ومن هنا انتقل كتاب الله إلى تقعيد قاعدة أساسية تستحق أن نقف عندها وقفة خاصة، إذ تعتبر هي المعيار الوحيد الذي حدده الشرع لتمييز الحلال من الحرام، وذلك قوله تعالى مخاطبا لنبيه وملقنا إياه : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم، والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وبموجب هذه الآية أعلن الحق سبحانه وتعالى أنه لم يحرم على خلقه شيئا من الطيبات، فقد أحلها لهم جميعا، وإنما حرم عليهم الخبائث، الخبائث بطبيعتها، والخبائث بآثارها، ومنها الفواحش، و " الفاحشة " هي ما يشتد قبحه من الذنوب كما عرفها الإمام الزجاج، سواء كان الذنب عبارة عن عقيدة فاسدة أو عن قول فاسد، أو عن عمل فاسد، فالعقيدة الفاسدة كأن يشرك الإنسان بالله غيره وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ، والقول الفاسد كأن يتقول على الله ما لم يقل، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ، والعمل الفاسد كأن يصلي بالمسجد أو يطوف بالكعبة وهو عريان، وإلى هذا أشارت الآية الكريمة من قبل في هذه السورة وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء وكأن يرتكب الإنسان فاحشة الزنى، أو فاحشة اللواط، أو يتزوج بزوجة أبيه، وإلى المثال الأول أشار قوله تعالى : ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا ، وإلى المثال الثاني أشار قوله تعالى في سورة النمل : ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون ، وإلى المثال الثالث أشار قوله تعالى في سورة النساء ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء إلا ما قد سلف، إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا . ومن الثابت في الكتاب والسنة أن الطاعات التي يرضى عنها الله ورسوله هي عبارة عن المعتقدات والأقوال والأعمال الصالحة، التي تتحقق عن طريقها سعادة الفرد، ورفاهية المجتمع، واستقرار الدولة، طبقا للتخطيط الإلهي الذي لا يختل، والتوجيه السماوي الذي لا يضل، وبعكس ذلك المعاصي والذنوب التي يحذر منها الله ورسوله، فهي تلتقي كلها في نقطة واحدة : فساد الفرد، وفساد المجتمع، وفساد الدولة، وما من معتقد أو قول أو فعل حرمه الله ورسوله إلا ويتبين عند تحليله وتعييره أنه عامل من عوامل الشقاء والفناء، ولو لم يتبين أثره إلا بعد مرور الأيام، إلا أن المعاصي والذنوب ليست على درجة واحدة، فمنها ما ضرره أقل، ومنها ما ضرره أكثر، ومنها ما ضرره قاصر على مرتكبه وحده، ومنها ما ضرره يقع على مرتكبه ويتعداه إلى الغير، ومن أجل ذلك كان في الذنوب ما هو من قبيل " الصغائر " وما هو من قبيل " الكبائر "، وقد أوضح الإمام الغزالي أنه ما من ذنب إلا وهو كبير بالإضافة إلى ما دونه، وصغير بالإضافة إلى ما فوقه. ومن اختيارات الإمام الحليمي : أنه ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تضم إليها، وتنقيب الكبيرة فاحشة بقرينة صغيرة، مثال ذلك : القبلة يفعلها الرجل مع غير أهله تعتبر من الصغائر، لكن إذا فعلها مع زوجة جاره أصبحت من الكبائر، لمضاعفة ذنب القبلة بهتك حرمة الجوار، ومثال آخر : إذا زنى الرجل بامرأة يكون قد ارتكب كبيرة، فإن زنى بزوجة جاره كان قد ارتكب فاحشة، وهي أعلى درجات الكبيرة، لمضاعفة ذنب الزنى بالاعتداء على عرض الجار، ورد في الصحيحين من حديث عبد الله ابن مسعود أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم، فقال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك. وهكذا يكون ترتيب الذنوب والمعاصي حسب التدرج من الأدنى إلى الأعلى، صغائر، ثم كبائر، ثم فواحش.
ويشهد لوجود هذه الأصناف الثلاثة من الذنوب عدة آيات وردت في كتاب الله منها قوله تعالى في سورة الكهف : ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا وقوله تعالى في سورة النجم في وصف المؤمنين ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم قال ابن كثير : وهذا استثناء منقطع، لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال.
وقوله تعالى هنا : ما ظهر منها وما بطن بعد ذكر الفواحش وإعلان تحريمها بصفة عامة تنبيه إلى أن الإسلام لا يكتفي من معتنقيه بالشكليات والظواهر، ولا يرضى منهم بالنفاق، وإنما ينفذ إلى الأعماق والبواطن، فالنية الفاسدة والقصد السيئ والخلق المرذول الذي ينطوي عليه الشخص باطنا، والعمل القبيح الذي يتستر به عن الأعين، كل ذلك يعتبره الإسلام ذنبا ومعصية وفاحشة يؤاخذ بها المكلف، مثل ما يؤاخذ بالفواحش الظاهرة، والإسلام حريص على أن يكون الظاهر عنوان الباطن بالنسبة للمسلم، لا أن يكون ظاهره مجرد واجهة براقة تخلب الأبصار، وتخدع الأغرار، وفي نفس هذا المعنى سبق قوله تعالى في سورة الأنعام : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن وقوله تعالى في نفس السورة : وذروا ظاهر الإثم وباطنه .
وقوله تعالى هنا : والإثم والبغي بغير الحق نبه القاضي أبو بكر " ابن العربي " إلى أن ذكرهما بالاسم الخاص بعد دخولهما في الاسم العام – الفواحش – إنما هو لتأكيد أمرهما قصد الزجر عنهما، نظير قوله تعالى في آية أخرى : فيهما فاكهة ونخل ورمان فذكر النخل والرمان بعد دخولهما في الاسم العام – الفاكهة – للتنويه بهما في نفس المقام، " والإثم " عبارة عن الذم الوارد في الفعل، أو عبارة عن نفس الوعيد الذي يتناول الفعل، و " البغي " تجاوز الحد والتعدي على الغير، فكل فعل ذمه الشرع واستقبحه، أو ورد في شأنه الوعيد بالعقاب على لسان الشارع يعتبر فعلا محرما، وفسر بعضهم " الإثم " بأنه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، و " البغي " بأنه الخطايا المتعدية منه إلى بقية الناس، وقوله تعالى هنا : بغير الحق تنبيه إلى أن معيار البغي والظلم الذي يميزه عن غيره هو أن يكون عملا غير مستند إلى أي سند من الحق، لا أن البغي منه ما يكون بحق، ومنه ما يكون بغير حق، فذلك بعيد عن التصور.
جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) وروى الإمام أحمد بسنده إلى عائشة رضي الله عنها أن رسول اله صلى الله عليه وسلم كان يقول :( يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا ) ورواه النسائي وابن ماجه من طريق سعيد ابن مسلم. وروى الطبراني بسنده إلى سعد ابن جنادة قال :( لما فرغ رسول الله صلى الله عيه وسلم من غزوة حنين نزلنا قفرا من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اجمعوا، من وجد عودا فليأت به، ومن وجد حطبا أو شيئا فليأت به. قال : فما كان إلا ساعة حتى جعلناه – أي ذلك القفر من الأرض – ركاما – أي متراكما بعضه فوق بعض. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( أترون هذا، فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه ).
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري