ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃ

المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه بأخذ الحذر والاستعداد للقتال والنفر له وذكر حال الميطئين الذين ضعفت قلوبهم وأمرهم بالقتال في سبيله وفي سبيل إنقاذ المستضعفين.
ذكر هنا أن الإسلام كفلهم ترك ما كانوا عليه في الجاهلية من تخاصم وتلاحم وحروب مستمرة ولاسيما بين قبيلتي الأوس والخزرج فإن الحروب بينهم لم تنقطع إلا بمجيء الإسلام وأمرهم بكف أيديهم عن القتال والعدوان على غيرهم وطلب إليهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لما فيهما من تهذيب النفوس والعطف والرحمة حتى خمدت من نفوس كثير منهم حمية الجاهلية وحل محلها شريف العواطف الإنسانية إلى إن اشتدت الحاجة إلى القتال للذود عن بيضة الإسلام ودفع العدوان من أولئك المشركين الذين آذوا المسلمين وأحبوا فتنتهم في دينهم وردهم إلى ما كانوا عليه ففرضه عليهم فكرهه المنافقون والضعفاء فنعى ذلك عليهم ووبخهم أشد التوبيخ.
تفسير المفردات :
أينما تكونوا يدرككم الموت : أي في أي مكان كنتم يلحقكم الموت البروج المشيدة : القصور العالية المطلية بالشيد وهو الجص أو الحصون والقلاع المتينة التي تعتصم فيها حامية الجند
الإيضاح :
ثم رغبهم في القتال وبين لهم أن الموت مصير كل شيء فقال :
أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة أي إن الموت أمر محتم لا مهرب منه فهو لا بد أن يدرككم في أي مكان ولو تحصنتم في شواهق القصور التي يسكنها ذوو الثراء والنعمة أو في القلاع والحصون التي تقطنها حامية الجند وإذا كان الموت لا مفر منه وكان المرء قد يقتحم غمار الوغى ولا يصاب بالأذى وقد يموت المعتصم في البروج والحصون وهو في غضارة العيش فلا عذر لكم أيها المثبطون والمبطئون ولماذا تختارون لأنفسكم الحقير على العظيم ؟ ولماذا لا تدافعون عن الحق وتمنعون الشر أن يفشو حتى تستحقوا مرضاة الله وسعادة الآخرة ولماذا تكرهون القتال وتجبنون وتخافون الناس وتتمنون البقاء أليس هذا بضعف في الدين وركة في العقل وخور في العزيمة تؤاخذون بها وتقوم عليكم بها الحجة.
ثم ذكر سبحانه شأنا أخر من شؤونهم أشد دلالة على الحمق وضعف العقل ومرض القلب فقال : وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سئية يقولون هذه من عندك قل كل من عند الله أي إن أصابهم رخاء ونعمة قالوا إن الله أكرمكم بها عناية بهم وليس لهداية الرسول أثر في ذلك وإن أصابهم شدة وجهد قالوا هذا من شؤم محمد علينا وهذه مقالة اليهود والمنافقين حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأصابهم القحط والجدب وهذا زعم باطل منهم فكل من النعمة والبلية من عند الله خلقا وإيجادا يقع في ملكه بحسب السنن التي وضعها والأسباب والمسببات التي أوجدها.
فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا أي ماذا أصاب هؤلاء القوم وماذا دهاهم في عقولهم ؟ فهم لا يعقلون حقيقة ما يلقونه من الحديث ولا ما يلقى إليهم وإنما يأخذون بما يطفو من المعنى بادئ الرأي دون تمحيص ولا تحقيق وإذا كانوا قد حرموا هذا الفقه من كل حديث فما أحراهم أن يحرموه من حديث يبلغه الرسول عن ربه في الإخبار عن نظم الاجتماع وارتباط الأسباب بالمسببات وعما أحاط الله به المصطفين الأخيار من وافر الفضل وخصهم به من جميل الرعاية فتلك الحكم العالية لا تنال إلا بفضل الروية وطول الاناة والتدبير ومن وصل إلى هذا القدر من الفهم لا يقول إن السيئة لا تقع بشؤم أحد بل ينسب كل شيء إلى سببه.
و في الآية إيماء إلى أن حصيف الرأي يجب أن يطلب فقه القول دون الأخذ بالجمل والظواهر إذ من قنع بذلك بقي في عماية ويظل طوال دهره غرا جاهلا بما يحيط به من نظم هذا العالم.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير