ثم حكى مقالتهم الدالة على نفاقهم، فقال :
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلاءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ. . .
أينما تكونوا يدرككم الموت عند انقضاء آجالكم، ولو كنتم في بروج مشيدة عالية محصنة. فإن كان الموت لا بد منه ففي الجهاد أفضل، لأنه حياة لا موتَ بعده. قال الكلبي : نزلت في قوم من الصحابة، منهم : عبد الرحمن بن عوف، والمِقدادُ وقٌدامة بن مَظعون وغيرهم، كانوا يُؤذَونَ بمكة، ويستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم في القتال، فيقول لهم : كفوا أيديكم حتى يُؤذن فيه لكم، فلما هاجروا إلى المدينة وأُمروا به، كرهه بعضهم كراهية الطبع البشري، فخطر ببالهم شيءٌ مما حكى الله عنهم. فلما كانوا في عين العناية ومحل القرب والهداية عوقبوا على تلك الخواطر، ولو كان غيرهم من أهل البُعد لسُومح له في ذلك، وقيل : نزلت في قوم من المؤمنين أُمروا بالجهاد فنافقوا من الجُبن، وتخلفوا عن الجهاد، وهذا أليق بما بعده من قوله : إن تصبهم حسنة . والله تعالى أعلم.
يقول الحقّ جلّ جلاله : في وصف أهل النفاق : وإنهم إن تصبهم حسنة كخصب ورخاء ونعمة ظاهرة، قالوا : هذه من عند الله ، ونسبوها إلى الله بلا واسطة، وإن تصبهم سيئة كقحط وجوع وموت وقتل، قالوا للرسول عليه الصلاة والسلام : هذه من عندك بشؤم قدومك أنت وأصحابك، كما قالت اليهود لعنهم الله : منذ دخل محمدٌ المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها.
قلت : بل زكت ثمارها، ورخصت أسعارها، وأشرقت أنوارها، ولاحت أسرارها، وقد دعا صلى الله عليه وسلم للمدنية بمثل ما دعا إبراهيمُ لمكة، وأضعاف ذلك، فما زالت الخيرات تترادف إليها حسًا ومعنى إلى يوم القيامة، وهذه المقالة قد صدرت ممن كان قبلهم ؛ فقد قالوا لسيدنا صالح عليه السلام :
قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ [ النَّمل : ٤٧ ]، وقال تعالى : وَإِن تُصِبْهُمْ سَيَّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ [ لأعراف : ١٣١ ] [ مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قّدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } [ فُصّلَت : ٤٣ ]. قال تعالى مكذبًا لهم : قل كلٌّ من عند الله ؛ الحسنة بفضله، والسيئة بعدله. ثم عيرهم بالجهل فقال : فمالِ هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثًا ؛ فهُم كالبهائم أو أضل سبيلاً، أو لا يفقهون القرآن ويتدبرون حديثه، ولو تدبروا لعلموا أن الكل من عند الله، وأنه خالق كل شيء، المقدَّر لكل شيء.
وفي مثل هؤلاء يقول ابن الفارض رضي الله عنه :تعرّضَ قومٌ للغرامِ وأعرَضوا بجانبهم عن صحّتي فيه واعتلّوا رضوا بالأماني، وابُتُلوا بحظُوظهم وخاضوا بحارَ الحبّ، دعوى، فما ابتلّوا فهُم في السُّرى لم يَبرَحوا من مكانهم وما ظَعَنوا في السير عنه، وقد كلَّوا
الإشارة : ثلاث خصال لا ينجو منها إلا القليل كما في الحديث : الطيرة، والحسد، والظن. فقال عليه الصلاة والسلام :" إذا تَطَيَّرتَ فامضِ، وإذا حسدتَ فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تٌحَقّق " فيتأكد على المريد أن يتطهر من هذه الخصال، ويصفي مشربه من التوحيد، فلا يرى في الوجود إلا مولاه، ولا ينسب التأثير إلى شيء سواه، إذا رأى نعمة به أو بغيره، قال : من الله، وإذا رأى مصيبة كذلك تأدب مع الله، فيعتقد في قلبه أنها من قَدَرِ الله، يقول : قل كلٌّ من عند الله ، وينسب النقص إلى نفسه وهواه، فالنفس والشيطان مناديل الحضرة، تمسح فيهما أوساخ الأقدار، [ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ } [ القَصَص : ٦٨ ]. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي