الآية الحادية والعشرون : قوله تعالى : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة [ النساء : ٩٢ ].
٢٨٧- ابن رشد : قال سحنون : أخبرني ابن القاسم، عن مالك أنه قيل له : أرأيت قوله تعالى : فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ليس في هذا ذكر دية فقال : إنما كان ذلك في حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة يكون فيهم رجل مؤمن لم يهاجر، وأقام معهم فيصيبه المسلمون خطأ فليس عليهم دية لأنه يقول جل وعز : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا (١). (٢)
وأما قوله : قوم بينكم وبينهم ميثاق فإنما ذلك في الهدنة التي كانت بين النبي عليه السلام وبين المشركين، أنه إن أصيب مسلم كان بين أظهرهم خطأهم يهاجر، فإن ديته على المسلمين يؤدونها إلى قومه الذين كان بين أظهرهم الكفار، ومما بين ذلك أن أبا جندل ورجلا آخر أتيا النبي عليه السلام في الهدنة مسلمين فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. فكما كان لهم أن يردوه إليهم فكذلك كانت ديته لهم لو قتل خطأ. ومما يبين ذلك قول الله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به (٣).
يقول : إن حبسوا عنكم مهرا كان لكم قبلهم ثم عاقبتموهم فحسبتم عنهم مهرا كان لهم قبلكم مثل ما صنعوا : فآتوا الذين ذهبت أزواجهم. فادفعوا إلى هذا المسلم ما كان أنفق على امرأته التي هربت منه إلى الكفر، وذلك قوله عز وجل : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم (٤).
قوله تعالى : وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله [ النساء : ٩٢ ].
٢٨٨- ابن العربي : قال مالك : المراد به، وهو مؤمن. (٥)
٢٨٩- ابن وهب : قال : وسئل مالك عن الرجل يقتل العبد خطأ، أعليه كفارة ؟ قال مالك : أما الذي جاء في القرآن فهو الحر، وذلك أن الله يقول : فدية مسلمة [ النساء : ٩٢ ]. قال مالك : فأنا أرى الكفارة في قتل العبد حسنا. (٦)
قوله تعالى : فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين [ النساء : ٩٢ ].
٢٩٠- يحيى : سمعت مالكا يقول : أحسن ما سمعت، فيمن وجب عليه، صيام شهرين متتابعين في قتل خطأ، فعرض له مرض يغلبه ويقطع عليه صيامه، أنه، إن صح من مرضه وقوي على الصيام، فليس له أن يؤخر ذلك وهو يبني على ما قد مضى من صيامه. وكذلك المرأة التي يجب عليها الصيام في قتل النفس خطأ. فإذا حاضت بين ظهري صيامها أنها، إذا طهرت، لا تؤخر الصيام، وهي تبني على ما قد صامت.
وليس لأحد وجب عليه صيام شهرين متتابعين في كتاب الله، أن يفطر إلا من علة : مرض، أو حيضة، وليس له أن يسافر فيفطر. (٧)
قال مالك : وهذا أحسن ما سمعت في ذلك.
٢٩١- يحيى : قال مالك : وأحب إلي أن يكون، ما سمى الله في القرآن، يصام متتابعا. (٨)
٢ - البيان والتحصيل: ٤/١٦١-١٦٢. قال ابن الفرس في أحكام القرآن: "ظاهر قول مالك، أن الآية منسوخة، لأنه عنده تقتضي أن المؤمن المقتول خطأ من قوم كفار لا دية فيها لجماعة المسلمين الذين يرمونه، فرأى أنها منسوخة. وقال بعضهم: يريد- يعني مالكا- أنها منسوخة بقوله عز وجل: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض [الأنفال: ٧٥]" ١٨٢..
٣ - سورة النحل، آية: ١٢٦..
٤ - سورة الممتحنة، آية: ١١..
٥ - أحكام القرآن لابن العربي: ١/٤٧٧ وينظر الأحكام الصغرى: ١/ ٢٩٨. وأحكام القرآن لابن الفرس: ١٨٢-١٨٣..
٦ -كتاب المحاربة من موطأ ابن وهب، ص: ٨٨..
٧ - الموطأ: ١/٣٠١ كتاب الصوم، باب صيام الذي يقتل خطأ أو يتظاهر..
٨ -الموطأ: ١/٣٠٤، باب ما جاء في قضاء رمضان والكفارات..
تفسير الإمام مالك
أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي المدني