( ٣ ) أخلد إلى الأرض : لصق بها أو انحط إليها، والجملة بمعنى اختار الانحطاط على الارتفاع، أو الشر على الخير، أو الضلال على الهدى، أو أعراض الدنيا وشهواتها.
واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ١ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين( ١٧٥ )٢ ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض٣ واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون( ١٧٦ ) ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون( ١٧٧ ) . [ ١٧٥-١٧٧ ].
لم يرو المفسرون مناسبة خاصة لنزول الآيات. والمتبادر أنها متصلة بالسياق، واستمرار في التعقيب كالفصل السابق على السلسلة القصصية وتركيز لما انطوى فيها من إنذار وتنديد وعظة وتلقين. وقد احتوت أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم بقص القصص على الناس لعلهم يتدبرون ويرعوون. والمماثلة قائمة بينها وبين الفصل السابق الذي انتهى بتقرير كون الله يفصل الآيات للناس لعلهم يرجعون كما هو واضح.
تعليق على جملة
ولو شئنا لرفعنا بها
وقد توهم جملة ولو شئنا لرفعناه بها أن الله سبحانه وتعالى هو الذي شاء للرجل عدم الارتفاع فأخلد إلى الأرض وغوي، غير أن في الآية التي وردت فيها الجملة ما يزيل هذا الوهم حيث وصف الرجل بأنه رضخ لوسوسة الشيطان واتبع هواه وغوي وأنه من أجل ذلك ظالم لنفسه ولم يظلمه الله.
والوجه في تأويل العبارة على ما يتبادر لنا هو : أن الله قادر على رفعه بالآيات التي آتاه إياها، ولكنه تركه لاختياره وقابليته التي أودعها فيه فساقه ذلك إلى ما هو متسق مع سجيته الفاسدة ونيته الخبيثة مما انطوى تقريره في آية سورة الإسراء هذه : قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا٨٤ وقد أولها الزمخشري بأن الله أراد أن يقول : إن الرجل لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها. وقد أولها السيد رشيد رضا : بأن الله لو أراد رفعه بها لخلق له الهداية وحمله عليها ولكنه لم يفعل ؛ لأنه مخالف لسنته. وقد أولها الطبرسي بأن الله يقول : لو شئنا لحلنا بينه وبين الانسلاخ فارتفع شأنه ولكنا تركناه لاختياره وقابليته. ولم نر في كتب المفسرين الأخرى التي بين أيدينا ما يتعارض مع هذه التأويلات التي فيها وجاهة وسداد أيضا.
التفسير الحديث
دروزة