الربع الثاني من الحزب السادس عشر
في المصحف الكريم
وهذا الربع، يتحدث أكبر عدد من آياته الكريمة، عن مشاهد يوم القيامة وأهوالها العظيمة، فيصف أحوال أصحاب الجنة وأصحاب النار، ويعرض ما يتبادله الفريقان من النداءات والأحاديث والحوار.
ولفهم الآيات الأولى في هذا الربع وربطها بما سبقها، نرى من المناسب أن نعود إلى بعض آيات الربع الماضي، فقد رأينا فيه كيف امتن الحق سبحانه وتعالى على عباده بما مكنهم في الأرض من حياة واستقرار، إذ جعلها مسخرة لهم، ووضعها تحت تصرفهم، ولائم بين طبيعتها وطبيعتهم، وآتاهم فيها من أسباب الكسب ووسائل العيش ما يطيب معه القرار، وإن كان شكرهم لله يتناسب مع واسع عطائه، وكثرة نعمه وآلائه ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش، قليلا ما تشكرون .
كما رأينا فيه كيف امتن سبحانه وتعالى على عباده بما خصهم به دون غيرهم من بقية المخلوقات، من نعمة الستر، وما آتاهم من المواد الصالحة لاستعمال اللباس الذي يواري سوآتهم، ويستر عوراتهم، وما أكرمهم به من الرياش والمتاع والأثاث زيادة في التوسعة عليهم، حتى يستوفوا حظهم، في العيش الكريم، من الضروريات والحاجيات والكماليات، ثم ما أعده لهم من لباس التقوى الذي هو أبهى لباس وأشرف حلة يتزين بها عباده المتقون يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى، ذلك خير، ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون وإلى مثل هذا المعنى يشير قوله تعالى في سورة النحل : وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين . ودعا الحق سبحانه وتعالى عباده إلى أن يظهروا نعمة الله عليهم فيتجملوا ويتزينوا، ولاسيما في مواطن الخير، كبيوت الله والمناسبات الدينية وما شابهها يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ، كما دعاهم سبحانه إلى أن يقبلوا على مائدته الكريمة، ليتناولوا منها ما لذ وطاب، لكن حذرهم في نفس الوقت من مغبة الإسراف في الأكل والشراب، حفظا لصحتهم الغالية، وإعانة لهم على القيام بواجباتهم الدينية والدنيوية، وكلوا واشربوا، ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين قال بعض السلف : جمع الله الطب كله في نصف آية وكلوا واشربوا ولا تسرفوا .
وبعدما لفت كتاب الله في الربع الماضي أنظار عباده إلى المنن التي امتن عليهم بها، ودعاهم إلى التنعم بها دون إسراف ولا إفراط، توجه الخطاب الإلهي في هذا الربع إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، داعيا إياه إلى التصدي بالرد على كل من يدعون الناس إلى أن يعيشوا عيشا غير كريم، والرد على كل من يدعونهم إلى أن يظهروا في المجتمع بمظهر دميم، مبينا لرسوله أن ذلك منهم مجرد تقول على الله وادعاء، ومحض افتراء، فقال تعالى مخاطبا لنبيه : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق أي أن الله تعالى أباحها، ودعا عباده إلى استعمالها، وما دام الحق سبحانه هو وحده المختص بالتحليل والتحريم وقد أحلها ولم يحرمها، فليست إذن بحرام.
ومما يستلفت النظر تعبير الآية الكريمة هنا بكلمة " زينة الله " على حد التعبير الوارد في آية أخرى بكلمة فطرة الله التي فطر الناس عليها . ف فطرت الله وهي الإسلام تنسجم مع زينة الله تمام الانسجام، والتزمت والرهبانية والحرمان إنما هي بدع ابتدعها المنحرفون عن الفطرة السليمة، من أتباع الملل والمذاهب السقيمة.
وقوله تعالى هنا : التي أخرج لعباده تنبيه إلى أن الحكمة الإلهية فيما خلقه الله من زينة وطيبات إنما هي إكرام الإنسان بسد حاجاته الضرورية، والترفيه عليه بشتى المتع والهبات الكمالية، على حد قوله تعالى في آية أخرى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا .
وقوله تعالى : والطيبات من الرزق يقتضي أن الخبائث من الرزق حرام وغير حلال، ومن أجل ذلك وصف الله رسوله في كتابه بقوله : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ومن الرزق الخبيث ما كان حاصلا عن سرقة أو اختلاس أو غصب أو كسب غير مشروع.
ثم عقب كتاب الله على هذه الحقيقة الدينية بالتلويح إلى حقيقة كونية قائمة، ألا وهي أن زينة الله ورزقه يشترك في تناولهما والانتفاع بهما في هذه الحياة الدنيا المؤمن والكافر، والبر والفاجر، بمقتضى حكمته الإلهية، ورحمته الربانية، مصداقا لقوله تعالى : وسع كل شيء رحمة وعلما – وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها . لكن إذا كانت الشركة في زينة الله ورزقه قائمة في هذه الدنيا، فإن هذه الشركة ترتفع وتزول، ولا يبقى لها أي أثر في الدار الآخرة، إذ هناك ينفرد المؤمنون وحدهم دون الكافرين بزينة الله ورزقه الأعظم انفرادا تاما، تمييزا لهم وإكراما، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى هنا مخاطبا لنبيه : قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون . قال القاضي أبو بكر " ابن العربي " : " يعني أن الكفار يشاركون المؤمنين في استعمال الطيبات في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة خلصت للمؤمنين في النعيم، وكان للكفار العذاب الأليم ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري