ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾ

[ قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون( ٣٢ ) ]( الأعراف : آية ٣٢ ) قرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا نافعا قارئ أهل المدينة : بخالصة ] بنصب التاء. وقرأه نافع وحده[ خالصة ] بضم التاء.
ومعنى الآية الكريمة : أن الكفار لما حرموا على أنفسهم لبس الثياب في الطواف، وطافوا بالبيت عراة، وحرموا على أنفسهم أيام الموسم أكل الودك، والسمن، وشرب اللبن، وأكل اللحوم، قال الله ( جل وعلا ) موبخا مقرعا للذين يتعدون عليه ويحرمون ما لم يحرم :[ قل ] يا نبي الله لهؤلاء الكفرة الجهلة الذين حرموا لبس الزينة عند الطواف، و وحرموا أكل المذكورات وشربها في الموسم حال التلبس بالإحرام، ( من ) هو الذي [ حرم زينة الله ] وهي اللباس الذي يستر العورة ؛ لأنه لا حالة أقبح من أن يكون الإنسان بادي الفرج، عاري العورة، فهذا في غاية القبح. أما إن أعطاه الله ثيابا فجمل بها ظاهره، وستر بها قبحه وعوره فهذه زينة الله التي أخرجها لخلقه. من هو الذي حرم زينة الله كلبس اللباس الذي يجمع بين ستر العورة والتجمل عند الطواف وفي غيره ؟ !.
[ من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ] أخرجها : أي أظهرها وأبرزها من العدم إلى الوجود بان خلقها ويسر أسباب تناولها حتى صارت في متناولهم، وحرم[ الطيبات من الرزق ]. الطيبات التي أحلها الله وطيبها، كالودك حالة الإحرام، واللبن واللحم ونحو ذلك. من هو الذي حرم عليكم هذه المحرمات والطيبات من الرزق ؟ والله ( جل وعلا ) يشدد النكير على من حرم ما لم يحرمه. والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله :[ قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ]( الأنعام : آية ١٥٠ ) [ قل أرأيتم ما انزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل الله أذن لكم أم على الله تفترون( ٥٩ ) ]( يونس : آية ٥٩ ) [ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون( ١١٦ ) ]( النحل : آية ١١٦ ) والآيات بمثل هذا كثيرة جدا. فلما قال الله لنبيه : قل لهم يا نبي الله، لهؤلاء المحرمين ما أحل الله، من هو الذي حرم هذا ؟ وعلم انه لا جواب لهم، أمره بالجواب الصحيح، وهو قوله :[ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ] قل لهم يا نبي الله : هي ليست بحرام أبدا، وليست بمحرمات ألبتة. هي للذين آمنوا حلال مباحة.
وقوله :[ هي للذين آمنوا ]غير خالصة[ في الحياة الدنيا ]، أي : غير مختصين بها بل يشاركهم فيها الكفار، ونصيب الكفار فيها كثير، كما قال تعالى :[ ولولا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون( ٣٣ ) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون( ٣٤ ) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ] وفي القراءة الأخرى :[ لما متاع الحياة الدنيا ] الآية( الزخرف : الآيات ٣٣-٣٥ ). قال بعض العلماء : بينت هذه الآية أن سبب خلق الزينة والطيبات من الرزق أن الله خلقها في الدنيا لخصوص المؤمنين، إلا أنه رزق منها الكفار تبعا للمؤمنين ؛ لأن الدنيا متاع يأكل منه البر والفاجر، فتلك الزينة وطيبات الرزق في الدنيا يشترك فيها البر والفاجر، ويأكل منها المسلم والكافر، لكنها يوم القيامة تبقى خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها كافر أبدا ؛ ولذا قال :[ هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ] أي : ويشترك معهم فيها الكفار، في حال كونها خالصة لهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها أحد ؛ لأن يوم القيامة لا يجد الزينة ولا الرزق الطيب إلا المؤمنون خاصة، أما الكفار فلا زينة لهم ولا رزق طيب.
وعلى قراءة الجمهور ف [ خالصة ] حال، وعلى قراءة نافع [ خالصة ] بالرفع فهي خبر بعد خبر [ وهي للذين آمنوا ]( الأعراف : آية ٣٢ ) الجار والمجرور في [ للذين آمنوا ]خبر، و[ خالصة ] خبر آخر. وعلى قراءة الجمهور ف[ خالصة ] حال، وعامله الكون والاستقرار الذي يتعلق بالجار والمجرور. [ هي للذين آمنوا ] كائنة مستقرة للذين آمنوا في حال كونها خالصة لهم وحدهم يوم القيامة.
وهذا التفسير هو الصحيح الذي عليه الجمهور. ومعناه : أن الزينة والطيبات من الرزق في دار الدنيا يشترك فيها البر والفاجر والمؤمن والكافر، وأنها في الآخرة خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها أحد، إذ لا يجد الزينة والرزق الطيب في القيامة إلا المؤمنون خاصة، ولذا لم يذكر خلوصها لهم في الدنيا لاشتراك الكفار معهم، وصرح بكونها خالصة لهم في خصوص الآخرة.
وهنالك تفسير غير ظاهر قال به جماعات من علماء التفسير : أن معنى كونها خالصة للمؤمنين أن الله ينعمهم بها في الدنيا، وينعمهم في الآخرة أيضا، ولم يحسبها عليهم، ولم ينقص أجورهم بتلك اللذات والطيبات من الرزق التي أكلوها في الدنيا. وهذا مستبعد، والقول الأول هو الذي عليه الجمهور وهو معنى الآية إن شاء الله. وهذا معنى قوله :[ هي ] أي : الطيبات من الرزق والزينة [ للذين آمنوا في الحياة الدنيا ] أي ويشاركهم فيها غيرهم من الكفار، لكنها يوم القيامة خالصة للمؤمنين لا يشاركهم فيها أحد. ويوضح هذا أن نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما قال له :[ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما ] فلما قال الله له :[ إني جاعلك للناس إماما ] طلب الإمامة لذريته [ قال ومن ذريتي ] فبين له الله أن الظالمين من ذريته غير المستقيمين المطيعين لا يعهد الله لهم بالإمامة، لأنهم لا يستحقونها حيث قال مجيبا له :[ قال لا ينال عهدي الظالمين ]( البقرة : آية ١٢٣ ) فعرف إبراهيم أن ربه كأنه لامه في الجملة حيث طلب الإمامة لناس منهم من لا يصلح لها، كما قال الله لإبراهيم وإسحاق :[ ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ]( الصافات : آية ١١٣ ) ثم بعد ذلك لما أراد إبراهيم طلب الرزق خصه بالمؤمنين خوف أن يلام كالملامة الأولى وقال :[ اجعل هذا بلدا أمنا وارزق أهله من الثمرات ] ثم قيد وقال :[ قال ومن كفر ] فيأكل من الدنيا أيضا مع المؤمن[ فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار وبئس المصير[ ( البقرة : آية ١٢٦ ) وهذا معنى قوله :[ خالصة يوم القيامة ]( الأعراف : آية ٣٢ ) يوم القيامة إنما سمي يوم القيامة لأنه يوم يقوم فيه جميع الخلائق بين ( يدي ) ( ما بين المعقوفتين ( ) زيادة يقتضيها السياق ) جبار السماوات والأرض للحساب، كما قال جل وعلا :[ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون( ٤ ) ليوم عظيم( ٥ ) يوم يقوم الناس لرب العالمين( ٦ ) ]( المطففين : الآيتان ٣-٦ ) فقوله :[ يقوم الناس لرب العالمين ] هو الذي سمي به يوم القيامة ؛ لأنه يوم يقوم فيه الناس لرب العالمين.
ثم قال جل وعلا :[ كذلك نفصل الآيات ]( الأعراف : آية ٣٢ ) كهذا التفصيل الذي فصلنا لكم به الحلال والحرام، وبينا لكم به حرمة كشف العورات ولزوم سترها، واخذ الزينة، وانه لا يحرم احد ما أحله الله، كهذا البيان الواضح لهذه الأحكام نبين الآيات دائما في هذا القرآن[ لقوم يعلمون ] والبيان عام، ولكنه خص به القوم الذين يعلمون لأن أهل العلم الذين يعلمون هم الذين يفهمون عن الله هذا البيان، أما الجهلة فلا يفهمون شيئا، ومن لا ينتفع بالشيء فكأنه لم يتوجه إليه. ونظير هذا كثير في القرآن يخص الله به الحكم المنتفع به مع أن الحكم أصله عام، كقوله :[ إنما أنت منذر من يخشاها ] ( النازعات : آية ٤٥ ) مع أنه في الحقيقة منذر الأسود والأحمر[ إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ]( يس : آية ١١ ) وهو منذر للأسود والأحمر[ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ]( ق : آية ٤٥ ) لأن الذي يخاف الوعيد هو المنتفع به مع أن التذكير بالقرآن عام. وهذا كثير في القرآن أن يخص الحكم بالمنتفع به دون غيره، وذلك هو معنى قوله :[ كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير