تفسير المفردات : أخلد إلى الأرض : أي ركن إلى الدنيا ومال إليها واللهث بالفتح واللهاث بالضم : التنفس الشديد مع إخراج اللسان ويكون لغير الكلب من شدة التعب والإعياء أو من العطش وللكلب في كل حال سواء أصابه ذلك أم لا، وتحمل عليه : أي تشد عليه وتطرده، وساء الشيء : يسوء فهو سيئ إذا قبح، وساءه يسوءه مساءة.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر تقدست أسماؤه أخذ العهد والميثاق على بني آدم جميعا وأشهدهم على أنفسهم بأن الله ربهم لا يكون لهم العذر يوم القيامة في الإشراك بالله جهلا أو تقليدا قفى على ذلك بضرب المثل للمكذبين بآياته المنزلة على رسوله بعد أن أيدها بالأدلة العقلية والكونية، وهو مثل من آتاه الله آياته فكان عالما بها قادرا على بيانها والجدل بها لكنه لم يؤت العمل مع العلم بل كان عمله مخالفا لعلمه فسلبها لأن العلم الذي لا يعمل به لا يلبث أن يزول فأشبه الحية تنسلخ من جلدها وتخرج منه وتتركه على الأرض.
الإيضاح : ولو شئنا لرفعناه بها أي ولو أردنا أن نرفعه بتلك الآيات والعمل بها إلى درجات الكمال والعرفان لفعلنا، بأن نخلق به الهداية خلقا ونلزمه العمل بها طوعا أو كرها، إذ لا يعجزنا ذلك ولكنه مخالف لسنتنا.
ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه أي ولكنه ركن إلى الدنيا ومال إليها وجعل كل حظه من حياته التمتع من لذائذها الجسدية، ولم يوجه إلى الحياة الروحية عزما، وركب رأسه فلم يراع الاهتداء بشيء مما آتيناه من آياتنا.
وقد قضت سنة الله في الإنسان أن يجعله مختارا في عمله المستعد له بحسب فطرته، ليكون جزاؤه كفاء ما قدمت يداه من خير أو شر، وأن يمتحنه بما خلق في هذه الأرض من زينة ومتعة كما قال : إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا [ الكهف : ٧ ] ثم يولي كل امرئ منهم وجهة هو موليها فيختار منها ناحية بحسب استعداده وميله الفطري كما قاله : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا١٨ ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا١٩ كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا [ الإسراء : ١٨ ٢٠ ] كما مضت سنته أيضا بأن جعل ميل الإنسان مع شهواته في جميع أعماله دون رعاية للفائدة يضله عن السبيل الموصلة إلى السعادة الأخروية وينحرف به إلى سبل الغواية المردية في التهلكة كما قال تعالى مخاطبا داود عليه السلام : ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله [ ص : ٢٦ ] وقال مخاطبا خاتم أنبيائه : أرأيت إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا [ الفرقان : ٤٣ ].
وخلاصة ذلك : إن من شأن من يؤتي الآيات أن تسمو نفسه وتصعد في سلم الكمال لما فيها من الهداية إلى سبيل الخير الحاضّة على عمل النافع وما فيه فائدة روحية له، على شريطة أن يتلقاها بعزيمة ونية صادقة كما جاء في الحديث :( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ).
أما من تلقاها بغير قصد أو بنية كسب المال والجاه وفي نفسه ما يصرفه عنها فلن يستفيد منها شيئا وسرعان ما ينسلخ منها.
فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث أي إن هذا الرجل كالكلب في صفته هذه وهي أقبح حالاته وأخسها، فهو لإخلاده وميله إلى الدنيا وإتباعه هواه يكون كذلك في أسوأ حال، فهو في هم دائب وشغل شاغل في جمع عرض الدنيا وزخرفها، يغنى بخسيس أمورها وجليلها كشأن عباد الأهواء وطلاب الأموال ترى المرء منهم كاللاهث من الإعياء والتعب وإن كان ما يغنى به حقيرا لا يتعب ولا يعي، وتراه كلما أصاب سعة وبسطة في الدنيا زاد طمعا فيها كما قال الأول :
| فما قضى أحد منها لبانته | ولا انتهى أرب إلا إلى أرب |
| قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد | وينكر الفم طعم الماء من سقم |
وفي الآية إيماء إلى تعظيم ضرب شأن تلك الأمثال في الإقناع وكونها أقوى أثرا من سوق الحجج والأدلة دون أن تكون هي من بينها كما أن فيها رمزا إلى تعظيم شأن التفكر وأنه مبدأ العلم والسبيل للوصول إلى الحق، ومن ثم حث الله عيه في مواضع كثيرة من كتابه كقوله : إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون [ الرعد : ٣ ] وقوله : كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون [ يونس : ٢٤ ].
تفسير المراغي
المراغي