ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

قوله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ الزينة : ما يتزين به الإنسان، من ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة، كالمعادن التي لم يرد نهي عن التزين بها، والجواهر ونحوها ؛ وقيل الملبوس خاصة، ولا وجه له، بل هو من جملة ما تشمله الآية، فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة الغالية القيمة إذا لم يكن مما حرّمه الله، ولا حرج على من تزين بشيء من الأشياء التي لها مدخل في الزينة، ولم يمنع منها مانع شرعي، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط غلطاً بيناً. وقد قدّمنا في هذا ما يكفي، وهكذا الطيبات من المطاعم والمشارب ونحوهما، مما يأكله الناس، فإنه لا زهد في ترك الطيب منها، ولهذا جاءت الآية هذه معنونة بالاستفهام المتضمن للإنكار على من حرّم ذلك على نفسه، أو حرّمه على غيره. وما أحسن ما قال ابن جرير الطبري : ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان، مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول والعدس، واختاره على خبز البرّ، ومن ترك أكل اللحم خوفاً من عارض الشهوة. وقد قدّمنا نقل مثل هذا عنه مطوّلاً. والطيبات المستلذات من الطعام ؛ وقيل هو اسم عام لما طاب كسباً ومطعماً. قوله : قُلْ هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا أي أنها لهم بالأصالة، وإن شاركهم الكفار فيها ما داموا في الحياة خَالِصَةً يَوْمَ القيامة أي : مختصة بهم يوم القيامة، لا يشاركهم فيها الكفار.
وقرأ نافع «خالصة » بالرفع، وهي قراءة ابن عباس، على أنها خبر بعد خبر. وقرأ الباقون بالنصب على الحال. قال أبو علي الفارسي : ولا يجوز الوقف على الدنيا ؛ لأن ما بعدها متعلق بقوله : لِلَّذِينَ آمَنُواْ حال منه بتقدير : قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها لهم يوم القيامة، قوله : كَذَلِكَ نُفَصِلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أي : مثل هذا التفصيل نفصل الآيات المشتملة على التحليل والتحريم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، والنسائي، وغيرهم، عن ابن عباس، أن النساء كنّ يطفن عراة إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة وتقول :

اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله
فنزلت : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عنه، في الآية قال : كان الرجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة. والزينة : اللباس وما يواري السوءة، وما سوى ذلك من جيد البرّ والمتاع. وأخرج ابن عدي، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«خذوا زينة الصلاة، قالوا : وما زينة الصلاة ؟ قال : البسوا نعالكم فصلوا فيها» وأخرج العقيلي، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قول الله : خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ قال : صلوا في نعالكم. والأحاديث في مشروعية الصلاة في النعل كثيرة جداً، وأما كون ذلك هو تفسير الآية كما روي في هذين الحديثين فلا أدري كيف إسنادهما. وقد ورد النهي عن أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء، وهو في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي هريرة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس، قال : أحلّ الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفاً أو مخيلة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله : إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين قال : في الطعام والشراب. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله سبحانه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال : كانت قريش تطوف بالبيت، وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله فأمروا بالثياب أن يلبسوها. قُلْ هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة قال : ينتفعون بها في الدنيا لا يتبعهم فيها مأثم يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن الضحاك قُلْ هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا قال : المشركون يشاركون المؤمنين في زهرة الدنيا، وهي خالصة يوم القيامة للمؤمنين دون المشركين. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس والطيبات مِنَ الرزق قال : الودك، واللحم، والسمن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال : كان أهل الجاهلية يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها، وهو قول الله : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً وهذا هذا، فأنزل الله : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا يعني : شارك المسلمون الكفار في الطيبات في الحياة الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامهم ولبسوا من جياد ثيابها ونكحوا من صالحي نسائها، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال : ما ظهر منها العرية، وما بطن الزنا، وكانوا يطوفون بالبيت عراة. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، في الآية قال : ما ظهر منها طواف الجاهلية عراة، وما بطن الزنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله : والإثم قال المعصية والبغي قال : أن يبغي على الناس بغير حق.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية