ﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [ الأعراف : ٣٣ ].
تفسير المفردات : الفواحش : واحدها فاحشة، وهي الخصلة التي يقبح فعلها لدى أرباب الفطر السليمة والعقول الراجحة، ويطلقونها أحيانا على الزنى والبخل والقذف بالفحشاء والبذاء المتناهي في القبح. والإثم لغة : القبيح الضار، وهو شامل لجميع المعاصي كبائرها كالفواحش وصغائرها كالنظر بشهوة لغير الحليلة، والبغي : تجاوز الحد : وقد قالوا بغي الجرح : إذا تجاوز الحد في الفساد، ومنه قوله تعالى : قلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق [ يونس : ٢٣ ].
المعنى الجملي : بعد أن أنكر تقدست أسماؤه في الآية السالفة على المشركين وغيرهم من أرباب الملل الأخرى تحريم زينة الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق ذكر هنا أصول المحرمات التي حرمها على عباده لضررها، وجميعها من الأعمال الكسبية لا من المواهب الخلقية، ليستبين للناس أن الله لم يحرم على عباده إلا ما هو ضار لهم.
الإيضاح : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين وغيرهم ممن ظلموا أنفسهم وافتروا على الله الكذب فزعموا أن الله حرم على عباده ما أخرج لهم من الطيبات كما حرم عليهم الزينة : ما حرم ربي في كتبه على ألسنة رسله إلا هذه الأنواع الست الآتية لما لها من شديد الضرر وعظيم الخطر على أنفسهم على الأمة جمعاء، ومن ثم جعل تحريمها دائما لا يباح بحال، وهي :
( ١ ٢ ) الفواحش الظاهرة والباطنة وتقدم بيانها وشرحها في سورة الأنعام وهي إحدى الوصايا العشر التي ذكرت هناك.
( ٣ ) الإثم أي ما يوجب الإثم والذم وعطفه على ما قبله من عطف العام على الخاص.
( ٤ ) البغي وهو الإثم الذي فيه تجاوز لحدود الحق أو اعتداء على حقوق الأفراد أو جماعاتهم، ومن ثم قرن بالعدوان في قوله : تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان [ البقرة : ٨٥ ].
وقيد البغي بكونه بغير الحق، لأن تجاوز الحدود المعروفة قد يكون فيما لا ظلم فيه ولا فساد ولا هضم لحقوق الأفراد والجماعات كما في الأمور التي ليس لهم فيها حقوق أو التي تطيب أنفسهم فيها عن بعض حقوقهم فيبذلونها عن رضى وارتياح لمصلحة لهم يرجونها ببذلها.
( ٥ ) الشرك بالله وهو أقبح الفواحش، فلا تقوم عليه حجة من عقل ولا برهان من وحي، وسميت الحجة سلطانا لأن لها سلطانا على العقل والقلب.
وفي هذا إيماء إلى أن أصول الإيمان لا تقبل إلا بوحي من الله يؤيده البرهان كما قال : ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه [ المؤمنون : ١١٧ ].
كما أن فيه إرشادا إلى عظم شأن الدليل والبرهان في الدين، حتى كأن من جاء بالبرهان على الشرك يصدق، وهذا من فرض المحال مبالغة في فضل الاستدلال كما قال أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [ النمل : ٦٤ ].
( ٦ ) القول على الله بغير علم، وهو من أسس المحرمات التي حرمت على ألسنة الرسل جميعا، إذ هو منشأ تحريف الأديان المحرفة، وسبب الابتداع في الدين الحق، وقد انتشر الابتداع بين أهله وتحكمت بينهم الأهواء واتبعوا سنن من قبلهم كما جاء في الحديث :( لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم )، قلنا يا رسول الله : اليهود والنصارى ؟ قال :" فمن ؟ " رواه الشيخان ورأس البلية في هذا الابتداع القول في الدين بالرأي، فما من أحد يبتدع أو يتبع مبتدعا إلا استدل على بدعته بالرأي، وقد ظهرت مبادئ هذه البدع والأهواء في القرون الأولى قرون العلم بالسنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما زال أمرها يستفحل حتى وصلت إلى ما نراه الآن.
وما شرع من اجتهاد الرأي من حديث معاذ وغيره فهو خاص بالقضاء لا بأصول الدين وعباداته، فقد أكمل الله فلم يترك فيه نقصا يكمله غيره بظنه ورأيه بعد وفاة رسوله، وليس لقاض ولا مفت أن يسند رأيه الاجتهادي إلى الله فيقول هذا حكم الله وهذا دينه، بل يقول هذا مبلغ اجتهادي، فإن كان صوابا فمن توفيق الله وإلهامه، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان.
والخلاصة : إنه لا ينبغي لأحد أن يحرّم شيئا تحريما دينيا على عباد الله أو يوجب عليهم شيئا إلا بنص صريح عن الله ورسوله، ومن تهجم على ذلك فقد جعل نفسه شريكا لله، ومن تبعه في ذلك فقد جعله ربا له، ومن ثم كان فقهاء الصحابة والتابعين يتحامون القول في الدين بالرأي.
وقد أنكر الله على من نسب إلى دينه تحليل شيء أو تحريمه من عنده بلا برهان فقال : ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب [ النحل : ١١٦ ].

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير