ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآية السالفة أنه أمر عباده بالعدل في كل الأمور وإتباع الوسط منها ـ طلب أن نأخذ الزينة في كل مجتمع للعبادة، فنستعمل الثياب الحسنة في الصلاة والطواف ونحو ذلك، كما أباح لنا أن نأكل ونشرب مما خلق الله بشرط ألا نسرف في شيء من ذلك..
أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال : كان الناس يطوفون بالبيت عراة ويقولون : لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها، فجاءت امرأة فألقت ثيابها فطافت ووضعت يدها على قبُلها وقالت :

اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية.
الإيضاح : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق إخراج الله للزينة خلق موادها وتعليم طرق صنعها بما أودع في فطرهم من حبها والميل إلى الافتنان في استعمالها، إذ خلقهم مستعدين لإظهار آياته في جميع ما خلق في هذا العالم الذي يعيشون فيه، بما أودع في غرائزها من الميل إلى البحث في كشف المجهول والاطلاع على خفايا الأمور، فهم لا يدعون شيئا عرفوه بحواسهم أو عقولهم حتى يبحثوه من طرق شتى وأوجه لا نهاية لها، ولن تنتهي بحوثهم ما دام الإنسان على ظهر البسيطة.
وغريزة حب الزينة وحب التمتع بالطيبات كانت من أهم الأسباب في اتساع أعمال الفلاحة والزراعة ورقيّ ضروب الصناعة، واتساع وسائل العمران، ومعرفة سنن الله وآياته في الأكوان، وهما لا يذمان إلا بالإسراف فيهما والغفلة عن شكر المنعم بهما.
والخلاصة : إن الدين لم يحرمهما إلا إذا كانا عائقين عن الكمال الروحي والكمال الخلقي، وإنه لم يجعل تركهما قربة إلى الله كما جرى على ذلك الوثنيون من البراهمة وغيرهم وقلدهم في ذلك بعض المسلمين وصاروا يبثون في الأمم الإسلامية تعاليم تقضي بأن روح الدين ومخ العبادة في التقشف وحرمان النفس من التمتع بملذات الحياة، وقد بين الله وجه الصواب في ذلك بقوله لرسوله :
قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة أي قل أيها الرسول لأمتك : إن الزينة والطيبات من الرزق للذين آمنوا في الحياة الدنيا ويشاركهم فيها غيرهم تبعا لهم وإن لم يستحقها مثلهم، وهي خالصة لهم يوم القيامة.
وقصارى ذلك : إن الدين يورث أهله سعادة الدنيا والآخرة جميعا كما يدل على ذلك قوله : ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى [ طه : ١٢٤ ] وقوله : وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا [ الجن : ١٦ ].
ذاك أن المؤمن يزداد علما وإيمانا بربه وشكرا له كلما عرف شيئا من سننه وآياته في نفسه أو في غيرها من الكائنات، ومن أهم أركان الشكر استعمال النعمة فيما وهبها المنعم لأجله من شكر الجوارح كشكر اللسان بالثناء عليه وشكر سائر الأعضاء كذلك، ففي حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي والحاكم :( الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر ) والسر في هذا أن الأكل والشرب من الطيبات بدون إسراف هما قوام الحياة والصحة، وهما الدعامتان اللتان يتوقف عليهما القيام بجميع الأعمال الدينية والدنيوية من عقلية وبدنية، ولهما التأثير العظيم في جودة النسل الذي به يكثر سواد الأمة.
والملابس الجيدة النظيفة لها فوائد :
( ١ ) حفظ الصحة.
( ٢ ) كرامة من يتجمل بها في نفوس الناس.
( ٣ ) إظهار نعمة الله على لابسها، والمؤمن يثاب بنيته على كل ما هو محمود من هذه الأمور بالشكر عليها.
روى أبو داود عن أبي الأحوص قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب دون فقال :" ألك مال ؟ " قلت نعم : قال :" من أي المال ؟ " قلت : قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال :( فإذا آتاك الله فلير أثر نعمته عليك وكرامته لك ).
وأخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ).
وقد كانت العرب تحرم زينة اللباس في الطواف تعبدا، وتحرم الادّهان ونحوه حال الإحرام بالحج كذلك، وتحرم من الأنعام والحرث ما ذكر في سورة الأنعام، وحرم أهل الكتاب كثيرا من الطيبات.
فجاء الدين الإسلامي الجامع بين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة والمطهر للنفوس والمهذب للأخلاق، فأنكر هذا التحكم المخالف لسنن الفطرة وبين أن هذا التحريم لم يكن إلا من وساوس الشيطان ولم يوح به الله إلى أنبيائه ورسله المصطفين الأخيار.
كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون أي إن هذا التفصيل لحكم الزينة والطيبات الذي ضل فيه كثير من الأمم والأفراد ما بين إفراط وتفريط لا يعقله إلا الذين يعلمون سنن الاجتماع وطبائع البشر ومصالحهم، ونحن قد فصلناه على لسان هذا النبي الأمي الذي لم يكن يعرف شيئا من تاريخ البشر في أطوار بداوتهم وأطوار حضارتهم قبل أن ننزلها عليه، فكان ذلك آية دالة على نبوته، إذ ما كان لمثله أن يعلمها إلا بالوحي من عندنا، ولولا الكتاب الكريم لما خرجت العرب من ظلمات الوثنية والجهالة إلى ذلك النور الذي صلحت به وأصلحت أمما كثيرة بالدين والفنون والآداب وما أحيت من علوم الأوائل.
ولكن وا أسفا قد أضحى المسلمون من أجهل الشعوب بسنن الله في الأكوان وبالعلوم والمعارف اللازمة لتقدم الحضارة والمدنية، وأصبحوا في مؤخرة الأمم وصاروا مضرب الأمثال في التأخر والخمول والكسل، وبذا استكانوا وذلوا وصاروا أفقر الأمم وأضعفهم وأقلهم خدمة لدينهم، وخالفوا ما رسمه لهم ذلك الدين من أن لهم زينة الدنيا وطيباتها وسعادتها وملكها، وأن عليهم أن يشكروا الله على ما يؤتيهم من ذلك، وأن عليهم أن يقوموا بما يرضيه من إتباع الحق والعدل وكل ما تقتضيه خلافتهم في الأرض.
ولقد بلغ الجهل بكثير منهم أن ظن و بعض الظن إثم [ الحجرات : ١٢ ] أن دين الإسلام هو سبب ضعف المسلمين وجهلهم وذهاب ملكهم، ولكن كتاب الله وسنة رسوله وتاريخ هذه الأمة شاهد صدق على فساد هذه القضية وتزييف تلك الدعوى، فليس لها من دعائم تستند إليها، وتقف بها على رجليها.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير