ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃ

إنه سبحانه حين يجهلنا بزمن الموت ويخفيه علينا فمعنى ذلك أن الإنسان قد يستقبل الموت في أي لحظة، وهل هناك بيان أوضح من هذا ؟. فحين جهلنا بزمن الموت فهو لم يمنع عنا معرفة زمنه، ولكنه أشاع زمنه في كل زمن، فلا أحد بقادر على الاحتياط من زمن الموت، وكذلك الحال في مكان الموت.
وها هو ذا الحق يقول :
أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا٧٨ .
والحق هنا يتعرض لقضية الموت مع المكان فقال : أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة فالعقل البشري الذي يتوهم أن بإمكانه الاحتياط من الموت مكانا عليه أن يعي جيدا أنه لا يستطيع ذلك، فوجود الشخص عند ظرف ما لا يدفع ولا يمنع عنه الموت، فالعندية سواء في معسكر الكفر أو في معسكر الإيمان لن تمنع حدوث الموت.
والعندية كما نعلم تعطي ظرف المكان. فلطافة تغلغل الموت تخترق أي مكان وزمان مادام الحق قد قضى به. وأعداء الإنسان في عافيته وفي حياته كثيرون، لكن إن نظرنا إليها في العنف نجدها تتناسب مع اللطف. فكلما لطف عدو الإنسان ودق ؛ كان عنيفا، وكلما كان ضخما كان أقل عنفا. فالذي له ضخامة قد يهول الإنسان ويفزعه، و لكن بإمكان الإنسان أن يدفعه. لكن متى يكون العدو صعبا ؟. يكون العدو صعبا كلما صغر ولطف ولا يدخل تحت الإدراك، فيتسلل إلى الإنسان.
ومثال ذلك : هب أن واحدا يبني بيتا في خلاء ويمر عليه إنسان ليبارك له وضع أساس البيت فيقول لصاحب البيت : إنك لم تحتط لمثل هذا المكان، فهو يمتلئ بالذئاب والثعالب ويجب أن تضع حديدا على النوافذ التي في الدور الأول، وذلك حتى لا تدخل إليك هذه الحيوانات المفترسة.
ويضع صاحب البيت حديدا على نوافذ الدور الأول. ويجيء واحد ثان ويقول له : لقد فاتك أن هذا المكان به ثعابين كثيرة وعليك أن تضيق فتحات الحديد، ويفعل ذلك صاحب البيت ليرد الثعابين. ويجيء ثالث لزيارة صاحب البيت فيقول : إنني أتعجب منك كيف تحترس من الذئاب والثعابين ولا تحتاط من ذباب هذه المنطقة ؟. إنه ذباب سام. وهنا يضع صاحب البيت سلكا على النوافذ. ويجيء واحد رابع ليقول لصاحب البيت ؛ في هذه المنطقة حشرات أقل حجما من الذباب وأكثر عنفا من البعوض ويمكنها أن تتسلل من فتحات السلك الذي تضعه على نوافذك، فيخلع صاحب البيت السلك المعلق على نوافذ البيت ويقوم بتركيب سلك آخر فتحاته أكثر ضيقا بحيث لا تمر منه هذه الحشرات. إذن فعدوك كلما لطف ودق عن الإدراك كان عنيفا.
ولذلك فأخطر الميكروبات التي تتسلل إلى الإنسان، ولا يدري الإنسان كيف دخلت إلى جسده ولا كيف طرقت جلده، ولا يعرف إصابته بها إلا بعد أن تمر مدة التفريخ الخاصة بها وتظهر بجسده آلامها ومتاعبها. إنها تدخل جسم الإنسان دون أن يدري ولا يعرف لذلك زمانا أو مكانا.
ويلفتنا سبحانه إلى أن الشيء عندنا كلما لطف ازداد عنفا، ولا تمنعه المداخل. فما بالكم بالموت وهو ألطف من كل هذا، ولا أحد يستطيع أن يحتاط منه أبدا.
وما مقابل الموت ؟. إنه الحياة حيث توجد الروح في الجسد. وما كنه الروح ؟ لا يعرف أحد كنه الروح على الرغم من أنه يحملها في نفسه، ولا أحد يعرف أين تكون الروح أو ما شكلها، ولا أحد يعرف من رآها أو سمعها أو لمسها.
وعندما يقبضها الله فإن الحياة تنتهي. والحق هو الذي جعل للحي روحا، وعندما ينفخها فيه تأتي الحياة.
إن الحق سبحانه يلفتنا وينبهنا إلى ذلك فيترك في بعض ماديتنا أشياء لا يستطيع العلماء بالطب ولا المجاهر أن يعرفوا كنهها وحقيقتها، فنحن لا نعرف مثلا الفيروس المسبب لبعض الأمراض.
فإذا كان الله قد جعل للإنسان روحا يهبه بها الحياة، فلماذا لا نتصور أن للموت حقيقة، فإذا ما تسلل للإنسان فإنه يسلب الروح منه، وبذلك نستطيع أن نفهم قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الملك :
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير ١ الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ( من الآية١ وجزء من الآية٢ سورة الملك ).
إذن فالموت ليس عملية سلبية كما يتوهم بعض الناس، بل عملية إيجابية، وهو مخلوق بسر دقيق للغاية يناسب دقة الصانع. ووصف الحق أمر الموت والحياة في سورة الملك وقدم لنا الموت على الحياة ؛ مع أننا في ظاهر الأمر نرى أن الحياة تأتي أولا ثم يأتي الموت. لا، إن الموت يكون أولا، ومن بعده تكون الحياة. فالحياة تعطي للإنسان ذاتية ليستقبل بها الأسباب المخلوقة، فيحرث الأرض أو يتاجر في الأشياء أو يصنع ما يلائم حياته ويمتع به السمع والبصر، فيظن أن الحياة هي المخلوقة أولا.
ينبهنا ويوضح لنا الحق : لا تستقبل الحياة إلا إذا استقبلت قبلها ما يناقض الحياة، فيقول لنا عن نفسه : الذي خلق الموت والحياة وهذا ما يسهل علينا فهم الحديث القدسي الشريف الذي يشرح لنا كيف يكون الحال بعد أن يوجد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ويأتي الحق سبحانه بالموت في صورة كبش ويذبحه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه : يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط، فيقال : يا أهل الجنة فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه. فيقال : هل تعرفون هذا ؟ قالوا : نعم ربنا، هذا الموت، ثم يقال : يا أهل النار، فيطلعون فرحين مستبشرين، أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه. فيقال : هل تعرفون هذا ؟ قالوا : نعم هذا الموت، فيأمر به فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين " كلاهما " (١) :( خلود فيما تجدون لا موت فيه أبدا )(٢).
وتجسيد الموت في صورة كبش معناه أن للموت كينونة. ويعلمنا الله أنه يقضي على الموت، فنحيا في خلود بلا موت. وينبه الناس الذين كفروا وظنوا أن الذين قتلوا في سبيل الله لو كانوا عندهم لما ماتوا. نقول لهم : العندية عندكم لا تمنع الموت. ولو كان من دنا أجله وحان حينه يسكن في بروج مشيدة لأدركه الموت.
إن الأداء القرآني يتنوع ؛ فهناك من الأداء ما نفهمه من الألفاظ، وهناك ما نفهمه من الهدي الأسلوبي للقرآن ؛ لأنه خطاب الرب. فالبشر فيما بينهم يتخاطبون بملكات لغوية وملكات عقلية، لكن عندما يخاطب الحق الخلق فسبحانه يخاطب كل ملكات النفس. ولذلك نجد طفلا صغيرا يحفظ القرآن ويمتلئ بالسرور، فيسأله واحد من الكبار : ما الذي يسرك في حفظ القرآن ؟ فيجيب الصغير : إنني أحس بالانسجام وكفى. هولا يعرف لماذا يحس بالانسجام من سماع القرآن أو حفظه، فالمتحدث هو الله، وسبحانه بقدرته وجمال كماله يخاطب كل الملكات النفسية.
وسبحانه وتعالى يقول : أينما تكونوا يدرككم الموت أي أينما توجدوا يدرككم الموت. وكلمة يدرككم دليل على أن الإنسان عندما تدب فيه الروح ينطلق الموت مع الروح، إلى أن يدركها في الزمن الذي قدره الله. وكلمة يدرك توضح لنا أن الموت يلاحق الروح حتى إذا أدركها سلبها وكما قال الأثر الصالح عن ملاحقة الموت للحياة :" حتى إذا أدركها جرت، فلا أحد منكم إلا هو مدرك "، ولذلك يقول أهل المعرفة والإشراق :" الموت سهم أرسل إليك وإنما عمرك هو بقدر سفره إليك ".
وهكذا نعرف أن قوله الحق : يدرككم تدل على أن الموت يلاحق حياة الإنسان ويجري وراء روحه حتى يدركها.
ويقول الحق : ولو كنتم في بروج مشيدة . وعندما نبحث في الحروف الأصلية لمادة كلمة البروج نستطيع أن نرى المعنى العام لها. والحروف الأصلية في هذه الكلمة هي " الباء " و " الراء " و " الجيم " وكلها تدل على الارتفاع والظهور.
فيقال هذه امراة فيها برج أي ان عيونها واسعة وتحتل قدرا كبيرا من وجهها وتكون واضحة فالبرج هو الاتساع والظهور.
والأبراج عادة كان بناؤها مرتفعا كحصون وقلاع نبنيها نحن الآن من الأسمنت والحديد. والقصد من مشيدة أي أنها تم بناؤها بإحكام، فالشيء قد يكون عاليا ولكنه قد يكون هشا. أما الشيء المشيد فهو من " الشيد " وهو " الجص "، ومن " الشيد " وهو " الارتفاع "، والمقصود ان لبنات البرج تلتحم أبعاضها وأجزاؤها بالجص فهي مرتفعة متماسكة.
إنك إذا رأيت جمعا وقوبل بجمع فمعنى ذلك أن القسمة تعطينا آحادا. فساعة يدخل المدرس الفصل يقول لطلابه : أخرجوا كتبكم. فمعنى هذا القول أن يخرج كل تلميذ كتابه. وعلى ذلك يكون القياس. فلو بنى كل إنسان لنفسه برجا مشيدا لجاءه الموت.
والجمع مقصود أيضا : أي لو كنتم جميعا معتصمين ببرج محاط ببرج آخر وثالث ورابع ؟، كأنه حصن محصن فالحصون في بعض الأحيان يتم بناؤها وكأنها نقطة محاطة بدائرة صغيرة. وحول الدائرة دائرة أخرى أوسع. وبذلك تجد الحصن نقطة محاطة بعدد من الحصون. والموت يدرك البشر ولو كانوا في برج محاط ببروج. وكلا المعنيين يوضح قدرة الحق في إنفاذ أمره بالموت.
وساعة يتكلم سبحانه عن الموت وعن الحياة في الجهاد فهو يريد أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور ؛ لأن الدين هو نور طارئ على ظلمة، والذين يعيشون في الظلام يكونون قد ألفوا الظلمة والفوضى وكل منهم يعربد في الآخرين. وعندما جاء الدين فر بعضهم من مجيء النور ؛ لأن النور يحرمهم من لذات الضلال ؛ ولأن النور يوضح الرؤية.
لذلك يوضح سبحانه وتعالى أنه اتى بالموت ليؤدي حاجتين : الحاجة الأولى : أن من يؤمن عليه أن يستحضر الموت لأن جزاءه لا يكون له منفذ إلا أن يموت ويلقى ربه، ويعلم أن الحاجب بينه وبين جزاء الخالق هو الموت، فساعة يسمع كلمة الموت فهو يستشرف للقاء الله ؛ لأنه ذاهب إلى الجزاء.
والحاجة الثانية : أن غير المؤمن يخاف الموت ويخشاه ولا يستعد له ويخاف أن يلاقي ربه. إذن فكلمة " الموت " تعطي الرغب والرهب. فصاحب الإيمان ساعة يسمع كلمة الموت يقول لنفسه : إن متاعب الدنيا لن تدوم، أريد أن ألقى ربي.
ولذلك يجب أن يستحضر المؤمنون بالله تلك القضية. وحين يستحضرون هذه القضية يهون عليهم كل مصاب في عزيز ؛ فالإنسان مادام مؤمنا فهو يعرف أن العزيز الذي راح منه إما مؤمن وإما غير مؤمن، فإن كان مؤمنا فليفرح له المؤمن الذي افتقده ؛ لأن الله عجل به ليرى خيره، فإن حزنت لفقد قريب مؤمن فأنت تحزن على نفسك. وإن كان الذي ذهب إلى ربه غير مؤمن، فالمؤمن يرتاح من شره. إذن الموت راحة، والذي عمل صالحا يستشرف إليه، وهذا رغب، أما الكافر فهو خائف ؛ وهذا رهب.
ولذلك فمن الحمق أن يحزن الإنسان على ميت، وعليه أن يلتفت إلى قول الحق : أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة .
ويتابع الحق : وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا . ومثل هذا الكلام أليق بمن ؟.
الذي يقول عن الحسنة إنها من عند الله فهو يؤمن بالله وهذه الكلمة لها في ذهنه تصور. والآية لا تريد هذا الصنف من الناس ولكن بعضهم يريد أن يفرق بين محمد وربه. فينسب الخير والحسنة لله، وينسب الشر والسيئة لمحمد، وعلى هذا فالذين قالوا مثل هذا الكلام إما أن يكونوا من المنافقين الذين أعلنوا إسلامهم وولاءهم لرسول الله وفي قلوبهم الكفر، وإما أن يكو

١ كلمة(كلاهما) هكذا جاءت بالأصل، والمعروف في القاعدة "كليهما"؛ لأن الكلمة توكيد لمجرور، ولعله على لغة من يلزم المثنى الألف..
٢ الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ج٢٤ ص٢٠٤..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير