ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑ

وعندما تكلم الحق عن القتال والقتل ينبهنا : إياكم وأن تجترئوا بسبب هذه المسائل على دماء الناس ولا على حياتهم ؛ لذلك يتكلم سبحانه عن القتل المحظور في الإيمان والإسلام ويقول :
وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما٩٢ .
جاء هذا القول بعد أن تكلم سبحانه عن القتال لتثبيت أمر الدعوة، ولما كان القتال يتطلب قتل نفس مؤمنة نفسا كافرة، ناسب ذلك أن يتكلم الحق سبحانه عن القتل.
والقتل كما نعلم إزهاق روح الحي بنقض بنيته. والحي وإن لم ننقض بنيته حين يأتي أجله يموت. إذن فنقض اللبنية من الإنسان الذي يريد أن يقضي على إنسان عمل غايته إنهاء الحياة، فلا يظنن ظان أن القاتل الذي أراد أن ينقض بنية شخص يملك أن ينهي حياته، ولكنه يصادف انقضاء الحياة، فالذي ينهي الحياة هو الحق سبحانه وتعالى. ولذلك قلنا : إن الجزاء إنما وقع على القاتل لا لأنه أمات القتيل ولكن لأن القاتل تعجل في أمر استأثر الله وحده به، والقتيل ميت بأجله، فالحق سبحانه وتعالى هو الذي استخلف الإنسان في الكون، والاستخلاف شرحه الحق في قوله : واستعمركم فيها ( من الاية٦١سورة هود ).
فالله هو الذي جعل الإنسان خليفة في الكون ليعمر هذا الكون، وعمارة الكون تنشأ بالتفكير في الارتقاء والصالح في الكون، فالصالح نتركه صالحا، وإن استطعنا أن نزيد في صلاحه فلنفعل.
الأرض على سبيل المثال تنبت الزرع، وإن لم يزرعها الإنسان فهو يجد زرعا خارجا منها، والحق يريد من الإنسان أن ينمي في الأرض هذه الخاصية فيأتي الإنسان بالبذور ويحرث الأرض ويزرعها. فهذا يزيد الأمر الصالح صلاحا. وهذا كله فرع وجود الحياة.
إذن فالاستخلاف في الأرض لإعمارها يتطلب حياة واستبقاء حياة للخليفة. ومادام استبقاء الحياة أمرا ضروريا فلا تأتي ايها الخليفة لخليفة آخر مثلك لتنهي حياته فتعطل إحياءه للأرض واستعماره لها. فالقتال إنما شرع للمؤمنين ضد الكافرين ؛ لأن حركة الكافرين في الحياة حركات مفسدة، ودرء المفسدة دائما مقدم على جلب المصلحة. فالذي يفسد الحياة يقاتله المؤمنون كي ننهي الحياة فيه، ونخلص الحياة من معوق فيها.
إذن فيريد الحق أن تكون الحياة لمن تصلح الأرض بحياته. والكافرون يعيثون في الأرض فسادا، ويعيشون على غير منهج، ويأخذون خير الضعيف ليصيروا هم به أقوياء، فشرع الله القتال إما ليؤمنوا فيخضعوا للمنهج، وإما ليخلص الحياة من شرهم. فإذا ما وجه الإنسان القتل لمؤمن وهو في ذاته صالح للاستعمار في الحياة يكون قد جنى على الحياة، وأيضا لو قتل الإنسان نفسه يكون قد جنة على الحياة كذلك، لماذا ؟ لأنه أفقد الحياة واحدا كان من الممكن أن يعمر بحركته الأرض.
فإن اجترأ على حياته أو على حياة سواه فلابد أن نؤدبه. كيف ؟ قال سبحانه : والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ( من الآية٢٧سورة يونس ).
والتشريع الإسلامي وضع للقاتل عن سبق إصرار وترصد عقابا هو القتل. وبذلك يحمي التشريع الحياة ولا ينمي القتل، بل يمنع القتل. إذن، فالحدود والقصاصات إنما وضعت لتعطي الحياة سعة في مقوماتها لا تضييقا في هذه المقومات، والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن القتال المشروع أراد أن يوضح لنا : إياكم أن تتعدوا بهذه المسألة، وتستعملوا القتال في غير الأمر المشروع، فإذا ما اجترأ إنسان على إنسان لينهي حياته في غير حرب إيمانية شرعية فماذا يكون الموقف ؟.
يقول التشريع : إنه يقتل، وكان يجب أن يكون في بالك ألا تجترئ على إزهاق حياة أحد إلا أن يكون ذلك خطأ منك، ولكن إن أنت فعلت خطأ نتج عنه الأثر وهو القتل. فماذا يكون الأمر ؟ هناك منفعل لك وهو القتيل وأنت القاتل ولكن لم تكن تقصده، هما إذن أمران : عدم القصد في ارتكاب القتل الخطأ، والأمر الثاني هو حدوث القتل.
يقول التشريع في هذه المسألة : إن القاتل بدون قصد قد أزهق حياة إنسان، وحياة هذا الإنسان لها ارتباطات شتى في بيئته الإيمانية العامة، وله ارتباطات ببيئته الأهلية الخاصة كعائلته، العائلة له أو العائل لها أو الأسرة أو الأقرب من الأسرة وهو الأصل والفرع، فكم دائرة إذن ؟ دائرة إيمانية عامة، ودائرة الأهل في عمومها الواسع، ودائرة الاسرة ودائرة خصوصية الأسرة في الأصل والفرع. وحين تنهي حياة إنسان في البيئة الإيمانية العامة فسوف تتأثر هذه البيئة بنقصان واحد مؤمن خاضع لمنهج الله ومفيد في حركته ؛ لأن الدائرة الإيمانية فيها نفع عام.
لكن الدائرة الأهلية يكون فيها نفع خاص قليلا والدائرة الأسرية نجد أن نفعه فيها كان خاصا بشكل ما، وفي الأصل والفرع نجده نفعا مهما وخاصا جدا. إذن فهذا القتل يشمل تفزيعا لبيئة عامة ولبيئة أسرة ولبيئة أصل وفرع.
ولذلك أريد أن تلاحظوا في أحداث الحياة شيئا يمر علينا جميعا، ولعل كثيرا منا لا يلتفت إليه، مع أنه كثير الحدوث، مثلا : إذا كنا جالسين في مجتمع وجاء واحد وقال :" فلان مات "، وفي هذا المجتمع أناس يعرفونه معرفة عامة. وآخرون يعرفونه معرفة خاصة ولهم به صلة، وأناس من أهله، وفيه والد الميت أو ابنه، انظروا إلى أثر النعي أو الخبر في وجوه القوم، فكل واحد سينفعل بالقدر الذي يصله ويربطه بمن مات. فواحد يقول :" يرحمه الله " وثان يتساءل بفزع :" كيف حدث ذلك " ؟ وثالث يبكي بكاء مرا، ورابع يبكي جاريا ليرى الميت. الخبر واحد فلماذا يتعدد أثر وصدى الانفعالات، ولماذا لم يكن الانفعال واحدا ؟.
نقول : إن الانفعال إنما نشأ قهرا بعملية لا شعورية على مقدار نفع الفقيد لمن ينفعل لموته ؛ فالذي كان يلتقي به لماما ويسيرا في أحايين متباعدة يقول :" رحمه الله ". والذي كان يجالسه كل عيد يفكر في ذكرياته معه، وحتى نصل إلى أولاده فنجد أن المتخرج الموظف وله أسرة يختلف انفعاله عن الخريج حديثا أو الذي يدرس، أو البنت الصغيرة التي مازالت تتلقى التعليم، هؤلاء الأولاد يختلف تلقيهم للخبر بانفعالات شتى، فالابن الذي له أسرة وله سكن يتلقى الخبر بانفعال مختلف عن الابن الذي مازال في الدراسة، وانفعال الابنة التي تزوجت ولها أسرة يختلف عن انفعال الابنة التي مازالت لم تجهز بعد.
إذن فالانفعال يحدث على مقدار النفعية، ولذلك قد نجدها على صديق أكثر مما نجدها على شقيق. وقالوا : من أحب إليك، أخوك أم صديقك ؟. قال : النافع. إذن تلقي خبر انتهاء الحياة يكون مختلفا، فالحزن عليه والأسف لفراقه إنما يكون على قدر إشاعة نفعه في المجتمع.
فالذي تجد المجتمع كله هائجا وثائرا وحزينا لفراقه كان نافعا للمجتمع كله، والذي تبكي عليه أسرته فقط نقول : إنه كان على قدر نفعه لأسرته وأولاده، وقد يموت واحد ولا يحس أحد أن الكون قد نقص. وهذا هو السبب في أنهم أرادوا أن يجعلوا لكل واحد وطنا. وقالوا : إن أوطان الناس على قدر همتهم. فواحد ليس له وطن إلا نفسه فقط ؛ يرى كل شيء لنفسه ولا يرى نفسه لأحد حتى ولو كانوا أولاده.
وهناك واحد يكون وطنه أسرته يعمل على قدر نفعها، وواحد يكون وطنه عائلته وقريته، وواحد وطنه أمته. وواحد وطنه العالم كله. إذن فعندما يفجع المجتمع في واحد فالهزة تأتي على قدر وطنه، وعندما يفاجأ الناس بواحد يقتل عن طريق الخطأ فالفاعل معذور. ولكن عذره لم يمنع أن تعدى فعله وأن الآخر قد قتل ؟. فالأثر قد حصل، وتحدث الهزة للأقرب له في الانتفاع، ولأن القتل خطأ فلن يتم القصاص من القاتل، ولكن عليه أن يدفع دية، وهذه الدية توزع على الناس الذين تأثروا بفقدان حياته ؛ لأن هناك قاعدة تقول : " بسط النفع وقبض الضر ".
إنك ساعة ترى شيئا سينفعك فإن النفس تنبسط، وعندما ترى شيئا سيضرك فان النفس تنقبض. وعندما يأتي للإنسان خبر موت عزيز عليه فإن نفسه تنقبض، وساعة يأتيه من بعد ذلك خير وهو حصوله على جزء من دية القتيل فالنفس تنبسط، وبذلك يتم علاج الأثر الحادث عن القتل الخطأ.
والدية بحكم الشرع تأتي من العاقلة، وبشرط ألا تؤخذ من الأصول والفروع، فلا تجتمع عليهم مصيبة فقد إنسان على يد أحد من أصولهم أو فروعهم وهم بذلك يفزعون فلا يجمع عليهم هذا الأمر مع المشاركة في الدية. كأن التشريع أراد أن يعالج الهزة التي صنعها انحراف بعلاج هو وقاية من رد الفعل فيحقق التوازن في المجتمع. فمن يقتل خطأ لا يقتص منه المجتمع ولكن هناك الدية. ومن أجل إشاعة المسئولية فالقاتل لا يدفعها، ولكن تدفعها العاقلة ؛ لأن العاقلة إذا ما عملت أن من يجني من أهلها جناية وأنها ستتحمل معه فإنها تعلم أفرادها فن صيانة حقوق غيرهم ؛ لأن كل واحد منها سيدفع، وبذلك يحدث التوازن في المجتمع.
والحق سبحانه وتعالى يعلمنا أن نستبعد أن يقتل مؤمن مؤمنا إلا عن خطأ، فلا يستقيم ان يحدث ذلك عمدا فيقول : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومعنى هذا أن مثل هذا القتل لا يصح أن يحدث عن قصد ؛ لأن اللحمة بضم اللام الإيمانية تمنع هذا. لكن إن حدث هذا فما العلاج ؟. وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله .
ولا يذكر سبحانه هنا القصاص، فالقصاص قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ( من الآية١٧٨ سورة البقرة ).
والقصاص حق الولي فله ان يعفو او ان يأخذ الدية، كان يقول : عفوت عن القصاص على الدية. ويجب أن نفرق بين الحد وبين القصاص. فالقصاص حق الولي، والحد حق الله. وللولي ان يتنازل في القصاص، اما الحدود فلا يقدر أحد ان يتنازل عنها، لأنها ليست حقا لأحد ولكنها حق لله.
إذن فالقتل الخطأ قال فيه : فتحرير رقبة مؤمنة وهنا قد نسأل : وماذا يستفيد أهل المجنى عليه بالقتل من تحرير رقبة مؤمنة ؟. هل يعود ذلك على أهل القتيل ببسط في النفعية ؟. قد لا تفيدهم في شيء، لكنها تفيد المجتمع ؛ لأن مملوك الرقبة وهو العبد أو الأمة هو مملوك لسيده، والسيد يملك حركة العبد، ولكن عندما يكون العبد حرا فهو حر الحركة ؛ فحركة العبد مع السيد محدودة، وفي حريته حركة مفيدة للمجتمع.
إذن فالقبض الذي حدث من قتل نفس مؤمنة يقابلها بسط في حرية واحد كان محكوما في حركته فنقول له : انطلق في حركتك لتخدم كل مجتمعك. ويريد الحق بذلك أن يفتح مصرفا لحرية الأرقاء ضمن المصارف الكثيرة التي جعلها الإسلام لذلك.
وبعد هذا القول ودية مسلمة إلى أهله لكي تصنع البسط في نفوس أهله ليعقب القبض نتيجة خبر القتل. ولذلك نجد أسرة قد فجعت في أحد أفرادها بحادثة وعاشوا الحزن أياما ثم يأخذون الأوراق ويصرفون بها الدية أو التعويض، مما يدل على أن في ذلك شيئا من السلوى وشيئا من التعزية وشيئا من التعويض، ولو كانت المسألة مزهودا فيها لقالوا :" نحن لا نريد ذلك "، ولكن ذلك لا يحدث.
وبعد ذلك نجد الذي فقد حياة حبيب لا يظل في حالة حزن ليفقد حياة نفسه، ففي الواقع يكون الحزن من الحزين عل

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير