فرعون اربعمائة سنة وعاش ستمائة وعشرين سنة لا يرى مكروها ولو كان له فى تلك المدة جوع يوم او حمى يوم او وجع ساعة لما ادعى الربوبية قط ولم يكن هذا القول منهم الا لكمال إغراقهم فى الغباوة والقساوة فانهم بعد مشاهدة الآيات لم ينتبهوا على انه ما كانت الحسنة الا تفضلا من الله تعالى وابتلاء فلما لم يشكروها ودعاهم الرسول المويد بالمعجزات الباهرة الى الشكر والطاعة فلم يطيعوه وتمادوا فى العصيان اخذتهم السنة لشوم أعمالهم عقوبة من عند الله تعالى كما قال أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ اى شومهم عِنْدَ اللَّهِ اى من عنده بكفرهم ومعاصيهم كذا قال ابن عباس وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ لفرط غباوتهم ان الذي أصابهم عقوبة من الله تعالى وقيل معنى الاية ان طائرهم اى انصبائهم من الخير والشر كله من عند الله وفى القاموس الطائر ما تيمنت به او تشاءمت والخط وعمل الإنسان ورزقه او سبب خيرهم وشرهم عنده وهو حكمه ومسببه او سبب شومهم عند الله وهو أعمالهم المكتوبة عنده فانها التي ساقت إليهم ما يسوئهم وقيل معناه الشوم العظيم هو الذي لهم عند الله من عذاب النار قال البيضاوي انما عرف الحسنة وذكرها مع اداة التحقيق يعنى إذا الكثرة وقوعها وتعلق الارادة بها بالذات لسعة رحمة الله تعالى ونكر السيئة واتى بها مع حرف الشك يعنى ان لندرتها وعدم تعلق القصد بها الا بالتبع.
وَقالُوا يعنى فرعون واله لموسى عليه السلام مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ اى معجزة وعلامة على صدقك فى دعوى النبوة انما سموها اية على زعم موسى عليه السلام او استهزاء به لا على اعتقادهم ولذلك قالوا لِتَسْحَرَنا بِها أعيننا وتشبه علينا وتلفتنا عما نحن عليه من الذين والضمير فى به وبها لما ذكره قبل التبئين اى كلمة مهما ذكره باعتبار اللفظ وانثه باعتبار المعنى فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ بمصدقين فدعا موسى عليهم.
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ نصب على الحال من الأسماء المذكورة مُفَصَّلاتٍ مبينت لا يخفى على العاقل انها من الله تعالى ونقمته او منفصلات لامتحان أحوالهم وكان بين كل ايتين منها ثلاثون يوما أخرجه ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير وكان امتداد كل منها اسبوعا أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس بلفظ يمكث فيهم سبتا الى سبت ثم يرفع عنهم شهرا وقيل ان موسى لبث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل قال البغوي قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة و
محمد بن اسحق دخل كلام بعضهم فى بعض لما امنت السحرة ورجع فرعون وقومه مغلوبا ابى هو وقومه لا الاقامة على الكفر والتمادي فى الشر فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات فلما عالج منهم بالآيات الأربع العصا واليد والسنين ونقص من الثمرات فابوا ان يؤمنوا فدعا عليهم موسى عليه السلام فقال يا رب ان عبدك فرعون علا فى الأرض وطغى وعتى وان قومه قد نقضوا عهدك فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومى عظة ولمن بعدهم اية وعبرة فبعث عليهم الطوفان وهو الماء أرسل الله عليهم المطر وبيوت بنى إسرائيل وبيوتهم مشتبكة مختلطة فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا فى الماء وركد الماء على أراضيهم لا يقدرون على ان يحرثوا ولا يزرعوا شيئا ودام ذلك عليهم سبعة ايام من السبت الى السبت وقال مجاهد وعطاء الطوفان الموت كذا اخرج ابن جرير عن عائشة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وقال وهب الطوفان الطاعون بلغة اليمن وقال ابو قلابة الطوفان الجدري وهم أول من عذبوا به فبقى فى الأرض وقال مقاتل الطوفان الماء طفا فوق حروثهم وروى ابو ظبيان عن ابن عباس قال الطوفان امر من الله عز وجل طاف بهم ثم قرأ فطاف عليهم طائف من ربك وهم نائمون قال نحاة الكوفة الطوفان مصدر لا يجمع كالرجحان والنقصان وقال اهل البصرة هو جمع واحدها طوفانة فقالوا لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن بك ونرسل معك بنى إسرائيل فدعا ربه فكشف الطوفان فانبت الله لهم فى تلك السنة شيئا لم ينبت قبل ذلك من الكلأ والزروع والثمار وأخصبت بلادهم فقالوا ما كان هذا الماء الا نعمة علينا وخصبا فلم يومنوا وقاموا شهرا فى عافية فبعث الله عليهم الجراد وأكل عامة زروعهم وثمارهم وأوراق الشجر حتى كانت تأكل الأبواب وسقف البيت والخشب والنبات والامتعة ومسامير الأبواب من الحديد حتى يقع دونهم وابتلى الجراد بالجوع فكانت لا تشبع ولا يصيب بنى إسرائيل شىء من ذلك فعجوا «١» وضجوا «٢» وقالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك واعطوا عهد الله وميثاقه فدعا موسى فكشف الله عنهم الجواد بعد ما اقام عليهم سبعة ايام من السبت الى السبت وفى الخبر مكتوب على صدر كل جراد جند الله الأعظم ويقال ان موسى برز الى الفضاء فاشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث
(٢) الضج الصياح عند المكروه والمشقة والجزع ١٢
جاءت وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاتهم بقية فقالوا قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا فلم يفوا بما عاهدوا وعادوا الى أعمالهم السوء فاقاموا شهرا فى عافيه ثم بعث الله عليهم القمل واختلفوا فى القمل فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال القمل السوس الذي يخرج من الحنطة وقال مجاهد والسدى وقتادة والكلبي الدباء قالوا الجراد الطيارة التي لها اجنحة والدباء صغارها التي لا اجنحة لها وقال عكرمة هى بنات الجراد وقال ابو عبيدة هو الحمنان وهو ضرب من القراد وقال عطاء الخراسانى هو القمل وبه قرأ الحسن والقمل بفتح القاف وسكون الميم قالوا امر الله تعالى موسى ان يمشى الى كثيب «١» اعفر «٢» بقرية من قرى مصر تدعى عين الشمس فمشى موسى الى ذلك الكثيب وكان اهيل «٣» فضربه بعصاه فانتال عليهم بالقمل فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم فاكله وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلدهم فيعضه وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلى قملا قال سعيد بن المسيب القمل السوس الذي يخرج من الحبوب وكان الرجل يخرج عشرة أقفزة الى الرحى فلم يرد منها الا ثلثة أقفزة فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل وانحزت أشعارهم وأبصارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كالجدرى عليهم ومنعهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا الى موسى انا نتوب فادع الله لنا ربك يكشف عنا البلاء فدعى موسى فرفع الله القمل عنهم بعد ما اقام سبعة ايام من السبت الى السبت فنكثوا وعادوا الى أخبث أعمالهم وقالوا ما كنا قطان نستيقن انه ساحر منا اليوم يجعل الوصل دوابا فدعا موسى عليهم بعد ما أقاموا شهرا فى عافية فارسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم وأطعمتهم وآنيتهم فلا يكشف أحد اناء ولا طعاما الا وجد فيه الضفادع وكان الرجل يجلس فى الضفادع الى ذقنه ويهم ان يتكلم فيثب الضفدع فى فيه وكانت تثبت فى قدورهم فيفسد عليهم طعامهم ويطفئ نيرانهم وكان أحدهم يضطجع فيركبه الضفادع فتكون عليه ركاما حتى ما يستطيع ان ينصرف الى شقه الاخر ويفتح فاه لاكله فيسبق الضفادع أكلته الى فيه ولا يعجن عجينا الا تشدخت فيه ولا يفتح قدرا الا امتلأت ضفادع فلقوا منها أذى شديدا وروى عكرمة عن ابن عباس قال كانت الضفادع برية فلما أرسلها الله على ال فرعون سمعت واطاعت تقذف نفسها فى القدر وهى تغلى وفى التنانير وهى تفور فاثابها لحسن طاعتها يرد الماء
(٢) اعفر ابيض ليس بناصع ١٢
(٣) الا هيل السائل من الرمل ١٢
فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا الى موسى وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود تأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعد ما أقاموا سبعا من السبت الى السبت فاقاموا شهرا فى عافية ثم نقضوا العهود وعادوا الى كفرهم فدعا عليهم موسى فارسل الله عليهم الدم فسال النيل عليهم دما وصارت مياهم دما فما يستسقون من الآبار والأنهار الا وجدوا دما عبيطا «١» احمر فشكوا الى فرعون فقال انه قد سحركم فقال القوم من اين سحرنا ونحن لا تجد فى أعيننا من الماء الا دما كان يجمع بين القبطي والاسرائيلى على الإناء الواحد فيكون ما يلى الاسرائيلى ماء وما يلى القبطي دما ويقومان الى جب فيه الماء فيخرج للاسرائيلى ماء والقبطي دم حتّى تكون المرأة من ال فرعون تأتي المرأة من بنى إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول اسقيني من مائك فتصب لها من قربتها فيعود فى الإناء دما حتى كانت تقول اجعليه فى فيك ثم مجيه فى فىّ فتاخذ فى فيها فاذا مجته فى فيها صارد ما وان فرعون اعتراه العطش حتى انه كان يضطر الى مضغ الأشجار الرطبة فاذا مضغ يصير مائها فى فيه ملحا أجاجا فمكثوا فى ذلك سبعة ايام لم يشربوا الا الدم قال زيد بن اسلم الدم الذي كان سلط الله عليهم كان رعافا فاتوا موسى وقالوا يموسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنومن بك ونرسل معك بنى إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فَاسْتَكْبَرُوا عن الايمان بموسى وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ اى نزل بهم جنس العذاب الذي ذكر من الطوفان وغيرها وقال سعيد بن جبير الرجز هو الطاعون وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس مات منهم سبعون الفا فى يوم واحد فامسوا وهم يتدافنون روى الشيخان فى الصحيحين والترمذي والبغوي عن اسامة بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الطاعون رجزا رسل على بنى إسرائيل وعلى من كان قبلكم فاذا سمعتم به من ارض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وروى احمد والبخاري عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الطاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء وان الله جعله رحمة للمؤمنين فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث فى بلده صابرا محتسبا يعلم انه لا يصيبه الا ما كتب الله له الا كان له مثل اجر شهيد قلت لكن الحديثين المذكورين لا يدلان على ان الطاعون أرسل على القبط بل يدلان على انه أرسل على بنى إسرائيل ولعله
التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
غلام نبي تونسي