[الجزء الاول]
بسم الله الرّحمن الرّحيم
المقدمةالحمد لله رب العالمين، الذي أنزل كتابه المبين على رسوله محمد الأمين صلّى الله عليه وسلّم، فشرح به الصدور وأمّن به القلوب من الخوف إلا من غضبه عزّ وجلّ، ونوّر به بصائر الصالحين والعارفين وجعله هداية للعالمين.
أما بعد، فالعلم نور والجهل ضلالة، وخير العلوم علم الدين والتفسير، فهو يبيّن ما اشتملت عليه الأحكام الإلهية من الأسرار والبدائع، لذا علينا إخواني أن نأتمر بما أمرنا الله به من تعلّم قراءة وتفسير وفهم كتاب الله المنزّل إلينا وتعليمه وتفهيمه، وهو القائل سبحانه وتعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) [الحديد: ١٦، ١٧]، ففي هذه الآيات الكريمة تنبيه من الله عزّ وجلّ على أنه كما يحيي الأرض بعد موتها كذلك يليّن القلوب ويذهب قسوتها ويبعدها عن المعاصي والذنوب بالإيمان الحقّ، والله خير المرتجى أن يفعل بنا ما يريد إنه عزيز كريم.
فقد عملت على ضبط نص هذا الكتاب «مراح لبيد»، المؤلّف من جزءين، الذي أتمنّى أن أكون بعملي هذا قد وفّقت إلى ما أصبو إليه من إيضاح وضبط وتعميم للفائدة المرتجاة. راجيا من المولى عزّ وجلّ العفو والمغفرة عمّا به قد أكون قصّرت، ومنك عزيزي القارئ التّفهّم الكامل وجبر العثرات، إذ إن الكمال لله وحده، والعصمة للأنبياء.
محمد أمين الضنّاوي صفحة رقم 3
ترجمة المؤلّف «١»
هو محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا، مفسّر، متصوّف، من فقهاء الشافعية. هاجر إلى مكّة المكرّمة وتوفي بها سنة ١٣١٦ هـ، عرّفه «تيمور» ب «عالم الحجاز»، له مصنّفات كثيرة منها:
- «مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد» مجلدان، وهو تفسيره.
- «مراقي العبودية»، شرح لبداية الهداية للغزالي، فرغ من تأليفه سنة ١٢٨٩ هـ.
- «وقائع الطغيان على منظومة شعب الإيمان».
- «قطر الغيث في شرح مسائل أبي الليث».
- «عقود اللّجين في بيان حقوق الزوجين».
- «نهاية الزين بشرح قرّة العين»، فقه.
- «شرح فتح الرحمن»، تجويد.
- «نور الظلام» في شرح قصيدة «عقيدة العوام» لأحمد المرزوقي.
- «مرقاة صعود التصديق»، تصوّف، في شرح «سلّم التوفيق» لابن طاهر المتوفى سنة ١٢٧٢ هـ.
- «كاشفة السجا، في شرح سفينة النجا»، في أصول الدين والفقه.
خطبة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته، وذلّ كل شيء لعزّته، واستسلم كل شيء لقدرته، وخضع كل شيء لملكه، فسبحان الله شارع الأحكام، المميز بين الحلال والحرام، أحمده على ما فتح من غوامض العلوم بإخراج الأفهام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أزال بيانه كل إبهام، وعلى آله وأصحابه أولي المناقب والأحلام صلاة وسلاما دائمين ما دامت الأيام.
أما بعد، فيقول أحقر الورى محمد نووي: قد أمرني بعض الأعزة عندي أن أكتب تفسيرا للقرآن المجيد فترددت في ذلك زمانا طويلا خوفا من الدخول في
قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ»
. «١» وفي
قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»
«٢».
فأجبتهم إلى ذلك للاقتداء بالسلف في تدوين العلم إبقاء على الخلق وليس على فعلي مزيد ولكن لكل زمان تجديد، وليكون ذلك عونا لي وللقاصرين مثلي وأخذته من الفتوحات الإلهية ومن مفاتيح الغيب ومن السراج المنير، ومن تنوير المقباس، ومن تفسير أبي السعود.
وسميته مع الموافقة لتاريخه «مراح لبيد لكشف معنى قرآن مجيد»، وعلى الكريم الفتّاح اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي. والآن أشرع بحسن توفيقه وهو المعين لكل من لجأ به.
(٢) رواه الترمذي في كتاب التفسير، ترجمة، وأحمد في (م ١/ ص ٢٣٣).
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
محمد بن عمر نووي الجاوي البنتني إقليما، التناري بلدا
محمد أمين الضناوي