[ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ] قرأ هذا الحرف حمزة وحده :[ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ] وقرأ بقية القراء :[ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحدهما دون غيرهما :[ ما لم ينزل به سلطانا ] بضم الياء وكسر الزاي. وقرأ الجمهور :[ ما لم ينزل به سلطانا ] بفتح النون وتشديد الزاي، مضارع ( نزل ). قل لهم يا نبي الله : هذا الذي تحرمونه ليس هو الذي حرمه الله، الذي حرمه ربي إنما حرمه ربي على الحقيقة، والحرام هو ما حرمه الله، والحلال هو ما أحله الله.
[ إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ] الفواحش جمع فاحشة، وهو جمع قياسي ؛ لأن ( الفاعلة ) مطلقا و( الفاعل ) إن كان اسما أو صفة لما لا يعقل كله ينقاس جمع تكسيره على ( فواعل ) والفاحشة : هي كل خصلة تناهت في القبح حتى صارت قبيحة بالغة نهاية القبح من الذنوب والمعاصي.
[ ما ظهر منها وما بطن ]( الأعراف : آية ٣٣ ) قد قدمنا أقوال العلماء على هذا في الأنعام في قوله :[ وذروا ظاهر الإثم وباطنه ]( الأنعام : آية ١٢٠ ) وأنها كلها ترجع إلى شيء واحد، فقال بعضهم : الفواحش الظاهرة هي الزنى مع البغايا ذوات الرايات، والفواحش الباطنة هي الزنى مع الخليلات والصديقات التي يزنى بهن سرا في البيوت. وقال بعض العلماء : ما ظهر من الفواحش : كنكاح زوجات الآباء، كما تقدم في قوله :[ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا( ٢٢ ) ]( النساء : آية ٢٢ ) وأن ما بطن منها هو الزنى. والتحقيق : أن الآية الكريمة تشمل جميع المعاصي والذنوب، ولا تفعلوا شيئا منها ظاهرا علنا بين الناس، ولا شيئا باطنا في خفية لا يطلع عليه احد، وهو يشمل جميع التفسيرات الواردة عن الصحابة وغيرهم.
والفواحش ظاهرها وباطنها تشمل جميع الذنوب ؛ إلا أن الله عطف بعضها على بعض عطف خاص على عام. وقد تقرر في المعاني : أن عطف الخاص على العام، وعطف العام على الخاص، إن كان في كل منهما في الخاص أهمية لا تكون في غيره من أفراد العام انه سائغ، وانه من الإطناب المقبول لأجل الخصوصية التي في الخاص. فكان تميزه بخصوصيته جعله كأنه قسم آخر غير أقسام العام فحسن عطفه عليه. هنا عطف الخاص على العام لأن المعطوفات الآتية كلها داخلة في الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وقول من قال : إن [ ما ظهر ] هو الزنى مع البغايا ذوات الريات، و[ ما بطن ] الزنى مع الخليلات الصديقات التي يزنى بهن سرا. أو أن [ ما ظهر منها ] هو نكاح زوجات الآباء، وأن [ ما بطن ] هو الزنى. إلى غير ذلك من الأقوال كله يشمله التفسير العام الذي هو الصواب، وان الله نهى عن ارتكاب جميع المحرمات سواء كان ذلك ظاهرا أمام الناس، أو خفية بحيث لا يطلع عليه الناس. وهذا معنى قوله :[ وما ظهر منها وما بطن ].
وعطف على ذلك [ والإثم والبغي ] قال بعض العلماء : الإثم : هو كل معصية تقتصر على نفس الإنسان، والبغي : هو كل معصية يظلم بها غيره.
وقوله :[ بغير حق ] لا يكون بغي بحق أبدا، فكل بغي بغير حق لا شك، كما قال تعالى :[ ويقتلون النبيين بغير حق ] ومعلوم أن النبيين لا يقتلون بحق أبدا، فهو كالتوكيد، كقوله :[ ولا طائر يطير بجناحيه ] ( الأنعام : آية ٣٧ )[ يكتبون الكتاب بأيديهم ] ( البقرة : آية ٧٩ ).
وقال بعض العلماء :[ بغير حق ]( الأعراف : آية ٣٣ ) كقوله :[ وجزاء سيئة سيئة مثلها ]( الشورى : آية ٤٠ ) لأن من بغي عليه ثم انتقم قد يسمى هذا بغيا، كقوله :[ وجزاء سيئة سيئة مثلها ] وكما سمى الانتقام اعتداء في قوله :[ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ]( البقرة : آية ١٩٤ ) سمى جزاء الاعتداء : اعتداء، وجزاء السيئة : سيئة وإن كان الانتقام ليس سيئة وليس اعتداء.
وقوله :[ و أن تشركوا بالله ] أي : وحرم عليكم [ أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ] على قراءة ابن كثير وأبي عمرو. [ ما لم ينزل به سلطانا ] على قراءة الجمهور. والسلطان : الحجة الواضحة. ومعلوم أن الإشراك بالله لا ينزل به سلطان البتة، كقوله :[ ومن يدع مع الله إلها أخر لا برهان له به ] ( المؤمنون : آية ١١٧ ) فمعلوم أن الإله الثاني لا يكون به برهان البتة، وقد تقرر في علم الأصول أن النص من الكتاب والسنة إذا جاء مبينا للحقيقة الواقعة لا يكون له مفهوم مخالفة. والواقع أنهم يشركون بالله ما لم ينزل به سلطانا، فجاءت الآية مبينة للحقيقة الواقعة ليكون النهي واقعا على بيان الحقيقة الواقعة. وكذلك قوله :[ لا برهان له به ].
[ وإن تقولوا على الله ما لا تعلمون ] المصدران المنسبكان في قوله :[ وان تشركوا ] و[ أن تقولوا ] في محل نصب عطف على [ الفواحش ] من عطف الخاص على العام.
[ إنما حرم ربي الفواحش ] قوله :[ ما ظهر منها وما بطن ] بدل من الفواحش، أي : وحرم الإثم والبغي بغير الحق، وحرم الشرك بالله، وحرم القول على الله بلا علم.
وكان بعض العلماء يقول : هذا التكرار وعطف ما دخل فيما قبله عليه لحكمة، وهذه الحكمة بيانها وتفصيلها : أن مظالم الناس وتعدي بعضهم على بعض في دار الدنيا راجع إلى ستة أقسام، وهي أن يتعدى عليه في دينه، أو أن يتعدى على نسبه، أو أن يتعدى على عرضه أو أن يتعدى على نفسه، أو أن يتعدى على ماله، فهي ستة جواهر : الدين والنفس والنسب والعقل والمال والعرض. فهذه الجواهر الستة هي التي تدور حولها المظالم. قال من قال هذا : الآية جاءت ناهية عن التعدي في جميع هذه الجواهر الست ؛ لأن قوله :[ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ] هذا تعد على الأنساب ؛ لأن الزنى سواء كان ظاهرا أو باطنا تعد على انساب الناس وتقذير لفرش الناس ؛ لأنه إذا كثر الزنى لم يدر هذا من أبوه، ولم تدر أم هذا من أبوه، فضاعت الصبيان، ولم يعرف لهذا أب، فاختلطت الأنساب، وتقذرت الفرش، وضاعت أخلاق المجتمع. وان النهي عن الفاحشة هو ذب عن الأنساب. وهذا معنى قوله :[ ما ظهر منها وما بطن ]( الأعراف : آية ٣٣ ).
وان قوله :[ والبغي ] المراد به : العدوان والظلم، سواء كأن عدوت على نفسه فقتلته، أو عدوت على ماله فأخذته، أو عدوت على عرضه فتناولت منه وقذفته. قالوا : والمراد بالإثم هنا : الخمر ؛ لأنها هي التي تعدو على العقول. وقال الحسن : الإثم : الخمر. وكثير من علماء العربية يسمون الخمر إثما. ولهم في ذلك شواهد كثيرة، وأشعار معروفة، منها قول الشاعر :
| شربت الإثم حتى ضل عقلي | كذاك الإثم تذهب بالعقول |
| نشرب الإثم بالصواع جهارا | وترى المسك بيننا مستعارا |
| نهانا رسول الله أن نقرب الخنا | وأن نشرب الإثم الذي يوجب الوزرا |
| ورحت حزينا ذاهل العقل بعدهم | كأني شربت الإثم أو مسني خبل |
٥/ب [ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ]الآية ( البقرة : آية ٢٢٨ )/ ومن أجل محافظته على الأنساب منع سقي زرع الرجل بماء غيره ؛ ولذا منع تزويج الحامل، فالمرأة إذا مات عنها زوجها أو طلقها وهي حامل لا يجوز أن تتزوج زوجا آخر حتى تضع حملها ؛ لأنه إن تزوجها وجامعها سقى ذلك الحمل وهو زرع لغيره بمائه فمنع سقي الزرع بماء الغير محافظة على الأنساب فقال :[ وأولات الأحمال اجلهن أن يضعن حملهن ] ( الطلاق : آية ٤ ) وحافظ الشرع الكريم على الأعراض فنهى عن انتهاك الأعراض [ ولا يغتب بعضكم بعضا ]( الحجرات : آية ١٢ ) [ ولا تلمزوا أنفسكم ]( الحجرات : آية ١١ ) [ ولا يسخر قوم من قوم ]( الحجرات : آية ١١ ) ثم إنه أوجب حد القذف ثمانين جلدة زجرا ومحافظة على أعراض الناس، وهو قوله :[ والذين يرمون المحصنات ثم لو يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون( ٤ ) ] ( النور : آية ٤ ) ثم جاء بالمحافظة على العقول فحرم شرب المسكر[ يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه ]( المائدة : آية ٩٠ ) وقال صلى الله عليه وسلم :" كل مسكر حرام " " ما أسكر كثيره فقليله حرام " واوجب حد شارب الخمر محافظة على العقول وصيانة لها. وكذلك منع من انتهاك المال، واحترم الملكية الفردية حيث قال :[ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ]( النساء : آية ٢٩ ) وفي الحديث " لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه ".
وقد بين القرآن في سورة النساء ما يدل على انه سيأتي قوم في آخر الزمان يتخذونه وسيلة إلى ظلم الناس في أموالهم من قولهم : هذا فقير، وهذا غني، فنأخذ من الغني لنرده على الفقير ! ! كما هو مشاهد في المذاهب الهدامة، قال تعالى :[ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى ]( النساء : آية ١٣٥ ) بأن تقولوا : هذا غني فنأخذه للفقير أو نكتم الشهادة عليه للفقير [ فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ] ولذا جعل حد السرقة لمن أخذ المال في قوله :[ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والل
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير