد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه بعد ذلك إلى اليمن ليجبره، روى الطبراني في الكبير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج بعث معاذا إلى اليمن وأنه أول من تاجر في ماله الله فظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحجر معاذا عن التصرفات.
مسألة : إذا أفلس وفرق ماله وبقي عليه دين وله حرفة تفضل أجرتها عن كفايته ؟ قال أحمد : جاز للحاكم إجازته في قضاء دينه، وعنه لا يؤجره وهو قول غيره من الأئمة. احتج أحمد بحديث رواه الدارقطني عن زيد بن أسلم قال : رأيت شيخا بالإسكندرية يقال له سرق فقلت : ماذا الاسم ؟ قال : اسم سمانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن أدعه، قلت : ولم سماك ؟ قال : قدمت المدينة وأخبرتهم أن مالي يقدم فبايعوني فاستهلكت أموالهم فأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" أنت سرق " وباعني بأربعة أبعر، فقال الغرماء للذي اشتراني : ما تصنع به ؟ قال : أعتقه، قالوا : فلسنا بأزهد في الأجر منك فأعتقوني بينهم وبقي اسمي. قال ابن الجوزي : قد علم أنه لم يبع رقبته لأنه حر وإنما باع منافعه والمعنى أعتقوني من الاستخدام، قلت : لا وجه لحمل هذا الحديث على الإجارة لأنه إجارة على عمل مجهول فالحديث متروك بالإجماع وكان لرسول الله ولاية التصرف في الناس ما ليس لغيره، وروى مسلم عن أبي سعيد : أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال :" تصدقوا عليه " فلم يبلغ وفاء دينه، فقال :" خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك " (٥) فهذا الحديث صريح أنه لا سبيل إلى المديون إلا في استيفاء من ماله والله أعلم.
ولا تأكلوها يعني أموال اليتامى يا معشر الأولياء إسرافا في القاموس : السرف محركة ضد القصد، وفي الصحاح السرف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان قال الله تعالى : فلا يسرف في القتل (٦) وقال : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم (٧) لكن ذلك في الإنفاق أشهر فيقال تارة باعتبار القدر يعني الكثرة كما في قوله تعالى : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا (٨) وتارة باعتبار الكيفية، ولهذا قال سفيان : ما أنفقت في طاعة الله فهو سرف وإن كان قليلا قال الله تعالى : وأن المسرفين هم أصحاب النار (٩) قلت : فأكل مال اليتيم وإن كان قليلا فهو إسراف إن كان الولي غنيا وإن كان فقيرا فالتجاوز عن المعروف إسراف وإفراط وبدارا أي مبادرة أن يكبروا فيأخذوا منكم أموالهم فإسرافا وبدارا مصدر أن في موضع الحال، وأن يكبروا في موضع المصدر منصوب المحل ببدارا يعني لا تأكلوا مسرفين ومبادرين كبرهم، ويجوز أن يكونا مفعولي لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم في الأكل، وجاز أن يكون أن يكبروا منصوب المحل على أنه مفعول له للمبادرة أي لمبادرتكم لأجل مخافة أن يكبروا فيأخذوا من أيديكم ومن كان غنيا فليستعفف أي ليمتنع من مال اليتيم فلا يأخذ منه قليلا ولا كثيرا استعف أبلغ من عف كأنه طلب زيادة العفة ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني لفقير ليس لي شيء ولي يتيم فقال :" كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادرة ولا متأثل " (١٠) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وع

١ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب (٤٠٩٧) وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: بيان من البلوغ (١٨٦٨)..
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: السير، باب: ما جاء في النزول على الحكم (١٥٨٤) وأخرجه النسائي في كتاب: الطلاق، باب: متى يقع طلاق الصبي (٣٤٢٠).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الأحكام، باب: من لا يجب عليه الحد (٢٥٤١)..

٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الطلاق واللعان، باب: ما جاء فيمن يخدع في البيع (١٢٥٠). وأخرجه أبو داود عن ابن عمر في كتاب: الإجارة، باب: في الرجل يقول عند البيع لا خلابة (٣٤٩٧)..
٤ سورة النساء، الآية: ٢٩..
٥ أخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: استحباب الوضع من الدين (١٥٥٦)..
٦ سورة الإسراء، الآية: ٣٣..
٧ سورة الزمر، الآية: ٥٣..
٨ سورة الأنعام، الآية: ١٤١..
٩ سورة غافر، الآية: ٤٣..
١٠ أخرجه أبو داود في كتاب: الوصايا، باب: ما جاء فيما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم (٢٨٦٩).
وأخرجه النسائي في كتاب: الوصايا، باب: ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه (٣٦٦١).
وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الوصايا، باب: قوله: ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف (٢٧١٨)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير