ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ

هذا الشوط الأول في السورة يبدأ بآية الافتتاح، التي ترد " الناس " إلى رب واحد، وخالق واحد ؛ كما تردهم إلى أصل واحد، وأسرة واحدة، وتجعل وحدة الإنسانية هي " النفس " ووحدة المجتمع هي الأسرة، وتستجيش في النفس تقوى الرب، ورعاية الرحم.. لتقيم على هذا الأصل الكبير كل تكاليف التكافل والتراحم في الأسرة الواحدة، ثم في الإنسانية الواحدة. وترد إليه سائر التنظيمات والتشريعات التي تتضمنها السورة.
وهذا الشوط يضم من تلك التكاليف ومن هذه التشريعات، ما يتعلق بالضعاف في الأسرة وفي الإنسانية من اليتامى، وتنظم طريقة القيام عليهم وعلى أموالهم كما تنظم طريقة انتقال الميراث بين أفراد الأسرة الواحدة، وأنصباء الأقرباء المتعددي الطبقات والجهات، في الحالات المتعددة.. وهي ترد هذا كله إلى الأصل الكبير الذي تضمنته آية الافتتاح، مع التذكير بهذا الأصل في مطالع بعض الآيات أو في ثناياها، أو في خواتيمها، توثيقا للارتباط بين هذه التنظيمات والتشريعات، وبين الأصل الذي تنبثق منه، وهو الربوبية، التي لها حق التشريع والتنظيم، هذا الحق الذي منه وحده ينبثق كل تشريع وكل تنظيم.
ولما كان نظام التوريث - كما سيجيء - يحجب فيه بعض ذوي القربى بعضا، فيوجد ذوو قرابة، ولكنهم لا يرثون، لأن من هم أقرب منهم سبقوهم فحجبوهم، فإن السياق يقرر للمحجوبين حقا لا يحدده - إذا هم حضروا القسمة - تطييبا لخاطرهم، كي لا يروا المال يفرق وهم محرومون، واحتفاظا بالروابط العائلية، والمودات القلبية. كذلك يقرر لليتامى والمساكين مثل هذا الحق تمشيا مع قاعدة التكافل العام :
( وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين، فارزقوهم منه، وقولوا لهم قولا معروفا )..
وقد وردت في هذه الآية روايات شتى عن السلف. ما بين قولهم إنها منسوخة، نسختها آيات الميراث المحددة للأنصبة، وقولهم : إنها محكمة. وما بين قولهم : إن مدلولها واجب مفروض، وقولهم : إنه مستحب ما طابت به أنفس الورثة.. ونحن لا نرى فيها دليلا للنسخ، ونرى أنها محكمة وواجبة. في مثل هذه الحالات التي ذكرنا. معتمدين على إطلاق النص من جهة، وعلى الاتجاه الإسلامي العام في التكافل من جهة أخرى.. وهي شيء آخر غير أنصبة الورثة المحددة في الآيات التالية على كل حال.

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير