ﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

ثم قال تعالى : ولو شئنا لرفعناه بها [ الأعراف : آية ١٧٦ ] القاعدة المقررة في علم العربية : أن فعل المشيئة إذا قرن بالشرط حذف مفعوله ؛ لأن جزاء الشرط يغني عن المفعول، فالمفعول محذوف، والأصل : ولو شئنا رفعه بها لرفعناه بها. ولا تكاد العرب تنطق بالمفعول – مفعول فعل الإرادة مع ربطه بالجزاء- وقد يذكر نادرا، وجاء ذكر المفعول في مواضع من القرآن مع أنه مصدر منسبك من ( أن ) وصلتها في آيات غير كثيرة، كقوله جل وعلا : لو أراد الله أن يتخذ ولدا لأصطفى [ الزمر : آية ٤ ] فجملة أن يتخذ في محل مفعول ( أراد ) ولم يكتف هنا بجزاء الشرط، ونحو ذلك من الآيات. وهذا معنى قوله : ولو شئنا رفعه بها لرفعناه لو شئنا رفع هذا الذي آتيناه آياتنا بتلك الآيات لوفقناه للعمل بها فعمل بها حتى مات عليها فكان مرفوع الدرجة رفيع الذكر في الدنيا والآخرة.
ولاكنه أخلد إلى الأرض أخلد إلى الأرض معناه : ركن ومال إلى لذات الدنيا وحطامها وشهواتها فآثرها على آيات الله فسلخه الله من آياته ( والعياذ بالله ). والعرب تقول :( أخلد إلى الشيء ) إذا ركن ومال إليه، وأصل الإخلاد : هو ملازمة الشيء والدوام فيه. فالعرب تقول : أخلد بهذا المكان. إذا لازمه ودام فيه، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول زهير بن أبي سلمى :

لمن الديار غشيتها بالفدفد كالوحي في حجر المسيل المخلد
أي : اللازم محله. وهذا معنى قوله : ولاكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه الهوى بفتحتين : ميل النفس، ولا يكاد يطلق إلا على ميلها لما لا ينبغي، وقد يطلق في غير ذلك. واتباع الهوى ( والعياذ بالله ) هو أعظم الآفات.
ثم إن الله ضربه مثلا قال : فمثله أي : فصفته ( والعياذ بالله ) في خساسته وقبحه وملازمته الخساسة في جميع الأحوال كمثل الكلب وهو الحيوان المعروف. وجملة : إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث جملة شرطية، وهي في محل نصب في موضع الحال على ما حققه بعض علماء العربية من أنه لا مانع من أن تأتي الجمل الشرطية أحولا. المعنى : فمثله كمثل الكلب في حال كون الكلب متصفا بأخس حالاته وهو مداومته اللهث في جميع حالاته.
إن تحمل عليه يلهث معنى إن تحمل عليه إن تشد عليه وتطرده وتجهده يلهث إن تتركه في رخاء ودعة يلهث والعرب تقول : لهث الكلب – فتح الهاء- يلهث. بفتحها ؛ لأنه حلقي العين، لهثا ولهاثا : إذا فتح فاه ومد لسانه وصار يلهث، يطلع النفس ويردها بقوة كفعل الذي أصابه إعياء وتعب شديد. وجميع الحيوانات لا يلهث شيء منها إلا إذا أصابه إعياء وتعب شديد. أو عطش شديد، إلا الكلب وحده فإنه يلهث دائما، في حالة الري يلهث، وفي حالة العطش يلهث، فهو يلازم اللهث في جميع حالاته. واللهث من أخس الحالات لأنه فاتح فاه، ماد لسانه، يطلع النفس وينزلها بقوة، وهذه من أخس الحالات وأقبحها، فضربه الله مثلا لهذا الكافر، إن وعظته وذكرته بآيات الله فهو كافر لا محالة، لا يسمع ولا يتعظ، كلهث ذلك الكلب في حالة الرخاء وعدم العطش. وإن تتركه يلهث إن وعظته لم يتعظ، وإن تركته لم يتعظ، فهو ملازم – والعياذ بالله- كفرانه وعصيانه على جميع الحالات. وهو في أخس تلك الحالات كالكلب الذي يلازم لهثه في جميع الأحوال، وهي حالة من أخس حالاته والعرب تسمي الذي أصابه شيء حتى بهظه تقول : هذا لاهث، وتقول : فلان ملجأ للاهث. معناه : ملجأ للمحزوب المحزون الذي فدحه الأمر، وهو معنى معروف في كلامها، ومنه قول الشاعر وهو بعض الأزديين :
فنعم فتى الجلى ومستنبط الندى وملجأ محزوب ومفرع لاهث
عياذ بن عمرو بن الحليس بن جابر ابن زيد بن منظور بن زيد بن وارث
وهذا من تتابع الأعلام، ويسميه البلاغيون في البديع : اطرادا، وشاهده المشهور عندهم قول الشاعر :
إن يقتلوك فقد ثللت عروشهم بعتيبة بن الحارث بن شهاب
والمعنى : أن هذا الخبيث الكافر ضرب له المثل بالكلب في أخس حالاته، فكما أن الكلب لا يفارق هذه الحالة الخسيسة من فتح فيه ومد لسانه وإخراج النفس بقوة فكذلك هذا الكافر لا يفارق هذه الحالة الخسيسة من الكفر وعدم الاتعاظ في جميع الأحوال، إن وعظته لا يتعظ، وإن تركته فكذلك، كما أن الكلب إذا شددت عليه وطردته وأتبعته – وهو معنى : إن تحمل عليه - لهث، وإن تركته في رخاء ودعة لهث، فهو متصف بهذه الحالة القبيحة على كل حال. وكذلك هذا الخبيث متصف بتلك الحال القبيحة على كل حال. هذا معنى قوله : فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث .
وأما قول من قال : إن بلعام بن باعوراء لما دعا على نبي الله موسى اندلع لسانه فصار على صدره، فصار لسانه متدليا – كلسان الكلب - يلهث كلهاث الكلب، وأن هذا معنى قوله : فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث الآية. هذا التفسير غير صحيح، بل الصحيح أنه مثل مضروب كما بينا، ويدل عليه قوله : ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا مثل القوم وصفتهم الذين كذبوا بآياتنا في ملازمتهم حالة الكفر والتكذيب القبيحة كمثل هذا الكلب في ملازمته حالة اللهث القبيحة في جميع أحواله.
فاقصص فاقصص معناه : اقصص عليهم يا نبي الله القصص أي : هذا الخبر كخبر بلعام بن عاوراء وغيره لعلهم يتفكرون أي : لأجل أن يتفكروا ويعلموا أفكارهم فيتعظوا بمثلاث الله وما أوقعه بالذين عصوه في الزمن الماضي لينزجروا وينكفوا. وهذا معنى قوله : فاقصص القصص عليهم يتفكرون [ الأعراف : آية ١٧٢ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير