ويقول الحق بعد ذلك :
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( ١٧٦ ) .
وهنا أمران اثنان، الرفعة : وهي العلو والتسامي، ويأتي بعدها الأمر الثاني وهو الإخلاد إلى الأرض أي إلى التسفل، والفعلان منسوبان لفاعلين مختلفين.
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ ، والفعل رفع هنا مسند لله. ولكنه اختار أن يخلد في الأرض. وجاء الأمر كذلك لأن الرفعة من المعقول أن تنسب لله. لكن التسفل لا يصح أن يُنسب لله، وكان كل فعل هو بأمر صاحب الكون. وربنا هنا يرفع من يسير على المنهج، وحين يقول الحق تبارك وتعالى ولو شئنا أي أنها مشيئتنا. فلو أردنا أن نرفعه كانت المشيئة صالحة، لكن هذا الأمر ينقص الاختيار، والحق يريد أن يُبقَى للإنسان الاختيار، فإن اختار الصواب فأهلا به وجزاؤه الجنة، وإن أراد الضلال فلسوف يَلْقى العذاب الحق، ولمزيد من الاعتبار بقصص القرآن اقرأ معي قصة العبد الصالح مع موسى عليه السلام : فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ( ٦٥ ) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ( ٦٦ ) ( سورة الكهف ).
ورغم أن موسى رسول من عند الله إلا أنه لم يتأبّ على أن عبدا من عباد الله تقرب إلى الله فاتبعه موسى ليقول له : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا .
وفي هذا تأكيد على رغبة موسى أن يستزيد بالعلم ممن أعطاه الله العلم. وجاء القرآن بهذه القصة ليعلمنا أدب التعلم.
وماذا قال العبد الصالح ؟ لقد عذر موسى وقال : قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ( ٦٧ ) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ( ٦٨ ) ( سورة الكهف ).
أي أنك يا موسى لن تصبر لا لنقص فيك، بل لأنك سترى أمورا لا تعرف أخبارها. لكن سيدنا موسى قال له لا : سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وأصرّ موسى أن يتبع العبد الصالح وأنه لن يعصي له أمرا، واشترط العبد الصالح ألا يسأله سيدنا موسى عن شيء إلا أن يحدثه العبد الصالح. وكان كل ذلك مجرد كلام نظري، فيه أخذ ورد، وحين جاء الواقع تغير الموقف تماما. بعد أن ركبوا في السفينة وخرقها العبد الصالح، لم يصبر سيدنا موسى بل قال : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ( من الآية ٧١ من سورة الكهف ).
وهكذا أثبتت التجربة العملية أن موسى لم يصبر على أفعال العبد الصالح، وحين ذكره العبد الصالح بما وعد به من ألا يسأل، تراجع موسى، وتكرر السؤال، وتكرر التذكير. إلى أن أوضح العبد الصالح لموسى كل أسرار ما لم يحط به علما وهنا يقول الحق : وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بها لماذا ؟. لأن مشيئة الله مشيئة مطلقة، يفعل ما يريده، ولكنه سبحانه قد سبق منه أن جعل للاختيار جزاءً، لهذا لم يرفعه مع أنه مخالف، لأنها سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وسنة الله أن من عمل عملا طيبا يثيبه الله عليه. ومن عمل سوءا يعاقبه، ومشيئته سبحانه مطلقة، ولا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه.
وبمقتضى مشيئة الله فهو يعذب المذنب بعدله ويثيب الطائع بفضله، وله سبحانه مطلق الإرادة فهو عزيز، وحكيم في كل فعل.
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ( من الآية ١٧٦ سورة الأعراف ).
و أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ، أي أنه اختار أن ينزل إلى الهاوية، رغم أن الحق هدى الإنسان وبين له طريق الخير ليسلكه فيصعد إلى العلو، والحق يقول : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ( من الآية ١٥١ سورة الأنعام ).
ونخطئ حين نفهم أن " تعالوا " بمعنى " أقبلوا " فقط وهذا فهم ناقص، إنها دعوة للقبول وإلى العلو، لأنه سبحانه وتعالى يشرع لنا حتى لا نلزم منهج الأرض السفلي. بل نرتقي ونأخذ منهج الله الذي يضمن لنا العلو. وكأنه سبحانه يقول : تعالوا وتساموا في أخذ منهجكم من الله العلي الأعلى وإياكم أن تأخذوا منهجكم مما وضعه البشر ويناقض ما جاء في شرع الله، لأن في هذا تسفلا ونزولا إلى الحضيض.
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ( من الآية ١٧٦ سورة الأعراف ).
ويقال : " حملت على الكلب "، فأنت حين تجلس ويقبل الكلب عليك وتزجره وتطرده وتنهره، فهذا تفسير لقوله : " تحمل عليه "، أي أنك تحمل عليه طردا أو زجرا ؛ لذلك يلهث، وإن تركت الكلب بدون حمل عليه طردا أو زجرا فهو أيضا يلهث، لأن طبيعته أنه لاهث دائما، وهذه الخاصية في الكلب وحده، حيث يتنفس دائما بسرعة مع إخراج لسانه.
ونعلم أن الحيوانات لا تلهث إلا إن فزعت فتجري، لتفوت من الألم أو من العذاب الذي يترصدها من كائن آخر، وحين يجري الحيوان فهو يحتاج لطاقة، فيدق القلب بشدة ليدفع الدم بما فيه من غذاء إلى كل الجسم، ولابد للقلب أن يتعاون مع الرئة التي تمد الدم بالهواء. ونلحظ أن الكائن الحي حين يجلس برتابة فهو لا يلحظ تنفسه، لكن إذا جرى يلحظ أن تجويف الصدر أو سعة الصدر تنقبض وتنبسط لتسحب " الأوكسجين " من الهواء لتصل به للدم بكمية تناسب الحركة الجديدة، فيحاول أن يتنفس أكثر. ولا تفعل الحيوانات مثل هذه المسألة إلا إذا كانت جائعة أو متعبة أو مهاجة، لكن الكلب وحده هو الذي يفعلها، جائع أو شبعان، عطشان أو غير عطشان، مزجورا أو غير مزجور، إنه يلهث دائما. ولماذا يشبهه سبحانه بالكلب اللاهث ؟ ؛ لأن الذي يظهر بهذه الصورة تجده مكروها دائما ؛ لأنه متبع لهواه، وتتحكم فيه شهواته. وحين تتحقق له شهوة الآن، يتساءل هل سيفعل مثلها غدا ؟ وتتملك الشهوة كل وقته، لذلك يعيش في كرب مستمر، لأنه يخاف أن يفوته النعيم أو أن يفوت هو النعيم، ويصير حاله كحال الكلب يلهث آمنا أو غير آمن، جائعا أو غير جائع، عطشان أو غير عطشان.
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( من الآية ١٧٦ سورة الأعراف ).
هكذا يكون مصير من كذب بالآيات.
وقوله الحق : فاقصص القصص يوضح لنا أن الله لا يريد أن يعلمنا تاريخا، لكنه يعلمنا كيف نأخذ العبرة من التاريخ، بدليل أن يكرر القصة أكثر من مرة وكل مرة يأتي سبحانه بلقطة جديدة، لتعدد ما في القصة الواحدة من العبر، ولو أنه أراد أن يقص علينا التاريخ لقال لنا روايته مرة واحدة. ونجد في القرآن الكثير من قصص الحق مع الباطل، ومن قصص المبطلين مع المحقين، ومن قصص المعاندين مع الرسل ؛ لأن القصة أمر واقعي، والتقنين للمناهج أمر لفظي، فيريد سبحانه وتعالى أن يوضح لنا المنهج المناسب للواقع ؛ لأن واقع الحياة يعطي القصة القولية حرارة وسخونة فلا يظل المنهج مجرد كلام نظري معزول عن الواقع.
وهكذا بيّن الحقّ سبحانه وتعالى في هذه الآية، أنه سبحانه قد أنزل علم منهجه بواسطة الرسل إلى بعض خلقه، فمنهم من يأخذ منهج الله بالاستيعاب أولا، وتوظيف ما علم ثانيا، وبذلك يرتفع من منطق الأرض إلى منطق السماء. ومن يعطيه الله ذلك المنهج، ما كان يصح له أن يترك ارتفاعه إلى السماء، ليهبط إلى مستوى الأرض. وهذا ما يفعله البشر حين يقننون لأنفسهم، ويضعون نظم الحياة على وفق هواهم، وعلى وفق نظمهم، ويتركون منهج الله الذي خلقهم وصنعهم ووضع لهم قانون صيانتهم.
وهذا كلام نظري له واقع في ابن " باعوراء "، هذا الذي آتاه الله العلم، ولكنه أخلد إلى الأرض ولم يتبع ما علم، فانسلخ من المنهج كما تنسلخ الشاة من جلدها وقال فيه الحق :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ( من الآية ١٧٦ سورة الأعراف ).
ومن يريد أن يرفعه الله إلى السماء بالوحي بالمنهج ثم يهبط إلى الأرض نجد الحق سبحانه وتعالى يمثل حاله بحال الكلب، مع الفارق بين الاثنين ؛ لأن الكلب يلهث غريزة. فهو غير مذموم حين يلهث وهو مطرود، ويلهث غير مطرود فهي غريزة فيه، ولا يذم على هذه ولا على تلك، لكن الإنسان الذي فطره الله على حب الخير وميز غرائزه بمنهج عقلي يصون حركته ما كان يصح له أن يفعل ذلك ولا ينبغي أن تقولوا : وما ذنب الكلب في أنه يلهث، ويضرب به المثل في الكفر ؟ لأن الكلب يفعلها غريزة، وهو بغير تكليف فيفعل ما يشاء، أما الإنسان الذي ارتفع بفكره وميزه الله بأن يختار بين البديلات ما كان يصح له أن يصل إلى هذا المستوى، ومثل هذا السلوك في الكلب محمود فيه لأن طبيعته هكذا، وإياك أن تقول : لماذا ربنا يضرب المثل بأشياء وما ذنبها هي ؟
والحق سبحانه هو القائل عن اليهود : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ( من الآية ٥ سورة الجمعة ).
هل الحمار حين يحمل أسفارا يستحق الذم لأنه لم يفقه ما في الأسفار ؟ الجواب لا ؛ لأن مهمته ليس منها فقه وفهم ما في الأسفار، بل مهمته أن يحمل ما عليه فقط، وكأن الحق يقول : لا تكونوا مثل الحمار الذي يكتفي من الخير بأن يحمله، ولكن أريد منكم أن تحملوا المنهج وأن تنتفعوا بما يحويه من التشريع. إذن فهذه الأمثلة ليست ذما للكلب، ولا هي ذما للحمار. إنما ذم لمن يتشبه بهما ؛ لأنه نزل إلى مرتبة لم يرده الله لها، وأراد الله المثل فيها بشيء لا تذم منه، ولكنه مذموم من الإنسان.
والإنسان الذي لا يتبع منهج الله يكون مضطرب الحركة في الحياة، حتى وإن كان في نعمة، لأنه معزول عن الله، ومادام معزولا عن الله تجده دائم التساؤل : أيدوم لي هذا النعيم أو لا يدوم ؟ ويعيش دائما في قلق ورعب مخافة أن يفوت النعيم أو ألا يدوم له النعيم، ومثله كالكلب يلهث حال راحته ويلهث حال تعبه.
ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ .
إذن حين يضرب الله لنا مثلا من الأمثال الواقعية في هذا الرجل المسمى " ابن باعوراء "، فسبحانه يعطينا واقعا لما حدث بالفعل.
أي أن الذي يريد الله أن يرفعه بما علمه من منهج فانسلخ من دينه فهو مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، ولستم بدعا في هذا، فالله يريد أن يرفعكم بمنهج السماء وأنتم تخلدون إلى الأرض، وقد حدث هذا مع ابن باعوراء، وكلمة " مثل " إذا سمعتها هي من مادة ال " م " وال " ث " وال " لام "، وتنطق كما يأتي : إما أن تنطقها مثْل " بكسر الميم وسكون الثاء "، وإما أن تنطقها مَثَل " بفتح الميم والثاء "، والمثْل
تفسير الشعراوي
الشعراوي