وقوله : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ [ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ]١ قيل : المراد : وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث واليتامى والمساكين فَلْيَرْضَخْ لهم من التركة نصيب، وأن ذلك كان واجبا في ابتداء الإسلام. وقيل : يستحب٢ واختلفوا : هل هو منسوخ أم لا ؟ على قولين، فقال البخاري : حدثنا أحمد بن حُمَيد أخبرنا عُبَيدُ الله٣ الأشجعي، عن سُفْيان، عن الشَّيْباني، عن عكرمة، عن ابن عباس : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ قال : هي مُحْكَمَة، وليست بمنسوخة. تابعه سَعيد عن ابن عباس.
وقال ابن جرير : حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عَبَّاد بن العَوَّام، عن الحجاج، عن الحَكَم، عن مِقْسم، عن ابن عباس قال : هي قائمة يعمل بها.
وقال الثوري، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في هذه الآية، قال : هي واجبة على أهل الميراث، ما طابت به أنفسهم. وهكذا روي عن ابن مسعود، وأبي موسى، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي العالية، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جُبَير، ومكحول، وإبراهيم النَّخَعي، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ويحيى بن يَعْمَرَ : إنها واجبة.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ، عن يونس بن عُبَيد، عن محمد بن سيرين قال : ولي عبيدة وصية، فأمر بشاة فذبحت، فأطعم أصحاب هذه الآية، وقال : لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.
وقال مالك، فيما يروى عنه من التفسير في جزء مجموع، عن الزهري : أن عروة أعْطى من مال مصعب حين قسم ماله. وقال الزهري : وهي محكمة.
وقال مالك، عن عبد الكريم، عن مجاهد قال : هو حق واجب ما طابت به الأنفس.
ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم :
قال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جُرَيج٤ أخبرني ابن أبي مُلَيكة : أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، والقاسم بن محمد أخبراه : أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حَية قالا فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه. قالا وتلا وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى قال القاسم : فذكرت ذلك لابن عباس فقال : ما أصاب، ليس ذلك له، إنما ذلك إلى الوصية، وإنما هذه الآية في الوصية يزيد الميت [ أن ]٥ يوصي لهم. رواه ابن أبي حاتم٦.
ذكر من قال : إن هذه الآية منسوخة بالكلية :
قال سفيان الثوري، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ قال : منسوخة.
وقال إسماعيل بن مسلم المكي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال في هذه الآية : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى نسختها الآية التي بعدها : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
وقال العَوْفي، عن ابن عَبَّاس في هذه الآية : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى كان ذلك قبل أن تَنزل٧ الفرائض، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض، فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سَمى المتوفى. رواهن ابن مَرْدُويه.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن٨ بن محمد بن الصبَّاح، حدثنا حَجَّاج، عن ابن جُرَيج وعثمان بن عطاء عن عَطاء، عن ابن عباس قوله : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ نسختها آية الميراث، فجعل لكل إنسان نصيبه مما تَرك الوالدان والأقربون - مما قل منه أو كثر - [ نصيبا مفروضا ]٩
وحدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا سعيد بن عامر، عن همام، حدثنا١٠ قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال : إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض، كان ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوي القربى إذا حَضروا القسمة، ثم نسخ بعد ذلك، نسختها المواريث، فألحق الله بكل ذي حَق حقه، وصارت الوصية من ماله، يوصي بها لذوي قرابته حيث يشاء.
وقال مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب : هي منسوخة، نسختها المواريث والوصية.
وهكذا روي عن عكرمة، وأبي الشعثاء، والقاسم بن محمد، وأبي صالح، وأبي مالك، وزيد ابن أسلم، والضحاك، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حَيَّان، وربيعة بن أبي عبد الرحمن : أنهم قالوا : إنها١١ منسوخة. وهذا مذهب جُمْهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم.
وقد اختار ابن جرير هاهنا قولا غريبا جدًا، وحاصله : أن معنى الآية عنده وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أي : وإذا حضر قسمة مال الوصية أولو قرابة الميت فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ لليتامى والمساكين إذا حضروا قَوْلا مَعْرُوفًا هذا مضمون ما حاوله بعد طُول العبارة والتكرار، وفيه نظر، والله أعلم.
وقد قال العَوْفي عن ابن عباس : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ وهي قسمة الميراث. وهكذا قال غير واحد، والمعنى على هذا لا على ما سلكه أبو جعفر بن جرير، رحمه الله، بل المعنى : أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يَرثون، واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق١٢ إلى شيء منه، إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطون، فأمر الله تعالى - وهو الرءوف الرحيم - أن يُرضَخ لهم شيء من الوسَط يكون برا بهم١٣ وصدقة عليهم، وإحسانا إليهم، وجبرا لكسرهم. كما قال الله تعالى : كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [ الأنعام : ١٤١ ]وذم الذين ينقلون المال١٤ خفية ؛ خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة، كما أخبر عن أصحاب الجنة إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ [ القلم : ١٧ ]أي : بليل. وقال : فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ [ القلم : ٢٣، ٢٤ ] دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [ محمد : ١٠ ]فمن جَحَد حق الله عليه عاقبه١٥ في أعز ما يملكه ؛ ولهذا جاء في الحديث :" ما خالطت الصَّدَقَةُ مالا إلا أفسدته " ١٦ أي : منعها يكون سبب محاق ذلك المال بالكلية.
٢ في أ: "مستحب"..
٣ في أ: "عبد الله".
.
٤ في أ: "ابن جرير"..
٥ زيادة من أ..
٦ ورواه الطبري في تفسيره (٨/١٠، ١١) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة به..
٧ في جـ، أ: "ينزل"..
٨ في جـ، أ: "الحسين".
.
٩ زيادة من جـ، أ..
١٠ في جـ، أ: "عن"..
١١ في أ: "هي"..
١٢ في جـ، ر، أ: "تتشوق"..
١٣ في أ: "لهم"..
١٤ في جـ: "يشتغلون بالمال"، وفي ر، أ: "يستغلون المال"..
١٥ في أ: "عاقبه الله"..
١٦ رواه البزار في مسنده برقم (٨٨١) "كشف الأستار" من حديث عائشة، وقال الهيثمي في المجمع (٣/٦٤): "فيه عثمان الجمحي قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به".
.
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة