تفسير سورة سورة ص
الشعراوي
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
ﰡ
آية رقم ١
ﭑﭒﭓﭔﭕ
ﭖ
... معنى ذِي الذِّكْرِ أي: صاحب الذكر، وكلمة الذكر تُطلَق على معان عدة...
فكلمة الذكر تطلق على القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر: ٦] ويُطلق الذكر على كتب الرسل السابقين، كما في قوله تعالى: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣].
ويُطلق الذكر على الصِّيت والسمعة، كما جاء في قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف: ٤٤] أي: القرآن.
وفي قوله تعالى: لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ.. [الأنبياء: ١٠] وما ارتفع العرب ولا علَتْ لغتهم إلا لأنها لغة القرآن.
ويُطلق الذكر أيضاً على التذكُّر، كما في قوله تعالى: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ.. [يوسف: ٤٢].
ويُطلق الذكر على التسبيح، كما في قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ [النور: ٣٦-٣٧].
ويُطلق الذكر على معنى آخر، هو العطاء الجيد من الله، والعمل الطيِّع من العبد.
إذن: فلفظ الذكر أشبه في القرآن بالماسة تتلألأ في يدك، كلما قلَّبتها وجدتَ لها بريقاً. فكلُّ هذه المعاني تدخل تحت قوله تعالى: صۤ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ.
فكلمة الذكر تطلق على القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر: ٦] ويُطلق الذكر على كتب الرسل السابقين، كما في قوله تعالى: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣].
ويُطلق الذكر على الصِّيت والسمعة، كما جاء في قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف: ٤٤] أي: القرآن.
وفي قوله تعالى: لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ.. [الأنبياء: ١٠] وما ارتفع العرب ولا علَتْ لغتهم إلا لأنها لغة القرآن.
ويُطلق الذكر أيضاً على التذكُّر، كما في قوله تعالى: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ.. [يوسف: ٤٢].
ويُطلق الذكر على التسبيح، كما في قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ [النور: ٣٦-٣٧].
ويُطلق الذكر على معنى آخر، هو العطاء الجيد من الله، والعمل الطيِّع من العبد.
إذن: فلفظ الذكر أشبه في القرآن بالماسة تتلألأ في يدك، كلما قلَّبتها وجدتَ لها بريقاً. فكلُّ هذه المعاني تدخل تحت قوله تعالى: صۤ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ.
آية رقم ٢
ﭗﭘﭙﭚﭛﭜ
ﭝ
نعرف أن (بل) حرف يفيد الإضراب عما قبله أو نفي ما قبله وإثبات ما بعده، فـ (بل) هنا تثبت أن الذين كفروا في عزَّة وشِقَاق، فما المنفي قبلها؟ قبلها قوله تعالى
صۤ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ هذه معجزة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من الواجب أنْ يقتنعوا بها، وأنْ يؤمنوا بها لكنهم كفروا، فالمعنى: بل الذين كفروا ما صدَّقوه، بل هم في عِزَّة وشِقاق...
ومعنى: فِي عِزَّةٍ.. أي: عِزَّة الإثم، وهي التعالي والاستكبار عن الحق، وهي عزة بلا رصيد.
صۤ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ هذه معجزة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من الواجب أنْ يقتنعوا بها، وأنْ يؤمنوا بها لكنهم كفروا، فالمعنى: بل الذين كفروا ما صدَّقوه، بل هم في عِزَّة وشِقاق...
ومعنى: فِي عِزَّةٍ.. أي: عِزَّة الإثم، وهي التعالي والاستكبار عن الحق، وهي عزة بلا رصيد.
آية رقم ٣
(كم) هنا خبرية تفيد الكثرة، فكأن الحق سبحانه ترك للمخاطب أنْ يتصوَّر الكمية ويُحدِّد الكمية في كم، وأنت لا تستخدم هذا الأسلوبَ إلا وأنت واثق من هذه الكثرة، كما تقول لمن يجحد فضلك: كم أعطيتُك أو كم صبرتُ عليك، يعني: مراراً كثيرة.
والقرن قلنا: إنه الفترة أو الطائفة من الزمن يحكمها مشخِّص واحد كالنبوة أو غيرها، كما نقول قوم نوح أو قوم هود، وقد اصطلح على أن القرن مائة سنة، وسُمِّيتْ قرناً لأنها متقارنة بعضها ببعض.
وفي قوله تعالى مِن قَبْلِهِم [ص: ٣] احتياط جميل لأنه بعد بعثة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهلك الله قوماً بالجملة كما حدث قبله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك خاطب الحق سبحانه رسوله محمداً بقوله: وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣].
فقوله تعالى: مِن قَبْلِهِم [ص: ٣] يعني: هذه مسألة سبقتْ ولن تتكرر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهذه المسألة تجد لها نظيراً في قوله تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ [البقرة: ٩١].
لو لم يقُلْ الحق سبحانه (من قبل) لظَنَّ سيدنا رسول الله أن قومه ربما قتلوه كما قتل الأنبياء قبله، لكن الحق سبحانه يُطمئِنُ رسوله بقوله مِن قَبْلُ [البقرة: ٩١] يعني: اطمئن، فهذه لن تتكرر، وفي هذا تثبيت لفؤاده صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: فَنَادَواْ [ص: ٣] يعني: ساعة حَلَّ بهم العذاب، ونزل بهم الهلاك العام نادوا نداءً عاماً لكل مَنْ يسمع ليُخلِّصهم ويُغيثهم وينقذهم، لكن ينادون مَنْ؟ لم يحدد القرآنُ المنادي ليدل على ما هم فيه من الفزع؛ لذلك نجد أن المناداة للفزع إلى مَنْ يخلصك مما لا تقدر عليه لها مراحل على قَدْر الخطر الذي تتعرض له، فلو رماك أحدٌ مثلاً بحجر تنادي ذاتك وتستدعي بعضك، فتحرك يدك مثلاً أو رِجْلك لتتفادى الأذى.
فإنْ كان الخطر فوق استطاعتك تنادي أقربَ الناس إليك أباك، أمك، أخاك، جارك، مَنْ يسير معك في الشارع.. إلخ فإذا لم تجد مغيثاً في هؤلاء تقول يا هوه. وقلنا: إنها تعني يا هُوَ يعني: يا الله ليس لي سواك أناديه وألجأ إليه.
وهؤلاء لما نزل بهم الهلاك نادوا نداءً عاماً لكل مَنْ يستطيع أنْ ينقذهم ويغيثهم، لكن هيهات فمَنْ يغيثهم إنْ كان ما ينزل بهم من الله؟ إذن: نداؤهم لا جدوى منه فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ [ص: ٣] كلمة (لات) مكوَّنة من لا النافية زيدتْ عليها التاء، لا للنفي عموماً فتنفي مرة المكين كما لو قلت: لا رجلَ في الدار وتنفي المكان كما لو قلتَ: لا دارَ أسكنها، فإذا زيدتْ عليها التاء نفتْ الزمن خاصة؛ لذلك جاءتْ بعدها كلمة (حين) وهي مثل: ثَمَّ وثمَّة، قال الشاعر:
ثُمَّتَ قُمْنَا إلَى جُردٍ مُسَوَّمَةٍ أعْرافُهُنَّ لأَيْدِينَا مَنَادِيلُ
ومعنى (مناص) يعني: مفَرّ ومَهْرب. فالمعنى فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ [ص: ٣] يعني: ليس الوقتُ وقتَ مفَر ولا مهربَ.
والقرن قلنا: إنه الفترة أو الطائفة من الزمن يحكمها مشخِّص واحد كالنبوة أو غيرها، كما نقول قوم نوح أو قوم هود، وقد اصطلح على أن القرن مائة سنة، وسُمِّيتْ قرناً لأنها متقارنة بعضها ببعض.
وفي قوله تعالى مِن قَبْلِهِم [ص: ٣] احتياط جميل لأنه بعد بعثة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهلك الله قوماً بالجملة كما حدث قبله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك خاطب الحق سبحانه رسوله محمداً بقوله: وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣].
فقوله تعالى: مِن قَبْلِهِم [ص: ٣] يعني: هذه مسألة سبقتْ ولن تتكرر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهذه المسألة تجد لها نظيراً في قوله تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ [البقرة: ٩١].
لو لم يقُلْ الحق سبحانه (من قبل) لظَنَّ سيدنا رسول الله أن قومه ربما قتلوه كما قتل الأنبياء قبله، لكن الحق سبحانه يُطمئِنُ رسوله بقوله مِن قَبْلُ [البقرة: ٩١] يعني: اطمئن، فهذه لن تتكرر، وفي هذا تثبيت لفؤاده صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: فَنَادَواْ [ص: ٣] يعني: ساعة حَلَّ بهم العذاب، ونزل بهم الهلاك العام نادوا نداءً عاماً لكل مَنْ يسمع ليُخلِّصهم ويُغيثهم وينقذهم، لكن ينادون مَنْ؟ لم يحدد القرآنُ المنادي ليدل على ما هم فيه من الفزع؛ لذلك نجد أن المناداة للفزع إلى مَنْ يخلصك مما لا تقدر عليه لها مراحل على قَدْر الخطر الذي تتعرض له، فلو رماك أحدٌ مثلاً بحجر تنادي ذاتك وتستدعي بعضك، فتحرك يدك مثلاً أو رِجْلك لتتفادى الأذى.
فإنْ كان الخطر فوق استطاعتك تنادي أقربَ الناس إليك أباك، أمك، أخاك، جارك، مَنْ يسير معك في الشارع.. إلخ فإذا لم تجد مغيثاً في هؤلاء تقول يا هوه. وقلنا: إنها تعني يا هُوَ يعني: يا الله ليس لي سواك أناديه وألجأ إليه.
وهؤلاء لما نزل بهم الهلاك نادوا نداءً عاماً لكل مَنْ يستطيع أنْ ينقذهم ويغيثهم، لكن هيهات فمَنْ يغيثهم إنْ كان ما ينزل بهم من الله؟ إذن: نداؤهم لا جدوى منه فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ [ص: ٣] كلمة (لات) مكوَّنة من لا النافية زيدتْ عليها التاء، لا للنفي عموماً فتنفي مرة المكين كما لو قلت: لا رجلَ في الدار وتنفي المكان كما لو قلتَ: لا دارَ أسكنها، فإذا زيدتْ عليها التاء نفتْ الزمن خاصة؛ لذلك جاءتْ بعدها كلمة (حين) وهي مثل: ثَمَّ وثمَّة، قال الشاعر:
ثُمَّتَ قُمْنَا إلَى جُردٍ مُسَوَّمَةٍ أعْرافُهُنَّ لأَيْدِينَا مَنَادِيلُ
ومعنى (مناص) يعني: مفَرّ ومَهْرب. فالمعنى فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ [ص: ٣] يعني: ليس الوقتُ وقتَ مفَر ولا مهربَ.
آية رقم ٤
العجب هو الاستغراب، إنهم يتعجبون وأمرهم أعجب، يتعجَّبون أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [ص: ٤] والعجيب حقاً أنْ يأتيهم رسولٌ من جنس آخر غير جنسهم، لذلك قال تعالى في موضع آخر: وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٤].
كانوا يريدون الرسول مَلَكاً، ولو جاءهم ملَكٌ لجاءهم في صورة رجل منهم، ولو شخص لهم في صورة رجل لَظلَّتْ الشبهة قائمة، والحق سبحانه يردُّ عليهم: قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٥].
وقال سبحانه: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩].
إذن: لا بُدَّ أنْ يكون المرسَل من جنس المرسَل إليهم، لأن الرسول حامِلُ منهجٍ يُحققه، الرسول أُسْوة وقُدوة لقومه، وكيف تتحقق الأُسْوة بالملَك؟ والله لو جاء الرسول مَلَكاً لاعترضوا عليه، ولقالوا إنه مَلَك معصوم يقدر على ما لا نقدر نحن عليه، ثم إن المَلَك ليس له شهوة كشهوتنا.. الخ.
إذن: العجب هو استغراب أنْ يكونَ الرسول واحداً منهم ومن جنسهم، إن كَوْنَ الرسول من بينكم هو الحجة وبه تتم الأُسْوة؛ لذلك حينما يمتنُّ الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقول: لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ.. [التوبة: ١٢٨] يعني: من جنسكم وليس غريباً عنكم، فهذه مَيْزَة لكم، إذن: عجبكم ليس له مكان.
والجنس هنا ليس جنسَ الإنسان فحسب، إنما من نوعهم من العرب، بل من أوسطهم وهم قريش وأنتم تعرفونه قبل بعثته، وتعرفون أصله ونسبه؛ لذلك يرد الله عليهم فيقول: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ.. [يونس: ١٥] يعني: واضحات لا تُنكَر قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس: ١٥-١٦].
نعم لقد عاش سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قومه أربعين سنة قبل بعثته، وكانوا يعرفون عنه كل شيء، إذن: العجب في النقيض، وليس في الواقع الذي يتعجبون منه.
ثم يحكي الحق عنهم: وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [ص: ٤] الساحر هو الذي يُخيّل لنا الأشياء فنراها على غير حقيقتها، لكنه لا يغير الحقيقة، فالسحر ليس في الشيء إنما في أعين الناس، كما قال تعالى: سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ.. [الأعراف: ١١٦].
لذلك هناك فرق بين السحر وبين معجزة سيدنا موسى عليه السلام، وقد كانت من جنس يقارب السحر لأنه سيعانده سَحَرة، ولما ألقى موسى عصاه فرآها السحرة تلقَفُ ما سحروا قالوا: آمنَّا برب موسى، وما ذلك منهم إلا لأنهم أيقنوا أن ما جاء به موسى ليس من قبيل السحر، فهُمْ يعرفون السحر جيداً، ويعرفون ألاعيب السحرة، وليس هذا الذي يروْنَه منها.
إنهم يروْنَ حَيَّة تلقف ما يأفكون، والساحر يرى الأشياء على حقيقتها، فيرى الحبال حبالاً، في حين يراها الناسُ ثعابين تسعى وتتحرك، إذن: ما فعله موسى أمامهم ليس من السحر.
ونردّ على هؤلاء الذين يتهمون رسول الله بالسحر. ونقول: لو سَلَّمنا معكم أن محمداً ساحر وسحر مَنْ آمن به، فكيف بكم لا تزالون على كفركم؟ لماذا لم يسحركم محمد كما سحر المؤمنين به، وتنتهي المسألة بينكم وبينه؟
ثم يقولون: أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥] إنهم يتعجَّبون وينكرون أنْ يدعوَهم رسولُ الله إلى التوحيد، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد كانوا يعبدون آلهة عِدَّة، فحول البيت أصنام كثيرة، ومنهم مَنْ كان يعبد الشمسَ أو القمر أو الكواكب والنجوم، ومنهم مَنْ عبد الملائكة.. إلخ.
لكن من أين أتتهم هذه الشبهة؟ جاءتْ هذه الشبهة من استعظامهم الوجود، فهذا الكون البديع المحكم فيه أرض بها أنهار وجبال وزروع وثمار، وفيه سماء فيها شمس وقمر ونجوم وكواكب وأفلاك.. إلخ. فهذا الكون في نظرهم لا يقدر على خَلْقه واحد بمفرده، لا بد أن كثيرين اشتركوا في خَلْقه.
إذن: فعظمة الوجود هي التي جعلتهم يقولون بآلهة متعددة، وهنا لا بُدَّ أن نقولَ سبحان الله، فالعكس هو الصحيح في هذه المسألة، فعظمة الخَلْق دليل على أن الخالق واحد، ولو كان الخالق متعدداً لما جاء الخَلْق على هذا النظام والتناسق، ولو كان الخالق متعدداً لكان الحال كما وصفه الحق سبحانه: إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ.. [المؤمنون: ٩١].
فقولهم: أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً.. [ص: ٥] خطأ من ناحيتين: الأولى ظنُّهم أن عظمة الصنعة دليلٌ على تعدُّد الصانع، في حين أن عظمة الصنعة دليل على أن الصانع واحد، الأخرى: أنكم قُلْتم بتعدد الآلهة، والإله يعني المعبود المطاع في أوامره ونواهيه فقولوا لنا: بماذا أمرتكُم هذه الآلهة، وعَمَّ نهتكم؟ بل ماذا أعدَّتْ لمن أطاعها من الجزاء، وماذا أعدَّتْ لمن عصاها؟
إذن: قولكم آلهة كذب وهراء تقولونه بألسنتكم ما أنزل الله به من سلطان، ولو عرفتم معنى الآلهة ومعنى العبادة وأن المعبود لا بُدَّ أن يكون له منهج يسير عليه العباد، لو عرفتُم هذا لما قُلْتم بتعدُّد الآلهة.
لذلك الحق سبحانه يضرب لهم مثلاً، فيقول: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً.. [الزمر: ٢٩].
يعني: هل يستوي في العبودية عند مملوك لسيد واحد وعبد مملوك لعدة أسياد، وليتهم متفقون إنما متشاكسون مختلفون فيما بينهم، كذلك لا يستوي مَنْ عبد الله وحده ومَنْ عبد آلهة متعددة.
وقولهم: إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥] في الآية قبلها قال تعالى: وَعَجِبُوۤاْ [ص: ٤] من الفعل عَجَب ومصدره عَجَباً. أما هنا فقال (عُجاب) وهذه الصيغة تدلُّ على المبالغة في العجب والاستغراب، فأصل المصدر والبِنْية موجود فيها، والزيادة دَلَّتْ على المبالغة كما نقول: طويل وطوال. ونقول: أمر غريب وغراب.
كانوا يريدون الرسول مَلَكاً، ولو جاءهم ملَكٌ لجاءهم في صورة رجل منهم، ولو شخص لهم في صورة رجل لَظلَّتْ الشبهة قائمة، والحق سبحانه يردُّ عليهم: قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً [الإسراء: ٩٥].
وقال سبحانه: وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩].
إذن: لا بُدَّ أنْ يكون المرسَل من جنس المرسَل إليهم، لأن الرسول حامِلُ منهجٍ يُحققه، الرسول أُسْوة وقُدوة لقومه، وكيف تتحقق الأُسْوة بالملَك؟ والله لو جاء الرسول مَلَكاً لاعترضوا عليه، ولقالوا إنه مَلَك معصوم يقدر على ما لا نقدر نحن عليه، ثم إن المَلَك ليس له شهوة كشهوتنا.. الخ.
إذن: العجب هو استغراب أنْ يكونَ الرسول واحداً منهم ومن جنسهم، إن كَوْنَ الرسول من بينكم هو الحجة وبه تتم الأُسْوة؛ لذلك حينما يمتنُّ الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقول: لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ.. [التوبة: ١٢٨] يعني: من جنسكم وليس غريباً عنكم، فهذه مَيْزَة لكم، إذن: عجبكم ليس له مكان.
والجنس هنا ليس جنسَ الإنسان فحسب، إنما من نوعهم من العرب، بل من أوسطهم وهم قريش وأنتم تعرفونه قبل بعثته، وتعرفون أصله ونسبه؛ لذلك يرد الله عليهم فيقول: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ.. [يونس: ١٥] يعني: واضحات لا تُنكَر قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس: ١٥-١٦].
نعم لقد عاش سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قومه أربعين سنة قبل بعثته، وكانوا يعرفون عنه كل شيء، إذن: العجب في النقيض، وليس في الواقع الذي يتعجبون منه.
ثم يحكي الحق عنهم: وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [ص: ٤] الساحر هو الذي يُخيّل لنا الأشياء فنراها على غير حقيقتها، لكنه لا يغير الحقيقة، فالسحر ليس في الشيء إنما في أعين الناس، كما قال تعالى: سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ.. [الأعراف: ١١٦].
لذلك هناك فرق بين السحر وبين معجزة سيدنا موسى عليه السلام، وقد كانت من جنس يقارب السحر لأنه سيعانده سَحَرة، ولما ألقى موسى عصاه فرآها السحرة تلقَفُ ما سحروا قالوا: آمنَّا برب موسى، وما ذلك منهم إلا لأنهم أيقنوا أن ما جاء به موسى ليس من قبيل السحر، فهُمْ يعرفون السحر جيداً، ويعرفون ألاعيب السحرة، وليس هذا الذي يروْنَه منها.
إنهم يروْنَ حَيَّة تلقف ما يأفكون، والساحر يرى الأشياء على حقيقتها، فيرى الحبال حبالاً، في حين يراها الناسُ ثعابين تسعى وتتحرك، إذن: ما فعله موسى أمامهم ليس من السحر.
ونردّ على هؤلاء الذين يتهمون رسول الله بالسحر. ونقول: لو سَلَّمنا معكم أن محمداً ساحر وسحر مَنْ آمن به، فكيف بكم لا تزالون على كفركم؟ لماذا لم يسحركم محمد كما سحر المؤمنين به، وتنتهي المسألة بينكم وبينه؟
ثم يقولون: أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥] إنهم يتعجَّبون وينكرون أنْ يدعوَهم رسولُ الله إلى التوحيد، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد كانوا يعبدون آلهة عِدَّة، فحول البيت أصنام كثيرة، ومنهم مَنْ كان يعبد الشمسَ أو القمر أو الكواكب والنجوم، ومنهم مَنْ عبد الملائكة.. إلخ.
لكن من أين أتتهم هذه الشبهة؟ جاءتْ هذه الشبهة من استعظامهم الوجود، فهذا الكون البديع المحكم فيه أرض بها أنهار وجبال وزروع وثمار، وفيه سماء فيها شمس وقمر ونجوم وكواكب وأفلاك.. إلخ. فهذا الكون في نظرهم لا يقدر على خَلْقه واحد بمفرده، لا بد أن كثيرين اشتركوا في خَلْقه.
إذن: فعظمة الوجود هي التي جعلتهم يقولون بآلهة متعددة، وهنا لا بُدَّ أن نقولَ سبحان الله، فالعكس هو الصحيح في هذه المسألة، فعظمة الخَلْق دليل على أن الخالق واحد، ولو كان الخالق متعدداً لما جاء الخَلْق على هذا النظام والتناسق، ولو كان الخالق متعدداً لكان الحال كما وصفه الحق سبحانه: إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ.. [المؤمنون: ٩١].
فقولهم: أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً.. [ص: ٥] خطأ من ناحيتين: الأولى ظنُّهم أن عظمة الصنعة دليلٌ على تعدُّد الصانع، في حين أن عظمة الصنعة دليل على أن الصانع واحد، الأخرى: أنكم قُلْتم بتعدد الآلهة، والإله يعني المعبود المطاع في أوامره ونواهيه فقولوا لنا: بماذا أمرتكُم هذه الآلهة، وعَمَّ نهتكم؟ بل ماذا أعدَّتْ لمن أطاعها من الجزاء، وماذا أعدَّتْ لمن عصاها؟
إذن: قولكم آلهة كذب وهراء تقولونه بألسنتكم ما أنزل الله به من سلطان، ولو عرفتم معنى الآلهة ومعنى العبادة وأن المعبود لا بُدَّ أن يكون له منهج يسير عليه العباد، لو عرفتُم هذا لما قُلْتم بتعدُّد الآلهة.
لذلك الحق سبحانه يضرب لهم مثلاً، فيقول: ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً.. [الزمر: ٢٩].
يعني: هل يستوي في العبودية عند مملوك لسيد واحد وعبد مملوك لعدة أسياد، وليتهم متفقون إنما متشاكسون مختلفون فيما بينهم، كذلك لا يستوي مَنْ عبد الله وحده ومَنْ عبد آلهة متعددة.
وقولهم: إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥] في الآية قبلها قال تعالى: وَعَجِبُوۤاْ [ص: ٤] من الفعل عَجَب ومصدره عَجَباً. أما هنا فقال (عُجاب) وهذه الصيغة تدلُّ على المبالغة في العجب والاستغراب، فأصل المصدر والبِنْية موجود فيها، والزيادة دَلَّتْ على المبالغة كما نقول: طويل وطوال. ونقول: أمر غريب وغراب.
آية رقم ٥
ثم يقولون: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ إنهم يتعجَّبون وينكرون أنْ يدعوَهم رسولُ الله إلى التوحيد، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد كانوا يعبدون آلهة عِدَّة، فحول البيت أصنام كثيرة، ومنهم مَنْ كان يعبد الشمسَ أو القمر أو الكواكب والنجوم، ومنهم مَنْ عبد الملائكة.. إلخ.
لكن من أين أتتهم هذه الشبهة؟ جاءتْ هذه الشبهة من استعظامهم الوجود، فهذا الكون البديع المحكم فيه أرض بها أنهار وجبال وزروع وثمار، وفيه سماء فيها شمس وقمر ونجوم وكواكب وأفلاك.. إلخ. فهذا الكون في نظرهم لا يقدر على خَلْقه واحد بمفرده، لا بد أن كثيرين اشتركوا في خَلْقه.
إذن: فعظمة الوجود هي التي جعلتهم يقولون بآلهة متعددة، وهنا لا بُدَّ أن نقولَ سبحان الله، فالعكس هو الصحيح في هذه المسألة، فعظمة الخَلْق دليل على أن الخالق واحد، ولو كان الخالق متعدداً لما جاء الخَلْق على هذا النظام والتناسق، ولو كان الخالق متعدداً لكان الحال كما وصفه الحق سبحانه: إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ.. [المؤمنون: ٩١].
فقولهم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً خطأ من ناحيتين: الأولى ظنُّهم أن عظمة الصنعة دليلٌ على تعدُّد الصانع، في حين أن عظمة الصنعة دليل على أن الصانع واحد، الأخرى: أنكم قُلْتم بتعدد الآلهة، والإله يعني المعبود المطاع في أوامره ونواهيه فقولوا لنا: بماذا أمرتكُم هذه الآلهة، وعَمَّ نهتكم؟ بل ماذا أعدَّتْ لمن أطاعها من الجزاء، وماذا أعدَّتْ لمن عصاها؟
إذن: قولكم آلهة كذب وهراء تقولونه بألسنتكم ما أنزل الله به من سلطان، ولو عرفتم معنى الآلهة ومعنى العبادة وأن المعبود لا بُدَّ أن يكون له منهج يسير عليه العباد، لو عرفتُم هذا لما قُلْتم بتعدُّد الآلهة.
لذلك الحق سبحانه يضرب لهم مثلاً، فيقول: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً.. [الزمر: ٢٩].
يعني: هل يستوي في العبودية عند مملوك لسيد واحد وعبد مملوك لعدة أسياد، وليتهم متفقون إنما متشاكسون مختلفون فيما بينهم، كذلك لا يستوي مَنْ عبد الله وحده ومَنْ عبد آلهة متعددة.
لكن من أين أتتهم هذه الشبهة؟ جاءتْ هذه الشبهة من استعظامهم الوجود، فهذا الكون البديع المحكم فيه أرض بها أنهار وجبال وزروع وثمار، وفيه سماء فيها شمس وقمر ونجوم وكواكب وأفلاك.. إلخ. فهذا الكون في نظرهم لا يقدر على خَلْقه واحد بمفرده، لا بد أن كثيرين اشتركوا في خَلْقه.
إذن: فعظمة الوجود هي التي جعلتهم يقولون بآلهة متعددة، وهنا لا بُدَّ أن نقولَ سبحان الله، فالعكس هو الصحيح في هذه المسألة، فعظمة الخَلْق دليل على أن الخالق واحد، ولو كان الخالق متعدداً لما جاء الخَلْق على هذا النظام والتناسق، ولو كان الخالق متعدداً لكان الحال كما وصفه الحق سبحانه: إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ.. [المؤمنون: ٩١].
فقولهم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً خطأ من ناحيتين: الأولى ظنُّهم أن عظمة الصنعة دليلٌ على تعدُّد الصانع، في حين أن عظمة الصنعة دليل على أن الصانع واحد، الأخرى: أنكم قُلْتم بتعدد الآلهة، والإله يعني المعبود المطاع في أوامره ونواهيه فقولوا لنا: بماذا أمرتكُم هذه الآلهة، وعَمَّ نهتكم؟ بل ماذا أعدَّتْ لمن أطاعها من الجزاء، وماذا أعدَّتْ لمن عصاها؟
إذن: قولكم آلهة كذب وهراء تقولونه بألسنتكم ما أنزل الله به من سلطان، ولو عرفتم معنى الآلهة ومعنى العبادة وأن المعبود لا بُدَّ أن يكون له منهج يسير عليه العباد، لو عرفتُم هذا لما قُلْتم بتعدُّد الآلهة.
لذلك الحق سبحانه يضرب لهم مثلاً، فيقول: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً.. [الزمر: ٢٩].
يعني: هل يستوي في العبودية عند مملوك لسيد واحد وعبد مملوك لعدة أسياد، وليتهم متفقون إنما متشاكسون مختلفون فيما بينهم، كذلك لا يستوي مَنْ عبد الله وحده ومَنْ عبد آلهة متعددة.
آية رقم ٦
(الملأ) هم الذين يملأون العين مهابةً وزياً وهِنْداماً، ويملأون صدور المجالس. والمراد: الأعيان وزعماء القوم وصناديد الكفر في قريش، وعلى رأسهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل وأُبيّ بن خلف، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، والنضر بن الحارث، وخصَّهم الله بالذكر لأنهم أهل السيادة، ودعوته صلى الله عليه وسلم ستسحب بساط السيادة من تحت أقدامهم، فهم المضارُّون من دعوة رسول الله.
ولهذه المسألة قصة، فهؤلاء الزعماء ذهبوا إلى أبي طالب عم رسول الله وقالوا له: لو كان ابنُ أخيك يريدُ مُلْكاً مَلكْنَاه علينا، وإنْ كان يريد مالاً جمعنا له من المال حتى يصير أغنانا.. إلخ فَكلَّم أبو طالب رسول الله وقال: يا ابن أخي، ابْقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تُحمِّلني من الأمر مَا لا أطيق، إن قومك جاءوني وقالوا كذا، وكذا فقال صلى الله عليه وسلم قولته المشهورة: فلما خاب سَعْيُهم، وعلموا أن رسول الله لن يُهادنهم في آلهتهم، ولن يقبل عروضهم ومساوماتهم أسرعوا إلى القوم يحفزونهم على التمسك بآلهتهم والصبر عليها وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ [ص: ٦] يعني: إلى قومهم أَنِ ٱمْشُواْ [ص: ٦] يعني: سيروا على ما أنتم عليه من عبادة الأصنام، وابْقوا على طريقتكم وعبادتكم وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ [ص: ٦] يعني: على عبادتها واحذروا أنْ يُضلِكم محمد عنها.
إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص: ٦] أي: مسألة مدبرة لها ما بعدها من العواقب، لأن الآلهة إنْ كفرتُم بها ستغضب عليكم فيصيبكم الجَدْب والقحط، أو الشيء يُرادُ بنا نحن الأعيان، فنذل بعد أنْ كُنَّا سادة، ونصير سواسية مع باقي القوم.
وقولهم: مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ [ص: ٧] أي: ما سمعنا بأن الإله واحد، والملة الآخرة هي أقرب المِلَل إليهم، وهي اليهودية والنصرانية، نعم اليهودية والنصرانية نزلتْ من السماء بتوحيد الله، لكن الذي شجَّعهم على هذا القول أن اليهود قالوا: عزير ابن الله. والنصارى قالوا: المسيح ابن الله وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة. لذلك قال كفار مكة: ما سمعنا بتوحيد الله في الملة الآخرة إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ [ص: ٧] يعني: ما هذا إلا كذب وافتراء، ومعنى الاختلاق: خَلْق الشيء بلا واقع يسانده.
ولهذه المسألة قصة، فهؤلاء الزعماء ذهبوا إلى أبي طالب عم رسول الله وقالوا له: لو كان ابنُ أخيك يريدُ مُلْكاً مَلكْنَاه علينا، وإنْ كان يريد مالاً جمعنا له من المال حتى يصير أغنانا.. إلخ فَكلَّم أبو طالب رسول الله وقال: يا ابن أخي، ابْقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تُحمِّلني من الأمر مَا لا أطيق، إن قومك جاءوني وقالوا كذا، وكذا فقال صلى الله عليه وسلم قولته المشهورة: فلما خاب سَعْيُهم، وعلموا أن رسول الله لن يُهادنهم في آلهتهم، ولن يقبل عروضهم ومساوماتهم أسرعوا إلى القوم يحفزونهم على التمسك بآلهتهم والصبر عليها وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ [ص: ٦] يعني: إلى قومهم أَنِ ٱمْشُواْ [ص: ٦] يعني: سيروا على ما أنتم عليه من عبادة الأصنام، وابْقوا على طريقتكم وعبادتكم وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ [ص: ٦] يعني: على عبادتها واحذروا أنْ يُضلِكم محمد عنها.
إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص: ٦] أي: مسألة مدبرة لها ما بعدها من العواقب، لأن الآلهة إنْ كفرتُم بها ستغضب عليكم فيصيبكم الجَدْب والقحط، أو الشيء يُرادُ بنا نحن الأعيان، فنذل بعد أنْ كُنَّا سادة، ونصير سواسية مع باقي القوم.
وقولهم: مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ [ص: ٧] أي: ما سمعنا بأن الإله واحد، والملة الآخرة هي أقرب المِلَل إليهم، وهي اليهودية والنصرانية، نعم اليهودية والنصرانية نزلتْ من السماء بتوحيد الله، لكن الذي شجَّعهم على هذا القول أن اليهود قالوا: عزير ابن الله. والنصارى قالوا: المسيح ابن الله وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة. لذلك قال كفار مكة: ما سمعنا بتوحيد الله في الملة الآخرة إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ [ص: ٧] يعني: ما هذا إلا كذب وافتراء، ومعنى الاختلاق: خَلْق الشيء بلا واقع يسانده.
آية رقم ٧
وقولهم: مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى الْمِلَّةِ الآخِرَةِ أي: ما سمعنا بأن الإله واحد، والملة الآخرة هي أقرب المِلَل إليهم، وهي اليهودية والنصرانية، نعم اليهودية والنصرانية نزلتْ من السماء بتوحيد الله، لكن الذي شجَّعهم على هذا القول أن اليهود قالوا: عزير ابن الله. والنصارى قالوا: المسيح ابن الله وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة. لذلك قال كفار مكة: ما سمعنا بتوحيد الله في الملة الآخرة إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ يعني: ما هذا إلا كذب وافتراء، ومعنى الاختلاق: خَلْق الشيء بلا واقع يسانده
آية رقم ٨
أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ
هذه نَقْلة أخرى في جدالهم وتكذيبهم لرسول الله، فقبل ذلك كانوا يعترضون على بشرية الرسول، ويطلبون أنْ يكون الرسول مَلَكاً، والآن يتنازلون عن هذا المبدأ ويتحوَّلون إلى الذات، كما قال تعالى في موضع آخر: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
يعني: لماذا محمد بالذات، وفينا أناس عظماء وسادة كانوا أَوْلَى منه بالرسالة؟ وهنا قالوا: أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا لذلك الحق سبحانه يرد عليهم
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢] فجعل نبوته صلى الله عليه وسلم رحمة بهم.
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً [الزخرف: ٣٢].
يعني: كيف تتدخلون في هذه المسألة الهامة، تريدون أنْ تقسموا رحمة الله، والله هو الذي قَسَم لكم أمور الدنيا الهيِّنة، فجعل منكم سادة وعبيداً وأغنياء وفقراء.. إلخ إنْ كان الحق سبحانه هو الذي ينظم لكم أبسطَ أمور حياتكم، فكيف تطمعون في أنْ تقسموا أنتم فضل الله ورحمته؟
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] وذلك فَضْل الله يؤتيه مَنْ يشاء.
وقوله تعالى: بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي الذكْر هنا يعني القرآن، وكأن الحق سبحانه وتعالى يُسلِّي رسوله ويطيب خاطره، كما خاطبه في موضع آخر بقوله: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ الظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام. ٣٣]
والمعنى: لا تحزن يا محمد. فقومك لا يُكذِّبونك أنت إنما يُكذِّبون ما جئتَ به من الذكر، فأنت عندهم الصادق الأمين الذي لا غبارَ عليه، يعني المسألة ليست متعلقة بك وبشخصك أنت، إنما متعلقة بي أنا، فكأن الله تعالى حملها عن رسوله ليُطمئنه ويُسلِّيه ويُخفِّف عنه ما يلاقي من عناد قومه له.
وقوله سبحانه: بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ هذا لون من ألوان التهديد، يعني: لن يظلوا على هذه الحال من السلامة والنجاة فعذابهم قادم؛ ذلك لأن (لما) تفيد نَفْي الحدث في الماضي مع إثبات حدوثه في المستقبل، تقول: فلان لم يأْتِ يعني في الماضي وقد لا يأتي في الحاضر والمستقبل، إنما فلان لمَّا يَأْتي يعني: لم يأت في الماضي، وسوف يأتي في الحاضر أو المستقبل، فمعنى لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ يعني: حتى الآن لم ينزل بهم عذاب الله، لكن ينزل لا محالة.
هذه نَقْلة أخرى في جدالهم وتكذيبهم لرسول الله، فقبل ذلك كانوا يعترضون على بشرية الرسول، ويطلبون أنْ يكون الرسول مَلَكاً، والآن يتنازلون عن هذا المبدأ ويتحوَّلون إلى الذات، كما قال تعالى في موضع آخر: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
يعني: لماذا محمد بالذات، وفينا أناس عظماء وسادة كانوا أَوْلَى منه بالرسالة؟ وهنا قالوا: أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا لذلك الحق سبحانه يرد عليهم
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢] فجعل نبوته صلى الله عليه وسلم رحمة بهم.
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً [الزخرف: ٣٢].
يعني: كيف تتدخلون في هذه المسألة الهامة، تريدون أنْ تقسموا رحمة الله، والله هو الذي قَسَم لكم أمور الدنيا الهيِّنة، فجعل منكم سادة وعبيداً وأغنياء وفقراء.. إلخ إنْ كان الحق سبحانه هو الذي ينظم لكم أبسطَ أمور حياتكم، فكيف تطمعون في أنْ تقسموا أنتم فضل الله ورحمته؟
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] وذلك فَضْل الله يؤتيه مَنْ يشاء.
وقوله تعالى: بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي الذكْر هنا يعني القرآن، وكأن الحق سبحانه وتعالى يُسلِّي رسوله ويطيب خاطره، كما خاطبه في موضع آخر بقوله: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ الظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام. ٣٣]
والمعنى: لا تحزن يا محمد. فقومك لا يُكذِّبونك أنت إنما يُكذِّبون ما جئتَ به من الذكر، فأنت عندهم الصادق الأمين الذي لا غبارَ عليه، يعني المسألة ليست متعلقة بك وبشخصك أنت، إنما متعلقة بي أنا، فكأن الله تعالى حملها عن رسوله ليُطمئنه ويُسلِّيه ويُخفِّف عنه ما يلاقي من عناد قومه له.
وقوله سبحانه: بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ هذا لون من ألوان التهديد، يعني: لن يظلوا على هذه الحال من السلامة والنجاة فعذابهم قادم؛ ذلك لأن (لما) تفيد نَفْي الحدث في الماضي مع إثبات حدوثه في المستقبل، تقول: فلان لم يأْتِ يعني في الماضي وقد لا يأتي في الحاضر والمستقبل، إنما فلان لمَّا يَأْتي يعني: لم يأت في الماضي، وسوف يأتي في الحاضر أو المستقبل، فمعنى لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ يعني: حتى الآن لم ينزل بهم عذاب الله، لكن ينزل لا محالة.
آية رقم ٩
بعد أن نفى الحق سبحانه قدرتهم على أنْ يقسموا رحمته تعالى ينفي هنا أن تكون مفاتيح خزائن رحمته بأيديهم، فأَمْ هنا للتسوية، والمعنى: أهُمْ يقسمون رحمة ربك، أم عندهم خزائن رحمته؟ لا هذا ولا ذَاك، لأن النبوة رحمة، وخزائن الرحمة مملوكة للرحيم والله رحمن، فليس لهم شيء من ذلك؛ لأن الله تعالى لم يُملِّك مفاتيح خزائنه لأحد حتى أولياء الله المقربين...
فالعزيز هو الذي يغلب ولا يُغلب، فالله غالب لا يُغْلَب على أمره، ومَنْ كانت هذه صفته كيف يأخذون منه خزائن رحمته، وهو سبحانه: الْوَهَّابِ الذي يهب مَنْ يشاء تفضُّلاً وتكرُّماً منه سبحانه.
فالعزيز هو الذي يغلب ولا يُغلب، فالله غالب لا يُغْلَب على أمره، ومَنْ كانت هذه صفته كيف يأخذون منه خزائن رحمته، وهو سبحانه: الْوَهَّابِ الذي يهب مَنْ يشاء تفضُّلاً وتكرُّماً منه سبحانه.
آية رقم ١٠
بعد أن نفى الحق سبحانه قدرتهم على أنْ يقسموا رحمته تعالى ينفي هنا أن تكون مفاتيح خزائن رحمته بأيديهم، فأَمْ هنا للتسوية، والمعنى: أهُمْ يقسمون رحمة ربك، أم عندهم خزائن رحمته؟ لا هذا ولا ذَاك، لأن النبوة رحمة، وخزائن الرحمة مملوكة للرحيم والله رحمن، فليس لهم شيء من ذلك؛ لأن الله تعالى لم يُملِّك مفاتيح خزائنه لأحد حتى أولياء الله المقربين الذين يعطيهم ومضات إشراقية غيبية ليثبت بها اليقين بالمسلك الذي سلكوه.
حتى هؤلاء لم يُملِّكهم مفاتيح خزائنه، إنما يفتح لهم ما يشاء من فضله، ويعطيهم ما يريدون من الكرامات، وتظل مفاتيح خزائنه تعالى في يده وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ [الأنعام: ٥٩] لا يسلمها لأحد. لذلك ذُيلت الآية بهذين الاسمين من أسمائه تعالى ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ [ص: ٩].
فالعزيز هو الذي يغلب ولا يُغلب، فالله غالب لا يُغْلَب على أمره، ومَنْ كانت هذه صفته كيف يأخذون منه خزائن رحمته، وهو سبحانه: ٱلْوَهَّابِ [ص: ٩] الذي يهب مَنْ يشاء تفضُّلاً وتكرُّماً منه سبحانه.
ثم يقول سبحانه: أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [ص: ١٠] يعني: إنْ كان لهم مُلْكُ السماوات والأرض وما بينهما فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ [ص: ١٠] فليصعدوا هم إلى السماء، وليعرجوا إليها ليتولَّوا هم تدبير أمر الخَلْق، والحق سبحانه يوضح هذه المسألة في آية أخرى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] أي: بسلطان منَّا.
لذلك لما وصل الإنسان واعتلى سطح القمر قال المتفلسفون: وصلوا بسلطان العلم، كيف والله يقول بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥] إذن: ليس السلطان المراد سلطان العلم كما يدَّعُون، إنما سلطان من الله خالقها، فهو سبحانه الذي يُنْفِذ مَنْ يشاء، ويمنع من النفوذ مَنْ يشاء، ولو لم تأتِ هذه الآيةُ لكانَ الذين ينكرون معراج رسول الله على صواب.
وقوله سبحانه: جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ [ص: ١١] المراد كفار مكة، وأنهم مهزومون لا محالة، كما هُزِم مَنْ قبلهم من المكذِّبين للرسل.
ثم يُسلِّي الحق - سبحانه وتعالى - نبيه بذكْر ما كان من تكذيب السابقين لرسلهم، يعني: يا محمد لسْتَ بدعاً في هذا الأمر، ويبدأ بأطول الرسالات عمراً، وهي رسالة سيدنا نوح - عليه السلام - فيقول سبحانه:
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ... .
حتى هؤلاء لم يُملِّكهم مفاتيح خزائنه، إنما يفتح لهم ما يشاء من فضله، ويعطيهم ما يريدون من الكرامات، وتظل مفاتيح خزائنه تعالى في يده وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ [الأنعام: ٥٩] لا يسلمها لأحد. لذلك ذُيلت الآية بهذين الاسمين من أسمائه تعالى ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ [ص: ٩].
فالعزيز هو الذي يغلب ولا يُغلب، فالله غالب لا يُغْلَب على أمره، ومَنْ كانت هذه صفته كيف يأخذون منه خزائن رحمته، وهو سبحانه: ٱلْوَهَّابِ [ص: ٩] الذي يهب مَنْ يشاء تفضُّلاً وتكرُّماً منه سبحانه.
ثم يقول سبحانه: أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [ص: ١٠] يعني: إنْ كان لهم مُلْكُ السماوات والأرض وما بينهما فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ [ص: ١٠] فليصعدوا هم إلى السماء، وليعرجوا إليها ليتولَّوا هم تدبير أمر الخَلْق، والحق سبحانه يوضح هذه المسألة في آية أخرى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] أي: بسلطان منَّا.
لذلك لما وصل الإنسان واعتلى سطح القمر قال المتفلسفون: وصلوا بسلطان العلم، كيف والله يقول بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥] إذن: ليس السلطان المراد سلطان العلم كما يدَّعُون، إنما سلطان من الله خالقها، فهو سبحانه الذي يُنْفِذ مَنْ يشاء، ويمنع من النفوذ مَنْ يشاء، ولو لم تأتِ هذه الآيةُ لكانَ الذين ينكرون معراج رسول الله على صواب.
وقوله سبحانه: جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ [ص: ١١] المراد كفار مكة، وأنهم مهزومون لا محالة، كما هُزِم مَنْ قبلهم من المكذِّبين للرسل.
ثم يُسلِّي الحق - سبحانه وتعالى - نبيه بذكْر ما كان من تكذيب السابقين لرسلهم، يعني: يا محمد لسْتَ بدعاً في هذا الأمر، ويبدأ بأطول الرسالات عمراً، وهي رسالة سيدنا نوح - عليه السلام - فيقول سبحانه:
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ... .
آية رقم ١١
ﯟﯠﯡﯢﯣﯤ
ﯥ
بعد أن نفى الحق سبحانه قدرتهم على أنْ يقسموا رحمته تعالى ينفي هنا أن تكون مفاتيح خزائن رحمته بأيديهم، فأَمْ هنا للتسوية، والمعنى: أهُمْ يقسمون رحمة ربك، أم عندهم خزائن رحمته؟ لا هذا ولا ذَاك، لأن النبوة رحمة، وخزائن الرحمة مملوكة للرحيم والله رحمن، فليس لهم شيء من ذلك؛ لأن الله تعالى لم يُملِّك مفاتيح خزائنه لأحد حتى أولياء الله المقربين الذين يعطيهم ومضات إشراقية غيبية ليثبت بها اليقين بالمسلك الذي سلكوه.
حتى هؤلاء لم يُملِّكهم مفاتيح خزائنه، إنما يفتح لهم ما يشاء من فضله، ويعطيهم ما يريدون من الكرامات، وتظل مفاتيح خزائنه تعالى في يده وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ [الأنعام: ٥٩] لا يسلمها لأحد. لذلك ذُيلت الآية بهذين الاسمين من أسمائه تعالى ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ [ص: ٩].
فالعزيز هو الذي يغلب ولا يُغلب، فالله غالب لا يُغْلَب على أمره، ومَنْ كانت هذه صفته كيف يأخذون منه خزائن رحمته، وهو سبحانه: ٱلْوَهَّابِ [ص: ٩] الذي يهب مَنْ يشاء تفضُّلاً وتكرُّماً منه سبحانه.
ثم يقول سبحانه: أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [ص: ١٠] يعني: إنْ كان لهم مُلْكُ السماوات والأرض وما بينهما فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ [ص: ١٠] فليصعدوا هم إلى السماء، وليعرجوا إليها ليتولَّوا هم تدبير أمر الخَلْق، والحق سبحانه يوضح هذه المسألة في آية أخرى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] أي: بسلطان منَّا.
لذلك لما وصل الإنسان واعتلى سطح القمر قال المتفلسفون: وصلوا بسلطان العلم، كيف والله يقول بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥] إذن: ليس السلطان المراد سلطان العلم كما يدَّعُون، إنما سلطان من الله خالقها، فهو سبحانه الذي يُنْفِذ مَنْ يشاء، ويمنع من النفوذ مَنْ يشاء، ولو لم تأتِ هذه الآيةُ لكانَ الذين ينكرون معراج رسول الله على صواب.
وقوله سبحانه: جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ [ص: ١١] المراد كفار مكة، وأنهم مهزومون لا محالة، كما هُزِم مَنْ قبلهم من المكذِّبين للرسل.
ثم يُسلِّي الحق - سبحانه وتعالى - نبيه بذكْر ما كان من تكذيب السابقين لرسلهم، يعني: يا محمد لسْتَ بدعاً في هذا الأمر، ويبدأ بأطول الرسالات عمراً، وهي رسالة سيدنا نوح - عليه السلام - فيقول سبحانه:
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ... .
حتى هؤلاء لم يُملِّكهم مفاتيح خزائنه، إنما يفتح لهم ما يشاء من فضله، ويعطيهم ما يريدون من الكرامات، وتظل مفاتيح خزائنه تعالى في يده وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ [الأنعام: ٥٩] لا يسلمها لأحد. لذلك ذُيلت الآية بهذين الاسمين من أسمائه تعالى ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ [ص: ٩].
فالعزيز هو الذي يغلب ولا يُغلب، فالله غالب لا يُغْلَب على أمره، ومَنْ كانت هذه صفته كيف يأخذون منه خزائن رحمته، وهو سبحانه: ٱلْوَهَّابِ [ص: ٩] الذي يهب مَنْ يشاء تفضُّلاً وتكرُّماً منه سبحانه.
ثم يقول سبحانه: أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [ص: ١٠] يعني: إنْ كان لهم مُلْكُ السماوات والأرض وما بينهما فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ [ص: ١٠] فليصعدوا هم إلى السماء، وليعرجوا إليها ليتولَّوا هم تدبير أمر الخَلْق، والحق سبحانه يوضح هذه المسألة في آية أخرى: يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] أي: بسلطان منَّا.
لذلك لما وصل الإنسان واعتلى سطح القمر قال المتفلسفون: وصلوا بسلطان العلم، كيف والله يقول بعدها: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥] إذن: ليس السلطان المراد سلطان العلم كما يدَّعُون، إنما سلطان من الله خالقها، فهو سبحانه الذي يُنْفِذ مَنْ يشاء، ويمنع من النفوذ مَنْ يشاء، ولو لم تأتِ هذه الآيةُ لكانَ الذين ينكرون معراج رسول الله على صواب.
وقوله سبحانه: جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ [ص: ١١] المراد كفار مكة، وأنهم مهزومون لا محالة، كما هُزِم مَنْ قبلهم من المكذِّبين للرسل.
ثم يُسلِّي الحق - سبحانه وتعالى - نبيه بذكْر ما كان من تكذيب السابقين لرسلهم، يعني: يا محمد لسْتَ بدعاً في هذا الأمر، ويبدأ بأطول الرسالات عمراً، وهي رسالة سيدنا نوح - عليه السلام - فيقول سبحانه:
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ... .
آية رقم ١٢
معنى: ذُو ٱلأَوْتَادِ [ص: ١٢] صاحب الأوتاد وهي الأشياء المثبتة، وقيل: المراد الأهرامات. أو كانت له أوتاد مثبتة عذَّب بها خصومه، و لْئَيْكَةِ [ص: ١٣] هي الحديقة مُلتفّة الأشجار، متشابكة الأغصان، وأصحاب الأيكة هم قوم سيدنا شعيب أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ [ص: ١٣] أي: الذين تحزَّبوا على رسلهم وصادموهم وعاندوهم.
إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ [ص: ١٤] ما أحد من هؤلاء إلا كَذَّبَ رسوله فَحَقَّ [ص: ١٤] أي: وجب له وحَقَّ عليه (عَقَابِ) إذن: فكيف يُقدِّرون لأنفسهم أنْ يقفوا منك يا محمد هذا الموقف ولا نعاقبهم؟ كيف يفلتون منا وقد عاقبنا مَنْ هم أقوى منهم؟
إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ [ص: ١٤] ما أحد من هؤلاء إلا كَذَّبَ رسوله فَحَقَّ [ص: ١٤] أي: وجب له وحَقَّ عليه (عَقَابِ) إذن: فكيف يُقدِّرون لأنفسهم أنْ يقفوا منك يا محمد هذا الموقف ولا نعاقبهم؟ كيف يفلتون منا وقد عاقبنا مَنْ هم أقوى منهم؟
آية رقم ١٣
معنى: ذُو ٱلأَوْتَادِ [ص: ١٢] صاحب الأوتاد وهي الأشياء المثبتة، وقيل: المراد الأهرامات. أو كانت له أوتاد مثبتة عذَّب بها خصومه، و لْئَيْكَةِ [ص: ١٣] هي الحديقة مُلتفّة الأشجار، متشابكة الأغصان، وأصحاب الأيكة هم قوم سيدنا شعيب أُوْلَـٰئِكَ ٱلأَحْزَابُ [ص: ١٣] أي: الذين تحزَّبوا على رسلهم وصادموهم وعاندوهم.
إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ [ص: ١٤] ما أحد من هؤلاء إلا كَذَّبَ رسوله فَحَقَّ [ص: ١٤] أي: وجب له وحَقَّ عليه (عَقَابِ) إذن: فكيف يُقدِّرون لأنفسهم أنْ يقفوا منك يا محمد هذا الموقف ولا نعاقبهم؟ كيف يفلتون منا وقد عاقبنا مَنْ هم أقوى منهم؟
إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ [ص: ١٤] ما أحد من هؤلاء إلا كَذَّبَ رسوله فَحَقَّ [ص: ١٤] أي: وجب له وحَقَّ عليه (عَقَابِ) إذن: فكيف يُقدِّرون لأنفسهم أنْ يقفوا منك يا محمد هذا الموقف ولا نعاقبهم؟ كيف يفلتون منا وقد عاقبنا مَنْ هم أقوى منهم؟
آية رقم ١٤
إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ ما أحد من هؤلاء إلا كَذَّبَ رسوله فَحَقَّ أي: وجب له وحَقَّ عليه (عَقَابِ) إذن: فكيف يُقدِّرون لأنفسهم أنْ يقفوا منك يا محمد هذا الموقف ولا نعاقبهم؟ كيف يفلتون منا وقد عاقبنا مَنْ هم أقوى منهم؟
آية رقم ١٥
أي: ما ينتظرون، فعذابهم بالنسبة لنا أمر يسير لا يحتاج إلى علاج، إنما هي مجرد صيحة واحدة أي: نفخة واحدة قالوا: هي النفخة الثانية التي بها يُبعث الخَلْق مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ [ص: ١٥] يعني: لا إفاقةَ لهم بعدها.
آية رقم ١٦
معنى قِطَّنَا [ص: ١٦] أي: نصيبنا وجزاءنا، وأصلها من القطعة كانوا يكتبون فيها الجائزة. يعني: إنْ كنا مذنبين عَجِّل لنا العذاب الآن قبل يوم القيامة، لكن كيف يأتيكم العذاب الآن في الدنيا والدنيا فانية، ينتهي العذاب بفَنَائها، فكأن عذابهم في الدنيا لا يكفي جزاءً لهم على كفرهم؛ لذلك يُؤخِّره الله لهم إلى يوم القيامة، وهي دار بقاء وإقامة لا نهاية لها.
والحقيقة أن الصيحة ليست هي التي ستُعذِّبهم، إنما هي مجرد جرس إيذاناً ببدء هذا اليوم.
والحق - سبحانه وتعالى - يشرح لنا هذا الموقف منهم ويُوضِّحه في قوله تعالى وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢].
وهذا دليل غبائهم، فهل يدعو عاقل بمثل هذا؟ وكأن الحق سبحانه يريد أنْ يُدلِّل لنا على أن موقفهم في العناد والتأبّي على الرسالات ضد نفوسهم، فبدل أنْ يقولوا فاهدنا إليه يقولون فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢].
لذلك الحق سبحانه يتعجب من استعجالهم العذاب: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٦-١٧٧].
وعجيبٌ من كفار مكة أن يقولوا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ١٦] فهل يؤمنون بهذا اليوم؟ إذن: لماذا ينطقون به ويعترفون بوجوده حتى يظهر في فلتات ألسنتهم؟ قالوا: إنه تنبُّه مواجيد الفطرة قبل أنْ يعمل العقل الماكر، فالذي يكذب يُعمِل عقله في الكذب، ولابُدَّ له أنْ يكون ذَكُوراً؛ لأن الكذب ليس له واقع ثابت.
لذلك كثيراً ما يكذب الإنسانُ كذبةً اليوم، ويكذب خلافها غداً، فالصادق لا يتغير كلامه لأنه يحكي واقعاً، أمَّا الكاذب فيحكي غير الواقع؛ لذلك قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً، مثل رجل كاذب يحكي ويقول: ذهبنا إلى (البندر) ليلة العيد الصغير، وكانت الدنيا (قمر ضهر!!) كيف؟
والمحقق الماهر هو الذي يستغل هذه المسألة ليعلم صِدْقَ الأقوال من كذبها، فالصادق يحكي واقعاً، فلو سأله المحقِّق ألف مرة لجاءتْ أقواله واحدة، أمَّا الكاذب فيحكي خيالاً لا بُدَّ أنْ تتضارب فيه الأقوال فينكشف زَيْفه، الواقع يُملي نفسه عليك، أمَّا الكذب فيُمليه الإفك والتلفيق، فلا تدري على أيِّ صورة يكون.
فقولهم: قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ١٦] جاء منهم فَلْتة لسان كشفتْ عَمَّا يؤمنون به بين أنفسهم، ومثلها قول المنافقين: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ [المنافقون: ٧].
فجعلوا النفعية هي المقياس، فكأن أتباع محمد حين لا ينفق عليهم سينفضُّون من حوله؛ ذلك لأن الأمور عندهم مادية، وكل شيء عندهم له ثمن.
وقالوا: لما فَتَر الوَحْي عن رسول الله: إنَّ ربَّ محمد قَلاَه، هكذا تسرقهم المواجيد الفطرية، ويظهر الحق في فَلَتات الألسنة عندما تتنبه الغريزة والفطرة، ويغيب العقل الماكر المدبر.
أو أنهم قالوا: وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ١٦] على سبيل الاستهزاء بالوعيد الذي توعَّدهم الله به، فهم لا يؤمنون بهذا العذاب ولا يثقون في وقوعه، فاستعجالهم له استهزاء به، فكأنهم قالوا: هات لنا العذاب فنحن مشتاقون لعذابك، فلا تُؤخِّرْه إلى يوم الحساب، وهذا التهكم لا يليق مع قولهم رَبَّنَا [ص: ١٦].
والحقيقة أن الصيحة ليست هي التي ستُعذِّبهم، إنما هي مجرد جرس إيذاناً ببدء هذا اليوم.
والحق - سبحانه وتعالى - يشرح لنا هذا الموقف منهم ويُوضِّحه في قوله تعالى وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢].
وهذا دليل غبائهم، فهل يدعو عاقل بمثل هذا؟ وكأن الحق سبحانه يريد أنْ يُدلِّل لنا على أن موقفهم في العناد والتأبّي على الرسالات ضد نفوسهم، فبدل أنْ يقولوا فاهدنا إليه يقولون فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢].
لذلك الحق سبحانه يتعجب من استعجالهم العذاب: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٦-١٧٧].
وعجيبٌ من كفار مكة أن يقولوا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ١٦] فهل يؤمنون بهذا اليوم؟ إذن: لماذا ينطقون به ويعترفون بوجوده حتى يظهر في فلتات ألسنتهم؟ قالوا: إنه تنبُّه مواجيد الفطرة قبل أنْ يعمل العقل الماكر، فالذي يكذب يُعمِل عقله في الكذب، ولابُدَّ له أنْ يكون ذَكُوراً؛ لأن الكذب ليس له واقع ثابت.
لذلك كثيراً ما يكذب الإنسانُ كذبةً اليوم، ويكذب خلافها غداً، فالصادق لا يتغير كلامه لأنه يحكي واقعاً، أمَّا الكاذب فيحكي غير الواقع؛ لذلك قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً، مثل رجل كاذب يحكي ويقول: ذهبنا إلى (البندر) ليلة العيد الصغير، وكانت الدنيا (قمر ضهر!!) كيف؟
والمحقق الماهر هو الذي يستغل هذه المسألة ليعلم صِدْقَ الأقوال من كذبها، فالصادق يحكي واقعاً، فلو سأله المحقِّق ألف مرة لجاءتْ أقواله واحدة، أمَّا الكاذب فيحكي خيالاً لا بُدَّ أنْ تتضارب فيه الأقوال فينكشف زَيْفه، الواقع يُملي نفسه عليك، أمَّا الكذب فيُمليه الإفك والتلفيق، فلا تدري على أيِّ صورة يكون.
فقولهم: قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ١٦] جاء منهم فَلْتة لسان كشفتْ عَمَّا يؤمنون به بين أنفسهم، ومثلها قول المنافقين: لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ [المنافقون: ٧].
فجعلوا النفعية هي المقياس، فكأن أتباع محمد حين لا ينفق عليهم سينفضُّون من حوله؛ ذلك لأن الأمور عندهم مادية، وكل شيء عندهم له ثمن.
وقالوا: لما فَتَر الوَحْي عن رسول الله: إنَّ ربَّ محمد قَلاَه، هكذا تسرقهم المواجيد الفطرية، ويظهر الحق في فَلَتات الألسنة عندما تتنبه الغريزة والفطرة، ويغيب العقل الماكر المدبر.
أو أنهم قالوا: وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ١٦] على سبيل الاستهزاء بالوعيد الذي توعَّدهم الله به، فهم لا يؤمنون بهذا العذاب ولا يثقون في وقوعه، فاستعجالهم له استهزاء به، فكأنهم قالوا: هات لنا العذاب فنحن مشتاقون لعذابك، فلا تُؤخِّرْه إلى يوم الحساب، وهذا التهكم لا يليق مع قولهم رَبَّنَا [ص: ١٦].
آية رقم ١٧
الصبر: استعلاء النفس على الأحداث بمعنى ألاَّ تنال الأحداثُ من النفس ومن قوتها، لأن الذي يُصاب بمصيبة يحتاج إلى قوة إضافية فوق قوته الطبيعية، فلا تجعل المصيبة أو الشدة تُضعف من قوتك على تحمُّل الحدث.
وإياك أنْ تجعل المصيبة مصيبتين، حين تضعف أمام الأحداث فيجتمع عليك المصيبة والضعف عن تحملها...
هنا الحق سبحانه يريد أنْ يُسلِّي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ويُخفِّف عنه ما يلاقي من قومه، فقولهم عن رسول الله أنه ساحر وكاذب ومجنون.. إلخ كل هذا يُحزن رسول الله ويشقُّ عليه ويُؤلمه؛ لذلك مرَّتْ بنا آياتٌ كثيرة في تسليته صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ الظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].
وهنا يخاطبه ربه: اصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ثم يعطيه مثلاً من موكب الرسالات السابقة وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ لكن لماذا ذكر سيدنا داود بالذات في هذا المقام؟
قالوا: لأن قومَ سيدنا داود قالوا في حقه ما هو أفظع مما قيل في حَقِّ رسول الله، فكفار مكة قالوا: ساحر، وكاهن، وكذاب. أما قوم داود فقد اتهموه في شرفه وعفَّته وطهارته، حين زعموا أنه بعث بأحد قادته إلى حرب خارج البلاد؛ لأنه كان يحب زوجته، ويريد أنْ يخلوَ له الجو وينفرد بها، ومع ذلك صبر سيدنا داود.
والحق سبحانه يخاطب نبيه محمداً ويقول له: اصبر كما صبر داود. مع أن محمداً هو خاتم الرسل جميعاً، فلا رسالةَ بعده وفوَّضَه الله في أنْ يُشرِّع لأمته، وهذه خصوصية لم تسبق لأحد غيره من الرسل، وأرسل الله معه كتاباً خالداً مهيمناً على كل الكتب السابقة ومع ذلك يقول له ربه: اصبر كما صبر داود، وكما صبر إخوانك من الرسل ليدلَّ على أن أمة الرسالة أمة واحدة، كل منهم يُبلِّغ عن الله رسالة مناسبة لقومه، فالرسل جميعاً كشخص واحد.
لذلك قال تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ وبعد ذلك ذكر عدةَ رسُل من موكب الرسالات ولم يقُلْ عبادنا، كأنهم تجمعوا كلهم في مهمة واحدة فلا تفرق بينهم؛ لذلك يقول سبحانه: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَالَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ.. [الشورى: ١٣].
وقال صلى الله عليه وسلم:"لا تفضلوني على يونس بن متى".
لأنكم لا تعلمون مقاييس المفاضلة، فدعوا المفاضلة لله تعالى فهو الذي يُفضِّل، كما قال سبحانه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ.. [البقرة: ٢٥٣].
وتأمَّل هذا الشرف الكبير الذي ناله سيدنا داود حين تحدَّث الحق عنه، فقال وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ كذلك نال سيدنا محمد في استهلاك سورة الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] فليس للإسراء حيثية، إلا أنه صلى الله عليه وسلم عبد أخلص العبودية لله فاستحق هذا الشرف العظيم؛ لذلك لما جَفتْ به الطائف واضطهدوه وشتموه جاء العزاء من الله، فإنْ كانت الأرضُ لم تحتَفِ بك، فسوف تحتفي بك السماء.
وقوله تعالى: ذَا الأَيْدِ يعني: صاحب القوة في العبادة، والإيمان يحتاج فعلاً إلى قوة تُعينك على الطاعة، وتزجرك عن المعصية، وتكبح جماحَ النفس حين تميل بك إلى المخالفة، أما الطاعة فتحتاج إلى قوة لأن الطاعةَ غالباً ما تكون ثقيلة على النفس، فتحتاج إلى قوة دافعة حافزة؛ لذلك يقول تعالى عنها: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَٰشِعِينَ [البقرة: ٤٥].
أما المعصية فلها لذة وجاذبية وشهوات تُلِح على النفس، فتحتاج كذلك إلى عزيمة وقوة رادعة كابحة؛ لذلك كثيراً ما يتكرر ذِكْر القوة في كتاب الله، فقال عن داود ذَا الأَيْدِ، وقال ليحيى عليه السلام: يٰيَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم: ١٢].
فالمؤمن لا بُدَّ أنْ يكون قوياً، قويَّ الإرادة والعزم، لا بُدَّ له من قوة الدفع إلى الطاعات لأنه يكسل عنها، وقوة الردع عن المعاصي لأنه يميلُ إليها، والإنسان لا يكسل عن الطاعة ولا يرغب في المعصية إلا حين يعزل العملَ عن الجزاء والعاقبة، ولو استحضر الجزاء وتذكَّر العاقبة لَهانت عليه الطاعة وخَفَّتْ على نفسه وسَهُلَتْ، ولَزِهدَ في المعصية، وفَرَّ منها فراره من الأسد...
ثم يقول تعالى في وصف سيدنا داود: إِنَّهُ أَوَّابٌ من الفعل آب آيب وأوَّاب صيغة مبالغة على وزن فعَّال. يعني: كثير التوبة والأوْب إلى الله، وهذه الكلمة فيها إشارة إلى أن الإنسانَ عُرْضة للمعصية، وأنه مهما تاب فهو مُعرَّض للعودة مرة أخرى؛ لأنه ليس معصوماً، المهم أنْ تحدثَ لكل ذنب توبةٌ، وألاَّ تكون مُصِراً على أن تعودَ...
وقوله تعالى في حَقِّ سيدنا داود: إِنَّهُ أَوَّابٌ تشرح لنا فيما بَعْد معنى
وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [ص: ٢٤].
وإياك أنْ تجعل المصيبة مصيبتين، حين تضعف أمام الأحداث فيجتمع عليك المصيبة والضعف عن تحملها...
هنا الحق سبحانه يريد أنْ يُسلِّي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ويُخفِّف عنه ما يلاقي من قومه، فقولهم عن رسول الله أنه ساحر وكاذب ومجنون.. إلخ كل هذا يُحزن رسول الله ويشقُّ عليه ويُؤلمه؛ لذلك مرَّتْ بنا آياتٌ كثيرة في تسليته صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ الظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].
وهنا يخاطبه ربه: اصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ثم يعطيه مثلاً من موكب الرسالات السابقة وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ لكن لماذا ذكر سيدنا داود بالذات في هذا المقام؟
قالوا: لأن قومَ سيدنا داود قالوا في حقه ما هو أفظع مما قيل في حَقِّ رسول الله، فكفار مكة قالوا: ساحر، وكاهن، وكذاب. أما قوم داود فقد اتهموه في شرفه وعفَّته وطهارته، حين زعموا أنه بعث بأحد قادته إلى حرب خارج البلاد؛ لأنه كان يحب زوجته، ويريد أنْ يخلوَ له الجو وينفرد بها، ومع ذلك صبر سيدنا داود.
والحق سبحانه يخاطب نبيه محمداً ويقول له: اصبر كما صبر داود. مع أن محمداً هو خاتم الرسل جميعاً، فلا رسالةَ بعده وفوَّضَه الله في أنْ يُشرِّع لأمته، وهذه خصوصية لم تسبق لأحد غيره من الرسل، وأرسل الله معه كتاباً خالداً مهيمناً على كل الكتب السابقة ومع ذلك يقول له ربه: اصبر كما صبر داود، وكما صبر إخوانك من الرسل ليدلَّ على أن أمة الرسالة أمة واحدة، كل منهم يُبلِّغ عن الله رسالة مناسبة لقومه، فالرسل جميعاً كشخص واحد.
لذلك قال تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ وبعد ذلك ذكر عدةَ رسُل من موكب الرسالات ولم يقُلْ عبادنا، كأنهم تجمعوا كلهم في مهمة واحدة فلا تفرق بينهم؛ لذلك يقول سبحانه: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَالَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ.. [الشورى: ١٣].
وقال صلى الله عليه وسلم:"لا تفضلوني على يونس بن متى".
لأنكم لا تعلمون مقاييس المفاضلة، فدعوا المفاضلة لله تعالى فهو الذي يُفضِّل، كما قال سبحانه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ.. [البقرة: ٢٥٣].
وتأمَّل هذا الشرف الكبير الذي ناله سيدنا داود حين تحدَّث الحق عنه، فقال وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ كذلك نال سيدنا محمد في استهلاك سورة الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] فليس للإسراء حيثية، إلا أنه صلى الله عليه وسلم عبد أخلص العبودية لله فاستحق هذا الشرف العظيم؛ لذلك لما جَفتْ به الطائف واضطهدوه وشتموه جاء العزاء من الله، فإنْ كانت الأرضُ لم تحتَفِ بك، فسوف تحتفي بك السماء.
وقوله تعالى: ذَا الأَيْدِ يعني: صاحب القوة في العبادة، والإيمان يحتاج فعلاً إلى قوة تُعينك على الطاعة، وتزجرك عن المعصية، وتكبح جماحَ النفس حين تميل بك إلى المخالفة، أما الطاعة فتحتاج إلى قوة لأن الطاعةَ غالباً ما تكون ثقيلة على النفس، فتحتاج إلى قوة دافعة حافزة؛ لذلك يقول تعالى عنها: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَٰشِعِينَ [البقرة: ٤٥].
أما المعصية فلها لذة وجاذبية وشهوات تُلِح على النفس، فتحتاج كذلك إلى عزيمة وقوة رادعة كابحة؛ لذلك كثيراً ما يتكرر ذِكْر القوة في كتاب الله، فقال عن داود ذَا الأَيْدِ، وقال ليحيى عليه السلام: يٰيَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم: ١٢].
فالمؤمن لا بُدَّ أنْ يكون قوياً، قويَّ الإرادة والعزم، لا بُدَّ له من قوة الدفع إلى الطاعات لأنه يكسل عنها، وقوة الردع عن المعاصي لأنه يميلُ إليها، والإنسان لا يكسل عن الطاعة ولا يرغب في المعصية إلا حين يعزل العملَ عن الجزاء والعاقبة، ولو استحضر الجزاء وتذكَّر العاقبة لَهانت عليه الطاعة وخَفَّتْ على نفسه وسَهُلَتْ، ولَزِهدَ في المعصية، وفَرَّ منها فراره من الأسد...
ثم يقول تعالى في وصف سيدنا داود: إِنَّهُ أَوَّابٌ من الفعل آب آيب وأوَّاب صيغة مبالغة على وزن فعَّال. يعني: كثير التوبة والأوْب إلى الله، وهذه الكلمة فيها إشارة إلى أن الإنسانَ عُرْضة للمعصية، وأنه مهما تاب فهو مُعرَّض للعودة مرة أخرى؛ لأنه ليس معصوماً، المهم أنْ تحدثَ لكل ذنب توبةٌ، وألاَّ تكون مُصِراً على أن تعودَ...
وقوله تعالى في حَقِّ سيدنا داود: إِنَّهُ أَوَّابٌ تشرح لنا فيما بَعْد معنى
وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [ص: ٢٤].
آية رقم ١٨
الحق سبحانه يخبرنا أن الجماد يُسبِّح، وأن للجماد حياةً في حين يظن الإنسان أن جماد يعني جامد لا حياةَ فيه، نعم لا حياةَ فيه بمقياسك أنت، لكن له حياة أخرى غير حياتك... إذن... كل شيء له حياة خاصة به، وإن كنا لا ندرك نحن كُنْه هذه الحياة لكنها موجودة، بدليل أن كل شيء هالك...
فإذا قرأتَ عن سيدنا داود: إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ فاعلم أن الجبال تسبح على الحقيقة تسبيحاً لا يعلمه إلا ربها وخالقها. والميزة هنا لسيدنا داود ليست في تسبيح الجبال؛ لأن الجبال مُسبِّحة دائماً، إنما المعجزة هنا أنها تُسبِّح معه وتردد معه نشيداً واحداً، فالكلام في (معه) أي تُسبِّح مع تسبيحه.
لذلك قلنا في قولهم: سبِّح الحصى في يد رسول الله، قلنا: عدِّلوا العبارة، لأن الحصى يسبح حتى في يد أبي جهل، فالصواب والمعجز أن نقول: سمع رسول الله تسبيحَ الحصى في يده. هذه هي العظمة.
فإذا قرأتَ عن سيدنا داود: إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ فاعلم أن الجبال تسبح على الحقيقة تسبيحاً لا يعلمه إلا ربها وخالقها. والميزة هنا لسيدنا داود ليست في تسبيح الجبال؛ لأن الجبال مُسبِّحة دائماً، إنما المعجزة هنا أنها تُسبِّح معه وتردد معه نشيداً واحداً، فالكلام في (معه) أي تُسبِّح مع تسبيحه.
لذلك قلنا في قولهم: سبِّح الحصى في يد رسول الله، قلنا: عدِّلوا العبارة، لأن الحصى يسبح حتى في يد أبي جهل، فالصواب والمعجز أن نقول: سمع رسول الله تسبيحَ الحصى في يده. هذه هي العظمة.
آية رقم ١٩
ﭦﭧﭨﭩﭪﭫ
ﭬ
ثم يقول سبحانه: وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ معنى محشورة أي: مجتمعة حول سيدنا داود، لأنه عليه السلام كان جميل الصوت حين يقرأ المزامير ويتغنى بها، فكانت الطيرُ تجتمع عليه وتُردِّد معه وتُرجِّع ما يقول: إذن: كانت منظومة إيمانيةً مُكوَّنة من سيدنا داود والجبال والطير، جميعهم يرددون تسبيحاً واحداً...
لذلك قالوا في كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ أي: داود والجبال والطير، كل منهم أواب لله خاضع له راجع إليه.
لذلك قالوا في كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ أي: داود والجبال والطير، كل منهم أواب لله خاضع له راجع إليه.
آية رقم ٢٠
ﭭﭮﭯﭰﭱﭲ
ﭳ
الصبر: استعلاء النفس على الأحداث بمعنى ألاَّ تنال الأحداثُ من النفس ومن قوتها، لأن الذي يُصاب بمصيبة يحتاج إلى قوة إضافية فوق قوته الطبيعية، فلا تجعل المصيبة أو الشدة تُضعف من قوتك على تحمُّل الحدث.
وإياك أنْ تجعل المصيبة مصيبتين، حين تضعف أمام الأحداث فيجتمع عليك المصيبة والضعف عن تحملها، ذلك لأن المصيبة بالنسبة للمؤمن على قسمين. الأول: مصيبة للإنسان دَخْلٌ فيها كالطالب المهمل الذي يرسب في الامتحان، فالرسوب نتيجة إهمالك وتهاونك، فإنْ كنت ستغضب فاغضب من نفسك ولُمها وعنِّفها، وحاول أن تصححَ خطأها، وتصلح فسادها، هذه هي الرجولة التي تواجه الواقع ولا تتنصَّل من المسئولية.
الثاني: صبر على حَدَث ليس للإنسان دَخْل فيه، وهذا هو الأمر القدري يُجريه الله عليك، ولا يريد لك منه إلا الخير، وإنْ كنتَ تعتقد أنت أنه شَرٌّ.
لذلك قد يدعو الإنسان بما يراه خيراً له حَسْب قوانينه وفَهْمه للخير، لكن لا يرى إجابة فيغضب ويقول: دعوتُ فلم يُستجب لي. وغفل أن ربه - عز وجل - أعلمُ بالخير أين هو، لذلك لم يُجِبْهُ، إذن: فإجابته لك ألاَّ يجيبك.
لذلك يُعلِّم الحق سبحانه المؤمنين الرّد على الذين كانوا يشمتون في الأحداث تصيبهم، فيقول: قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا [التوبة: ٥١] نعم، كتب الله لنا لا علينا، لأن المصيبة لا تأتي المؤمنَ إلا بالخير، فهي إما تمحيص لنا وإما عُلُو لمرتبتنا، وإما ليعلم غيرُ المؤمنين أن لأهل الإيمان جلادةً أمام الأحداث، وصلابةً لا تلين.
ومن ناحية أخرى، نجد المصيبة التي تصيب الإنسانَ إما مصيبة له فيها غريم، أو مصيبة لا غريمَ فيها، فالمصيبة التي لك فيها غريم اعتدى عليك مثلاً تحتاج إلى صبر أقوى وجَلَد وتحمُّل أكثر، لأنك كلما رأيتَ غريمك حرَّك فيك كوامن النفس ودواعي الانتقام، أما المصيبة التي ليس لك فيها غريم، وهي المصيبة القدرية التي أصابتْك بقدر الله فهي أهون على النفس من الأولى لأنها من الله، فلا تملك معها إلا أنْ تقول لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله وتصبر وتحتسب، وإلا فماذا تفعل مثلاً أمام المرض أو الموت؟
لذلك يقول سبحانه في المصيبة التي لك فيها غريم: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [الشورى: ٤٣] يعني: تحتاج إلى عزيمة وقوة تحمُّل تعينك على الصبر، أو تدعوك إلى المغفرة، أما المصيبة القدرية التي لا غريمَ لك فيها، فيقول الحق فيها: وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [لقمان: ١٧] ولم يقُلْ هنا إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [الشورى: ٤٣]، فآية لقمان في المصيبة التي لا غريم فيها، فأتت بدون اللام، وآية الشورى لما فيها غريم فأتت فيها اللام.
هنا الحق سبحانه يريد أنْ يُسلِّي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ويُخفِّف عنه ما يلاقي من قومه، فقولهم عن رسول الله أنه ساحر وكاذب ومجنون.. إلخ كل هذا يُحزن رسول الله ويشقُّ عليه ويُؤلمه؛ لذلك مرَّتْ بنا آياتٌ كثيرة في تسليته صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].
وهنا يخاطبه ربه: ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ [ص: ١٧] ثم يعطيه مثلاً من موكب الرسالات السابقة وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ [ص: ١٧] لكن لماذا ذكر سيدنا داود بالذات في هذا المقام؟
قالوا: لأن قومَ سيدنا داود قالوا في حقه ما هو أفظع مما قيل في حَقِّ رسول الله، فكفار مكة قالوا: ساحر، وكاهن، وكذاب. أما قوم داود فقد اتهموه في شرفه وعفَّته وطهارته، حين زعموا أنه بعث بأحد قادته إلى حرب خارج البلاد؛ لأنه كان يحب زوجته، ويريد أنْ يخلوَ له الجو وينفرد بها، ومع ذلك صبر سيدنا داود.
والحق سبحانه يخاطب نبيه محمداً ويقول له: اصبر كما صبر داود. مع أن محمداً هو خاتم الرسل جميعاً، فلا رسالةَ بعده وفوَّضَه الله في أنْ يُشرِّع لأمته، وهذه خصوصية لم تسبق لأحد غيره من الرسل، وأرسل الله معه كتاباً خالداً مهيمناً على كل الكتب السابقة ومع ذلك يقول له ربه: اصبر كما صبر داود، وكما صبر إخوانك من الرسل ليدلَّ على أن أمة الرسالة أمة واحدة، كل منهم يُبلِّغ عن الله رسالة مناسبة لقومه، فالرسل جميعاً كشخص واحد.
لذلك قال تعالى: وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ [ص: ١٧] وبعد ذلك ذكر عدةَ رسُل من موكب الرسالات ولم يقُلْ عبادنا، كأنهم تجمعوا كلهم في مهمة واحدة فلا تفرق بينهم؛ لذلك يقول سبحانه: شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ.. [الشورى: ١٣].
وقال صلى الله عليه وسلم: لأنكم لا تعلمون مقاييس المفاضلة، فدعوا المفاضلة لله تعالى فهو الذي يُفضِّل، كما قال سبحانه: تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ.. [البقرة: ٢٥٣].
وتأمَّل هذا الشرف الكبير الذي ناله سيدنا داود حين تحدَّث الحق عنه، فقال وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ [ص: ١٧] كذلك نال سيدنا محمد في استهلاك سورة الإسراء: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] فليس للإسراء حيثية، إلا أنه صلى الله عليه وسلم عبد أخلص العبودية لله فاستحق هذا الشرف العظيم؛ لذلك لما جَفتْ به الطائف واضطهدوه وشتموه جاء العزاء من الله، فإنْ كانت الأرضُ لم تحتَفِ بك، فسوف تحتفي بك السماء.
وقوله تعالى: ذَا ٱلأَيْدِ [ص: ١٧] يعني: صاحب القوة في العبادة، والإيمان يحتاج فعلاً إلى قوة تُعينك على الطاعة، وتزجرك عن المعصية، وتكبح جماحَ النفس حين تميل بك إلى المخالفة، أما الطاعة فتحتاج إلى قوة لأن الطاعةَ غالباً ما تكون ثقيلة على النفس، فتحتاج إلى قوة دافعة حافزة؛ لذلك يقول تعالى عنها: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ [البقرة: ٤٥].
أما المعصية فلها لذة وجاذبية وشهوات تُلِح على النفس، فتحتاج كذلك إلى عزيمة وقوة رادعة كابحة؛ لذلك كثيراً ما يتكرر ذِكْر القوة في كتاب الله، فقال عن داود ذَا ٱلأَيْدِ [ص: ١٧]، وقال ليحيى عليه السلام: يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم: ١٢].
فالمؤمن لا بُدَّ أنْ يكون قوياً، قويَّ الإرادة والعزم، لا بُدَّ له من قوة الدفع إلى الطاعات لأنه يكسل عنها، وقوة الردع عن المعاصي لأنه يميلُ إليها، والإنسان لا يكسل عن الطاعة ولا يرغب في المعصية إلا حين يعزل العملَ عن الجزاء والعاقبة، ولو استحضر الجزاء وتذكَّر العاقبة لَهانت عليه الطاعة وخَفَّتْ على نفسه وسَهُلَتْ، ولَزِهدَ في المعصية، وفَرَّ منها فراره من الأسد.
وقد أوضحنا هذه المسألة بمثال قلنا: هَبْ أن شاباً طغتْ عليه الغريزة الجنسية، وهي أعنف الغرائز في الإنسان، فقلنا له: تقضي ليلة مع فتاة جميلة لكن في الصباح سنُدخلك هذا (الفرن) المتأجج لمدة ساعة، فماذا يقول؟ إذن: استحضار العقاب على المعصية عند المعصية يمنعك منها، كذلك استحضار الثواب على الطاعة يدفعك إليها.
وهناك في جبال الهملايا وعند قمة إفرست وجدوا ضحايا كثيرين مِمَّن يحاولون اعتلاء هذه القمة، فبعضهم مَات بعد ثلث المسافة، وبعضهم بعد الثلثين وهكذا، فما الذي حملهم على تحمُّل هذه المصاعب والمخاطر؟ إنها شهوة الاستعلاء على هذه القمة التي تُعَدُّ أعلى قمة في العالم، إنه حب الشهرة وتخليد الذكْر في دوائر المعارف، إذن: استهانوا بالأخطار ليصلوا إلى هذه الغاية التي يتطلَّعون إليها.
فالذي يجعل الإنسان يزهد في الطاعات ويتكاسل عنها أنه لم يستحضر الثوابَ عليها ولو استحضر ثوابها لَسهُلَتْ عليه، كما قال الشاعر:
تَهُونُ عَلَيْنا في المعَالِي نُفُوسُنَا ومَنْ يخطُب الحَسْنَاءَ لم يُغْلِهَا المهْرُ
والنبي صلى الله عليه وسلم يشرح لنا هذه المسألة بقوله: يعني: ينتفي عنه وَصْفُ الإيمان في لحظة وقوعه في هذه المعصية؛ لأنه غفل عن العاقبة، وغفل عن الله، ولو استحضر اللهَ في ذهنه ما أقدم.
ثم يقول تعالى في وصف سيدنا داود: إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٧] من الفعل آب آيب وأوَّاب صيغة مبالغة على وزن فعَّال. يعني: كثير التوبة والأوْب إلى الله، وهذه الكلمة فيها إشارة إلى أن الإنسانَ عُرْضة للمعصية، وأنه مهما تاب فهو مُعرَّض للعودة مرة أخرى؛ لأنه ليس معصوماً، المهم أنْ تحدثَ لكل ذنب توبةٌ، وألاَّ تكون مُصِراً على أن تعودَ.
لذلك تلحظ أن من أسماء الله تعالى الغفار وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ [طه: ٨٢] ولم يقل غافر، لماذا؟ لأن الخَلْق فيهم غفلة، وفيهم معصية تتكرر، وتكرُّر المعصية يحتاج إلى تكرُّر المغفرة؛ لذلك من رحمة الله بنا أنه غفَّار أي: كثير المغفرة.
وقوله تعالى في حَقِّ سيدنا داود: إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٧] تشرح لنا فيما بَعْد معنى وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [ص: ٢٤].
ثم يقول تعالى: إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ [ص: ١٨] معنى: بِٱلْعَشِيِّ [ص: ١٨] الوقت بعد الظهر إلى المغرب وَٱلإِشْرَاقِ [ص: ١٨] بعد شروق الشمس وهو وقت الضحى، ومعلوم أن الجبال جماد، والجماد هو أدْنى الأجناس في الكون، فالإنسان هو سيد هذا الكون، وهو أعلى الأجناس، يليه الحيوان، ثم النبات، ثم الجماد.
الحق سبحانه يخبرنا أن الجماد يُسبِّح، وأن للجماد حياةً في حين يظن الإنسان أن جماد يعني جامد لا حياةَ فيه، نعم لا حياةَ فيه بمقياسك أنت، لكن له حياة أخرى غير حياتك، أنت تسعى وتجري في طول الدنيا وعرضها، أما الجماد فثابت لا يتحرك.
لكن لكل جنس حياة تناسبه، فأنت أيها الإنسان لك حياتان: حياة في حال اليقظة، وحياة أخرى في حال النوم، أقانونك وأنت نائم هو قانونك وأنت مستيقظ؟ إنك ترى في النوم الأشخاص والأشكال، وتُميِّز بين الألوان، وتعيش قصة طويلة وتَعِي تفاصيلها، كل هذا وأنت نائم مُغْمضَ العينين، فبأيِّ حاسة رأيتَ ما رأيت؟ بعد ذلك لك حياة أخرى مناسبة للموت، وحياة أخرى مناسبة للبعث.
وإنْ أردت أنْ تستدلَّ على أن كل شيء في الوجود له حياة تناسبه، فاقرأ إنْ شئتَ: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤] بعض العلماء قال - ليخرج من هذا المطب - التسبيح هنا يعني تسبيح دلالة. يعني: هذه المخلوقات تدل على خالقها، وليس المراد تسبيح المقال، ولو كان التسبيح المراد تسبيح دلالة كما يقول ما قال الحق بعدها: وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤] لأننا نفهم تسبيحَ الدلالة. إذن: لا بُدَّ أنْ لها تسبيحاً آخر، لا نعلمه نحن.
كذلك في قوله تعالى في الطير: وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَه وَتَسْبِيحَهُ [النور: ٤١] فليس لنا أن نبحث في كيفية صلاة الطير، فكل جنس يعلم كيف يصلي لله خالقه، ألم تَرَ النملةُ جنودَ سليمانَ فتسرع لتحذر قومها: يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨] وتأمل هذا الاحتياط في قولها وعدالة الحكم في وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨] فهم ليسوا ظلمة ولا جبارين، وإنْ مرُّوا عليكم سيحطمونكم من حيث لا يدرون ولا يشعرون بكم.
ألم يعلم هدهدُ سليمانَ قضيةَ التوحيد؟ ألم يكُنْ سبباً في هداية قوم ضلُّوا وعبدوا الشمس من دون الله حين عاد إلى سليمان، يقول أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٢-٢٣].
والذي أغاظ الهدهد وأثَّر في نفسه أنْ يراهم يسجدون للشمس من دون الله: وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: ٢٤-٢٥].
إن الهدهد يفهم القضية كاملة، بل ويجيد في ذلك ما لا يجيده الإنسانُ العاقل.
والإنسان الذي يُدِلُّ على الكون بعقله وفهمه، ألم يُعلِّمه الغراب كيف يُواري سَوْأةَ أخيه وجثته: فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ.. [المائدة: ٣١].
إذن: فكل كَوْن له عالمه، وله لغته، وله صلاته لله وخشوعه، فلا تفرض قانوناً لتسحبه على قانون آخر، فتحيل كثيراً من الأشياء. وإنْ أردتَ سنداً لهذا من نفس القرآن فاقرأ قوله تعالى: لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ [الأنفال: ٤٢] فالهلاك نقيض الحياة. واقرأ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨].
إذن: حين نجمع بين الآيتين نرى أن كل شيء له حياة خاصة به، وإنْ كنا لا ندرك نحن كُنْه هذه الحياة لكنها موجودة، بدليل أن كل شيء هالك. والآن بدأ العلماء يُسجِّلون لغة الطير ولغة الحيوان ويتوصَّلون إلى حَلِّ شفرة هذه اللغات.
ومن العجائب التي جعلها الله لتشرح لنا قدرته تعالى في كونه أنهم لما صنعوا الصاروخ (ديسكافري)، وأرادوا إطلاقه إلى الفضاء ووزنه ١١٠ أطنان، وجدوا به عُطْلاً يمنع انطلاقه، فلما بحثوا عن العطل وجدوا طائراً وزنه أربعة جرامات اسمه نقار الخشب نقر في الجدار العازل لخزان الوقود في الصاروخ اثنين وأربعين ثقباً فعطَّل الصاروخ عن الانطلاق، وهكذا سُخِّر طائر وزنه أربعة جرامات وبنى عُشَّه على هذا الصاروخ العملاق فعطَّل حركته.
وكأن الطيورَ أرادتْ أنْ تثأر لنفسها لما رأت الإنسان يزاحمها في عالم الطيران؛ لذلك وجدوا أن أكبر شيء يهدد الطيران هو عالم الطيور، وأن جماعات منها تعترض الطائرات، وتحوم حول المطارات وكأن هناك عداوةً بينها وبين هذه المخلوقات التي تنازعها الطيران.
لذلك فكَّر علماء الطيران في فكرة تطرد الطيور عن المطارات، فأخذوا فكرة أصوات الطيور التي تصدرها كإنذار لغيرها عند حدوث خطر وسجَّلوا هذه الأصوات وأذاعوها حول المطارات، لكن الطير تنبَّه إلى هذه الخدعة، ولم تَعُدْ تزعجه هذه الأصوات، لذلك لجأوا إلى وسيلة أخرى فقالوا: إن الطيور تخاف من الصقور، فصنعوا لها مُجسَّمات من البلاستيك وعلَّقوها، لكن هذه الخدعة عرفها الطير، وسَخر منها حين وضعتْ بعض الطيور أعشاشها على أجنحة هذه الصقور.
إذن: للطير عالمه ومملكته وأسراره، عرفنا منها شيئاً، وغابت عنا منها أشياء.
فإذا قرأتَ عن سيدنا داود: إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ [ص: ١٨] فاعلم أن الجبال تسبح على الحقيقة تسبيحاً لا يعلمه إلا ربها وخالقها. والميزة هنا لسيدنا داود ليست في تسبيح الجبال؛ لأن الجبال مُسبِّحة دائماً، إنما المعجزة هنا أنها تُسبِّح معه وتردد معه نشيداً واحداً، فالكلام في (معه) أي تُسبِّح مع تسبيحه.
لذلك قلنا في قولهم: سبِّح الحصى في يد رسول الله، قلنا: عدِّلوا العبارة، لأن الحصى يسبح حتى في يد أبي جهل، فالصواب والمعجز أن نقول: سمع رسول الله تسبيحَ الحصى في يده. هذه هي العظمة.
ومعنى بِٱلْعَشِيِّ.. [ص: ١٨] العَشِيُّ: الفترة بعد الظهر إلى المغرب وَٱلإِشْرَاقِ [ص: ١٨] أي: شروق الشمس، وقد أخذ بعض الأئمة من هذه الآية دليلاً على مشروعية صلاة الضحى التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يقول عن هذه الصلاة: صلاة الإشراق. لكن أيّ عشي؟ وأيّ إشراق؟ هذا وقت وكل مكان له عَشِيٌّ وله إشراق يخالف الآخر.
إذن: فهو وقت ممتد في كل وقت كما أوضحنا في الصلاة، فهي دائمة ممتدة لا تنقطع أبداً، ففي مكان يُصلِّي الصبح، وفي آخر يُصلِّي الظهر، وفي آخر يُصلِّي العصر وهكذا. فكأن الخالق سبحانه أراد بهذه الدورة الزمنية أنْ يُعبَد سبحانه في كل جزئيات الزمان عبادة لا تنقطع في وقت من الأوقات.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ولا يخلو الزمن أبداً من ليل أو نهار، إذن: فالمعنى أنه سبحانه يده مبسوطة دائماً.
ثم يقول سبحانه: وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٩] معنى محشورة أي: مجتمعة حول سيدنا داود، لأنه عليه السلام كان جميل الصوت حين يقرأ المزامير ويتغنى بها، فكانت الطيرُ تجتمع عليه وتُردِّد معه وتُرجِّع ما يقول: إذن: كانت منظومة إيمانيةً مُكوَّنة من سيدنا داود والجبال والطير، جميعهم يرددون تسبيحاً واحداً، وكأنهم كما قلنا: (كورس) واحد.
لذلك قالوا في كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٩] أي: داود والجبال والطير، كل منهم أواب لله خاضع له راجع إليه.
وقوله: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ [ص: ٢٠] أي: قوَّيناه وساندناه بالنصر والهيبة، النصر في كل شيء، والهيبة أقوى أسباب القوة؛ لذلك إذا أراد اللهُ أنْ يضعف الملِك نزع الهيبةَ منه من القلوب، وحين لا يهابه الناس يتجرأون عليه.
وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ [ص: ٢٠] الحكمة: وَضْع الشيء في موضعه المناسب له، والذي تأتي منه الثمرة المرجوة من أقصر الطرق وأيسرها، والحق سبحانه حين يأتي بلفظ من الألفاظ يأخذ أنْسَه بما في اللغة، فالحكمة مأخوذة من الحَكمة، وهي اللجام الذي يُوضَع في حَنَك الجواد، فيسهل التحكم فيه وضبط حركته كما أريد، فأرخى له ليسرع، وأجذبه فيقف.
وقالوا: الحكمة أي النبوة وسداد الرأي في الأمور، وقد امتاز كل من سيدنا داود وسيدنا سليمان بالذات بأنْ جمعَ اللهُ لهما الملْكَ والنبوة؛ لذلك رأينا المخالفين لهما (فطسانين) لا وجودَ لهم، ولا أثر؛ لأن الملك يطمس عُنْف المخالف.
ومعنى وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ [ص: ٢٠] أي: علم الفَصْل في الخصومات، والفصل لا يكون إلا في متجادلين، يأتي هذا بحجة وهذا بحجة، وعلى الحكَمِ بينهما أنْ يفصلَ بينهما، بأنْ يُنصِفَ الحق ويبطل الباطل.
وإنْ كانت مسألة فصْل الخطاب هذه اعترض عليها؛ لأن سيدنا سليمان فيما بعد عدّل حكماً لأبيه، وهذه تحسب أيضاً لسيدنا داود؛ لأن الذي عدل حكمه هو ولده، والإنسان لا يحب لأحد أن يتفوَّق عليه إلا ولده؛ لذلك سُرَّ بها سيدنا داود.
وإياك أنْ تجعل المصيبة مصيبتين، حين تضعف أمام الأحداث فيجتمع عليك المصيبة والضعف عن تحملها، ذلك لأن المصيبة بالنسبة للمؤمن على قسمين. الأول: مصيبة للإنسان دَخْلٌ فيها كالطالب المهمل الذي يرسب في الامتحان، فالرسوب نتيجة إهمالك وتهاونك، فإنْ كنت ستغضب فاغضب من نفسك ولُمها وعنِّفها، وحاول أن تصححَ خطأها، وتصلح فسادها، هذه هي الرجولة التي تواجه الواقع ولا تتنصَّل من المسئولية.
الثاني: صبر على حَدَث ليس للإنسان دَخْل فيه، وهذا هو الأمر القدري يُجريه الله عليك، ولا يريد لك منه إلا الخير، وإنْ كنتَ تعتقد أنت أنه شَرٌّ.
لذلك قد يدعو الإنسان بما يراه خيراً له حَسْب قوانينه وفَهْمه للخير، لكن لا يرى إجابة فيغضب ويقول: دعوتُ فلم يُستجب لي. وغفل أن ربه - عز وجل - أعلمُ بالخير أين هو، لذلك لم يُجِبْهُ، إذن: فإجابته لك ألاَّ يجيبك.
لذلك يُعلِّم الحق سبحانه المؤمنين الرّد على الذين كانوا يشمتون في الأحداث تصيبهم، فيقول: قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا [التوبة: ٥١] نعم، كتب الله لنا لا علينا، لأن المصيبة لا تأتي المؤمنَ إلا بالخير، فهي إما تمحيص لنا وإما عُلُو لمرتبتنا، وإما ليعلم غيرُ المؤمنين أن لأهل الإيمان جلادةً أمام الأحداث، وصلابةً لا تلين.
ومن ناحية أخرى، نجد المصيبة التي تصيب الإنسانَ إما مصيبة له فيها غريم، أو مصيبة لا غريمَ فيها، فالمصيبة التي لك فيها غريم اعتدى عليك مثلاً تحتاج إلى صبر أقوى وجَلَد وتحمُّل أكثر، لأنك كلما رأيتَ غريمك حرَّك فيك كوامن النفس ودواعي الانتقام، أما المصيبة التي ليس لك فيها غريم، وهي المصيبة القدرية التي أصابتْك بقدر الله فهي أهون على النفس من الأولى لأنها من الله، فلا تملك معها إلا أنْ تقول لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله وتصبر وتحتسب، وإلا فماذا تفعل مثلاً أمام المرض أو الموت؟
لذلك يقول سبحانه في المصيبة التي لك فيها غريم: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [الشورى: ٤٣] يعني: تحتاج إلى عزيمة وقوة تحمُّل تعينك على الصبر، أو تدعوك إلى المغفرة، أما المصيبة القدرية التي لا غريمَ لك فيها، فيقول الحق فيها: وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [لقمان: ١٧] ولم يقُلْ هنا إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ [الشورى: ٤٣]، فآية لقمان في المصيبة التي لا غريم فيها، فأتت بدون اللام، وآية الشورى لما فيها غريم فأتت فيها اللام.
هنا الحق سبحانه يريد أنْ يُسلِّي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ويُخفِّف عنه ما يلاقي من قومه، فقولهم عن رسول الله أنه ساحر وكاذب ومجنون.. إلخ كل هذا يُحزن رسول الله ويشقُّ عليه ويُؤلمه؛ لذلك مرَّتْ بنا آياتٌ كثيرة في تسليته صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].
وهنا يخاطبه ربه: ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ [ص: ١٧] ثم يعطيه مثلاً من موكب الرسالات السابقة وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ [ص: ١٧] لكن لماذا ذكر سيدنا داود بالذات في هذا المقام؟
قالوا: لأن قومَ سيدنا داود قالوا في حقه ما هو أفظع مما قيل في حَقِّ رسول الله، فكفار مكة قالوا: ساحر، وكاهن، وكذاب. أما قوم داود فقد اتهموه في شرفه وعفَّته وطهارته، حين زعموا أنه بعث بأحد قادته إلى حرب خارج البلاد؛ لأنه كان يحب زوجته، ويريد أنْ يخلوَ له الجو وينفرد بها، ومع ذلك صبر سيدنا داود.
والحق سبحانه يخاطب نبيه محمداً ويقول له: اصبر كما صبر داود. مع أن محمداً هو خاتم الرسل جميعاً، فلا رسالةَ بعده وفوَّضَه الله في أنْ يُشرِّع لأمته، وهذه خصوصية لم تسبق لأحد غيره من الرسل، وأرسل الله معه كتاباً خالداً مهيمناً على كل الكتب السابقة ومع ذلك يقول له ربه: اصبر كما صبر داود، وكما صبر إخوانك من الرسل ليدلَّ على أن أمة الرسالة أمة واحدة، كل منهم يُبلِّغ عن الله رسالة مناسبة لقومه، فالرسل جميعاً كشخص واحد.
لذلك قال تعالى: وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ [ص: ١٧] وبعد ذلك ذكر عدةَ رسُل من موكب الرسالات ولم يقُلْ عبادنا، كأنهم تجمعوا كلهم في مهمة واحدة فلا تفرق بينهم؛ لذلك يقول سبحانه: شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ.. [الشورى: ١٣].
وقال صلى الله عليه وسلم: لأنكم لا تعلمون مقاييس المفاضلة، فدعوا المفاضلة لله تعالى فهو الذي يُفضِّل، كما قال سبحانه: تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ.. [البقرة: ٢٥٣].
وتأمَّل هذا الشرف الكبير الذي ناله سيدنا داود حين تحدَّث الحق عنه، فقال وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ [ص: ١٧] كذلك نال سيدنا محمد في استهلاك سورة الإسراء: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] فليس للإسراء حيثية، إلا أنه صلى الله عليه وسلم عبد أخلص العبودية لله فاستحق هذا الشرف العظيم؛ لذلك لما جَفتْ به الطائف واضطهدوه وشتموه جاء العزاء من الله، فإنْ كانت الأرضُ لم تحتَفِ بك، فسوف تحتفي بك السماء.
وقوله تعالى: ذَا ٱلأَيْدِ [ص: ١٧] يعني: صاحب القوة في العبادة، والإيمان يحتاج فعلاً إلى قوة تُعينك على الطاعة، وتزجرك عن المعصية، وتكبح جماحَ النفس حين تميل بك إلى المخالفة، أما الطاعة فتحتاج إلى قوة لأن الطاعةَ غالباً ما تكون ثقيلة على النفس، فتحتاج إلى قوة دافعة حافزة؛ لذلك يقول تعالى عنها: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ [البقرة: ٤٥].
أما المعصية فلها لذة وجاذبية وشهوات تُلِح على النفس، فتحتاج كذلك إلى عزيمة وقوة رادعة كابحة؛ لذلك كثيراً ما يتكرر ذِكْر القوة في كتاب الله، فقال عن داود ذَا ٱلأَيْدِ [ص: ١٧]، وقال ليحيى عليه السلام: يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم: ١٢].
فالمؤمن لا بُدَّ أنْ يكون قوياً، قويَّ الإرادة والعزم، لا بُدَّ له من قوة الدفع إلى الطاعات لأنه يكسل عنها، وقوة الردع عن المعاصي لأنه يميلُ إليها، والإنسان لا يكسل عن الطاعة ولا يرغب في المعصية إلا حين يعزل العملَ عن الجزاء والعاقبة، ولو استحضر الجزاء وتذكَّر العاقبة لَهانت عليه الطاعة وخَفَّتْ على نفسه وسَهُلَتْ، ولَزِهدَ في المعصية، وفَرَّ منها فراره من الأسد.
وقد أوضحنا هذه المسألة بمثال قلنا: هَبْ أن شاباً طغتْ عليه الغريزة الجنسية، وهي أعنف الغرائز في الإنسان، فقلنا له: تقضي ليلة مع فتاة جميلة لكن في الصباح سنُدخلك هذا (الفرن) المتأجج لمدة ساعة، فماذا يقول؟ إذن: استحضار العقاب على المعصية عند المعصية يمنعك منها، كذلك استحضار الثواب على الطاعة يدفعك إليها.
وهناك في جبال الهملايا وعند قمة إفرست وجدوا ضحايا كثيرين مِمَّن يحاولون اعتلاء هذه القمة، فبعضهم مَات بعد ثلث المسافة، وبعضهم بعد الثلثين وهكذا، فما الذي حملهم على تحمُّل هذه المصاعب والمخاطر؟ إنها شهوة الاستعلاء على هذه القمة التي تُعَدُّ أعلى قمة في العالم، إنه حب الشهرة وتخليد الذكْر في دوائر المعارف، إذن: استهانوا بالأخطار ليصلوا إلى هذه الغاية التي يتطلَّعون إليها.
فالذي يجعل الإنسان يزهد في الطاعات ويتكاسل عنها أنه لم يستحضر الثوابَ عليها ولو استحضر ثوابها لَسهُلَتْ عليه، كما قال الشاعر:
تَهُونُ عَلَيْنا في المعَالِي نُفُوسُنَا ومَنْ يخطُب الحَسْنَاءَ لم يُغْلِهَا المهْرُ
والنبي صلى الله عليه وسلم يشرح لنا هذه المسألة بقوله: يعني: ينتفي عنه وَصْفُ الإيمان في لحظة وقوعه في هذه المعصية؛ لأنه غفل عن العاقبة، وغفل عن الله، ولو استحضر اللهَ في ذهنه ما أقدم.
ثم يقول تعالى في وصف سيدنا داود: إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٧] من الفعل آب آيب وأوَّاب صيغة مبالغة على وزن فعَّال. يعني: كثير التوبة والأوْب إلى الله، وهذه الكلمة فيها إشارة إلى أن الإنسانَ عُرْضة للمعصية، وأنه مهما تاب فهو مُعرَّض للعودة مرة أخرى؛ لأنه ليس معصوماً، المهم أنْ تحدثَ لكل ذنب توبةٌ، وألاَّ تكون مُصِراً على أن تعودَ.
لذلك تلحظ أن من أسماء الله تعالى الغفار وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ [طه: ٨٢] ولم يقل غافر، لماذا؟ لأن الخَلْق فيهم غفلة، وفيهم معصية تتكرر، وتكرُّر المعصية يحتاج إلى تكرُّر المغفرة؛ لذلك من رحمة الله بنا أنه غفَّار أي: كثير المغفرة.
وقوله تعالى في حَقِّ سيدنا داود: إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٧] تشرح لنا فيما بَعْد معنى وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [ص: ٢٤].
ثم يقول تعالى: إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ [ص: ١٨] معنى: بِٱلْعَشِيِّ [ص: ١٨] الوقت بعد الظهر إلى المغرب وَٱلإِشْرَاقِ [ص: ١٨] بعد شروق الشمس وهو وقت الضحى، ومعلوم أن الجبال جماد، والجماد هو أدْنى الأجناس في الكون، فالإنسان هو سيد هذا الكون، وهو أعلى الأجناس، يليه الحيوان، ثم النبات، ثم الجماد.
الحق سبحانه يخبرنا أن الجماد يُسبِّح، وأن للجماد حياةً في حين يظن الإنسان أن جماد يعني جامد لا حياةَ فيه، نعم لا حياةَ فيه بمقياسك أنت، لكن له حياة أخرى غير حياتك، أنت تسعى وتجري في طول الدنيا وعرضها، أما الجماد فثابت لا يتحرك.
لكن لكل جنس حياة تناسبه، فأنت أيها الإنسان لك حياتان: حياة في حال اليقظة، وحياة أخرى في حال النوم، أقانونك وأنت نائم هو قانونك وأنت مستيقظ؟ إنك ترى في النوم الأشخاص والأشكال، وتُميِّز بين الألوان، وتعيش قصة طويلة وتَعِي تفاصيلها، كل هذا وأنت نائم مُغْمضَ العينين، فبأيِّ حاسة رأيتَ ما رأيت؟ بعد ذلك لك حياة أخرى مناسبة للموت، وحياة أخرى مناسبة للبعث.
وإنْ أردت أنْ تستدلَّ على أن كل شيء في الوجود له حياة تناسبه، فاقرأ إنْ شئتَ: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.. [الإسراء: ٤٤] بعض العلماء قال - ليخرج من هذا المطب - التسبيح هنا يعني تسبيح دلالة. يعني: هذه المخلوقات تدل على خالقها، وليس المراد تسبيح المقال، ولو كان التسبيح المراد تسبيح دلالة كما يقول ما قال الحق بعدها: وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤] لأننا نفهم تسبيحَ الدلالة. إذن: لا بُدَّ أنْ لها تسبيحاً آخر، لا نعلمه نحن.
كذلك في قوله تعالى في الطير: وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَه وَتَسْبِيحَهُ [النور: ٤١] فليس لنا أن نبحث في كيفية صلاة الطير، فكل جنس يعلم كيف يصلي لله خالقه، ألم تَرَ النملةُ جنودَ سليمانَ فتسرع لتحذر قومها: يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨] وتأمل هذا الاحتياط في قولها وعدالة الحكم في وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨] فهم ليسوا ظلمة ولا جبارين، وإنْ مرُّوا عليكم سيحطمونكم من حيث لا يدرون ولا يشعرون بكم.
ألم يعلم هدهدُ سليمانَ قضيةَ التوحيد؟ ألم يكُنْ سبباً في هداية قوم ضلُّوا وعبدوا الشمس من دون الله حين عاد إلى سليمان، يقول أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٢-٢٣].
والذي أغاظ الهدهد وأثَّر في نفسه أنْ يراهم يسجدون للشمس من دون الله: وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: ٢٤-٢٥].
إن الهدهد يفهم القضية كاملة، بل ويجيد في ذلك ما لا يجيده الإنسانُ العاقل.
والإنسان الذي يُدِلُّ على الكون بعقله وفهمه، ألم يُعلِّمه الغراب كيف يُواري سَوْأةَ أخيه وجثته: فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ.. [المائدة: ٣١].
إذن: فكل كَوْن له عالمه، وله لغته، وله صلاته لله وخشوعه، فلا تفرض قانوناً لتسحبه على قانون آخر، فتحيل كثيراً من الأشياء. وإنْ أردتَ سنداً لهذا من نفس القرآن فاقرأ قوله تعالى: لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ [الأنفال: ٤٢] فالهلاك نقيض الحياة. واقرأ: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨].
إذن: حين نجمع بين الآيتين نرى أن كل شيء له حياة خاصة به، وإنْ كنا لا ندرك نحن كُنْه هذه الحياة لكنها موجودة، بدليل أن كل شيء هالك. والآن بدأ العلماء يُسجِّلون لغة الطير ولغة الحيوان ويتوصَّلون إلى حَلِّ شفرة هذه اللغات.
ومن العجائب التي جعلها الله لتشرح لنا قدرته تعالى في كونه أنهم لما صنعوا الصاروخ (ديسكافري)، وأرادوا إطلاقه إلى الفضاء ووزنه ١١٠ أطنان، وجدوا به عُطْلاً يمنع انطلاقه، فلما بحثوا عن العطل وجدوا طائراً وزنه أربعة جرامات اسمه نقار الخشب نقر في الجدار العازل لخزان الوقود في الصاروخ اثنين وأربعين ثقباً فعطَّل الصاروخ عن الانطلاق، وهكذا سُخِّر طائر وزنه أربعة جرامات وبنى عُشَّه على هذا الصاروخ العملاق فعطَّل حركته.
وكأن الطيورَ أرادتْ أنْ تثأر لنفسها لما رأت الإنسان يزاحمها في عالم الطيران؛ لذلك وجدوا أن أكبر شيء يهدد الطيران هو عالم الطيور، وأن جماعات منها تعترض الطائرات، وتحوم حول المطارات وكأن هناك عداوةً بينها وبين هذه المخلوقات التي تنازعها الطيران.
لذلك فكَّر علماء الطيران في فكرة تطرد الطيور عن المطارات، فأخذوا فكرة أصوات الطيور التي تصدرها كإنذار لغيرها عند حدوث خطر وسجَّلوا هذه الأصوات وأذاعوها حول المطارات، لكن الطير تنبَّه إلى هذه الخدعة، ولم تَعُدْ تزعجه هذه الأصوات، لذلك لجأوا إلى وسيلة أخرى فقالوا: إن الطيور تخاف من الصقور، فصنعوا لها مُجسَّمات من البلاستيك وعلَّقوها، لكن هذه الخدعة عرفها الطير، وسَخر منها حين وضعتْ بعض الطيور أعشاشها على أجنحة هذه الصقور.
إذن: للطير عالمه ومملكته وأسراره، عرفنا منها شيئاً، وغابت عنا منها أشياء.
فإذا قرأتَ عن سيدنا داود: إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ [ص: ١٨] فاعلم أن الجبال تسبح على الحقيقة تسبيحاً لا يعلمه إلا ربها وخالقها. والميزة هنا لسيدنا داود ليست في تسبيح الجبال؛ لأن الجبال مُسبِّحة دائماً، إنما المعجزة هنا أنها تُسبِّح معه وتردد معه نشيداً واحداً، فالكلام في (معه) أي تُسبِّح مع تسبيحه.
لذلك قلنا في قولهم: سبِّح الحصى في يد رسول الله، قلنا: عدِّلوا العبارة، لأن الحصى يسبح حتى في يد أبي جهل، فالصواب والمعجز أن نقول: سمع رسول الله تسبيحَ الحصى في يده. هذه هي العظمة.
ومعنى بِٱلْعَشِيِّ.. [ص: ١٨] العَشِيُّ: الفترة بعد الظهر إلى المغرب وَٱلإِشْرَاقِ [ص: ١٨] أي: شروق الشمس، وقد أخذ بعض الأئمة من هذه الآية دليلاً على مشروعية صلاة الضحى التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يقول عن هذه الصلاة: صلاة الإشراق. لكن أيّ عشي؟ وأيّ إشراق؟ هذا وقت وكل مكان له عَشِيٌّ وله إشراق يخالف الآخر.
إذن: فهو وقت ممتد في كل وقت كما أوضحنا في الصلاة، فهي دائمة ممتدة لا تنقطع أبداً، ففي مكان يُصلِّي الصبح، وفي آخر يُصلِّي الظهر، وفي آخر يُصلِّي العصر وهكذا. فكأن الخالق سبحانه أراد بهذه الدورة الزمنية أنْ يُعبَد سبحانه في كل جزئيات الزمان عبادة لا تنقطع في وقت من الأوقات.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ولا يخلو الزمن أبداً من ليل أو نهار، إذن: فالمعنى أنه سبحانه يده مبسوطة دائماً.
ثم يقول سبحانه: وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٩] معنى محشورة أي: مجتمعة حول سيدنا داود، لأنه عليه السلام كان جميل الصوت حين يقرأ المزامير ويتغنى بها، فكانت الطيرُ تجتمع عليه وتُردِّد معه وتُرجِّع ما يقول: إذن: كانت منظومة إيمانيةً مُكوَّنة من سيدنا داود والجبال والطير، جميعهم يرددون تسبيحاً واحداً، وكأنهم كما قلنا: (كورس) واحد.
لذلك قالوا في كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ [ص: ١٩] أي: داود والجبال والطير، كل منهم أواب لله خاضع له راجع إليه.
وقوله: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ [ص: ٢٠] أي: قوَّيناه وساندناه بالنصر والهيبة، النصر في كل شيء، والهيبة أقوى أسباب القوة؛ لذلك إذا أراد اللهُ أنْ يضعف الملِك نزع الهيبةَ منه من القلوب، وحين لا يهابه الناس يتجرأون عليه.
وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ [ص: ٢٠] الحكمة: وَضْع الشيء في موضعه المناسب له، والذي تأتي منه الثمرة المرجوة من أقصر الطرق وأيسرها، والحق سبحانه حين يأتي بلفظ من الألفاظ يأخذ أنْسَه بما في اللغة، فالحكمة مأخوذة من الحَكمة، وهي اللجام الذي يُوضَع في حَنَك الجواد، فيسهل التحكم فيه وضبط حركته كما أريد، فأرخى له ليسرع، وأجذبه فيقف.
وقالوا: الحكمة أي النبوة وسداد الرأي في الأمور، وقد امتاز كل من سيدنا داود وسيدنا سليمان بالذات بأنْ جمعَ اللهُ لهما الملْكَ والنبوة؛ لذلك رأينا المخالفين لهما (فطسانين) لا وجودَ لهم، ولا أثر؛ لأن الملك يطمس عُنْف المخالف.
ومعنى وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ [ص: ٢٠] أي: علم الفَصْل في الخصومات، والفصل لا يكون إلا في متجادلين، يأتي هذا بحجة وهذا بحجة، وعلى الحكَمِ بينهما أنْ يفصلَ بينهما، بأنْ يُنصِفَ الحق ويبطل الباطل.
وإنْ كانت مسألة فصْل الخطاب هذه اعترض عليها؛ لأن سيدنا سليمان فيما بعد عدّل حكماً لأبيه، وهذه تحسب أيضاً لسيدنا داود؛ لأن الذي عدل حكمه هو ولده، والإنسان لا يحب لأحد أن يتفوَّق عليه إلا ولده؛ لذلك سُرَّ بها سيدنا داود.
آية رقم ٢١
حين يستفهم منك بقوله وَهَلْ أَتَاكَ [ص: ٢١] فاعلم أنه دليلٌ على أن هذا الشيء كان يجب أنْ تعلمه، تقول: هل أتاك كذا وكذا يعني: أتاك ومثله قوله تعالى: هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً [الإنسان: ١].
المعنى: أتى على الإنسان وقت من الدهر لم يكُنْ شيئاً مذكوراً إنما أتى الأسلوبُ بصيغة الاستفهام لتأتي أنت بالمراد، فيكون إقراراً منك، والإقرار لا يُكذِّب على خلاف الإخبار بالمراد فالإخبار يحتمل عقلاً الصدقَ ويحتمل الكذبَ.
أو: أن هذا الأسلوب للتشويق للنبأ. والنبأ ليس هو مطلق الخبر إنما هو الخبر العظيم الذي ينبغي أنْ يُعلم لذلك يُهتم به، فليس من قبيل النبأ أنْ تقول مثلاً: أكلتُ اليوم كذا وكذا، لذلك حين يخبرنا الحق سبحانه عن أمر القيامة يقول: عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ * ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ: ١-٣].
وكلمة ٱلْخَصْمِ [ص: ٢١] تطلق على المفرد والمثنى والجمع بنوعيه تقول: هذا خصم وهذه خصم، وهؤلاء خَصْم.. إلخ وقد تُثنَّى مع المثنى كما في: هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩] لذلك جاءت بعدها إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ [ص: ٢١] بصيغة الجمع.
ومعنى تسوروا: تسلقوا: لأنهم لم يدخلوا من الباب، إنما دخلوا من أعلى السور، وهذا دليل على أن هؤلاء الخَصْم لم يأتوا من جهة الأرض، إنما من جهة السماء، فكانوا جماعة من الملائكة في صورة بشر، والمحراب: هو المكان المقدَّس الذي يجعله الإنسان لخُلْوته ومناجاته لربه، ومن ذلك قوله تعالى في السيدة مريم: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً.. [آل عمران: ٣٧] ونحن نُسميه الآن القبلة.
ثم يقول سبحانه: إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ [ص: ٢٢] الإشكال هنا كيف يفزع سيدنا داود لرؤية هؤلاء وهو في حضرة الله وفي حضانته، وبين يديه يصلي ويتعبَّد ويُسبِّح؟ وكيف أن الحق سبحانه يُفزع عبده ونبيه، وهو بين يديه؟!!
قالوا: الفزع على قسمين: فزع يُحرِّك قلبك بالجزع ولكن قالبك سليم لم يتأثر. وفزع آخر ينضح من القلب على القالب فيتأثر حتى تظهر عليه علامات الفزع.
وقد كان فزع سيدنا داود من النوع الثاني، لماذا؟ قالوا: لأن الملائكة حين رأوْه على هذه الحال قالوا له لاَ تَخَفْ [ص: ٢٢] ولا يقولون له ذلك إلا إذا انفعلَ قالبُه انفعالاً يدلُّ على الخوف، فهذا دليل على أن الفزع تجاوز قلبه إلى قالبه.
ونفهم أيضاً من قولهم له لاَ تَخَفْ [ص: ٢٢] أنهم ليسوا من رعيته، وليسوا من البشر؛ لأن واحداً من الرعية لا يجرؤ أنْ يقول للملك: لا تخف.
وقولهم: خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ [ص: ٢٢] يدلُّ على اتفاقهم رغم خصومتهم، فقد تكلَّموا جميعاً في نَفَس واحد، أو تكلَّموا بالترتيب، أو تكلم واحد منهم وأمَّن الباقون، والمُؤمِّن أحد الداعين، فكونهم تكلموا بهذه الصورة المنظمة وأيديهم في أيدي بعض، فهذا يدلنا على أنه خلافَ بينهم، ولا يطمع أحد منهم في الآخر، إذن: ما المسألة؟ وما حقيقة مجيء هؤلاء على هذه الصورة؟ لا بُدَّ أن لهم هدفاً آخر.
ومعنى (بغى) حاول أنْ يطغى وأنْ يظلم فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ [ص: ٢٢] هذا القول منهم دلَّ على جراءتهم، ودلَّ على أنهم من ملأ آخر غير البشر من الملائكة. ومعنى وَلاَ تُشْطِطْ [ص: ٢٢] يعني: لا تبتعد عن الحق ولا تَجُرْ.
وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ [ص: ٢٢] اهدنا أي جميعاً دون تمييز بين واحد وآخر، فهم خصم لكن سواء بدل قولهم بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ [ص: ٢٢] دون أن يميزوا الباغي من الذي بُغِي عليه، والصراط هو الطريق المستقيم، وسواء الصراط يعني وسطه، والمعنى: دُلَّنا على الحق أو عين الحق، ثم أخذوا في عرض قضيتهم:
إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً... .
المعنى: أتى على الإنسان وقت من الدهر لم يكُنْ شيئاً مذكوراً إنما أتى الأسلوبُ بصيغة الاستفهام لتأتي أنت بالمراد، فيكون إقراراً منك، والإقرار لا يُكذِّب على خلاف الإخبار بالمراد فالإخبار يحتمل عقلاً الصدقَ ويحتمل الكذبَ.
أو: أن هذا الأسلوب للتشويق للنبأ. والنبأ ليس هو مطلق الخبر إنما هو الخبر العظيم الذي ينبغي أنْ يُعلم لذلك يُهتم به، فليس من قبيل النبأ أنْ تقول مثلاً: أكلتُ اليوم كذا وكذا، لذلك حين يخبرنا الحق سبحانه عن أمر القيامة يقول: عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ * ٱلَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ: ١-٣].
وكلمة ٱلْخَصْمِ [ص: ٢١] تطلق على المفرد والمثنى والجمع بنوعيه تقول: هذا خصم وهذه خصم، وهؤلاء خَصْم.. إلخ وقد تُثنَّى مع المثنى كما في: هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩] لذلك جاءت بعدها إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ [ص: ٢١] بصيغة الجمع.
ومعنى تسوروا: تسلقوا: لأنهم لم يدخلوا من الباب، إنما دخلوا من أعلى السور، وهذا دليل على أن هؤلاء الخَصْم لم يأتوا من جهة الأرض، إنما من جهة السماء، فكانوا جماعة من الملائكة في صورة بشر، والمحراب: هو المكان المقدَّس الذي يجعله الإنسان لخُلْوته ومناجاته لربه، ومن ذلك قوله تعالى في السيدة مريم: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً.. [آل عمران: ٣٧] ونحن نُسميه الآن القبلة.
ثم يقول سبحانه: إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ [ص: ٢٢] الإشكال هنا كيف يفزع سيدنا داود لرؤية هؤلاء وهو في حضرة الله وفي حضانته، وبين يديه يصلي ويتعبَّد ويُسبِّح؟ وكيف أن الحق سبحانه يُفزع عبده ونبيه، وهو بين يديه؟!!
قالوا: الفزع على قسمين: فزع يُحرِّك قلبك بالجزع ولكن قالبك سليم لم يتأثر. وفزع آخر ينضح من القلب على القالب فيتأثر حتى تظهر عليه علامات الفزع.
وقد كان فزع سيدنا داود من النوع الثاني، لماذا؟ قالوا: لأن الملائكة حين رأوْه على هذه الحال قالوا له لاَ تَخَفْ [ص: ٢٢] ولا يقولون له ذلك إلا إذا انفعلَ قالبُه انفعالاً يدلُّ على الخوف، فهذا دليل على أن الفزع تجاوز قلبه إلى قالبه.
ونفهم أيضاً من قولهم له لاَ تَخَفْ [ص: ٢٢] أنهم ليسوا من رعيته، وليسوا من البشر؛ لأن واحداً من الرعية لا يجرؤ أنْ يقول للملك: لا تخف.
وقولهم: خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ [ص: ٢٢] يدلُّ على اتفاقهم رغم خصومتهم، فقد تكلَّموا جميعاً في نَفَس واحد، أو تكلَّموا بالترتيب، أو تكلم واحد منهم وأمَّن الباقون، والمُؤمِّن أحد الداعين، فكونهم تكلموا بهذه الصورة المنظمة وأيديهم في أيدي بعض، فهذا يدلنا على أنه خلافَ بينهم، ولا يطمع أحد منهم في الآخر، إذن: ما المسألة؟ وما حقيقة مجيء هؤلاء على هذه الصورة؟ لا بُدَّ أن لهم هدفاً آخر.
ومعنى (بغى) حاول أنْ يطغى وأنْ يظلم فَٱحْكُمْ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ [ص: ٢٢] هذا القول منهم دلَّ على جراءتهم، ودلَّ على أنهم من ملأ آخر غير البشر من الملائكة. ومعنى وَلاَ تُشْطِطْ [ص: ٢٢] يعني: لا تبتعد عن الحق ولا تَجُرْ.
وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ [ص: ٢٢] اهدنا أي جميعاً دون تمييز بين واحد وآخر، فهم خصم لكن سواء بدل قولهم بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ [ص: ٢٢] دون أن يميزوا الباغي من الذي بُغِي عليه، والصراط هو الطريق المستقيم، وسواء الصراط يعني وسطه، والمعنى: دُلَّنا على الحق أو عين الحق، ثم أخذوا في عرض قضيتهم:
إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً... .
آية رقم ٢٢
ثم يقول سبحانه: إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ الإشكال هنا كيف يفزع سيدنا داود لرؤية هؤلاء وهو في حضرة الله وفي حضانته، وبين يديه يصلي ويتعبَّد ويُسبِّح؟ وكيف أن الحق سبحانه يُفزع عبده ونبيه، وهو بين يديه؟!!
قالوا: الفزع على قسمين: فزع يُحرِّك قلبك بالجزع ولكن قالبك سليم لم يتأثر. وفزع آخر ينضح من القلب على القالب فيتأثر حتى تظهر عليه علامات الفزع.
وقد كان فزع سيدنا داود من النوع الثاني، لماذا؟ قالوا: لأن الملائكة حين رأوْه على هذه الحال قالوا له لاَ تَخَفْ ولا يقولون له ذلك إلا إذا انفعلَ قالبُه انفعالاً يدلُّ على الخوف، فهذا دليل على أن الفزع تجاوز قلبه إلى قالبه.
ونفهم أيضاً من قولهم له لاَ تَخَفْ أنهم ليسوا من رعيته، وليسوا من البشر؛ لأن واحداً من الرعية لا يجرؤ أنْ يقول للملك: لا تخف.
وقولهم: خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ يدلُّ على اتفاقهم رغم خصومتهم، فقد تكلَّموا جميعاً في نَفَس واحد، أو تكلَّموا بالترتيب، أو تكلم واحد منهم وأمَّن الباقون، والمُؤمِّن أحد الداعين، فكونهم تكلموا بهذه الصورة المنظمة وأيديهم في أيدي بعض، فهذا يدلنا على أنه خلافَ بينهم، ولا يطمع أحد منهم في الآخر، إذن: ما المسألة؟ وما حقيقة مجيء هؤلاء على هذه الصورة؟ لا بُدَّ أن لهم هدفاً آخر.
ومعنى (بغى) حاول أنْ يطغى وأنْ يظلم فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ هذا القول منهم دلَّ على جراءتهم، ودلَّ على أنهم من ملأ آخر غير البشر من الملائكة. ومعنى وَلاَ تُشْطِطْ يعني: لا تبتعد عن الحق ولا تَجُرْ.
وَاهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ الصِّرَاطِ اهدنا أي جميعاً دون تمييز بين واحد وآخر، فهم خصم لكن سواء بدليل قولهم بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ دون أن يميزوا الباغي من الذي بُغِي عليه، والصراط هو الطريق المستقيم، وسواء الصراط يعني وسطه، والمعنى: دُلَّنا على الحق أو عين الحق، ثم أخذوا في عرض قضيتهم: إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً...
قالوا: الفزع على قسمين: فزع يُحرِّك قلبك بالجزع ولكن قالبك سليم لم يتأثر. وفزع آخر ينضح من القلب على القالب فيتأثر حتى تظهر عليه علامات الفزع.
وقد كان فزع سيدنا داود من النوع الثاني، لماذا؟ قالوا: لأن الملائكة حين رأوْه على هذه الحال قالوا له لاَ تَخَفْ ولا يقولون له ذلك إلا إذا انفعلَ قالبُه انفعالاً يدلُّ على الخوف، فهذا دليل على أن الفزع تجاوز قلبه إلى قالبه.
ونفهم أيضاً من قولهم له لاَ تَخَفْ أنهم ليسوا من رعيته، وليسوا من البشر؛ لأن واحداً من الرعية لا يجرؤ أنْ يقول للملك: لا تخف.
وقولهم: خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ يدلُّ على اتفاقهم رغم خصومتهم، فقد تكلَّموا جميعاً في نَفَس واحد، أو تكلَّموا بالترتيب، أو تكلم واحد منهم وأمَّن الباقون، والمُؤمِّن أحد الداعين، فكونهم تكلموا بهذه الصورة المنظمة وأيديهم في أيدي بعض، فهذا يدلنا على أنه خلافَ بينهم، ولا يطمع أحد منهم في الآخر، إذن: ما المسألة؟ وما حقيقة مجيء هؤلاء على هذه الصورة؟ لا بُدَّ أن لهم هدفاً آخر.
ومعنى (بغى) حاول أنْ يطغى وأنْ يظلم فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ هذا القول منهم دلَّ على جراءتهم، ودلَّ على أنهم من ملأ آخر غير البشر من الملائكة. ومعنى وَلاَ تُشْطِطْ يعني: لا تبتعد عن الحق ولا تَجُرْ.
وَاهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ الصِّرَاطِ اهدنا أي جميعاً دون تمييز بين واحد وآخر، فهم خصم لكن سواء بدليل قولهم بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ دون أن يميزوا الباغي من الذي بُغِي عليه، والصراط هو الطريق المستقيم، وسواء الصراط يعني وسطه، والمعنى: دُلَّنا على الحق أو عين الحق، ثم أخذوا في عرض قضيتهم: إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً...
آية رقم ٢٣
نلحظ في كلمة (أخي) لَوْناً من التحنين، فمع وجود الخصومة لكن هو أخي كما في قوله تعالى: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ [الشعراء: ١٠٦] وفي أعنف ألوان العداوة، وهي الثأر يقول سبحانه: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة: ١٧٨] يريد أنْ يُحنِّن قلب وليِّ الدم على القاتل.
القضية: إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ.. [ص: ٢٣] كلمة نعجة تطلق في اللغة ثلاثة إطلاقات: أنثى الضأن، أو الشاة الجبلية، أو البقرة الوحشية فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا [ص: ٢٣] يعني: اجعلها لي أكفلها أنا فعندي غنم كثيرة، فاجعلها ترعى مع غنمي، فيكفينا راعٍ واحدٌ بدل أنْ تكلف نفسك راعياً لها، والمعنى أن كفالتها سهلة عليَّ لا تكلفني شيئاً.
وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ [ص: ٢٣] يعني: غلبني بالحجة والجدال، ومعلوم أن القاضي يحكم بالحجة والبرهان، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فالمعنى أن أخي غلبني بحديثه وتمكُّنه من حجته، وأنا أشعر بالظلم ونفسي غير راضية؛ لذلك جئتُكَ أرفع أمري إليك لتحكم فيه، وهكذا سمع داود - عليه السلام - دَعْوى الأول ولم يسمع الطرف الآخر، وهذه زلة من زلات القاضي.
لذلك قال أهل المعرفة في هذه المسألة: إذا جاءك صاحب دَعْوى وقد فُقِئت عينه فلا تحكم له حتى تسمعَ من الآخر، فلعله قد فُقِئت عيناه. لقد بادر سيدنا داود بالحكم، فقال:
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ... .
القضية: إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ.. [ص: ٢٣] كلمة نعجة تطلق في اللغة ثلاثة إطلاقات: أنثى الضأن، أو الشاة الجبلية، أو البقرة الوحشية فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا [ص: ٢٣] يعني: اجعلها لي أكفلها أنا فعندي غنم كثيرة، فاجعلها ترعى مع غنمي، فيكفينا راعٍ واحدٌ بدل أنْ تكلف نفسك راعياً لها، والمعنى أن كفالتها سهلة عليَّ لا تكلفني شيئاً.
وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ [ص: ٢٣] يعني: غلبني بالحجة والجدال، ومعلوم أن القاضي يحكم بالحجة والبرهان، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فالمعنى أن أخي غلبني بحديثه وتمكُّنه من حجته، وأنا أشعر بالظلم ونفسي غير راضية؛ لذلك جئتُكَ أرفع أمري إليك لتحكم فيه، وهكذا سمع داود - عليه السلام - دَعْوى الأول ولم يسمع الطرف الآخر، وهذه زلة من زلات القاضي.
لذلك قال أهل المعرفة في هذه المسألة: إذا جاءك صاحب دَعْوى وقد فُقِئت عينه فلا تحكم له حتى تسمعَ من الآخر، فلعله قد فُقِئت عيناه. لقد بادر سيدنا داود بالحكم، فقال:
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ... .
آية رقم ٢٤
قوله: لَقَدْ ظَلَمَكَ نسب واحداً إلى الظلم بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ أدخل شيئاً في حيثية الحكم وليس من حيثية الحكم، فهل لو لم يكُنْ له تسع وتسعون نعجة، أكان يحِلُّ له أنْ يقول لأخيه: اعطني نعجتك؟
إذن: هذه المسألة لا دخلَ لها في القضية لأنه ظالم وإنْ لم يكن له تسعة وتسعون. إذن: سيدنا داود أولاً حكم قبل أنْ يسمع من الطرف الآخر، ثم أدخل في حيثية الحكم ما ليس له دَخْل فيه، وهو قوله: إِلَىٰ نِعَاجِهِ فربما هم حاقدون عليه أن يكون عنده تسع وتسعون.
وقوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْخُلَطَآءِ أي: الشركاء لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ المعنى: أن هذه القضية ليستْ قضية فذَّة ولا مفردة، إنما هي ظاهرة كثيرة الحدوث بين الشركاء، فكثيراً ما يبغي شريكٌ على شريكه ويظلمه مع أنهم ما تشاركوا إلا لمحبة بينهما واتفاق وتفاهم، لكن هذا كله لا يمنع ميل الإنسان إلى أنْ يظلم، وما أشبه هؤلاء بالمقامِرين تراهم في الظاهر أحبَّة وأصدقاء، في حين أن كلاً منهم حريص على أخْذ ما في جيب الآخر.
ثم يلفتنا الحق سبحانه إلى أن هذه المسألة ليستْ على إطلاقها، إنما هناك نوع آخر من الشركاء لا يظلم، فمَنْ هم؟ هم الذين استثناهم الله بقوله: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لكنهم قليلون وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ أي: أقلّ من القليل أو قليل جداً...
ثم يقول تعالى مبيناً حال سيدنا داود بعد أنْ مَرَّ بهذه القضية: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ يعني: اختبرناه وابتليناه، وظن هنا بمعنى علم وأيقن، وكأن الحق سبحانه يُعلِّم داود علم القضاء وأصوله فامتحنه بهذه المسألة، فكانت بالنسبة له [فتنة] في أمور ثلاثة: الأول: أنه خاف وفزع وهو في حضرة ربه من خَلْق مثله يقبلون عليه، وظن أنهم سيقتلونه. الثاني: أنه حكم للأول قبل أنْ يسمع من الآخر. الثالث: أنه أدخل في حكمه حيثية لا دخلَ لها في المسألة.
وكلمة فَتَنَّاهُ أي: اختبرناه من قولهم: فتن الذهب على النار ليُخلِّصه من العناصر الخبيثة فيه.
فلما علم سيدنا داود بذلك لم يتأَبَّ، إنما استغفر ربه من كل ذلك فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ.. أي: سقط على الأرض سقوطاً لا إرادياً، والسقوط هنا يناسب السجود لا الركوع؛ لذلك قال تعالى: يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً [الإسراء: ١٠٧] فكلمة خر أعطتنا المعنيين يعني: خرَّ ساجداً حالة كونه راكعاً قبل أنْ يسجد ومعنى وَأَنَابَ رجع إلى الله بالتوبة.
إذن: هذه المسألة لا دخلَ لها في القضية لأنه ظالم وإنْ لم يكن له تسعة وتسعون. إذن: سيدنا داود أولاً حكم قبل أنْ يسمع من الطرف الآخر، ثم أدخل في حيثية الحكم ما ليس له دَخْل فيه، وهو قوله: إِلَىٰ نِعَاجِهِ فربما هم حاقدون عليه أن يكون عنده تسع وتسعون.
وقوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْخُلَطَآءِ أي: الشركاء لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ المعنى: أن هذه القضية ليستْ قضية فذَّة ولا مفردة، إنما هي ظاهرة كثيرة الحدوث بين الشركاء، فكثيراً ما يبغي شريكٌ على شريكه ويظلمه مع أنهم ما تشاركوا إلا لمحبة بينهما واتفاق وتفاهم، لكن هذا كله لا يمنع ميل الإنسان إلى أنْ يظلم، وما أشبه هؤلاء بالمقامِرين تراهم في الظاهر أحبَّة وأصدقاء، في حين أن كلاً منهم حريص على أخْذ ما في جيب الآخر.
ثم يلفتنا الحق سبحانه إلى أن هذه المسألة ليستْ على إطلاقها، إنما هناك نوع آخر من الشركاء لا يظلم، فمَنْ هم؟ هم الذين استثناهم الله بقوله: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لكنهم قليلون وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ أي: أقلّ من القليل أو قليل جداً...
ثم يقول تعالى مبيناً حال سيدنا داود بعد أنْ مَرَّ بهذه القضية: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ يعني: اختبرناه وابتليناه، وظن هنا بمعنى علم وأيقن، وكأن الحق سبحانه يُعلِّم داود علم القضاء وأصوله فامتحنه بهذه المسألة، فكانت بالنسبة له [فتنة] في أمور ثلاثة: الأول: أنه خاف وفزع وهو في حضرة ربه من خَلْق مثله يقبلون عليه، وظن أنهم سيقتلونه. الثاني: أنه حكم للأول قبل أنْ يسمع من الآخر. الثالث: أنه أدخل في حكمه حيثية لا دخلَ لها في المسألة.
وكلمة فَتَنَّاهُ أي: اختبرناه من قولهم: فتن الذهب على النار ليُخلِّصه من العناصر الخبيثة فيه.
فلما علم سيدنا داود بذلك لم يتأَبَّ، إنما استغفر ربه من كل ذلك فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ.. أي: سقط على الأرض سقوطاً لا إرادياً، والسقوط هنا يناسب السجود لا الركوع؛ لذلك قال تعالى: يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً [الإسراء: ١٠٧] فكلمة خر أعطتنا المعنيين يعني: خرَّ ساجداً حالة كونه راكعاً قبل أنْ يسجد ومعنى وَأَنَابَ رجع إلى الله بالتوبة.
آية رقم ٢٥
قوله: لَقَدْ ظَلَمَكَ [ص: ٢٤] نسب واحداً إلى الظلم بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ [ص: ٢٤] أدخل شيئاً في حيثية الحكم وليس من حيثية الحكم، فهل لو لم يكُنْ له تسع وتسعون نعجة، أكان يحِلُّ له أنْ يقول لأخيه: اعطني نعجتك؟
إذن: هذه المسألة لا دخلَ لها في القضية لأنه ظالم، وإنْ لم يكن له تسعة وتسعون. إذن: سيدنا داود أولاً حكم قبل أنْ يسمع من الطرف الآخر، ثم أدخل في حيثية الحكم ما ليس له دَخْل فيه، وهو قوله: إِلَىٰ نِعَاجِهِ [ص: ٢٤] فربما هم حاقدون عليه أن يكون عنده تسع وتسعون.
وقوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ [ص: ٢٤] أي: الشركاء لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ [ص: ٢٤] المعنى: أن هذه القضية ليستْ قضية فذَّة ولا مفردة، إنما هي ظاهرة كثيرة الحدوث بين الشركاء، فكثيراً ما يبغي شريكٌ على شريكه ويظلمه مع أنهم ما تشاركوا إلا لمحبة بينهما واتفاق وتفاهم، لكن هذا كله لا يمنع ميل الإنسان إلى أنْ يظلم، وما أشبه هؤلاء بالمقامِرين تراهم في الظاهر أحبَّة وأصدقاء، في حين أن كلاً منهم حريص على أخْذ ما في جيب الآخر.
ثم يلفتنا الحق سبحانه إلى أن هذه المسألة ليستْ على إطلاقها، إنما هناك نوع آخر من الشركاء لا يظلم، فمَنْ هم؟ هم الذين استثناهم الله بقوله: إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ [ص: ٢٤] لكنهم قليلون وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ [ص: ٢٤] أي: أقلّ من القليل أو قليل جداً.
والنبي صلى الله عليه وسلم يحكي عن ربه عز وجل في الحديث القدسي: يعني: إنْ تسَرَّب الظلم والخيانة إلى الشركة خرج الله تعالى منها، فمُحِقَتْ بركتها، وحَلَّ بها الخراب والخسران.
ثم يقول تعالى مبيناً حال سيدنا داود بعد أنْ مَرَّ بهذه القضية: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ [ص: ٢٤] يعني: اختبرناه وابتليناه، وظن هنا بمعنى علم وأيقن، وكأن الحق سبحانه يُعلِّم داود علم القضاء وأصوله فامتحنه بهذه المسألة، فكانت بالنسبة له (مطب) في أمور ثلاثة: الأول: أنه خاف وفزع وهو في حضرة ربه من خَلْق مثله يقبلون عليه، وظن أنهم سيقتلونه. الثاني: أنه حكم للأول قبل أنْ يسمع من الآخر. الثالث: أنه أدخل في حكمه حيثية لا دخلَ لها في المسألة.
وكلمة فَتَنَّاهُ [ص: ٢٤] أي: اختبرناه من قولهم: فتن الذهب على النار ليُخلِّصه من العناصر الخبيثة فيه.
فلما علم سيدنا داود بذلك لم يتأَبَّ، إنما استغفر ربه من كل ذلك فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ.. [ص: ٢٤] أي: سقط على الأرض سقوطاً لا إرادياً، والسقوط هنا يناسب السجود لا الركوع؛ لذلك قال تعالى: يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً [الإسراء: ١٠٧] فكلمة خر أعطتنا المعنيين يعني: خرَّ ساجداً حالة كونه راكعاً قبل أنْ يسجد ومعنى وَأَنَابَ [ص: ٢٤] رجع إلى الله بالتوبة.
ثم تأتي النتيجة: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ [ص: ٢٥] أي: ما كان منه وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ [ص: ٢٥] قُرْبَى ومنزلة، ويكفي أنْ تُسبِّح معه الجبال، ويُردِّد معه الطير وَحُسْنَ مَـآبٍ [ص: ٢٥] حُسْن مرجع ومردّ.
إذن: هذه المسألة لا دخلَ لها في القضية لأنه ظالم، وإنْ لم يكن له تسعة وتسعون. إذن: سيدنا داود أولاً حكم قبل أنْ يسمع من الطرف الآخر، ثم أدخل في حيثية الحكم ما ليس له دَخْل فيه، وهو قوله: إِلَىٰ نِعَاجِهِ [ص: ٢٤] فربما هم حاقدون عليه أن يكون عنده تسع وتسعون.
وقوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ [ص: ٢٤] أي: الشركاء لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ [ص: ٢٤] المعنى: أن هذه القضية ليستْ قضية فذَّة ولا مفردة، إنما هي ظاهرة كثيرة الحدوث بين الشركاء، فكثيراً ما يبغي شريكٌ على شريكه ويظلمه مع أنهم ما تشاركوا إلا لمحبة بينهما واتفاق وتفاهم، لكن هذا كله لا يمنع ميل الإنسان إلى أنْ يظلم، وما أشبه هؤلاء بالمقامِرين تراهم في الظاهر أحبَّة وأصدقاء، في حين أن كلاً منهم حريص على أخْذ ما في جيب الآخر.
ثم يلفتنا الحق سبحانه إلى أن هذه المسألة ليستْ على إطلاقها، إنما هناك نوع آخر من الشركاء لا يظلم، فمَنْ هم؟ هم الذين استثناهم الله بقوله: إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ [ص: ٢٤] لكنهم قليلون وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ [ص: ٢٤] أي: أقلّ من القليل أو قليل جداً.
والنبي صلى الله عليه وسلم يحكي عن ربه عز وجل في الحديث القدسي: يعني: إنْ تسَرَّب الظلم والخيانة إلى الشركة خرج الله تعالى منها، فمُحِقَتْ بركتها، وحَلَّ بها الخراب والخسران.
ثم يقول تعالى مبيناً حال سيدنا داود بعد أنْ مَرَّ بهذه القضية: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ [ص: ٢٤] يعني: اختبرناه وابتليناه، وظن هنا بمعنى علم وأيقن، وكأن الحق سبحانه يُعلِّم داود علم القضاء وأصوله فامتحنه بهذه المسألة، فكانت بالنسبة له (مطب) في أمور ثلاثة: الأول: أنه خاف وفزع وهو في حضرة ربه من خَلْق مثله يقبلون عليه، وظن أنهم سيقتلونه. الثاني: أنه حكم للأول قبل أنْ يسمع من الآخر. الثالث: أنه أدخل في حكمه حيثية لا دخلَ لها في المسألة.
وكلمة فَتَنَّاهُ [ص: ٢٤] أي: اختبرناه من قولهم: فتن الذهب على النار ليُخلِّصه من العناصر الخبيثة فيه.
فلما علم سيدنا داود بذلك لم يتأَبَّ، إنما استغفر ربه من كل ذلك فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ.. [ص: ٢٤] أي: سقط على الأرض سقوطاً لا إرادياً، والسقوط هنا يناسب السجود لا الركوع؛ لذلك قال تعالى: يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً [الإسراء: ١٠٧] فكلمة خر أعطتنا المعنيين يعني: خرَّ ساجداً حالة كونه راكعاً قبل أنْ يسجد ومعنى وَأَنَابَ [ص: ٢٤] رجع إلى الله بالتوبة.
ثم تأتي النتيجة: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ [ص: ٢٥] أي: ما كان منه وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ [ص: ٢٥] قُرْبَى ومنزلة، ويكفي أنْ تُسبِّح معه الجبال، ويُردِّد معه الطير وَحُسْنَ مَـآبٍ [ص: ٢٥] حُسْن مرجع ومردّ.
آية رقم ٢٦
كلمة خَلِيفَةً [ص: ٢٦] هنا إما خليفة لله في الأرض خلافة عامة لأن الإنسان كله خليفة لكنه عليه السلام عمدة على الخليفة، أو خليفة الأنبياء في حَمْل رسالاتهم إلى الناس، وما دام هو مستخلفاً فهو موظف إنْ أحسنَ الوظيفة دامتْ له، وإنْ لم يحسن نُزِعَتْ منه.
فآفة الإنسان أنه إذا ما استجابتْ له الأشياء وطاوعتْه الأسباب يظن أنه صار أصيلاً في الكون، ونسي أنه مُسْتخلف غيرِ أصيل، إنما لو ظَلَّ على ذِكْرِ لخلافته في الأرض، وأنه من الممكن أنْ يُعزِلَ عن الخلافة في أيِّ وقت لظلَّ مؤدباً مع ربه الذي استخلفه: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
وقوله تعالى فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ [ص: ٢٦] يعني: ما دُمْتَ خليفة لله في الأرض تعمرها بالأحكام وتقيم فيها الحق فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ [ص: ٢٦] وهذه نصيحة غالية لكل مَنْ يحكم بين الناس، فالحق أمامك نبراس يهديك، فضعْهُ في موضعه أياً كان، ولا تتبع هواك لأن الرأي يُفسِده الهوى.
لذلك وقف بعض المفكرين أمام قول الله تعالى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ [النجم: ٣-٤].
قالوا: ما دام هو وَحْي يُوحَى، فلماذا يُعدِّل الله له كما في قوله سبحانه: عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ.. [التوبة: ٤٣].
وقوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ [التحريم: ١].
وقوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ [عبس: ١-٢].
قالوا: إن الحق سبحانه لا يعدل لرسوله، إنما يخبر أنه لا هوى له يجعله يميل عند الحكم، فهو صلى الله عليه وسلم يدخل على المسألة بدون هوى، سواء أكان الأمر من عند الله أو من المفوَّض له أنْ يشرع فيه.
والحق سبحانه حينما أراد أنْ يحدد مهمة رسوله صلى الله عليه وسلم حدَّد مهمة كتابه بأنه كتاب مُعجز، ويحمل أصول المنهج لا فروعه، وأنه مهيمن على غيره من الكتب السابقة، لأن الكتب السابقة عليه أثبتَ الله أنها بُدِّلَتْ وحُرِّفت، فلم يأمن عليها المؤمنين بها كما قال سبحانه: بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ.. [المائدة: ٤٤].
ومعنى استحفظوا: طُلب منهم حفظه وحفظ منهجه، فحِفْظ الكتاب المنزَّل كان تكليفاً والتكليف عُرْضة أَنْ يُطاع وأنْ يُعصَى، وهؤلاء عَصَوْا وبدَّلوا وحرَّفوا، كما قال الله وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ [المائدة: ١٣] والذين لم ينسوا حرَّفوا يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [المائدة: ١٣] ومنهم مَنْ جاء بكلام من عند نفسه، وأدخله في كلام الله وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: ٧٨].
إذن: مثل هؤلاء لا يُؤتَمنون على حفظ كتاب الله، وقد ثبت ذلك بهذه التجربة، لذلك لم يجعل الحق سبحانه حِفْظ القرآن إلى المؤمنين به، إنما تكفَّل سبحانه بحفظ القرآن، فقال سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].
ولأن الحق سبحانه جعل لنبيه محمد هذه المنزلة أراد أنْ يُبينها، فقال: والحق سبحانه يُبيِّن منزلة رسوله في إكمال الأديان، فيقول ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.. [المائدة: ٣] ليس هذا فحسب، إنما يعطيه مهمة أخرى، هي صيانة هذه الأديان به وبالعلماء الذين يخلفون مَنْ بعده، لذلك قال سبحانه: لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. [البقرة: ١٤٣].
فالرسول يشهد أنه بلغنا، وعلينا نحن أنْ نمد رسالة رسول الله، فنشهد أننا بلغنا الناس من بعده. لذلك يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من طائفة تأتي ممَّن لا يؤمنون بسنته يقولون: علينا بكتاب الله فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه.
وحين تتتبع لفظ الطاعة في القرآن تجد أنه أتى على صور متعددة.
فمرة يقول: وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ [التغابن: ١٢] بتكرار الأمر بالطاعة.
ومرة يقول: وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ [آل عمران: ١٣٢] بدون تكرار لفعل الأمر.
ومرة يقول: أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال: ٢٠].
فتكرار الأمر بالطاعة مرة لله ومرة لرسول الله حين يكون لله أمر في القضية الإجمالية مثل الصلاة مثلاً، ولرسول الله أمر في تفصيل كيفية الصلاة. فإنْ توارد أمر رسول الله مع أمر الله جاء الأمر واحداً بدون تكرار، فإنْ كان الأمر خاصاً برسول الله، ولم يردْ فيه من الله شيء قال: أطيعوا الرسول.
لذلك تلحظ العظمة في الأداء في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، لماذا؟ ليلفتنا إلى أن طاعة أُولي الأمر من باطن طاعة الله، وطاعة رسول الله يعني ليس لهم طاعة خاصة بهم؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقوله تعالى فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ [ص: ٢٦]
أي: حكماً عاماً للناس جميعاً ليس خاصاً بك، وهنا لا بُدَّ أنْ نذكر قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً [النساء: ١٠٥].
ولهذه الآية قصة، فقد نزلت في كل من زيد بن السمين، وكان رجلاً أميناً مع أنه يهودي، وفي قتادة بن النعمان وطعمة بن أبيرق، فقد كان لقتادة دِرْع سرقه ابن أبيرق واتهِم فيه اليهودي ابن السمين، وبعد استقصاء الأمر وجدوا الدرع عند ابن أبيرق المسلم وظهرت براءة اليهودي.
وهنا أسرع الناس إلى رسول الله حتى لا يحكم على المسلم، فتكون سبة في حق المسلمين أمام اليهود، فتردَّد رسولُ الله في المسألة، فأنزل الله عليه: إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ [النساء: ١٠٥] أي: الناس جميعاً اليهود والنصارى والمسلمين وفعلاً حكم رسول الله على المسلم وبرَّأ ساحة اليهودي ولم يُبَال أحد لا رسولُ الله ولا المسلمون بأنْ ينتصر اليهودي على المسلم؛ لأن الحق أعزُّ من هذا ومن ذاك.
وحين رأى اليهودُ رسولَ الله يحكم لليهودي ويدين المسلم أقبلوا على الإسلام، وأسلم منهم كثيرون على رأسهم (مخيريق) الذي أعلن إسلامه، ووهب كل ماله لرسول الله، ثم خرج للغزو لما أعجله النفير قبل أن يصلي لله ركعة واحدة، وقُتِل (مخيريق) في هذه الغزو شهيداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: هذا معنى فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ.. [ص: ٢٦].
ومعنى خَلِيفَةً.. [ص: ٢٦] أن الله استخلفنا جميعاً في الأرض، وجعل للمستخلفين خليفة يدبر أمرهم ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه بمنهج من استخلف الكُلَّ. أو خليفة للرسل الذين سبقوه يُنبه إلى ما انطمس من مواكب الحق في الخَلْق، والحكومة بين الناس لا تكون إلا عن اختلاف بينهم؛ لأنهم لو لم يختلفوا ما تحاكموا، وما لم يختلف فيه الناس فلا دَخْلَ للحاكم فيه إلا أنْ يكونوا قد اختلفوا مع الحق الأعلى، فعندها لا بُدَّ أنْ يتدخَّل.
وكلمة بِٱلْحَقِّ.. [ص: ٢٦] الحق يعني: الشيء الثابت الذي لا يتغير، وهذا لله تعالى، أما الإنسان فأموره تتغير ولا تستقر على حال، ونحن منها أغيار، لكن الحكم الذي يحكم حركة الإنسان ما دام من الله فهو ثابت لا يتغير، وما دام الله تعالى قد أتمَّ النعمة وأكمل الدين ورضي الإسلام، فلا استدراك لأحد عليه في شيء من الأشياء؛ لأن الاستدراك طَعْنٌ في استقصاء الله لحكمة الحكم.
والحق يقابله الباطل، وقد يعلو الباطل في بعض الأحيان، لكن يظل الحق هو الحق حتى يعلوَ في نهاية المطاف. والحق سبحانه يترك الباطلَ يعلو في بعض الأحيان لحكمة، هي أن يعضَّ الباطلُ الناسَ، ويكويهم بناره لتظهر لهم حلاوة الحق، فإذا لَذَعهم مُرُّ الباطل فزعوا هم إلى طلب الحق.
إذن: فإنْ عَلاَ الباطل فالحق أعْلَى، وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلاً يوضح هذه المسألة، فقال سبحانه: أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ [الرعد: ١٧].
إذن: فالحق ثابت، وبهذا الثبات نفهم أن المناهج الإلهية ما جاءت لتجعل كلمة الله هي العليا، إنما جاءت لتجعلَ كلمة الذين كفروا السفلى، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا.. [التوبة: ٤٠] فلم يعطف الثانية على الأولى، ولم يقل: وكلمة الله هي العليا. لأن كلمة الله ليستْ جعلاً، وإنما هي شيء ثابت، وهي حَقٌّ أزلاً.
ثم يقول سبحانه مخاطباً سيدنا داود: وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ.. [ص: ٢٦] الهوى: مَيْلُ النفس إلى شيء تهواه بغَضِّ النظر عن منهج يحكمه، والهوى يختلف باختلاف الناس، حتى الأصدقاء الحميمون المتلازمون في المأكل والمشرب والميول إذا ذهبوا لشراء شيء اشتروا أشياء مختلفة وألواناً متباينة.
نعم، هناك جامعة تجمعهم هي الصداقة، لكن الأهواء مختلفة، فإذا كان هواي يخالف هواك، فلا بُدَّ أنْ نرجع إلى شيء لا نختلف فيه، فإنْ كان هذا الشيء الذي لا نختلف فيه من أعلى مِنّا فلا غضاضة، الغضاضة تأتي حين تخضع لمن يساويك وتحكّمه، وتنتهي إلى رأيه.
لذلك الحق سبحانه يحكم هذه المسألة بقوله تعالى: وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ.. [المؤمنون: ٧١].
ونحن نفهم أن اختلاف الأهواء يفسد الحياة على الأرض، لكن كيف يفسد السماء؟ ولماذا بدأ بفساد السماوات قبل الأرض؟
قالوا: نعم، لأن الفساد سيتعدَّى فسادَ الأرض، ويفسد أيضاً السماء، بمعنى أنه سيفسد حكم الله المنزَّل من السماء، وما دام سيفسد حكم الله المنزَّل من السماء وهو الحق، وهذا الفساد سابق لفساد ما على الأرض.
لذلك لم يقولوا: أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً.. [الإسراء: ٩٢] هذا هوى، ولو أجابهم الله فيما طلبوا لفَسدتْ فعلاً السماوات والأرض، فمن رحمة الله بالخَلْق أنْ عَصَم أهواءهم في المناهج النظرية التي تحكم الناس فيما يختلفون فيه، أما الشيء الذي لا يُختلف فيه فتركه لكم تربعون فيه كما تشاءون.
فإنْ قلتَ: فلماذا ترك لهم الأمور التي لا اختلاف فيها؟ نقول: لأنهم سينتهون فيها إلى حَقٍّ واحد مجْمع عليه، وهذا ما نراه مثلاً في العلوم المادية التجريبية، فهي مجال مفتوح للجميع، الروس مثل الأمريكان، بل نراهم يجعلون على هذه العلوم حواجز حديدية حتى لا تصل إلى غيرهم، والبعض يتلصَّص ويسرق ما وصل إليه الآخرون.
إذن: فالشيء الذي سنتفق فيه لا تتدخَّل فيه السماء، وهذه المسألة حكمها سيدنا رسول الله، وأعطانا مثالاً في نفسه صلى الله عليه وسلم في مسألة تأبير النخل، فلما اقترح عليهم عدم تأبير النخل فسد في هذا العام ولم يثمر، فقال صلى الله عليه وسلم: لماذا؟ لأنكم ستصلون بالتجربة إلى شيء واحد، تتفقون عليه وتسرقونه من الآخرين، أما في الأهواء فهي مختلفة من واحد لآخر، ويحصل منها الصدام بارداً كان أو حاراً.
ثم يُبيِّن الحقُّ سبحانه العِلَّة من النهي عن اتباع الهوى، فيقول: فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ.. [ص: ٢٦] يعني: لا تتبع الهوى، لأن اتباع الهوى يُضلّك عن سبيل الله، وقد أوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة حين خَطَّ للصحابة خطاً مستقيماً، وخَطَّ حوله خطوطاً متعددة، ثم تلا: وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ.. [الأنعام: ١٥٣].
وتفرُّق السُّبُل ينشأ من الاختلاف مهما كان يسيراً، (فالمللي) الواحد يُفرِّق السبل، ولو رسمتَ خطَّيْن من مركز واحد ومال أحدهما عن الآخر (مللي) واحد لنتج عن ذلك تباعدهما بالتدريج كلما بَعُدَا عن المركز، أرأيتَ مثلاً المحولجي الذي يقوم بتحويل مسار القطار ماذا يفعل؟ إنه يحرك طرف القضيب الذي لا يتجاوز سمكه خمسة (مللي) متر، فينتج عن هذه الحركة تحويل مسار القطار من الإسكندرية إلى أسوان.
وهكذا تتفرق السبل، وينشأ عن الاختلاف اليسير اختلاف عظيم، فالتباعد الهيِّن البسيط عند المركز ينتج عنه تباعد واسع كلما طالت المسافة، وكما يكون التفرُّق في السُّبُل المتعددة يكون التفرق كذلك في الطريق الواحد حين يكون واسعاً يسمح بالتفرق.
فمثلاً الطريق الصحراوي إلى الإسكندرية طريق واسع من اتجاهين، ويمكنك أنْ تسير في أحدهما بطريقة ملتوية تميل مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار، فينشأ عن ذلك طول الطريق؛ لذلك قالوا سواء السبيل يعني: أن تجعل الجانبين على سواء.
ثم يوضح الحق سبحانه عاقبة الضلال والانحراف عن جادة الطريق، فيقول: إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ [ص: ٢٦].
إذن: فالغفلة عن هذا اليوم ونسيان العاقبة هو سبب الوقوع في العذاب الشديد، فلو ذكر الإنسانُ الجزاءَ على السيئة ما فعلها، ولو ذكر ثوابَ الحسنة مَا غفل عنها، ولا تكاسل عن أدائها.
فآفة الإنسان أنه إذا ما استجابتْ له الأشياء وطاوعتْه الأسباب يظن أنه صار أصيلاً في الكون، ونسي أنه مُسْتخلف غيرِ أصيل، إنما لو ظَلَّ على ذِكْرِ لخلافته في الأرض، وأنه من الممكن أنْ يُعزِلَ عن الخلافة في أيِّ وقت لظلَّ مؤدباً مع ربه الذي استخلفه: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
وقوله تعالى فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ [ص: ٢٦] يعني: ما دُمْتَ خليفة لله في الأرض تعمرها بالأحكام وتقيم فيها الحق فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ [ص: ٢٦] وهذه نصيحة غالية لكل مَنْ يحكم بين الناس، فالحق أمامك نبراس يهديك، فضعْهُ في موضعه أياً كان، ولا تتبع هواك لأن الرأي يُفسِده الهوى.
لذلك وقف بعض المفكرين أمام قول الله تعالى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ [النجم: ٣-٤].
قالوا: ما دام هو وَحْي يُوحَى، فلماذا يُعدِّل الله له كما في قوله سبحانه: عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ.. [التوبة: ٤٣].
وقوله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ [التحريم: ١].
وقوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ [عبس: ١-٢].
قالوا: إن الحق سبحانه لا يعدل لرسوله، إنما يخبر أنه لا هوى له يجعله يميل عند الحكم، فهو صلى الله عليه وسلم يدخل على المسألة بدون هوى، سواء أكان الأمر من عند الله أو من المفوَّض له أنْ يشرع فيه.
والحق سبحانه حينما أراد أنْ يحدد مهمة رسوله صلى الله عليه وسلم حدَّد مهمة كتابه بأنه كتاب مُعجز، ويحمل أصول المنهج لا فروعه، وأنه مهيمن على غيره من الكتب السابقة، لأن الكتب السابقة عليه أثبتَ الله أنها بُدِّلَتْ وحُرِّفت، فلم يأمن عليها المؤمنين بها كما قال سبحانه: بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ.. [المائدة: ٤٤].
ومعنى استحفظوا: طُلب منهم حفظه وحفظ منهجه، فحِفْظ الكتاب المنزَّل كان تكليفاً والتكليف عُرْضة أَنْ يُطاع وأنْ يُعصَى، وهؤلاء عَصَوْا وبدَّلوا وحرَّفوا، كما قال الله وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ [المائدة: ١٣] والذين لم ينسوا حرَّفوا يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ [المائدة: ١٣] ومنهم مَنْ جاء بكلام من عند نفسه، وأدخله في كلام الله وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: ٧٨].
إذن: مثل هؤلاء لا يُؤتَمنون على حفظ كتاب الله، وقد ثبت ذلك بهذه التجربة، لذلك لم يجعل الحق سبحانه حِفْظ القرآن إلى المؤمنين به، إنما تكفَّل سبحانه بحفظ القرآن، فقال سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩].
ولأن الحق سبحانه جعل لنبيه محمد هذه المنزلة أراد أنْ يُبينها، فقال: والحق سبحانه يُبيِّن منزلة رسوله في إكمال الأديان، فيقول ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.. [المائدة: ٣] ليس هذا فحسب، إنما يعطيه مهمة أخرى، هي صيانة هذه الأديان به وبالعلماء الذين يخلفون مَنْ بعده، لذلك قال سبحانه: لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. [البقرة: ١٤٣].
فالرسول يشهد أنه بلغنا، وعلينا نحن أنْ نمد رسالة رسول الله، فنشهد أننا بلغنا الناس من بعده. لذلك يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من طائفة تأتي ممَّن لا يؤمنون بسنته يقولون: علينا بكتاب الله فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه.
وحين تتتبع لفظ الطاعة في القرآن تجد أنه أتى على صور متعددة.
فمرة يقول: وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ [التغابن: ١٢] بتكرار الأمر بالطاعة.
ومرة يقول: وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ [آل عمران: ١٣٢] بدون تكرار لفعل الأمر.
ومرة يقول: أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأنفال: ٢٠].
فتكرار الأمر بالطاعة مرة لله ومرة لرسول الله حين يكون لله أمر في القضية الإجمالية مثل الصلاة مثلاً، ولرسول الله أمر في تفصيل كيفية الصلاة. فإنْ توارد أمر رسول الله مع أمر الله جاء الأمر واحداً بدون تكرار، فإنْ كان الأمر خاصاً برسول الله، ولم يردْ فيه من الله شيء قال: أطيعوا الرسول.
لذلك تلحظ العظمة في الأداء في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: ٥٩] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، لماذا؟ ليلفتنا إلى أن طاعة أُولي الأمر من باطن طاعة الله، وطاعة رسول الله يعني ليس لهم طاعة خاصة بهم؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقوله تعالى فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ [ص: ٢٦]
أي: حكماً عاماً للناس جميعاً ليس خاصاً بك، وهنا لا بُدَّ أنْ نذكر قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً [النساء: ١٠٥].
ولهذه الآية قصة، فقد نزلت في كل من زيد بن السمين، وكان رجلاً أميناً مع أنه يهودي، وفي قتادة بن النعمان وطعمة بن أبيرق، فقد كان لقتادة دِرْع سرقه ابن أبيرق واتهِم فيه اليهودي ابن السمين، وبعد استقصاء الأمر وجدوا الدرع عند ابن أبيرق المسلم وظهرت براءة اليهودي.
وهنا أسرع الناس إلى رسول الله حتى لا يحكم على المسلم، فتكون سبة في حق المسلمين أمام اليهود، فتردَّد رسولُ الله في المسألة، فأنزل الله عليه: إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ [النساء: ١٠٥] أي: الناس جميعاً اليهود والنصارى والمسلمين وفعلاً حكم رسول الله على المسلم وبرَّأ ساحة اليهودي ولم يُبَال أحد لا رسولُ الله ولا المسلمون بأنْ ينتصر اليهودي على المسلم؛ لأن الحق أعزُّ من هذا ومن ذاك.
وحين رأى اليهودُ رسولَ الله يحكم لليهودي ويدين المسلم أقبلوا على الإسلام، وأسلم منهم كثيرون على رأسهم (مخيريق) الذي أعلن إسلامه، ووهب كل ماله لرسول الله، ثم خرج للغزو لما أعجله النفير قبل أن يصلي لله ركعة واحدة، وقُتِل (مخيريق) في هذه الغزو شهيداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: هذا معنى فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ.. [ص: ٢٦].
ومعنى خَلِيفَةً.. [ص: ٢٦] أن الله استخلفنا جميعاً في الأرض، وجعل للمستخلفين خليفة يدبر أمرهم ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه بمنهج من استخلف الكُلَّ. أو خليفة للرسل الذين سبقوه يُنبه إلى ما انطمس من مواكب الحق في الخَلْق، والحكومة بين الناس لا تكون إلا عن اختلاف بينهم؛ لأنهم لو لم يختلفوا ما تحاكموا، وما لم يختلف فيه الناس فلا دَخْلَ للحاكم فيه إلا أنْ يكونوا قد اختلفوا مع الحق الأعلى، فعندها لا بُدَّ أنْ يتدخَّل.
وكلمة بِٱلْحَقِّ.. [ص: ٢٦] الحق يعني: الشيء الثابت الذي لا يتغير، وهذا لله تعالى، أما الإنسان فأموره تتغير ولا تستقر على حال، ونحن منها أغيار، لكن الحكم الذي يحكم حركة الإنسان ما دام من الله فهو ثابت لا يتغير، وما دام الله تعالى قد أتمَّ النعمة وأكمل الدين ورضي الإسلام، فلا استدراك لأحد عليه في شيء من الأشياء؛ لأن الاستدراك طَعْنٌ في استقصاء الله لحكمة الحكم.
والحق يقابله الباطل، وقد يعلو الباطل في بعض الأحيان، لكن يظل الحق هو الحق حتى يعلوَ في نهاية المطاف. والحق سبحانه يترك الباطلَ يعلو في بعض الأحيان لحكمة، هي أن يعضَّ الباطلُ الناسَ، ويكويهم بناره لتظهر لهم حلاوة الحق، فإذا لَذَعهم مُرُّ الباطل فزعوا هم إلى طلب الحق.
إذن: فإنْ عَلاَ الباطل فالحق أعْلَى، وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلاً يوضح هذه المسألة، فقال سبحانه: أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ [الرعد: ١٧].
إذن: فالحق ثابت، وبهذا الثبات نفهم أن المناهج الإلهية ما جاءت لتجعل كلمة الله هي العليا، إنما جاءت لتجعلَ كلمة الذين كفروا السفلى، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا.. [التوبة: ٤٠] فلم يعطف الثانية على الأولى، ولم يقل: وكلمة الله هي العليا. لأن كلمة الله ليستْ جعلاً، وإنما هي شيء ثابت، وهي حَقٌّ أزلاً.
ثم يقول سبحانه مخاطباً سيدنا داود: وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ.. [ص: ٢٦] الهوى: مَيْلُ النفس إلى شيء تهواه بغَضِّ النظر عن منهج يحكمه، والهوى يختلف باختلاف الناس، حتى الأصدقاء الحميمون المتلازمون في المأكل والمشرب والميول إذا ذهبوا لشراء شيء اشتروا أشياء مختلفة وألواناً متباينة.
نعم، هناك جامعة تجمعهم هي الصداقة، لكن الأهواء مختلفة، فإذا كان هواي يخالف هواك، فلا بُدَّ أنْ نرجع إلى شيء لا نختلف فيه، فإنْ كان هذا الشيء الذي لا نختلف فيه من أعلى مِنّا فلا غضاضة، الغضاضة تأتي حين تخضع لمن يساويك وتحكّمه، وتنتهي إلى رأيه.
لذلك الحق سبحانه يحكم هذه المسألة بقوله تعالى: وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ.. [المؤمنون: ٧١].
ونحن نفهم أن اختلاف الأهواء يفسد الحياة على الأرض، لكن كيف يفسد السماء؟ ولماذا بدأ بفساد السماوات قبل الأرض؟
قالوا: نعم، لأن الفساد سيتعدَّى فسادَ الأرض، ويفسد أيضاً السماء، بمعنى أنه سيفسد حكم الله المنزَّل من السماء، وما دام سيفسد حكم الله المنزَّل من السماء وهو الحق، وهذا الفساد سابق لفساد ما على الأرض.
لذلك لم يقولوا: أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً.. [الإسراء: ٩٢] هذا هوى، ولو أجابهم الله فيما طلبوا لفَسدتْ فعلاً السماوات والأرض، فمن رحمة الله بالخَلْق أنْ عَصَم أهواءهم في المناهج النظرية التي تحكم الناس فيما يختلفون فيه، أما الشيء الذي لا يُختلف فيه فتركه لكم تربعون فيه كما تشاءون.
فإنْ قلتَ: فلماذا ترك لهم الأمور التي لا اختلاف فيها؟ نقول: لأنهم سينتهون فيها إلى حَقٍّ واحد مجْمع عليه، وهذا ما نراه مثلاً في العلوم المادية التجريبية، فهي مجال مفتوح للجميع، الروس مثل الأمريكان، بل نراهم يجعلون على هذه العلوم حواجز حديدية حتى لا تصل إلى غيرهم، والبعض يتلصَّص ويسرق ما وصل إليه الآخرون.
إذن: فالشيء الذي سنتفق فيه لا تتدخَّل فيه السماء، وهذه المسألة حكمها سيدنا رسول الله، وأعطانا مثالاً في نفسه صلى الله عليه وسلم في مسألة تأبير النخل، فلما اقترح عليهم عدم تأبير النخل فسد في هذا العام ولم يثمر، فقال صلى الله عليه وسلم: لماذا؟ لأنكم ستصلون بالتجربة إلى شيء واحد، تتفقون عليه وتسرقونه من الآخرين، أما في الأهواء فهي مختلفة من واحد لآخر، ويحصل منها الصدام بارداً كان أو حاراً.
ثم يُبيِّن الحقُّ سبحانه العِلَّة من النهي عن اتباع الهوى، فيقول: فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ.. [ص: ٢٦] يعني: لا تتبع الهوى، لأن اتباع الهوى يُضلّك عن سبيل الله، وقد أوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة حين خَطَّ للصحابة خطاً مستقيماً، وخَطَّ حوله خطوطاً متعددة، ثم تلا: وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ.. [الأنعام: ١٥٣].
وتفرُّق السُّبُل ينشأ من الاختلاف مهما كان يسيراً، (فالمللي) الواحد يُفرِّق السبل، ولو رسمتَ خطَّيْن من مركز واحد ومال أحدهما عن الآخر (مللي) واحد لنتج عن ذلك تباعدهما بالتدريج كلما بَعُدَا عن المركز، أرأيتَ مثلاً المحولجي الذي يقوم بتحويل مسار القطار ماذا يفعل؟ إنه يحرك طرف القضيب الذي لا يتجاوز سمكه خمسة (مللي) متر، فينتج عن هذه الحركة تحويل مسار القطار من الإسكندرية إلى أسوان.
وهكذا تتفرق السبل، وينشأ عن الاختلاف اليسير اختلاف عظيم، فالتباعد الهيِّن البسيط عند المركز ينتج عنه تباعد واسع كلما طالت المسافة، وكما يكون التفرُّق في السُّبُل المتعددة يكون التفرق كذلك في الطريق الواحد حين يكون واسعاً يسمح بالتفرق.
فمثلاً الطريق الصحراوي إلى الإسكندرية طريق واسع من اتجاهين، ويمكنك أنْ تسير في أحدهما بطريقة ملتوية تميل مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار، فينشأ عن ذلك طول الطريق؛ لذلك قالوا سواء السبيل يعني: أن تجعل الجانبين على سواء.
ثم يوضح الحق سبحانه عاقبة الضلال والانحراف عن جادة الطريق، فيقول: إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ [ص: ٢٦].
إذن: فالغفلة عن هذا اليوم ونسيان العاقبة هو سبب الوقوع في العذاب الشديد، فلو ذكر الإنسانُ الجزاءَ على السيئة ما فعلها، ولو ذكر ثوابَ الحسنة مَا غفل عنها، ولا تكاسل عن أدائها.
آية رقم ٢٧
يعني: ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً، بل خلقناهما بالحق، لذلك تجدها ثابتة لا تتغير، كما قال سبحانه: لاَ الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القَمَرَ وَلاَ الَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠] ولو كان هذا الخَلْق على غير ذلك لحدثَ صدام في كل دقيقة وفي كل لحظة بين هذه الأجرام والأفلاك.
ومعنى "ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ "أي: أنهم يظنون أنها خُلِقَتْ باطلاً، ذلك ظَنُّهم وهو مجرد ظن، ولو جاء الخَلْق كما يظنون ما كان خَلْقاً، لأن الخَلْق لا بُدَّ أن يكون له غاية عند الخالق قبل أنْ يخلق، كما قلنا أن الذي اخترع الغسالة أو الثلاجة قبل أنْ يخلقها حدَّدَ لها مهمتها، لا أنه خلقها. وقال: انظروا فيما تصلح هذه الآلة.
فالذي صنع هو الذي يحدد الغاية، وهو الذي يضع قانون الصيانة لصناعته. لذلك نقول: إن ضلالَ العالم كله ناشئ من أنهم يريدون أنْ يقننوا بأنفسهم غاية ما صنع الله، ويريدون أنْ يضعوا لخَلْق الله قانون صيانته، وأنْ يتجاهلوا ما وضع الله، لا رد الأمر إلى صاحبه كما تفعل في أمور الدنيا، فكل صانع أعلم بما يُصلح صَنْعته.
ثم يأتي هذا التهديد: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ كثيراً ما يُهدِّد الخالق سبحانه خَلْقه بالنار، ويتوعَّدهم بالعذاب، والبعض يرى في ذلك لوناً من القسوة، والحقيقة أنها لَوْنٌ من ألوان الرحمة لا القسوة، فمن رحمة الله بنا أنْ يعظم الذنب، وأنْ يُظهر العقوبة، ومن رحمته بنا أنْ يضعَ الجزاء قبل أنْ يقع الذنْب؛ لأنك حين تستحضر الجزاء ترتدع ولا تفعل. إذن: التهديد والوعيد لحكمة.
ومعنى "ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ "أي: أنهم يظنون أنها خُلِقَتْ باطلاً، ذلك ظَنُّهم وهو مجرد ظن، ولو جاء الخَلْق كما يظنون ما كان خَلْقاً، لأن الخَلْق لا بُدَّ أن يكون له غاية عند الخالق قبل أنْ يخلق، كما قلنا أن الذي اخترع الغسالة أو الثلاجة قبل أنْ يخلقها حدَّدَ لها مهمتها، لا أنه خلقها. وقال: انظروا فيما تصلح هذه الآلة.
فالذي صنع هو الذي يحدد الغاية، وهو الذي يضع قانون الصيانة لصناعته. لذلك نقول: إن ضلالَ العالم كله ناشئ من أنهم يريدون أنْ يقننوا بأنفسهم غاية ما صنع الله، ويريدون أنْ يضعوا لخَلْق الله قانون صيانته، وأنْ يتجاهلوا ما وضع الله، لا رد الأمر إلى صاحبه كما تفعل في أمور الدنيا، فكل صانع أعلم بما يُصلح صَنْعته.
ثم يأتي هذا التهديد: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ كثيراً ما يُهدِّد الخالق سبحانه خَلْقه بالنار، ويتوعَّدهم بالعذاب، والبعض يرى في ذلك لوناً من القسوة، والحقيقة أنها لَوْنٌ من ألوان الرحمة لا القسوة، فمن رحمة الله بنا أنْ يعظم الذنب، وأنْ يُظهر العقوبة، ومن رحمته بنا أنْ يضعَ الجزاء قبل أنْ يقع الذنْب؛ لأنك حين تستحضر الجزاء ترتدع ولا تفعل. إذن: التهديد والوعيد لحكمة.
آية رقم ٢٨
بعد أن ذكر الحق سبحانه جزاءَ الكافرين في النار أراد سبحانه أنْ يذكر المقابل، وبضدِّها تتميز الأشياء، أراد سبحانه أنْ يعقد لنا هذه المقارنة بين الكافرين والمؤمنين الذين استقاموا على منهج الحق، وساروا على الصراط، وسَلِمَ الناسُ من أيديهم ومن ألسنتهم، وأشاعوا الأمن وأشاعوا المحبة، كيف إذن نسوِّيهم بالكافرين المفسدين؟
وفي هذا إشارة من الحق سبحانه كأنه يقول لنا: إياكم أنْ تُسووا بين هؤلاء وهؤلاء، إياكم أنْ تأخذكم بالمفسدين الظالمين رحمةٌ؛ لأنكم إنْ رأفتم بهم فقد سَوَّيْتُم بينهم وبين المؤمنين.
لذلك كنا نردُّ على الشيوعيين ونقول لهم: نعم لقد انتقمتم من خصومكم الرأسماليين والإقطاعيين، وفعلتم بهم الأفاعيل، لكن ما بال الذين ماتوا قبل أنْ تدركوهم وتنتقموا منهم؟ لا شكَّ أنهم ظلموا ثم ذهبوا دون أنْ يُعاقبُوا.
إذن: كان لا بُدَّ أنْ تعترفوا بيوم آخر يُقتصّ فيه من هؤلاء الذين لم يُقتص منهم في الدنيا، وإلاَّ سَوَّيْنا بين المحسن والمسيء.
وقال: كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ.. [ص: ٢٨] لأن الله تعالى خلق الأرضَ على هيئة الصلاح، فإنْ لم تُزدْها صلاحاً يريح الناس ويسعدهم، فلا أقلَّ من أنْ تُبقي عليها كما هي لا تفسدها، وأوجه الإصلاح في الكون كثيرة، ومثّلنا لذلك ببئر الماء، إما أنْ تتركه على حال يستفيد منه الناسُ كما هو، وإما أنْ تزيده حسناً، كأن تبنى حوله سوراً يحميه، أو تجعل عليه آلة لرفع الماء.. الخ.
أما أنْ نلقي فيه بالقاذورات فهذا هو الفساد.
وقلنا: لو دخلت بستاناً أُنُفاً أي: لم يدخلْه أحد قبلك تجده على طبيعته، لا ترى فيه شجرة كُسِرت، ولا تشُم فيه رائحة كريهة، رغم أن فيه حشرات وحيوانات وفضلات.. إلخ لكن إنْ دخلها الإنسان ظهر فيها الخَلَل والفساد، لماذا؟
لأنه لا يبقى على الصلاح الذي خلق اللهُ الطبيعة عليه؛ لأنه دخلها بغير منهج الله، ولو دخل بمنهج الله لاستقامتْ الأمور.
ثم يؤكد الحق سبحانه هذا المعنى فيقول: أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ [ص: ٢٨] الفاجر هو الفاسق الذي يفسق عن القانون الذي يحميه ويحمي المجتمع كما تفسق الرطبة من قشرتها، والحق سبحانه قبل أنْ يحمي المجتمع من الفاسق حَمَى الفاسق من المجتمع، والفاسق واحد، والمجتمع كثير.
إذن: فالفرد هو المستفيد من منهج الحق وهو الرابح.
وأيضاً، الإنسان حين تمرّ المسألة بخاصة نفسه يلتفت إلى الحق قَصْراً عنه، لأنه لن يجد حمايةً إلا في الحق، وسبق أنْ ضربنا مثلاً لطلاب الجامعة قلنا: هَبْ أن ثلاثةً من الشباب في دور المراهقة اثنان منهم ساروا - كما نقول - على حَلِّ شعرهم. والآخر استقام على المنهج حتى أنهما كانا يسْخران منه، ويقولان عنه: فلان هذا صللى فلان جردل.. قفل.. إلخ ما نسمع من هذه الكلمات.
وصادف أنْ كان عند أحدهما أخت، بالله لمن يُزوِّجها؟ لصاحبه المنحلّ؟ أم لصاحبه الملتزم المستقيم؟ لا شكَّ أنه يفضل الثاني، لأنه يأمنه ويطمئن إليه، إذن: لا بُدَّ أنْ يظلَّ الحق حقاً، والفضيلةُ فضيلة، ولا يمكن أنْ يستوي التَّقِيُّ والفاجرُ.
ثم يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ليسليه؛ لأن قصصَ القرآن جاء تسلية له صلى الله عليه وسلم، وتثبيتاً لفؤاده:
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ... .
وفي هذا إشارة من الحق سبحانه كأنه يقول لنا: إياكم أنْ تُسووا بين هؤلاء وهؤلاء، إياكم أنْ تأخذكم بالمفسدين الظالمين رحمةٌ؛ لأنكم إنْ رأفتم بهم فقد سَوَّيْتُم بينهم وبين المؤمنين.
لذلك كنا نردُّ على الشيوعيين ونقول لهم: نعم لقد انتقمتم من خصومكم الرأسماليين والإقطاعيين، وفعلتم بهم الأفاعيل، لكن ما بال الذين ماتوا قبل أنْ تدركوهم وتنتقموا منهم؟ لا شكَّ أنهم ظلموا ثم ذهبوا دون أنْ يُعاقبُوا.
إذن: كان لا بُدَّ أنْ تعترفوا بيوم آخر يُقتصّ فيه من هؤلاء الذين لم يُقتص منهم في الدنيا، وإلاَّ سَوَّيْنا بين المحسن والمسيء.
وقال: كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ.. [ص: ٢٨] لأن الله تعالى خلق الأرضَ على هيئة الصلاح، فإنْ لم تُزدْها صلاحاً يريح الناس ويسعدهم، فلا أقلَّ من أنْ تُبقي عليها كما هي لا تفسدها، وأوجه الإصلاح في الكون كثيرة، ومثّلنا لذلك ببئر الماء، إما أنْ تتركه على حال يستفيد منه الناسُ كما هو، وإما أنْ تزيده حسناً، كأن تبنى حوله سوراً يحميه، أو تجعل عليه آلة لرفع الماء.. الخ.
أما أنْ نلقي فيه بالقاذورات فهذا هو الفساد.
وقلنا: لو دخلت بستاناً أُنُفاً أي: لم يدخلْه أحد قبلك تجده على طبيعته، لا ترى فيه شجرة كُسِرت، ولا تشُم فيه رائحة كريهة، رغم أن فيه حشرات وحيوانات وفضلات.. إلخ لكن إنْ دخلها الإنسان ظهر فيها الخَلَل والفساد، لماذا؟
لأنه لا يبقى على الصلاح الذي خلق اللهُ الطبيعة عليه؛ لأنه دخلها بغير منهج الله، ولو دخل بمنهج الله لاستقامتْ الأمور.
ثم يؤكد الحق سبحانه هذا المعنى فيقول: أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ [ص: ٢٨] الفاجر هو الفاسق الذي يفسق عن القانون الذي يحميه ويحمي المجتمع كما تفسق الرطبة من قشرتها، والحق سبحانه قبل أنْ يحمي المجتمع من الفاسق حَمَى الفاسق من المجتمع، والفاسق واحد، والمجتمع كثير.
إذن: فالفرد هو المستفيد من منهج الحق وهو الرابح.
وأيضاً، الإنسان حين تمرّ المسألة بخاصة نفسه يلتفت إلى الحق قَصْراً عنه، لأنه لن يجد حمايةً إلا في الحق، وسبق أنْ ضربنا مثلاً لطلاب الجامعة قلنا: هَبْ أن ثلاثةً من الشباب في دور المراهقة اثنان منهم ساروا - كما نقول - على حَلِّ شعرهم. والآخر استقام على المنهج حتى أنهما كانا يسْخران منه، ويقولان عنه: فلان هذا صللى فلان جردل.. قفل.. إلخ ما نسمع من هذه الكلمات.
وصادف أنْ كان عند أحدهما أخت، بالله لمن يُزوِّجها؟ لصاحبه المنحلّ؟ أم لصاحبه الملتزم المستقيم؟ لا شكَّ أنه يفضل الثاني، لأنه يأمنه ويطمئن إليه، إذن: لا بُدَّ أنْ يظلَّ الحق حقاً، والفضيلةُ فضيلة، ولا يمكن أنْ يستوي التَّقِيُّ والفاجرُ.
ثم يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ليسليه؛ لأن قصصَ القرآن جاء تسلية له صلى الله عليه وسلم، وتثبيتاً لفؤاده:
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ... .
آية رقم ٢٩
الكتاب هو القرآن، والمبارك هو الشيء الذي يعطي من الفائدة والخير فوق ما يُتصوَّر منه، تقول: هذا الشيء نأخذ منه ولا ينقص، نسميه مبروك...
والقرآن مباركٌ، وآياته مباركة من حيث الأحكام الظاهرية، لأنه سيربي النفس على استقامة، هذه الاستقامة لو نظرتَ إليها اقتصادياً تجد أنها لا تُكلِّفك شيئاً، نعم الاستقامة لا تكلفك، أمَّا الانحراف فهو الذي يُكلِّف... ثم إن القرآن مُبَاركٌ من ناحية أخرى، فحين تتفاعل مع المنهج، وحين تعشقه يُبيِّن لك الحق سبحانه ألواناً من الأسرار يتعجَّب منها غيرك، ويفتح عليك فُتُوحات عجيبة، ألم يتعجَّبْ موسى -عليه السلام- وهو نبيّ الله من عمل العبد الصالح، والعبد الصالح عبد الله على منهج موسى، ومع ذلك أمر الله موسى أنْ يتبعَ العبد الصالح، وأن يتعلَّم منه، لكنه يتبعه بإخلاص وبعشق، فلما اتبعه موسى بعشق وإخلاص تعلَّم منه الأعاجيب،...
ومعنى لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِه.. والتدبُّر هو ألاَّ ننظر إلى الوسيلة نظرةً سطحية، إنما ننظر بتفكُّر وتمعُّن وحساب للعاقبة، ننظر إلى الخلفيات واللوازم لنستنبط ما في الشيء من العِبَر،... وقوله: وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ أي: أصحاب العقول الواعية، وتأمل هنا أن الحق سبحانه يُنبِّه العقول، ويُحرِّك الفهم إلى تأمُّل آياته في الكون، والمقابل لك أو الذي بينك وبينه صفقة لا ينبهك إليها، إلا لأنه واثق أنك ستُقبل عليها وإلا أخفاها ودلَّسَ عليك، كالذي يبيع لك سلعة جيدة تراه يشرح لك مزاياها، ويدعوك إلى اختبارها، والتأكد من جودتها ويُنبِّه عقلك إلى ما خَفِي عنك منها...
فالحق -سبحانه وتعالى- يدعونا إلى تأمُّل آياته وتدبُّرها والبحث فيها، لأنه سبحانه واثق أننا حين ننظر وحين نبحث ونتأمل سنقتنع بها، وسنصل من خلالها إلى الحق والصواب. ومع ذلك نرى البعض يقف أمام بعض المسائل الدينية يقول: هذه مسألة فوق البحث ولا عملَ للعقل فيها، ونقول: لكن أمرنا بالتدبُّر والتفكّر والتأمّل في الكون، فلا مانع أنْ نبحث.
والقرآن مباركٌ، وآياته مباركة من حيث الأحكام الظاهرية، لأنه سيربي النفس على استقامة، هذه الاستقامة لو نظرتَ إليها اقتصادياً تجد أنها لا تُكلِّفك شيئاً، نعم الاستقامة لا تكلفك، أمَّا الانحراف فهو الذي يُكلِّف... ثم إن القرآن مُبَاركٌ من ناحية أخرى، فحين تتفاعل مع المنهج، وحين تعشقه يُبيِّن لك الحق سبحانه ألواناً من الأسرار يتعجَّب منها غيرك، ويفتح عليك فُتُوحات عجيبة، ألم يتعجَّبْ موسى -عليه السلام- وهو نبيّ الله من عمل العبد الصالح، والعبد الصالح عبد الله على منهج موسى، ومع ذلك أمر الله موسى أنْ يتبعَ العبد الصالح، وأن يتعلَّم منه، لكنه يتبعه بإخلاص وبعشق، فلما اتبعه موسى بعشق وإخلاص تعلَّم منه الأعاجيب،...
ومعنى لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِه.. والتدبُّر هو ألاَّ ننظر إلى الوسيلة نظرةً سطحية، إنما ننظر بتفكُّر وتمعُّن وحساب للعاقبة، ننظر إلى الخلفيات واللوازم لنستنبط ما في الشيء من العِبَر،... وقوله: وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ أي: أصحاب العقول الواعية، وتأمل هنا أن الحق سبحانه يُنبِّه العقول، ويُحرِّك الفهم إلى تأمُّل آياته في الكون، والمقابل لك أو الذي بينك وبينه صفقة لا ينبهك إليها، إلا لأنه واثق أنك ستُقبل عليها وإلا أخفاها ودلَّسَ عليك، كالذي يبيع لك سلعة جيدة تراه يشرح لك مزاياها، ويدعوك إلى اختبارها، والتأكد من جودتها ويُنبِّه عقلك إلى ما خَفِي عنك منها...
فالحق -سبحانه وتعالى- يدعونا إلى تأمُّل آياته وتدبُّرها والبحث فيها، لأنه سبحانه واثق أننا حين ننظر وحين نبحث ونتأمل سنقتنع بها، وسنصل من خلالها إلى الحق والصواب. ومع ذلك نرى البعض يقف أمام بعض المسائل الدينية يقول: هذه مسألة فوق البحث ولا عملَ للعقل فيها، ونقول: لكن أمرنا بالتدبُّر والتفكّر والتأمّل في الكون، فلا مانع أنْ نبحث.
آية رقم ٣٠
من عجائب السياق القرآني في ذكر داود وسليمان أنهما يشتركان في مسألة واحدة، فلو نظرتَ إلى أول آية ذكرت سيدنا داود تجدها في سورة البقرة في قوله تعالى: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ.. [البقرة: ٢٥١].
وآخر ذكر له هنا في سورة (ص): وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠].
كذلك أول ذِكْر لسيدنا سليمان ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ.. [البقرة: ١٠٢].
وآخر ذكر له في سورة (ص) في قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ [ص: ٣٤].
قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠] الوهْب: عطاءٌ بلا مقابل، فإنْ قُلْتَ: فالإنجاب كله يُعَدُّ بلا مقابل، نعم لكن الخالق سبحانه يهبك ذاتاً، ثم يزيد عليها هبة أخرى هي الصفات التي تتوفر للذات، مثل: الملك والحكمة وغيرها؛ لذلك الذين يطلبون الأشياء على غير مَظانِّها من الأسباب يطلبونها بالهبة، كما في قوله تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ.. [ص: ٣٥].
وقوله تعالى: فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم: ٥-٦].
فسيدنا زكريا حين طلب من الله الولد كان شيخاً كبيراً، وكانت امرأته عاقراً، فالأسباب كلها ليست مُواتية وليست صالحة للإنجاب، لذلك طلبها على سبيل الهبة من الله، لا بالقانون والأسباب. وإنْ كانت الأسبابُ في ذاتها هبةً إلا أنها هبة عامة، لكن ما يلحق الذات من الصفات الخاصة تُعَدُّ هبة خاصة.
وقوله تعالى: نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] نعرف أن نِعْم تُقَالُ للمدح، والمدح هنا بالصفة العقدية، وهي العبودية لله تعالى. وسبق أنْ قلنا: إن كلمة عبد وعبودية كلمة ممقوتة عند الناس ولهم الحق في مَقْتها، لأن العبودية للبشر يأخذ فيها السيدُ خَيْر عبده، لكن العبودية لله تعالى يأخذ العبد من خير سيده، فهذه هي العبودية الحقة التي تُعَدُّ عِزَّاً للعبد ورفعة.
لذلك لما تجلى الحق سبحانه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنعمة الإسراء والمعراج، قال: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] فكأن عبوديته لربه هي التي أوصلْته إلى هذه المنزلة.
لذلك - ولله المثل الأعلى - الرجل صاحب الصنعة (أسطى) أو معلم وتحت يده صبيان، يُقرِّب منهم المخلص الذي يُحسن صنعته، ويجيد الخضوع له والطاعة والخدمة، لذلك يختصه بمواهبه، ولا يضِنُّ عليه بخفايا الصَّنْعة ودقائقها، ويعطيه خصوصيات لا يعطيها لغيره.
ومع أنه - عليه السلام - كان مَلِكاً إلا أن ربه مدحه بصفة العبودية نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] ثم بيَّن لنا مَناط المدح بالعبودية، فقال إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: رجَّاع إلى الله إنْ هفت نفسه هفوة أنَّبَ نفسه عليها، ورجع إلى ربه، ويتوب إليه، لذلك يقول تعالى في بيان التوبة: إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ.. [النساء: ١٧].
معنى بِجَهَالَةٍ [النساء: ١٧] يعني: لم يخطط لها ولم يرتب للمعصية، وإذا حدثتْ منه لا يفرح بها ولا يجاهر، بل يحزن ويلوم نفسه فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء: ١٧-١٨].
وضربنا مثلاً لهذين النوعين بطلاب العلم الذين كانوا يسافرون في بعثات علمية إلى فرنسا، فكان منهم المستقيم الملتزم بمنهج الله، لكن تفاجئه إحدى الفتيات المنحرفات ليلاً، وتعرض نفسها عليه، وتظل تغريه حتى يرتكبَ معها الفاحشة، هذا فعلها بجهالة ودون قَصْد أو تدبير، على خلاف الآخر الذي يسعى إلى الفاحشة ويتتبع عناوين أصحابها، وهذا هو الذي يقصد المعصية ويسعى إليها.
وكلمة أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: كثير الأَوْبة والرجوع، فهي صيغة مبالغة بمعنى رجَّاع إلى الحق، فهو لم يفرح بالمعصية، وإنما ندم عليها وتدارك خطأه وصوَّب طريقه، بدليل قوله تعالى بعدها: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١].
العشيّ: ما بعد الظهر إلى المغرب، وعرض عليه مثل العرض العسكري الذي يستعرض فيه القائد جنوده وقواته. ومعنى ٱلصَّافِنَاتُ.. [ص: ٣١] جمع صَافِن، وهو الجَواد العريق الأصيل، وتستطيع أنْ تلاحظ الجواد الأصيلَ من وقفته، فهو لا يقف على أربع، إنما على ثلاث في رشاقة، وكأنه على أُهبة الاستعداد.
ومعنى ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١] جمع: جَوَاد وهو القوي السريع، فلما عُرِضَتْ على سيدنا سليمان الصافناتُ الجيادُ من خَيْلِه وقواته، قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] قالوا: الخير هنا يُرَاد به الخيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وقال: لذلك لما أمرنا ربنا أنْ نستعدَّ لأعداء الدين والمنهج، قال: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ.. [الأنفال: ٦٠] أي: قوة عامة. ثم خَصَّ الخيل، فقال: وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.. [الأنفال: ٦٠].
فلما عُرِضَتْ الخيل على سليمان قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي.. [ص: ٣٢] يعني: حباً ليس للتباهي والخيلاء، كالذين يُربُّون الخيل للمظهر ودخول السباق وذياع الصيت، إنما أحببتها حباً صادراً عن ذِكْر ربي وذكر منهج ربي، الذي أمر بإعداد الخيل والرباط والقوة التي تستطيع أنْ تفرض منهج الله في الأرض.
حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] الفاعل هنا مستتر، والفاعل حين يأتي مستتراً لا بد أنْ يكون له مرجع كما تقول: جاءني رجل فأكرمتهُ يعني: أكرمتُ الرجل المذكور.
وقوله: تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] مشهود في الشمس حين تغيب، فالمعنى حتى توارت الشمس وغابت.
وقالوا: إنه فاتته صلاة العشي لانشغاله باستعراض الخيل، فلما فاتَتْه الصلاة رُدُّوهَا عَلَيَّ.. [ص: ٣٣] أي: الخيل، أرجعوها إليَّ فَطَفِقَ.. [ص: ٣٣] شرع مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ [ص: ٣٣].
يعني: يمسح على سُوق الخيل وأعناقها دلالةً على إكرامها والاهتمام بها، وخصَّ السُّوق والأعناق من الخيل لأنها أكرمُ ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسُّوق أداة الحَمْل والجري، والمعنى أنه سُرَّ منها فمسح بيده على السُّوق والأعناق.
بعض المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يُراد به أنه أراد قَتْلها وذبْحها؛ لأنها أَلْهَتْهُ عن الصلاة، وهذا الكلام أقربُ إلى الإسرائيليات؛ لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب الخيل؟
والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في بني إسرائيل، وكثيراً ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبداً بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أنْ يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئاً من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم.
وآخر ذكر له هنا في سورة (ص): وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠].
كذلك أول ذِكْر لسيدنا سليمان ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ.. [البقرة: ١٠٢].
وآخر ذكر له في سورة (ص) في قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ [ص: ٣٤].
قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠] الوهْب: عطاءٌ بلا مقابل، فإنْ قُلْتَ: فالإنجاب كله يُعَدُّ بلا مقابل، نعم لكن الخالق سبحانه يهبك ذاتاً، ثم يزيد عليها هبة أخرى هي الصفات التي تتوفر للذات، مثل: الملك والحكمة وغيرها؛ لذلك الذين يطلبون الأشياء على غير مَظانِّها من الأسباب يطلبونها بالهبة، كما في قوله تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ.. [ص: ٣٥].
وقوله تعالى: فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم: ٥-٦].
فسيدنا زكريا حين طلب من الله الولد كان شيخاً كبيراً، وكانت امرأته عاقراً، فالأسباب كلها ليست مُواتية وليست صالحة للإنجاب، لذلك طلبها على سبيل الهبة من الله، لا بالقانون والأسباب. وإنْ كانت الأسبابُ في ذاتها هبةً إلا أنها هبة عامة، لكن ما يلحق الذات من الصفات الخاصة تُعَدُّ هبة خاصة.
وقوله تعالى: نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] نعرف أن نِعْم تُقَالُ للمدح، والمدح هنا بالصفة العقدية، وهي العبودية لله تعالى. وسبق أنْ قلنا: إن كلمة عبد وعبودية كلمة ممقوتة عند الناس ولهم الحق في مَقْتها، لأن العبودية للبشر يأخذ فيها السيدُ خَيْر عبده، لكن العبودية لله تعالى يأخذ العبد من خير سيده، فهذه هي العبودية الحقة التي تُعَدُّ عِزَّاً للعبد ورفعة.
لذلك لما تجلى الحق سبحانه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنعمة الإسراء والمعراج، قال: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] فكأن عبوديته لربه هي التي أوصلْته إلى هذه المنزلة.
لذلك - ولله المثل الأعلى - الرجل صاحب الصنعة (أسطى) أو معلم وتحت يده صبيان، يُقرِّب منهم المخلص الذي يُحسن صنعته، ويجيد الخضوع له والطاعة والخدمة، لذلك يختصه بمواهبه، ولا يضِنُّ عليه بخفايا الصَّنْعة ودقائقها، ويعطيه خصوصيات لا يعطيها لغيره.
ومع أنه - عليه السلام - كان مَلِكاً إلا أن ربه مدحه بصفة العبودية نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] ثم بيَّن لنا مَناط المدح بالعبودية، فقال إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: رجَّاع إلى الله إنْ هفت نفسه هفوة أنَّبَ نفسه عليها، ورجع إلى ربه، ويتوب إليه، لذلك يقول تعالى في بيان التوبة: إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ.. [النساء: ١٧].
معنى بِجَهَالَةٍ [النساء: ١٧] يعني: لم يخطط لها ولم يرتب للمعصية، وإذا حدثتْ منه لا يفرح بها ولا يجاهر، بل يحزن ويلوم نفسه فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء: ١٧-١٨].
وضربنا مثلاً لهذين النوعين بطلاب العلم الذين كانوا يسافرون في بعثات علمية إلى فرنسا، فكان منهم المستقيم الملتزم بمنهج الله، لكن تفاجئه إحدى الفتيات المنحرفات ليلاً، وتعرض نفسها عليه، وتظل تغريه حتى يرتكبَ معها الفاحشة، هذا فعلها بجهالة ودون قَصْد أو تدبير، على خلاف الآخر الذي يسعى إلى الفاحشة ويتتبع عناوين أصحابها، وهذا هو الذي يقصد المعصية ويسعى إليها.
وكلمة أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: كثير الأَوْبة والرجوع، فهي صيغة مبالغة بمعنى رجَّاع إلى الحق، فهو لم يفرح بالمعصية، وإنما ندم عليها وتدارك خطأه وصوَّب طريقه، بدليل قوله تعالى بعدها: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١].
العشيّ: ما بعد الظهر إلى المغرب، وعرض عليه مثل العرض العسكري الذي يستعرض فيه القائد جنوده وقواته. ومعنى ٱلصَّافِنَاتُ.. [ص: ٣١] جمع صَافِن، وهو الجَواد العريق الأصيل، وتستطيع أنْ تلاحظ الجواد الأصيلَ من وقفته، فهو لا يقف على أربع، إنما على ثلاث في رشاقة، وكأنه على أُهبة الاستعداد.
ومعنى ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١] جمع: جَوَاد وهو القوي السريع، فلما عُرِضَتْ على سيدنا سليمان الصافناتُ الجيادُ من خَيْلِه وقواته، قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] قالوا: الخير هنا يُرَاد به الخيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وقال: لذلك لما أمرنا ربنا أنْ نستعدَّ لأعداء الدين والمنهج، قال: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ.. [الأنفال: ٦٠] أي: قوة عامة. ثم خَصَّ الخيل، فقال: وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.. [الأنفال: ٦٠].
فلما عُرِضَتْ الخيل على سليمان قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي.. [ص: ٣٢] يعني: حباً ليس للتباهي والخيلاء، كالذين يُربُّون الخيل للمظهر ودخول السباق وذياع الصيت، إنما أحببتها حباً صادراً عن ذِكْر ربي وذكر منهج ربي، الذي أمر بإعداد الخيل والرباط والقوة التي تستطيع أنْ تفرض منهج الله في الأرض.
حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] الفاعل هنا مستتر، والفاعل حين يأتي مستتراً لا بد أنْ يكون له مرجع كما تقول: جاءني رجل فأكرمتهُ يعني: أكرمتُ الرجل المذكور.
وقوله: تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] مشهود في الشمس حين تغيب، فالمعنى حتى توارت الشمس وغابت.
وقالوا: إنه فاتته صلاة العشي لانشغاله باستعراض الخيل، فلما فاتَتْه الصلاة رُدُّوهَا عَلَيَّ.. [ص: ٣٣] أي: الخيل، أرجعوها إليَّ فَطَفِقَ.. [ص: ٣٣] شرع مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ [ص: ٣٣].
يعني: يمسح على سُوق الخيل وأعناقها دلالةً على إكرامها والاهتمام بها، وخصَّ السُّوق والأعناق من الخيل لأنها أكرمُ ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسُّوق أداة الحَمْل والجري، والمعنى أنه سُرَّ منها فمسح بيده على السُّوق والأعناق.
بعض المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يُراد به أنه أراد قَتْلها وذبْحها؛ لأنها أَلْهَتْهُ عن الصلاة، وهذا الكلام أقربُ إلى الإسرائيليات؛ لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب الخيل؟
والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في بني إسرائيل، وكثيراً ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبداً بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أنْ يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئاً من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم.
آية رقم ٣١
ﮅﮆﮇﮈﮉﮊ
ﮋ
من عجائب السياق القرآني في ذكر داود وسليمان أنهما يشتركان في مسألة واحدة، فلو نظرتَ إلى أول آية ذكرت سيدنا داود تجدها في سورة البقرة في قوله تعالى: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ.. [البقرة: ٢٥١].
وآخر ذكر له هنا في سورة (ص): وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠].
كذلك أول ذِكْر لسيدنا سليمان ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ.. [البقرة: ١٠٢].
وآخر ذكر له في سورة (ص) في قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ [ص: ٣٤].
قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠] الوهْب: عطاءٌ بلا مقابل، فإنْ قُلْتَ: فالإنجاب كله يُعَدُّ بلا مقابل، نعم لكن الخالق سبحانه يهبك ذاتاً، ثم يزيد عليها هبة أخرى هي الصفات التي تتوفر للذات، مثل: الملك والحكمة وغيرها؛ لذلك الذين يطلبون الأشياء على غير مَظانِّها من الأسباب يطلبونها بالهبة، كما في قوله تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ.. [ص: ٣٥].
وقوله تعالى: فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم: ٥-٦].
فسيدنا زكريا حين طلب من الله الولد كان شيخاً كبيراً، وكانت امرأته عاقراً، فالأسباب كلها ليست مُواتية وليست صالحة للإنجاب، لذلك طلبها على سبيل الهبة من الله، لا بالقانون والأسباب. وإنْ كانت الأسبابُ في ذاتها هبةً إلا أنها هبة عامة، لكن ما يلحق الذات من الصفات الخاصة تُعَدُّ هبة خاصة.
وقوله تعالى: نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] نعرف أن نِعْم تُقَالُ للمدح، والمدح هنا بالصفة العقدية، وهي العبودية لله تعالى. وسبق أنْ قلنا: إن كلمة عبد وعبودية كلمة ممقوتة عند الناس ولهم الحق في مَقْتها، لأن العبودية للبشر يأخذ فيها السيدُ خَيْر عبده، لكن العبودية لله تعالى يأخذ العبد من خير سيده، فهذه هي العبودية الحقة التي تُعَدُّ عِزَّاً للعبد ورفعة.
لذلك لما تجلى الحق سبحانه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنعمة الإسراء والمعراج، قال: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] فكأن عبوديته لربه هي التي أوصلْته إلى هذه المنزلة.
لذلك - ولله المثل الأعلى - الرجل صاحب الصنعة (أسطى) أو معلم وتحت يده صبيان، يُقرِّب منهم المخلص الذي يُحسن صنعته، ويجيد الخضوع له والطاعة والخدمة، لذلك يختصه بمواهبه، ولا يضِنُّ عليه بخفايا الصَّنْعة ودقائقها، ويعطيه خصوصيات لا يعطيها لغيره.
ومع أنه - عليه السلام - كان مَلِكاً إلا أن ربه مدحه بصفة العبودية نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] ثم بيَّن لنا مَناط المدح بالعبودية، فقال إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: رجَّاع إلى الله إنْ هفت نفسه هفوة أنَّبَ نفسه عليها، ورجع إلى ربه، ويتوب إليه، لذلك يقول تعالى في بيان التوبة: إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ.. [النساء: ١٧].
معنى بِجَهَالَةٍ [النساء: ١٧] يعني: لم يخطط لها ولم يرتب للمعصية، وإذا حدثتْ منه لا يفرح بها ولا يجاهر، بل يحزن ويلوم نفسه فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء: ١٧-١٨].
وضربنا مثلاً لهذين النوعين بطلاب العلم الذين كانوا يسافرون في بعثات علمية إلى فرنسا، فكان منهم المستقيم الملتزم بمنهج الله، لكن تفاجئه إحدى الفتيات المنحرفات ليلاً، وتعرض نفسها عليه، وتظل تغريه حتى يرتكبَ معها الفاحشة، هذا فعلها بجهالة ودون قَصْد أو تدبير، على خلاف الآخر الذي يسعى إلى الفاحشة ويتتبع عناوين أصحابها، وهذا هو الذي يقصد المعصية ويسعى إليها.
وكلمة أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: كثير الأَوْبة والرجوع، فهي صيغة مبالغة بمعنى رجَّاع إلى الحق، فهو لم يفرح بالمعصية، وإنما ندم عليها وتدارك خطأه وصوَّب طريقه، بدليل قوله تعالى بعدها: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١].
العشيّ: ما بعد الظهر إلى المغرب، وعرض عليه مثل العرض العسكري الذي يستعرض فيه القائد جنوده وقواته. ومعنى ٱلصَّافِنَاتُ.. [ص: ٣١] جمع صَافِن، وهو الجَواد العريق الأصيل، وتستطيع أنْ تلاحظ الجواد الأصيلَ من وقفته، فهو لا يقف على أربع، إنما على ثلاث في رشاقة، وكأنه على أُهبة الاستعداد.
ومعنى ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١] جمع: جَوَاد وهو القوي السريع، فلما عُرِضَتْ على سيدنا سليمان الصافناتُ الجيادُ من خَيْلِه وقواته، قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] قالوا: الخير هنا يُرَاد به الخيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وقال: لذلك لما أمرنا ربنا أنْ نستعدَّ لأعداء الدين والمنهج، قال: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ.. [الأنفال: ٦٠] أي: قوة عامة. ثم خَصَّ الخيل، فقال: وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.. [الأنفال: ٦٠].
فلما عُرِضَتْ الخيل على سليمان قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي.. [ص: ٣٢] يعني: حباً ليس للتباهي والخيلاء، كالذين يُربُّون الخيل للمظهر ودخول السباق وذياع الصيت، إنما أحببتها حباً صادراً عن ذِكْر ربي وذكر منهج ربي، الذي أمر بإعداد الخيل والرباط والقوة التي تستطيع أنْ تفرض منهج الله في الأرض.
حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] الفاعل هنا مستتر، والفاعل حين يأتي مستتراً لا بد أنْ يكون له مرجع كما تقول: جاءني رجل فأكرمتهُ يعني: أكرمتُ الرجل المذكور.
وقوله: تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] مشهود في الشمس حين تغيب، فالمعنى حتى توارت الشمس وغابت.
وقالوا: إنه فاتته صلاة العشي لانشغاله باستعراض الخيل، فلما فاتَتْه الصلاة رُدُّوهَا عَلَيَّ.. [ص: ٣٣] أي: الخيل، أرجعوها إليَّ فَطَفِقَ.. [ص: ٣٣] شرع مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ [ص: ٣٣].
يعني: يمسح على سُوق الخيل وأعناقها دلالةً على إكرامها والاهتمام بها، وخصَّ السُّوق والأعناق من الخيل لأنها أكرمُ ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسُّوق أداة الحَمْل والجري، والمعنى أنه سُرَّ منها فمسح بيده على السُّوق والأعناق.
بعض المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يُراد به أنه أراد قَتْلها وذبْحها؛ لأنها أَلْهَتْهُ عن الصلاة، وهذا الكلام أقربُ إلى الإسرائيليات؛ لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب الخيل؟
والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في بني إسرائيل، وكثيراً ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبداً بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أنْ يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئاً من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم.
وآخر ذكر له هنا في سورة (ص): وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠].
كذلك أول ذِكْر لسيدنا سليمان ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ.. [البقرة: ١٠٢].
وآخر ذكر له في سورة (ص) في قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ [ص: ٣٤].
قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠] الوهْب: عطاءٌ بلا مقابل، فإنْ قُلْتَ: فالإنجاب كله يُعَدُّ بلا مقابل، نعم لكن الخالق سبحانه يهبك ذاتاً، ثم يزيد عليها هبة أخرى هي الصفات التي تتوفر للذات، مثل: الملك والحكمة وغيرها؛ لذلك الذين يطلبون الأشياء على غير مَظانِّها من الأسباب يطلبونها بالهبة، كما في قوله تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ.. [ص: ٣٥].
وقوله تعالى: فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم: ٥-٦].
فسيدنا زكريا حين طلب من الله الولد كان شيخاً كبيراً، وكانت امرأته عاقراً، فالأسباب كلها ليست مُواتية وليست صالحة للإنجاب، لذلك طلبها على سبيل الهبة من الله، لا بالقانون والأسباب. وإنْ كانت الأسبابُ في ذاتها هبةً إلا أنها هبة عامة، لكن ما يلحق الذات من الصفات الخاصة تُعَدُّ هبة خاصة.
وقوله تعالى: نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] نعرف أن نِعْم تُقَالُ للمدح، والمدح هنا بالصفة العقدية، وهي العبودية لله تعالى. وسبق أنْ قلنا: إن كلمة عبد وعبودية كلمة ممقوتة عند الناس ولهم الحق في مَقْتها، لأن العبودية للبشر يأخذ فيها السيدُ خَيْر عبده، لكن العبودية لله تعالى يأخذ العبد من خير سيده، فهذه هي العبودية الحقة التي تُعَدُّ عِزَّاً للعبد ورفعة.
لذلك لما تجلى الحق سبحانه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنعمة الإسراء والمعراج، قال: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] فكأن عبوديته لربه هي التي أوصلْته إلى هذه المنزلة.
لذلك - ولله المثل الأعلى - الرجل صاحب الصنعة (أسطى) أو معلم وتحت يده صبيان، يُقرِّب منهم المخلص الذي يُحسن صنعته، ويجيد الخضوع له والطاعة والخدمة، لذلك يختصه بمواهبه، ولا يضِنُّ عليه بخفايا الصَّنْعة ودقائقها، ويعطيه خصوصيات لا يعطيها لغيره.
ومع أنه - عليه السلام - كان مَلِكاً إلا أن ربه مدحه بصفة العبودية نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] ثم بيَّن لنا مَناط المدح بالعبودية، فقال إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: رجَّاع إلى الله إنْ هفت نفسه هفوة أنَّبَ نفسه عليها، ورجع إلى ربه، ويتوب إليه، لذلك يقول تعالى في بيان التوبة: إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ.. [النساء: ١٧].
معنى بِجَهَالَةٍ [النساء: ١٧] يعني: لم يخطط لها ولم يرتب للمعصية، وإذا حدثتْ منه لا يفرح بها ولا يجاهر، بل يحزن ويلوم نفسه فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء: ١٧-١٨].
وضربنا مثلاً لهذين النوعين بطلاب العلم الذين كانوا يسافرون في بعثات علمية إلى فرنسا، فكان منهم المستقيم الملتزم بمنهج الله، لكن تفاجئه إحدى الفتيات المنحرفات ليلاً، وتعرض نفسها عليه، وتظل تغريه حتى يرتكبَ معها الفاحشة، هذا فعلها بجهالة ودون قَصْد أو تدبير، على خلاف الآخر الذي يسعى إلى الفاحشة ويتتبع عناوين أصحابها، وهذا هو الذي يقصد المعصية ويسعى إليها.
وكلمة أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: كثير الأَوْبة والرجوع، فهي صيغة مبالغة بمعنى رجَّاع إلى الحق، فهو لم يفرح بالمعصية، وإنما ندم عليها وتدارك خطأه وصوَّب طريقه، بدليل قوله تعالى بعدها: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١].
العشيّ: ما بعد الظهر إلى المغرب، وعرض عليه مثل العرض العسكري الذي يستعرض فيه القائد جنوده وقواته. ومعنى ٱلصَّافِنَاتُ.. [ص: ٣١] جمع صَافِن، وهو الجَواد العريق الأصيل، وتستطيع أنْ تلاحظ الجواد الأصيلَ من وقفته، فهو لا يقف على أربع، إنما على ثلاث في رشاقة، وكأنه على أُهبة الاستعداد.
ومعنى ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١] جمع: جَوَاد وهو القوي السريع، فلما عُرِضَتْ على سيدنا سليمان الصافناتُ الجيادُ من خَيْلِه وقواته، قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] قالوا: الخير هنا يُرَاد به الخيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وقال: لذلك لما أمرنا ربنا أنْ نستعدَّ لأعداء الدين والمنهج، قال: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ.. [الأنفال: ٦٠] أي: قوة عامة. ثم خَصَّ الخيل، فقال: وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.. [الأنفال: ٦٠].
فلما عُرِضَتْ الخيل على سليمان قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي.. [ص: ٣٢] يعني: حباً ليس للتباهي والخيلاء، كالذين يُربُّون الخيل للمظهر ودخول السباق وذياع الصيت، إنما أحببتها حباً صادراً عن ذِكْر ربي وذكر منهج ربي، الذي أمر بإعداد الخيل والرباط والقوة التي تستطيع أنْ تفرض منهج الله في الأرض.
حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] الفاعل هنا مستتر، والفاعل حين يأتي مستتراً لا بد أنْ يكون له مرجع كما تقول: جاءني رجل فأكرمتهُ يعني: أكرمتُ الرجل المذكور.
وقوله: تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] مشهود في الشمس حين تغيب، فالمعنى حتى توارت الشمس وغابت.
وقالوا: إنه فاتته صلاة العشي لانشغاله باستعراض الخيل، فلما فاتَتْه الصلاة رُدُّوهَا عَلَيَّ.. [ص: ٣٣] أي: الخيل، أرجعوها إليَّ فَطَفِقَ.. [ص: ٣٣] شرع مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ [ص: ٣٣].
يعني: يمسح على سُوق الخيل وأعناقها دلالةً على إكرامها والاهتمام بها، وخصَّ السُّوق والأعناق من الخيل لأنها أكرمُ ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسُّوق أداة الحَمْل والجري، والمعنى أنه سُرَّ منها فمسح بيده على السُّوق والأعناق.
بعض المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يُراد به أنه أراد قَتْلها وذبْحها؛ لأنها أَلْهَتْهُ عن الصلاة، وهذا الكلام أقربُ إلى الإسرائيليات؛ لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب الخيل؟
والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في بني إسرائيل، وكثيراً ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبداً بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أنْ يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئاً من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم.
آية رقم ٣٢
من عجائب السياق القرآني في ذكر داود وسليمان أنهما يشتركان في مسألة واحدة، فلو نظرتَ إلى أول آية ذكرت سيدنا داود تجدها في سورة البقرة في قوله تعالى: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ.. [البقرة: ٢٥١].
وآخر ذكر له هنا في سورة (ص): وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠].
كذلك أول ذِكْر لسيدنا سليمان ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ.. [البقرة: ١٠٢].
وآخر ذكر له في سورة (ص) في قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ [ص: ٣٤].
قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠] الوهْب: عطاءٌ بلا مقابل، فإنْ قُلْتَ: فالإنجاب كله يُعَدُّ بلا مقابل، نعم لكن الخالق سبحانه يهبك ذاتاً، ثم يزيد عليها هبة أخرى هي الصفات التي تتوفر للذات، مثل: الملك والحكمة وغيرها؛ لذلك الذين يطلبون الأشياء على غير مَظانِّها من الأسباب يطلبونها بالهبة، كما في قوله تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ.. [ص: ٣٥].
وقوله تعالى: فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم: ٥-٦].
فسيدنا زكريا حين طلب من الله الولد كان شيخاً كبيراً، وكانت امرأته عاقراً، فالأسباب كلها ليست مُواتية وليست صالحة للإنجاب، لذلك طلبها على سبيل الهبة من الله، لا بالقانون والأسباب. وإنْ كانت الأسبابُ في ذاتها هبةً إلا أنها هبة عامة، لكن ما يلحق الذات من الصفات الخاصة تُعَدُّ هبة خاصة.
وقوله تعالى: نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] نعرف أن نِعْم تُقَالُ للمدح، والمدح هنا بالصفة العقدية، وهي العبودية لله تعالى. وسبق أنْ قلنا: إن كلمة عبد وعبودية كلمة ممقوتة عند الناس ولهم الحق في مَقْتها، لأن العبودية للبشر يأخذ فيها السيدُ خَيْر عبده، لكن العبودية لله تعالى يأخذ العبد من خير سيده، فهذه هي العبودية الحقة التي تُعَدُّ عِزَّاً للعبد ورفعة.
لذلك لما تجلى الحق سبحانه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنعمة الإسراء والمعراج، قال: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] فكأن عبوديته لربه هي التي أوصلْته إلى هذه المنزلة.
لذلك - ولله المثل الأعلى - الرجل صاحب الصنعة (أسطى) أو معلم وتحت يده صبيان، يُقرِّب منهم المخلص الذي يُحسن صنعته، ويجيد الخضوع له والطاعة والخدمة، لذلك يختصه بمواهبه، ولا يضِنُّ عليه بخفايا الصَّنْعة ودقائقها، ويعطيه خصوصيات لا يعطيها لغيره.
ومع أنه - عليه السلام - كان مَلِكاً إلا أن ربه مدحه بصفة العبودية نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] ثم بيَّن لنا مَناط المدح بالعبودية، فقال إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: رجَّاع إلى الله إنْ هفت نفسه هفوة أنَّبَ نفسه عليها، ورجع إلى ربه، ويتوب إليه، لذلك يقول تعالى في بيان التوبة: إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ.. [النساء: ١٧].
معنى بِجَهَالَةٍ [النساء: ١٧] يعني: لم يخطط لها ولم يرتب للمعصية، وإذا حدثتْ منه لا يفرح بها ولا يجاهر، بل يحزن ويلوم نفسه فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء: ١٧-١٨].
وضربنا مثلاً لهذين النوعين بطلاب العلم الذين كانوا يسافرون في بعثات علمية إلى فرنسا، فكان منهم المستقيم الملتزم بمنهج الله، لكن تفاجئه إحدى الفتيات المنحرفات ليلاً، وتعرض نفسها عليه، وتظل تغريه حتى يرتكبَ معها الفاحشة، هذا فعلها بجهالة ودون قَصْد أو تدبير، على خلاف الآخر الذي يسعى إلى الفاحشة ويتتبع عناوين أصحابها، وهذا هو الذي يقصد المعصية ويسعى إليها.
وكلمة أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: كثير الأَوْبة والرجوع، فهي صيغة مبالغة بمعنى رجَّاع إلى الحق، فهو لم يفرح بالمعصية، وإنما ندم عليها وتدارك خطأه وصوَّب طريقه، بدليل قوله تعالى بعدها: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١].
العشيّ: ما بعد الظهر إلى المغرب، وعرض عليه مثل العرض العسكري الذي يستعرض فيه القائد جنوده وقواته. ومعنى ٱلصَّافِنَاتُ.. [ص: ٣١] جمع صَافِن، وهو الجَواد العريق الأصيل، وتستطيع أنْ تلاحظ الجواد الأصيلَ من وقفته، فهو لا يقف على أربع، إنما على ثلاث في رشاقة، وكأنه على أُهبة الاستعداد.
ومعنى ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١] جمع: جَوَاد وهو القوي السريع، فلما عُرِضَتْ على سيدنا سليمان الصافناتُ الجيادُ من خَيْلِه وقواته، قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] قالوا: الخير هنا يُرَاد به الخيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وقال: لذلك لما أمرنا ربنا أنْ نستعدَّ لأعداء الدين والمنهج، قال: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ.. [الأنفال: ٦٠] أي: قوة عامة. ثم خَصَّ الخيل، فقال: وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.. [الأنفال: ٦٠].
فلما عُرِضَتْ الخيل على سليمان قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي.. [ص: ٣٢] يعني: حباً ليس للتباهي والخيلاء، كالذين يُربُّون الخيل للمظهر ودخول السباق وذياع الصيت، إنما أحببتها حباً صادراً عن ذِكْر ربي وذكر منهج ربي، الذي أمر بإعداد الخيل والرباط والقوة التي تستطيع أنْ تفرض منهج الله في الأرض.
حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] الفاعل هنا مستتر، والفاعل حين يأتي مستتراً لا بد أنْ يكون له مرجع كما تقول: جاءني رجل فأكرمتهُ يعني: أكرمتُ الرجل المذكور.
وقوله: تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] مشهود في الشمس حين تغيب، فالمعنى حتى توارت الشمس وغابت.
وقالوا: إنه فاتته صلاة العشي لانشغاله باستعراض الخيل، فلما فاتَتْه الصلاة رُدُّوهَا عَلَيَّ.. [ص: ٣٣] أي: الخيل، أرجعوها إليَّ فَطَفِقَ.. [ص: ٣٣] شرع مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ [ص: ٣٣].
يعني: يمسح على سُوق الخيل وأعناقها دلالةً على إكرامها والاهتمام بها، وخصَّ السُّوق والأعناق من الخيل لأنها أكرمُ ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسُّوق أداة الحَمْل والجري، والمعنى أنه سُرَّ منها فمسح بيده على السُّوق والأعناق.
بعض المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يُراد به أنه أراد قَتْلها وذبْحها؛ لأنها أَلْهَتْهُ عن الصلاة، وهذا الكلام أقربُ إلى الإسرائيليات؛ لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب الخيل؟
والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في بني إسرائيل، وكثيراً ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبداً بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أنْ يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئاً من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم.
وآخر ذكر له هنا في سورة (ص): وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠].
كذلك أول ذِكْر لسيدنا سليمان ورد في سورة البقرة في قوله تعالى: وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ.. [البقرة: ١٠٢].
وآخر ذكر له في سورة (ص) في قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ [ص: ٣٤].
قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. [ص: ٣٠] الوهْب: عطاءٌ بلا مقابل، فإنْ قُلْتَ: فالإنجاب كله يُعَدُّ بلا مقابل، نعم لكن الخالق سبحانه يهبك ذاتاً، ثم يزيد عليها هبة أخرى هي الصفات التي تتوفر للذات، مثل: الملك والحكمة وغيرها؛ لذلك الذين يطلبون الأشياء على غير مَظانِّها من الأسباب يطلبونها بالهبة، كما في قوله تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ.. [ص: ٣٥].
وقوله تعالى: فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً [مريم: ٥-٦].
فسيدنا زكريا حين طلب من الله الولد كان شيخاً كبيراً، وكانت امرأته عاقراً، فالأسباب كلها ليست مُواتية وليست صالحة للإنجاب، لذلك طلبها على سبيل الهبة من الله، لا بالقانون والأسباب. وإنْ كانت الأسبابُ في ذاتها هبةً إلا أنها هبة عامة، لكن ما يلحق الذات من الصفات الخاصة تُعَدُّ هبة خاصة.
وقوله تعالى: نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] نعرف أن نِعْم تُقَالُ للمدح، والمدح هنا بالصفة العقدية، وهي العبودية لله تعالى. وسبق أنْ قلنا: إن كلمة عبد وعبودية كلمة ممقوتة عند الناس ولهم الحق في مَقْتها، لأن العبودية للبشر يأخذ فيها السيدُ خَيْر عبده، لكن العبودية لله تعالى يأخذ العبد من خير سيده، فهذه هي العبودية الحقة التي تُعَدُّ عِزَّاً للعبد ورفعة.
لذلك لما تجلى الحق سبحانه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنعمة الإسراء والمعراج، قال: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] فكأن عبوديته لربه هي التي أوصلْته إلى هذه المنزلة.
لذلك - ولله المثل الأعلى - الرجل صاحب الصنعة (أسطى) أو معلم وتحت يده صبيان، يُقرِّب منهم المخلص الذي يُحسن صنعته، ويجيد الخضوع له والطاعة والخدمة، لذلك يختصه بمواهبه، ولا يضِنُّ عليه بخفايا الصَّنْعة ودقائقها، ويعطيه خصوصيات لا يعطيها لغيره.
ومع أنه - عليه السلام - كان مَلِكاً إلا أن ربه مدحه بصفة العبودية نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. [ص: ٣٠] ثم بيَّن لنا مَناط المدح بالعبودية، فقال إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: رجَّاع إلى الله إنْ هفت نفسه هفوة أنَّبَ نفسه عليها، ورجع إلى ربه، ويتوب إليه، لذلك يقول تعالى في بيان التوبة: إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ.. [النساء: ١٧].
معنى بِجَهَالَةٍ [النساء: ١٧] يعني: لم يخطط لها ولم يرتب للمعصية، وإذا حدثتْ منه لا يفرح بها ولا يجاهر، بل يحزن ويلوم نفسه فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً [النساء: ١٧-١٨].
وضربنا مثلاً لهذين النوعين بطلاب العلم الذين كانوا يسافرون في بعثات علمية إلى فرنسا، فكان منهم المستقيم الملتزم بمنهج الله، لكن تفاجئه إحدى الفتيات المنحرفات ليلاً، وتعرض نفسها عليه، وتظل تغريه حتى يرتكبَ معها الفاحشة، هذا فعلها بجهالة ودون قَصْد أو تدبير، على خلاف الآخر الذي يسعى إلى الفاحشة ويتتبع عناوين أصحابها، وهذا هو الذي يقصد المعصية ويسعى إليها.
وكلمة أَوَّابٌ [ص: ٣٠] يعني: كثير الأَوْبة والرجوع، فهي صيغة مبالغة بمعنى رجَّاع إلى الحق، فهو لم يفرح بالمعصية، وإنما ندم عليها وتدارك خطأه وصوَّب طريقه، بدليل قوله تعالى بعدها: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١].
العشيّ: ما بعد الظهر إلى المغرب، وعرض عليه مثل العرض العسكري الذي يستعرض فيه القائد جنوده وقواته. ومعنى ٱلصَّافِنَاتُ.. [ص: ٣١] جمع صَافِن، وهو الجَواد العريق الأصيل، وتستطيع أنْ تلاحظ الجواد الأصيلَ من وقفته، فهو لا يقف على أربع، إنما على ثلاث في رشاقة، وكأنه على أُهبة الاستعداد.
ومعنى ٱلْجِيَادُ [ص: ٣١] جمع: جَوَاد وهو القوي السريع، فلما عُرِضَتْ على سيدنا سليمان الصافناتُ الجيادُ من خَيْلِه وقواته، قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] قالوا: الخير هنا يُرَاد به الخيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وقال: لذلك لما أمرنا ربنا أنْ نستعدَّ لأعداء الدين والمنهج، قال: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ.. [الأنفال: ٦٠] أي: قوة عامة. ثم خَصَّ الخيل، فقال: وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.. [الأنفال: ٦٠].
فلما عُرِضَتْ الخيل على سليمان قال إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي.. [ص: ٣٢] يعني: حباً ليس للتباهي والخيلاء، كالذين يُربُّون الخيل للمظهر ودخول السباق وذياع الصيت، إنما أحببتها حباً صادراً عن ذِكْر ربي وذكر منهج ربي، الذي أمر بإعداد الخيل والرباط والقوة التي تستطيع أنْ تفرض منهج الله في الأرض.
حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] الفاعل هنا مستتر، والفاعل حين يأتي مستتراً لا بد أنْ يكون له مرجع كما تقول: جاءني رجل فأكرمتهُ يعني: أكرمتُ الرجل المذكور.
وقوله: تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ [ص: ٣٢] مشهود في الشمس حين تغيب، فالمعنى حتى توارت الشمس وغابت.
وقالوا: إنه فاتته صلاة العشي لانشغاله باستعراض الخيل، فلما فاتَتْه الصلاة رُدُّوهَا عَلَيَّ.. [ص: ٣٣] أي: الخيل، أرجعوها إليَّ فَطَفِقَ.. [ص: ٣٣] شرع مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ [ص: ٣٣].
يعني: يمسح على سُوق الخيل وأعناقها دلالةً على إكرامها والاهتمام بها، وخصَّ السُّوق والأعناق من الخيل لأنها أكرمُ ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسُّوق أداة الحَمْل والجري، والمعنى أنه سُرَّ منها فمسح بيده على السُّوق والأعناق.
بعض المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يُراد به أنه أراد قَتْلها وذبْحها؛ لأنها أَلْهَتْهُ عن الصلاة، وهذا الكلام أقربُ إلى الإسرائيليات؛ لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب الخيل؟
والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في بني إسرائيل، وكثيراً ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبداً بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أنْ يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئاً من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم.
آية رقم ٣٣
وقالوا: إنه فاتته صلاة العشي لانشغاله باستعراض الخيل، فلما فاتَتْه الصلاة رُدُّوهَا عَلَيَّ.. أي: الخيل، أرجعوها إليَّ فَطَفِقَ.. شرع مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ
يعني: يمسح على سُوق الخيل وأعناقها دلالةً على إكرامها والاهتمام بها، وخصَّ السُّوق والأعناق من الخيل لأنها أكرمُ ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسُّوق أداة الحَمْل والجري، والمعنى أنه سُرَّ منها فمسح بيده على السُّوق والأعناق.
بعض المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يُراد به أنه أراد قَتْلها وذبْحها؛ لأنها أَلْهَتْهُ عن الصلاة، وهذا الكلام أقربُ إلى الإسرائيليات؛ لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب الخيل؟
والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في بني إسرائيل، وكثيراً ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبداً بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أنْ يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئاً من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم.
يعني: يمسح على سُوق الخيل وأعناقها دلالةً على إكرامها والاهتمام بها، وخصَّ السُّوق والأعناق من الخيل لأنها أكرمُ ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسُّوق أداة الحَمْل والجري، والمعنى أنه سُرَّ منها فمسح بيده على السُّوق والأعناق.
بعض المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يُراد به أنه أراد قَتْلها وذبْحها؛ لأنها أَلْهَتْهُ عن الصلاة، وهذا الكلام أقربُ إلى الإسرائيليات؛ لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب الخيل؟
والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في بني إسرائيل، وكثيراً ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبداً بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أنْ يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئاً من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم.
آية رقم ٣٤
الفتنة معناها الاختبار، والفتنة في ذاتها ليست مكروهة، إنما المكروه أنْ تُخفق فيها وتفشل في خوضها، فماذا عليك لو فتناك. يعني: اختبرناك ونجحتَ في الاختبار؟ وأصل الفتنة من فتنة الذهب لتنقيته، فالذهب منه المخلوط بمواد أخرى، ونريده ذهباً إبريزاً صافياً فماذا نفعل؟ نصهر الذهب في النار ليخرج منه الخبث إلى أن يصير خالصاً نقياً، كذلك تفعل الفتنة بالناس تمحِّصهم لتبين الجيد من الرديء. وقد فتن الله سليمان كما فتن من قَبْل أباه داود - عليهما السلام - في مسألة المحراب.
ومعنى: وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً.. [ص: ٣٤] الكرسي هو العرش الذي يجلس عليه الملك، والجسد هو قالب الكائن الحي. ويقال لهذا القالب (جسد) إذا كان خالياً من الروح، وللمفسرين في هذه الآية عدة أقوال:
قالوا: إن سيدنا داود كان له ولد آخر غير سليمان، إلا أنه كان ولداً فاسداً مثل ولد نوح، فاحتال هذا الولدُ وقام بانقلاب على سليمان، حتى أخذ المُلْكَ منه، وظل مَلِكاً مدة طويلة، فلما أراد الحق سبحانه أنْ يعيد سليمان إلى مُلْكه ألقى هذا الولد الفَاسِد على كرسي عرشه جسداً هامداً لا حركة فيه، يعني: بعد أنْ كان مَلِكاً مُطاعاً مُسيطراً صار لا يسيطر حتى على نفسه وجوارحه. بعد ذلك خرجتْ عليه رعيته فقتلوه، وجاء بعده سليمان.
وقالوا: إن سيدنا سليمان كان لديه جَوَارٍ كثيرات. فقال: سأطوف الليلة على سبعين جارية، وآت من كل واحدة بولد فارس يركب فرسه في سبيل الله، يعني: المسألة كلها كانت في الخير وفي الله، إلا أنه لم يقدم المشيئة ولم يقُلْ: إنْ شاء الله، فلم تَلِدْ منهن إلا جارية واحدة، ولدتْ له جسداً لا حركةَ فيه ولا تصرُّفَ؛ لأن المؤمن مُطالب بأنْ يقدم مشيئة الله إذا عزم على شيء في المستقبل، كما قال سبحانه: وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ.. [الكهف: ٢٣-٢٤].
لأنك حين تقول: سأفعل غداً كذا وكذا، فقد حكمتَ على فعل لا تملك عنصراً واحداً من عناصره، فأنت لا تضمن بقاء نفسك إلى أنْ تفعل، ولا تضمن تغيُّر الأحوال وتغيُّر الأسباب، فحين تعلِّق فعلَك على مشيئة الله إنما تحفظ كرامتك وتبرئ نفسك من الكذب، فقد شئتَ ولكن الله لم يَشَأْ.
ويبدو أن المُلْكَ أغرى سليمان، فداخله شيء من الزَّهْو؛ لأنه متحكم في عوالم الإنس والجن والطير والحيوان ومُطَاع من الكون كله من حوله، لذلك لم يقُلْ إنْ شاء الله، فجازاه الله بذلك.
وقال آخرون: إن سليمان - عليه السلام - أنجب ولداً، وأن الجن أرادتْ به سوءاً؛ لأنها خافت أنْ يفعل بها كما يفعل سليمان، فأرادوا قتله، فما كان من سليمان إلا أنْ رفعه فوق السحاب يرضع من المزْن، فكأنه - عليه السلام - أراد أنْ يفر من قدر الله.
وقالوا: إن الجسد هو سليمان نفسه؛ لأن الإنسان العادي، جعله الله يتحكَّم في جوارح نفسه حين يريد اللهُ ذلك، فيقوم بمجرد أنْ يريد القيام، ويتحرك بمجرد أنْ يريدَ الحركةَ دون أنْ يعرفَ هو نفسه ماذا يجري في أعضائه ومفاصله، فكأن الله تعالى يعطي الإنسان مثلاً في نفسه؛ ليقرب له المسائل المتعلقة بالحق في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.. [الشورى: ١١].
فإذا كنتَ أنت أيها المخلوق تفعل ما تشاء، وتنفعل لك جوارحك وتطاوعك بمجرد الإرادة، ودون أنْ تأمرها بشيء فهل تستبعد هذا في حقِّ الخالق سبحانه، حين يقول: إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
إن الحق سبحانه يقول للشيء: كُنْ. أما أنت فلا تقول: كُنْ وقد أراحك الله منها، وجعل الأعضاء تطاوعك دون أمر منك، لأنك لو أمرتَها ما استجابتْ لك، هي تستجيب للخالق سبحانه، فإذا أراد الخالق سبحانه سَلبك هذه القدرة، فتريد أنْ تحرك يدك فلا تستطيع؛ لينبهك إلى أنها موهوبة لك، ليستْ ذاتية فيك.
الحق سبحانه وهب سيدنا سليمان القدرةَ على السيطرة على جوارح ذاته، ثم عَدَّى هذه القدرة إلى السيطرة على الآخرين من جنسه ومن غير جنسه، وجعل له سيطرةً على الكون كله، ينفعل له ويجاوبه، يعني: المسألةُ كانت استعلاءً في التسلُّط على جنود الله.
ويبدو أن سليمان - عليه السلام - داخله شيء في نفسه، فأراد الحق سبحانه أنْ يلفته إلى أن هذه القدرة ليستْ ذاتية فيك، إنما هي موهوبة لك، أسلبها حين أشاء، فلا تستطيع السيطرة على جوارحك ولا السيطرة على الآخرين، وألقاه الله فترة جسداً على كرسيه لا يقدر على شيء، ولا يأمر بشيء.
فما دامتْ هذه النعمة موهوبةً من الله الذي أعطاك مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدك، فلا بُدَّ أنْ تظل مُتمسِّكاً بحبله، لاجئاً دائماً إلى مَنْ ملَّككَ هذا الملْكَ.
لذلك، يُرْوَى أنه - عليه السلام - ركب مرة البساط، وسارتْ به الريح كما يشاء، وفجأة مال به البساط، وكاد أنْ يُوقعه فأمره أنْ يستوي به. فقال له البساط: أُمِرْنَا أنْ نطيعك ما أطعتَ الله.
إذن: فتناه لأننا مَلَّكناه مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، لكن لا نريد له أنْ يطغى أو يتعالى، والحق سبحانه لا يكذب كلامه، وقد قال سبحانه: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
وسليمان - عليه السلام - إنسان، فأراد الحق سبحانه أنْ يُثبت لنا أن الإنسان تملَّك في جوارحه، وتملَّك فيمن حوله، وتملَّك في جنس آخر غير جنسه، لكن هذا كله ليس ذاتياً فيه، بل هو موهوب له؛ بدليل أن الله سلبه هذا المُلْك في لحظة ما، وألقاه على كُرسيه جسداً لا أمرَ له ولا نهيَ ولا سلطانَ على شيء.
فلما فهم سليمان المسألة آبَ ورجع ثُمَّ أَنَابَ [ص: ٢٤] يعني: رجع إلى ما كان عليه قبل التجربة التي مَرَّ بها.
يعني: رجع وعاد إلى الجسد الذي فيه روح، أو أناب ورجع إلى الله وعرف السبب فالمعنى يحتمل المعنيين: أناب في السبب، أو أناب في المسبب. والجسد هو الجِرْم والهيكل الظاهري الذي لا روحَ فيه، والذي قال الله عنه فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. [الحجر: ٢٩] أي: الجسد، ومنه قوله تعالى في قصة السامري: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ.. [طه: ٨٨] يعني: هيكل العجل وصورته الظاهرية، لكن بدون روح.
فإنْ قَلْتَ: فهل يحدث هذا من الرسل؟ يعني: هل يخطئ الرسول ويُصحِّح له؟ نعم، العيب أنْ يصحح لك المسَاوي لك، إنما ليس عيباً أنْ يصحح لك الأعلى، فماذا فيها إنْ كان الذي يُصحِّح لسليمان ربه عز وجل لا أنت. إذن: من الشرف أنَّ الله يُعدِّل لسليمان، لذلك لما عَدَّلَ الحق سبحانه الحكم لنبيه محمد، فقال: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ.. [التحريم: ١].
وقال: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ [عبس: ١-٢] فهل استنكف رسول الله أنْ يُعدِّل له ربه؟ لا لم يستنكف بدليل أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أبلغ هذا التعديل وأخبرنا به، وأنا لا أخبر إلا بما فيه شَرفٌ لي.
ومعنى: وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً.. [ص: ٣٤] الكرسي هو العرش الذي يجلس عليه الملك، والجسد هو قالب الكائن الحي. ويقال لهذا القالب (جسد) إذا كان خالياً من الروح، وللمفسرين في هذه الآية عدة أقوال:
قالوا: إن سيدنا داود كان له ولد آخر غير سليمان، إلا أنه كان ولداً فاسداً مثل ولد نوح، فاحتال هذا الولدُ وقام بانقلاب على سليمان، حتى أخذ المُلْكَ منه، وظل مَلِكاً مدة طويلة، فلما أراد الحق سبحانه أنْ يعيد سليمان إلى مُلْكه ألقى هذا الولد الفَاسِد على كرسي عرشه جسداً هامداً لا حركة فيه، يعني: بعد أنْ كان مَلِكاً مُطاعاً مُسيطراً صار لا يسيطر حتى على نفسه وجوارحه. بعد ذلك خرجتْ عليه رعيته فقتلوه، وجاء بعده سليمان.
وقالوا: إن سيدنا سليمان كان لديه جَوَارٍ كثيرات. فقال: سأطوف الليلة على سبعين جارية، وآت من كل واحدة بولد فارس يركب فرسه في سبيل الله، يعني: المسألة كلها كانت في الخير وفي الله، إلا أنه لم يقدم المشيئة ولم يقُلْ: إنْ شاء الله، فلم تَلِدْ منهن إلا جارية واحدة، ولدتْ له جسداً لا حركةَ فيه ولا تصرُّفَ؛ لأن المؤمن مُطالب بأنْ يقدم مشيئة الله إذا عزم على شيء في المستقبل، كما قال سبحانه: وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ.. [الكهف: ٢٣-٢٤].
لأنك حين تقول: سأفعل غداً كذا وكذا، فقد حكمتَ على فعل لا تملك عنصراً واحداً من عناصره، فأنت لا تضمن بقاء نفسك إلى أنْ تفعل، ولا تضمن تغيُّر الأحوال وتغيُّر الأسباب، فحين تعلِّق فعلَك على مشيئة الله إنما تحفظ كرامتك وتبرئ نفسك من الكذب، فقد شئتَ ولكن الله لم يَشَأْ.
ويبدو أن المُلْكَ أغرى سليمان، فداخله شيء من الزَّهْو؛ لأنه متحكم في عوالم الإنس والجن والطير والحيوان ومُطَاع من الكون كله من حوله، لذلك لم يقُلْ إنْ شاء الله، فجازاه الله بذلك.
وقال آخرون: إن سليمان - عليه السلام - أنجب ولداً، وأن الجن أرادتْ به سوءاً؛ لأنها خافت أنْ يفعل بها كما يفعل سليمان، فأرادوا قتله، فما كان من سليمان إلا أنْ رفعه فوق السحاب يرضع من المزْن، فكأنه - عليه السلام - أراد أنْ يفر من قدر الله.
وقالوا: إن الجسد هو سليمان نفسه؛ لأن الإنسان العادي، جعله الله يتحكَّم في جوارح نفسه حين يريد اللهُ ذلك، فيقوم بمجرد أنْ يريد القيام، ويتحرك بمجرد أنْ يريدَ الحركةَ دون أنْ يعرفَ هو نفسه ماذا يجري في أعضائه ومفاصله، فكأن الله تعالى يعطي الإنسان مثلاً في نفسه؛ ليقرب له المسائل المتعلقة بالحق في إطار لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.. [الشورى: ١١].
فإذا كنتَ أنت أيها المخلوق تفعل ما تشاء، وتنفعل لك جوارحك وتطاوعك بمجرد الإرادة، ودون أنْ تأمرها بشيء فهل تستبعد هذا في حقِّ الخالق سبحانه، حين يقول: إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [يس: ٨٢].
إن الحق سبحانه يقول للشيء: كُنْ. أما أنت فلا تقول: كُنْ وقد أراحك الله منها، وجعل الأعضاء تطاوعك دون أمر منك، لأنك لو أمرتَها ما استجابتْ لك، هي تستجيب للخالق سبحانه، فإذا أراد الخالق سبحانه سَلبك هذه القدرة، فتريد أنْ تحرك يدك فلا تستطيع؛ لينبهك إلى أنها موهوبة لك، ليستْ ذاتية فيك.
الحق سبحانه وهب سيدنا سليمان القدرةَ على السيطرة على جوارح ذاته، ثم عَدَّى هذه القدرة إلى السيطرة على الآخرين من جنسه ومن غير جنسه، وجعل له سيطرةً على الكون كله، ينفعل له ويجاوبه، يعني: المسألةُ كانت استعلاءً في التسلُّط على جنود الله.
ويبدو أن سليمان - عليه السلام - داخله شيء في نفسه، فأراد الحق سبحانه أنْ يلفته إلى أن هذه القدرة ليستْ ذاتية فيك، إنما هي موهوبة لك، أسلبها حين أشاء، فلا تستطيع السيطرة على جوارحك ولا السيطرة على الآخرين، وألقاه الله فترة جسداً على كرسيه لا يقدر على شيء، ولا يأمر بشيء.
فما دامتْ هذه النعمة موهوبةً من الله الذي أعطاك مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدك، فلا بُدَّ أنْ تظل مُتمسِّكاً بحبله، لاجئاً دائماً إلى مَنْ ملَّككَ هذا الملْكَ.
لذلك، يُرْوَى أنه - عليه السلام - ركب مرة البساط، وسارتْ به الريح كما يشاء، وفجأة مال به البساط، وكاد أنْ يُوقعه فأمره أنْ يستوي به. فقال له البساط: أُمِرْنَا أنْ نطيعك ما أطعتَ الله.
إذن: فتناه لأننا مَلَّكناه مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، لكن لا نريد له أنْ يطغى أو يتعالى، والحق سبحانه لا يكذب كلامه، وقد قال سبحانه: كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ [العلق: ٦-٧].
وسليمان - عليه السلام - إنسان، فأراد الحق سبحانه أنْ يُثبت لنا أن الإنسان تملَّك في جوارحه، وتملَّك فيمن حوله، وتملَّك في جنس آخر غير جنسه، لكن هذا كله ليس ذاتياً فيه، بل هو موهوب له؛ بدليل أن الله سلبه هذا المُلْك في لحظة ما، وألقاه على كُرسيه جسداً لا أمرَ له ولا نهيَ ولا سلطانَ على شيء.
فلما فهم سليمان المسألة آبَ ورجع ثُمَّ أَنَابَ [ص: ٢٤] يعني: رجع إلى ما كان عليه قبل التجربة التي مَرَّ بها.
يعني: رجع وعاد إلى الجسد الذي فيه روح، أو أناب ورجع إلى الله وعرف السبب فالمعنى يحتمل المعنيين: أناب في السبب، أو أناب في المسبب. والجسد هو الجِرْم والهيكل الظاهري الذي لا روحَ فيه، والذي قال الله عنه فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. [الحجر: ٢٩] أي: الجسد، ومنه قوله تعالى في قصة السامري: فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ.. [طه: ٨٨] يعني: هيكل العجل وصورته الظاهرية، لكن بدون روح.
فإنْ قَلْتَ: فهل يحدث هذا من الرسل؟ يعني: هل يخطئ الرسول ويُصحِّح له؟ نعم، العيب أنْ يصحح لك المسَاوي لك، إنما ليس عيباً أنْ يصحح لك الأعلى، فماذا فيها إنْ كان الذي يُصحِّح لسليمان ربه عز وجل لا أنت. إذن: من الشرف أنَّ الله يُعدِّل لسليمان، لذلك لما عَدَّلَ الحق سبحانه الحكم لنبيه محمد، فقال: يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ.. [التحريم: ١].
وقال: عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ [عبس: ١-٢] فهل استنكف رسول الله أنْ يُعدِّل له ربه؟ لا لم يستنكف بدليل أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أبلغ هذا التعديل وأخبرنا به، وأنا لا أخبر إلا بما فيه شَرفٌ لي.
آية رقم ٣٥
هذه الآية تعطينا لقطةً من لقطات قصة سيدنا سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولسيدنا سليمان في قَصَصه لقطات متعددة، كل لقطة تمثل عبرةً من العبر، وعظةً من العظات، وموقفاً من مواقف سيدنا سليمان في أمر دعوته. وأول لقطة في القصة مع أبيه داود - عليه السلام - حينما حكم في الحرث أي: الزرع، وكان الزرع لرجل فجاءت غنم رجل آخر فأكلت الزرع، وقد حكى لنا الحق سبحانه قصة الحكم الذي حكمه داود، والأمر الذي انتهى إليه الحكم من استدراك على حكم داود من كلام ولده سليمان.
وصوَّبَ الله الحكمين، وقال سبحانه: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً.. [الأنبياء: ٧٨-٧٩].
معنى: نَفَشَتْ فِيهِ.. [الأنبياء: ٧٨] يعني: انتشرت فيه الغنم وأكلته، فلمَّا عُرِض الأمر على داود قضى بأنْ يأخذَ صاحبُ الزرع الغنَم.
فلما علم سليمان بهذا الحكم ردَّه. وقال: بل نعطي الأرض لصاحب الغنم ليزرعها حتى تعود كما كانت، ونعطي الغنم لصاحب الأرض يستفيد منها، ثم يعود كل حقٍّ إلى صاحبه، فكأن الله تعالى ألهم سليمان صحة الحكم ليستدرك على أبيه داود، فانظر كيف كانت قداسة كلمة السماء مع كلمة أهل الأرض، وبعد ذلك صوَّب الله تعالى الحكمين، وقال وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً.. [الأنبياء: ٧٩].
إذن: فاستدراك هيئة تحكم على هيئة حكمت ليس عيباً في الأولى، وإنما هذا فهم فَهْماً حكم بمقتضاه، وذلك فَهم فَهْماً آخر حكم بمقتضاه، لذلك نجد في المحاكم الحكم الابتدائي والاستئنافي، وبعد ذلك حكم النقض، فهل حكم الاستئناف يطعن في الحكم الابتدائي، أو حكم النقض يطعن في حكم الاستئناف؟ لا، لأن الحكم الأعلى يراعي شيئاً فاتَ صاحب الحكم الأدنى، فلا غضاضةَ في هذا.
ونحن حين نستعرض القصة نجد المفسرين لم يُظهروا لنا حجة داود في الحكم الذي قضى به، ولا حجة سليمان في الحكم الذي قضى به، وبالاستقراء. قلنا: الزرع قديماً لم يكُنْ في أرض محكرة مملوكة للناس، إنما كانت الأرض على المشاع، ففي أي مكان تبذر الحب وتسقيه السماء حتى يثمر فتأخذه ثمره دون أنْ تمتلك أرضه، يعني: من سبق إلى أيِّ حقل زرعه.
إذن: الملكية كانت للزرع فحسب لا للأرض، فعلى هذا قام حكم سيدنا داود، وما دامت الأرض ليست مملوكة لصاحب الزرع فالمسألة زرع وغنم. أما سيدنا سليمان فرأى أن الزرع يمثل كما نقول وَضْع يد على الأرض، ووَضع اليد يبيح الملكية، فأبقى لصاحب الملك ملكه في الأرض، فحكم بأنْ يأخذ صاحبُ الأرض الغنم ينتفع بها وأن يأخذ صاحب الغنم الأرض يزرعها إلى أنْ تعود كما كانت، ثم يأخذ كل منهما ماله.
إذن: كان لكل منهما مَلْحظ، وبناءً عليه حكم لذلك؛ فقال تعالى في حقهما: وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً.. [الأنبياء: ٧٩].
اللقطة الأخرى هي الفتنة التي وقعتْ لسيدنا سليمان، وقلنا: إن الأصل في كلمة الفتنة هي صَهْر المعدن وإحراقه في النار ليخرج منه الخَبَث والشوائب، فيصير نقياً وتزداد صلابته، ثم أُطْلِقَتْ الفتنة على مطلق الامتحان الذي يُميِّز الجيد من الرديء في البشر، فهي بمعنى الابتلاء.
ولو نظرتَ إلى الفتنة لوجدتها شائعة في خَلْق الله جميعاً، فكل واحد من الخَلْق فاتن ومفتون، بمعنى أن الغني فتنة للفقير، والفقير فتنة وابتلاء للغني، فالغني يُبتلَى بالفقير، أيضنّ عليه بالنعمة أم يعطيه منها؟ أيحتقره لفقره أم يحترم قدر الله فيه؟
كذلك يبتلي الفقير بالغني، أيحسده لغناه ويعترض على قدر الله بالفقر؟ أم يصبر ويتمنى الزيادة لغيره. كذلك الحال في القوي والضعيف، وفي الصحيح والسقيم، وفي الجاهل والمتعلم.. إلخ، إذن: كلٌّ مِنَّا فاتنٌ ومفتون، المهم مَنْ يفوز، ومن ينجح في هذا الابتلاء؟
وهذا المعنى أوضحه الحق سبحانه في قوله تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً.. [الفرقان: ٢٠] قالوا: كلمة بعض هنا ليستْ تحديداً لشخص بعينه، إنما هي جزء من كل متساو، لكن مُبْهم فيه، كما في قوله تعالى: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً.. [الزخرف: ٣٢].
فأيُّنا مرفوع وأيُّنا مرفوع عليه؟ قالوا: كل منَّا مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، فالناس كلهم إذن سواء، أنت لك مجال تجيده وتبدع فيه، فأنت مرفوع في هذا المجال، ولك مجال آخر لا تجيده ولا تعرف فيه شيئاً، فغيرك مرفوع عليك فيه، لأنه يُجيد ما لا تجيده أنت.
وهذه المسألة تأتي من استطراق المواهب في الخَلْق، لأنهم جميعاً عباد الله، وليس منهم مَنْ هو ابن الله، ولا مَنْ بينه وبين الله قرابة أو نسب، لذلك نثر الحق سبحانه فضله على عباده جميعاً، ووزّع بينهم المواهب بالتساوي؛ لأن الله تعالى لو جعل إنساناً مجمعَ خير وفضائل ما احتاجَ أحدٌ إلى أحد.
والله يريد للعباد أن تتشابك أيديهم، وأنْ يتعاونوا في حركة الحياة، فالقوي يحتاج للضعيف، والضعيف يحتاج للقوي، العَالِم يحتاج للجاهل، والجاهل يحتاج للمتعلم. وهكذا يرتبط الناس ارتباطَ حاجةٍ، لا ارتباطَ تفضُّل.
وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بالباشا أو العظيم الذي يعود من عمله، فيجد مجاري البيت مسدودة، ويشم في بيته رائحة كريهة، فيسرع إلى عامل المجاري لينقذ الموقف، وربما ركب سيارته وذهب إليه في مكان عمله، بل وترجاه أنْ يأتي معه، فالعامل في هذه الحالة مرفوع، والباشا مرفوع عليه.
وأذكر زمان عندنا في ميت غمر في (بورصة) مقهى اسمها (باباه)، العمال هناك عملوا ثورة وقالوا: لا يصح أن العامل يخدم غيره، ولا يصح أنْ يمسح أحذية الخَلْق، لماذا يا ناس؟ قالوا: لأن في ذلك مهانةً ومَذَلةً فقلنا لهم: إذن نمسح نحن لأنفسنا، وفعلاً عملنا إضراباً واشترى كل منا علبة ورنيش، وصار يمسح الحذاء لنفسه، وبعد فترة جاء هؤلاء إلى البورصة وضَجُّوا من البطالة وقِلَّة الرزق، وراحوا يرجُونَ الناس العودة إلى ما كانوا عليه.
بعدها ناقشناهم. وقال بعض الإخوان لأحدهم: بالله أنت حين تسألني سؤالاً وأجيبك عليه: هل آخذ منك جُعْلاً على الإجابة؟ قال: لا، لو عرفت كم كلفني هذا الجواب من عمري وجدِّي واجتهادي، ومن تعب أهلي في تربيتي لعرفت أنني كنتُ أيامها مُسخَّراً لك كما أنك مُسخَّر لي الآن، لكنكم نظرتُمْ لنا في وقت راحتنا، ونظرتم إلى أنفسكم وقت عملكم، إذن: القسمة متساوية وكُلٌّ منا مُسخَّر للآخر، والمسألة ليس فيها إهانة ولا مَذلَّة، بل هو التكامل في حركة الحياة.
لذلك قال الحق سبحانه بعدها: أَتَصْبِرُونَ.. [الفرقان: ٢٠] يعني: أتصبرون على فتنة بعضكم ببعض، حتى الرسل فُتِنوا بالكفار يؤذونهم ويضطهدونهم، وفُتِن الكفار بالرسل.
إذن: من النعم أن الله تعالى وزَّعَ المواهب في الكون كله، ووزَّع فضله على الخَلْق فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ.. [النحل: ٧١].
نعود إلى سيدنا سليمان ونقول: ما يدرينا أن الملْك والنبوة معاً أغرت سليمان، فوجد في نفسه شيئاً من ذلك، فأراد الله أنْ يُصحح له خواطره في نفسه، لأنه يريده لمهمة أعلى مما هو فيه الآن؛ لذلك مَرَّ بهذه التجربة، ووجد نفسه على كرسيه جسداً لا يستطيع الحركة.
لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائماً مُؤدَّباً مع ربه ومع الخَلْق، فقد قال صلى الله عليه وسلم: معنى هذا أن الأنبياء يمكن أنْ يخالطهم شيء، وأنهم يمكن أنْ يُبْتَلُوا، لكن ممن يكون الابتلاء من الله الذي أرسلهم، والابتلاء يكون تصحيحاً لمسار المبتلَى، وليس كرهاً له لا سمحَ الله. كذلك ابتلى اللهُ سيدنا سليمان، لأنه يعده لأمر أسمى من هذا، هو ملْك في ظاهر الملك، إنما ربه يريد أن يُعدِّه ليعطيه شيئاً من الملكوت.
لما عاد سليمان - عليه السلام - وأناب إلى ربه، قال رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ [ص: ٣٥] يعني: استغفر ربه مما وقع فيه من الغرور. يعني: ربِّ اغفر لي ما سبَّب أن تجعلني جسداً. وكأنه قال: يا رب، لقد ابتليتني بالملك والنبوة، وهذه مسألة لم تحدث لأحد من قبلي فاغتررت بها، فهَبْ لي مُلْكاً أعظم منه لا ينبغي لأحد من بعدي وسوف أوفي هذه المرة ولن أغتر، وكأنه يقول لربه: يا ربّ جربني وأعطني فرصة أخرى، فلما دعا سليمان هذا الدعاء أجابه ربه وأعطاه ما طلب.
لذلك احترم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة أخيه سليمان، فقد ورد في الحديث الشريفومعنى ٱلْوَهَّابُ [ص: ٣٥] صيغة مبالغة، تدل على كثرة الوهب وقلنا: الهبة عطاء بلا مقابل، والمعنى أن من ضمن ما تهبه يا رب الملك، وهذا يعني أن الملْك لا يناله أحد بمجهوده ومهارته، إنما هو هبة من الله، فالله هو الذي يهَبُ الملْك ووهبه حتى للكافر الذي حَاجّ إبراهيم في ربه، كما قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ.. [البقرة: ٢٥٨].
وقال سبحانه: قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ.. [آل عمران: ٢٦].
وصوَّبَ الله الحكمين، وقال سبحانه: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً.. [الأنبياء: ٧٨-٧٩].
معنى: نَفَشَتْ فِيهِ.. [الأنبياء: ٧٨] يعني: انتشرت فيه الغنم وأكلته، فلمَّا عُرِض الأمر على داود قضى بأنْ يأخذَ صاحبُ الزرع الغنَم.
فلما علم سليمان بهذا الحكم ردَّه. وقال: بل نعطي الأرض لصاحب الغنم ليزرعها حتى تعود كما كانت، ونعطي الغنم لصاحب الأرض يستفيد منها، ثم يعود كل حقٍّ إلى صاحبه، فكأن الله تعالى ألهم سليمان صحة الحكم ليستدرك على أبيه داود، فانظر كيف كانت قداسة كلمة السماء مع كلمة أهل الأرض، وبعد ذلك صوَّب الله تعالى الحكمين، وقال وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً.. [الأنبياء: ٧٩].
إذن: فاستدراك هيئة تحكم على هيئة حكمت ليس عيباً في الأولى، وإنما هذا فهم فَهْماً حكم بمقتضاه، وذلك فَهم فَهْماً آخر حكم بمقتضاه، لذلك نجد في المحاكم الحكم الابتدائي والاستئنافي، وبعد ذلك حكم النقض، فهل حكم الاستئناف يطعن في الحكم الابتدائي، أو حكم النقض يطعن في حكم الاستئناف؟ لا، لأن الحكم الأعلى يراعي شيئاً فاتَ صاحب الحكم الأدنى، فلا غضاضةَ في هذا.
ونحن حين نستعرض القصة نجد المفسرين لم يُظهروا لنا حجة داود في الحكم الذي قضى به، ولا حجة سليمان في الحكم الذي قضى به، وبالاستقراء. قلنا: الزرع قديماً لم يكُنْ في أرض محكرة مملوكة للناس، إنما كانت الأرض على المشاع، ففي أي مكان تبذر الحب وتسقيه السماء حتى يثمر فتأخذه ثمره دون أنْ تمتلك أرضه، يعني: من سبق إلى أيِّ حقل زرعه.
إذن: الملكية كانت للزرع فحسب لا للأرض، فعلى هذا قام حكم سيدنا داود، وما دامت الأرض ليست مملوكة لصاحب الزرع فالمسألة زرع وغنم. أما سيدنا سليمان فرأى أن الزرع يمثل كما نقول وَضْع يد على الأرض، ووَضع اليد يبيح الملكية، فأبقى لصاحب الملك ملكه في الأرض، فحكم بأنْ يأخذ صاحبُ الأرض الغنم ينتفع بها وأن يأخذ صاحب الغنم الأرض يزرعها إلى أنْ تعود كما كانت، ثم يأخذ كل منهما ماله.
إذن: كان لكل منهما مَلْحظ، وبناءً عليه حكم لذلك؛ فقال تعالى في حقهما: وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً.. [الأنبياء: ٧٩].
اللقطة الأخرى هي الفتنة التي وقعتْ لسيدنا سليمان، وقلنا: إن الأصل في كلمة الفتنة هي صَهْر المعدن وإحراقه في النار ليخرج منه الخَبَث والشوائب، فيصير نقياً وتزداد صلابته، ثم أُطْلِقَتْ الفتنة على مطلق الامتحان الذي يُميِّز الجيد من الرديء في البشر، فهي بمعنى الابتلاء.
ولو نظرتَ إلى الفتنة لوجدتها شائعة في خَلْق الله جميعاً، فكل واحد من الخَلْق فاتن ومفتون، بمعنى أن الغني فتنة للفقير، والفقير فتنة وابتلاء للغني، فالغني يُبتلَى بالفقير، أيضنّ عليه بالنعمة أم يعطيه منها؟ أيحتقره لفقره أم يحترم قدر الله فيه؟
كذلك يبتلي الفقير بالغني، أيحسده لغناه ويعترض على قدر الله بالفقر؟ أم يصبر ويتمنى الزيادة لغيره. كذلك الحال في القوي والضعيف، وفي الصحيح والسقيم، وفي الجاهل والمتعلم.. إلخ، إذن: كلٌّ مِنَّا فاتنٌ ومفتون، المهم مَنْ يفوز، ومن ينجح في هذا الابتلاء؟
وهذا المعنى أوضحه الحق سبحانه في قوله تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً.. [الفرقان: ٢٠] قالوا: كلمة بعض هنا ليستْ تحديداً لشخص بعينه، إنما هي جزء من كل متساو، لكن مُبْهم فيه، كما في قوله تعالى: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً.. [الزخرف: ٣٢].
فأيُّنا مرفوع وأيُّنا مرفوع عليه؟ قالوا: كل منَّا مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، فالناس كلهم إذن سواء، أنت لك مجال تجيده وتبدع فيه، فأنت مرفوع في هذا المجال، ولك مجال آخر لا تجيده ولا تعرف فيه شيئاً، فغيرك مرفوع عليك فيه، لأنه يُجيد ما لا تجيده أنت.
وهذه المسألة تأتي من استطراق المواهب في الخَلْق، لأنهم جميعاً عباد الله، وليس منهم مَنْ هو ابن الله، ولا مَنْ بينه وبين الله قرابة أو نسب، لذلك نثر الحق سبحانه فضله على عباده جميعاً، ووزّع بينهم المواهب بالتساوي؛ لأن الله تعالى لو جعل إنساناً مجمعَ خير وفضائل ما احتاجَ أحدٌ إلى أحد.
والله يريد للعباد أن تتشابك أيديهم، وأنْ يتعاونوا في حركة الحياة، فالقوي يحتاج للضعيف، والضعيف يحتاج للقوي، العَالِم يحتاج للجاهل، والجاهل يحتاج للمتعلم. وهكذا يرتبط الناس ارتباطَ حاجةٍ، لا ارتباطَ تفضُّل.
وسبق أنْ أوضحنا هذه المسألة بالباشا أو العظيم الذي يعود من عمله، فيجد مجاري البيت مسدودة، ويشم في بيته رائحة كريهة، فيسرع إلى عامل المجاري لينقذ الموقف، وربما ركب سيارته وذهب إليه في مكان عمله، بل وترجاه أنْ يأتي معه، فالعامل في هذه الحالة مرفوع، والباشا مرفوع عليه.
وأذكر زمان عندنا في ميت غمر في (بورصة) مقهى اسمها (باباه)، العمال هناك عملوا ثورة وقالوا: لا يصح أن العامل يخدم غيره، ولا يصح أنْ يمسح أحذية الخَلْق، لماذا يا ناس؟ قالوا: لأن في ذلك مهانةً ومَذَلةً فقلنا لهم: إذن نمسح نحن لأنفسنا، وفعلاً عملنا إضراباً واشترى كل منا علبة ورنيش، وصار يمسح الحذاء لنفسه، وبعد فترة جاء هؤلاء إلى البورصة وضَجُّوا من البطالة وقِلَّة الرزق، وراحوا يرجُونَ الناس العودة إلى ما كانوا عليه.
بعدها ناقشناهم. وقال بعض الإخوان لأحدهم: بالله أنت حين تسألني سؤالاً وأجيبك عليه: هل آخذ منك جُعْلاً على الإجابة؟ قال: لا، لو عرفت كم كلفني هذا الجواب من عمري وجدِّي واجتهادي، ومن تعب أهلي في تربيتي لعرفت أنني كنتُ أيامها مُسخَّراً لك كما أنك مُسخَّر لي الآن، لكنكم نظرتُمْ لنا في وقت راحتنا، ونظرتم إلى أنفسكم وقت عملكم، إذن: القسمة متساوية وكُلٌّ منا مُسخَّر للآخر، والمسألة ليس فيها إهانة ولا مَذلَّة، بل هو التكامل في حركة الحياة.
لذلك قال الحق سبحانه بعدها: أَتَصْبِرُونَ.. [الفرقان: ٢٠] يعني: أتصبرون على فتنة بعضكم ببعض، حتى الرسل فُتِنوا بالكفار يؤذونهم ويضطهدونهم، وفُتِن الكفار بالرسل.
إذن: من النعم أن الله تعالى وزَّعَ المواهب في الكون كله، ووزَّع فضله على الخَلْق فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ.. [النحل: ٧١].
نعود إلى سيدنا سليمان ونقول: ما يدرينا أن الملْك والنبوة معاً أغرت سليمان، فوجد في نفسه شيئاً من ذلك، فأراد الله أنْ يُصحح له خواطره في نفسه، لأنه يريده لمهمة أعلى مما هو فيه الآن؛ لذلك مَرَّ بهذه التجربة، ووجد نفسه على كرسيه جسداً لا يستطيع الحركة.
لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائماً مُؤدَّباً مع ربه ومع الخَلْق، فقد قال صلى الله عليه وسلم: معنى هذا أن الأنبياء يمكن أنْ يخالطهم شيء، وأنهم يمكن أنْ يُبْتَلُوا، لكن ممن يكون الابتلاء من الله الذي أرسلهم، والابتلاء يكون تصحيحاً لمسار المبتلَى، وليس كرهاً له لا سمحَ الله. كذلك ابتلى اللهُ سيدنا سليمان، لأنه يعده لأمر أسمى من هذا، هو ملْك في ظاهر الملك، إنما ربه يريد أن يُعدِّه ليعطيه شيئاً من الملكوت.
لما عاد سليمان - عليه السلام - وأناب إلى ربه، قال رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ [ص: ٣٥] يعني: استغفر ربه مما وقع فيه من الغرور. يعني: ربِّ اغفر لي ما سبَّب أن تجعلني جسداً. وكأنه قال: يا رب، لقد ابتليتني بالملك والنبوة، وهذه مسألة لم تحدث لأحد من قبلي فاغتررت بها، فهَبْ لي مُلْكاً أعظم منه لا ينبغي لأحد من بعدي وسوف أوفي هذه المرة ولن أغتر، وكأنه يقول لربه: يا ربّ جربني وأعطني فرصة أخرى، فلما دعا سليمان هذا الدعاء أجابه ربه وأعطاه ما طلب.
لذلك احترم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة أخيه سليمان، فقد ورد في الحديث الشريفومعنى ٱلْوَهَّابُ [ص: ٣٥] صيغة مبالغة، تدل على كثرة الوهب وقلنا: الهبة عطاء بلا مقابل، والمعنى أن من ضمن ما تهبه يا رب الملك، وهذا يعني أن الملْك لا يناله أحد بمجهوده ومهارته، إنما هو هبة من الله، فالله هو الذي يهَبُ الملْك ووهبه حتى للكافر الذي حَاجّ إبراهيم في ربه، كما قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ.. [البقرة: ٢٥٨].
وقال سبحانه: قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ.. [آل عمران: ٢٦].
آية رقم ٣٦
قال سبحانه: فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ.. [ص: ٣٦] وكان تسخير الريح لسليمان أول نعمة أضيفتْ إلى ملكه لم تكُنْ موجودة من قبل، ومعنى رُخَآءً.. [ص: ٣٦] أي: لينة ناعمة كالمطية التي تمشي براكبها مَشْياً هادئاً لا تزعجه ولا توقعه. إلا أن بعض المفسرين قالوا إن كلمة رخاء تتعارض مع قوله تعالى في نفس القصة: ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً.. [الأنبياء: ٨١] ونقول: هي بالفعل عاصفة، لكن في موقف آخر؛ لأن الريح في القصة لها عدة استعمالات، فالريح إنْ كانت تحمله للنزهة فهي رُخاء لينة، وإنْ كانت لحمل الأشياء فهي عاصفة، إذن: فالجهة في الوصف مُنفكَّة.
وقلنا: إن الريح إنْ جاءت هكذا مفردة فهي للعذاب، كما في قوله تعالى: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١-٤٢] فإنْ كانت جَمْعاً فهي للخير كما في: وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ.. [الحجر: ٢٢].
ومعلوم أن الهواء هو الذي يحفظ توازن الأشياء، بدليل أننا لو فرَّغْنَا الهواء من جهة من جهات عمارة مثلاً، فإنها تنهار في نفس الجهة، لأن الهواء هو الذي يسندها ويحفظ توازنها. فإذا أراد الله تعالى أن يدمر بالريح أتى به من جهة واحدة. فكأن الحق سبحانه يقول: الريح المفروض أنه لا يأتي إلا في العذاب والنقمة، لكن سخرته لسليمان بحيث لا يأتي معه إلا بالخير فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦].
وقوله: حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦] حيث قصد وأنّى ذهب.
وهذا يعني أن سليمان خاطب الريح التي لا لغةَ لها لكن فهمه الله، فكأنه أصبح آمراً والريح مأمورة، إذن: فهمتْ عنه الريح، فالحق سبحانه جعل لكل جنس من الأجناس لغته التي يتخاطب بها في بني جنسه، فإذا فَهَّم الله إنساناً هذه اللغة فهمها وتخاطب بها مع هذه الأجناس.
ومن ذلك قوله تعالى: عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ.. [النمل: ١٦].
لذلك حدثونا عن التماسيح في أعالي النيل، وعن الانسجام والتكامل بينها وبين الطيور التي تتغذَّى على الفضلات التي بين أسنان التمساح، فالتمساح بعد تناول طعامه يخرج إلى اليابسة ثم يفتح فمه، فيأتي الطير وينقر ما بين أسنان التمساح فينظفها له، فإذا أحسَّ الطير بقدوم الصياد صوّت صوتاً خاصاً يعرفه التمساح، فيسرع إلى الماء وينجو من الصياد، وهكذا يكون التمساح مُقوِّمَ حياة للطير، والطير مُبقى حياة بالنسبة للتمساح، فتأمل الجزاء الأوْفى، كيف يوجد في عالم الطير والحيوان؟
ولا يصل إلى مرتبة الفهم عن الطير والحيوان إلا مَنْ أعطاه الله هذه الخصوصية، وقد أعطى الله هذه الخصوصية لسيدنا سليمان، ففهم لغة الطير ولغة النمل: قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ [النمل: ١٨-١٩].
إذن: فهم عنها سليمان، وأحسَّ أن هذه نعمة اختصَّه الله بها وتستوجب الشكر، كذلك فهم عن الهدهد وخاطبه ودار بينهما حوار، وقصة الهدهد مع سليمان تدلنا على أن كلّ مَنْ يلي أمراً عليه أن يتابعه متابعةً، يعرف بها الملتزم من غير الملتزم.
ولولا أن سليمان تفقَّد الطير ما عرف بغياب الهدهد. وقوله: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] كأنه تصوَّر أن الهدهد موجود، لكن المانع عنده هو أنْ يراه؛ لذلك قال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠] لأنه نظر فلم يَرَهُ، ثم جاء الهدهد وقال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٢-٢٣].
والذي أثَّر في نفسه أن تعبد هي وقومها الشمسَ من دون الله وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ [النمل: ٢٤].
وهذه اللقطة من القصة تعلمنا أن الذي يلي أمراً لا يرد مَنْ وُلِّيَ عليه في أمر يشير به، بل ينتظر حتى يسمع منه، ويحترم رأيه لا يصادره، ونتعلم أيضاً أن الهدهد كان يعلم قضية التوحيد وقضية الإيمان بالله.
ثم يُعلِّمنا الهدهد أن كل إنسان عليه أنْ يحافظ على مُقوِّم حياته، وأنْ يظل دائماً على باله إنْ أراد أنْ يعيش عيشةً كريمة، فمُقوِّم الحياة هو الأَوْلَى قبل التخطيط ورسم الأهداف، نفهم هذا من قول الهدهد: أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: ٢٥].
لكن لماذا خَصَّ الخبأ، وهو المخبوء تحت الأرض؟ قالوا: لأن غالب غذاء الهدهد مما خُبئ في الأرض، لذلك جعل الله له منقاراً طويلاً ينقر به الأرض، ويُخرِج به غذاءه.
وقوله تعالى: وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧] أي: وسخَّرنا أيضاً له الشياطين، منهم البنَّاء وهو الذي يعمل ويجهد طاقته في يابسة الأرض ويعمرها. والغواص مَنْ يجهد طاقته في البحر ليخرج نفائسه وَآخَرِينَ.. [ص: ٣٨] أي: من الشياطين مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ [ص: ٣٨] أي: مقيدين ومكبَّلين بالسلاسل. والأصفاد جمع: صفد وهو السلسلة.
فهؤلاء مقيدون ليسوا مُطلقين كالبنَّاء والغوَّاص، لكن لماذا قيَّد اللهُ هؤلاء، وأطلق هؤلاء؟ قالوا: لأن منهم الصالحين الطائعين، ومنهم العصاة الذين تأبَّوْا على منهج الله، ومن الممكن أنْ يتأبَّى أيضاً على رسول الله، وهؤلاء هم الذين يُقيِّدون بالسلاسل، فكأن الصالحين يخدمونه بتوجيه الإيمان، وغير الصالحين يخدمونه بتوجيه القيود والسلاسل، يعني هؤلاء بالرغبة وهؤلاء بالرهبة.
ثم يقول سبحانه: هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] فالعطاء مناسب لطلب سليمان حين طلب من الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، قال: إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ [ص: ٣٥] فردَّ الله عليه هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] وما دمت قد وهبتك فسوف أجعلك تتصرف فيما وهبته لك لأنني أمنَّتك فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] يعني: أنت حر في أنْ تعطي أو أنْ تمسكَ وتمنع.
والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرُّف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملْك الواسع تعهَّد لله تعالى بهذه العدالة، لذلك قالوا عنه - عليه السلام - إنه كان لا يأكل إلا خشكار الحب يعني الردَّة أو النخالة، ويترك الصافي للعبيد ولعامة الناس.
فكأنه لم يطلب النعمة والملْك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوةً كانت أعظمَ القُوَى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] أي: بلقيس.
وهنا وفي هذه المواجهة سيظهر أثر الملْك وقيمته، فلما أغرتْه بلقيس بالمال قال: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل: ٣٦].
وهنا تظهر الحكمة في أن سليمان حين طلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، طلبه حتى لا يتميَّز عليه أحد، ولا يحاول أنْ يُغريه أو يرشيه، أو يستميله بالمال، كما حاولت بلقيس بملْكها الواسع في اليمن السعيد في ذلك الوقت.
والذي دلَّ على حصافة بلقيس في هذا الموقف أنها استشارتْ أعيان القوم وأشرافهم وذوي الرأي عندها: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [النمل: ٢٩-٣٠].
أولاً: كيف عرفتْ أنه كتاب كريم؟ قالوا: لأنها وجدته في مخدعها دون أنْ يأتي به رسول، أو يدخل به أحد، ولم يمنعه حراس، ولم يطلب استئذاناً عليها، لذلك علمتْ أنه من جهة أعلى منها، ولا بُدَّ أن حركة صاحب الكتاب في الحياة أقوى من حركتها، بدليل أن الكتاب وصلها بهذه الطريقة، لذلك استشارت القوم مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢].
وانتهت القصة بقولها: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤].
إذن: دَلّ قوله تعالى هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] على أن عطاء الله للأنبياء ليس للتباهي والتفاخر، إنما هو عطاء لخدم الدعوة إلى الله؛ لذلك نرى الذين ملّكهم اللهُ بعضَ مفاتيح الغيب لم يستغلوا معرفة الغيب لصالحهم، وربما جَرَتْ المعجزةُ على أيديهم أو على ألسنتهم، وهم لا يدرون بها، وتظهر منهم الكرامات وهم أنفسهم لا يعرفونها ولا يشعرون بها.
ذلك لأن سِرَّ الله وهبه لهم، لا ليتعالوْا به على الناس، إنما ليزدادوا هم عبوديةً واستطراقاً في العبودية لله تعالى، وليكونوا نماذج لهداية الخَلْق والأخذ بأيديهم إلى طريق الحق.
لذلك يُرْوى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما امتنع الغيثُ وأجدبت الأرضُ خرج يستسقي، وأخرج الضعفاء من الأطفال والشيوخ والنساء حتى أخرج البهائم وكأنه يقول يا رب إنْ كنتَ قد منعت عنَّا المطر لذنوبنا فاسْقِنَا لأجل هؤلاء، لكن لم تمطر السماء وهَمَّ عمر بالانصراف، وبينما هو قافل إذ وجد عبداً واقفاً بين الصخور يرفع يديه ويشخص ببصره إلى السماء، قال عمر: فو الله ما وضع يديه حتى أمطرت السماء كأفواه القِرَب.
وعندها تعجب سيدنا عمر كيف أن السماء لم تستجبْ له واستجابتْ لهذا العبد، وتأمل عمر وجه العبد حتى عرفه، وذهب إلى النخَّاس، وقال له: اعرض عليَّ عبيدك، فظن النخَّاس أنه يريد الشراء، فعرض عليه أفضل ما عنده من أصحاب العضلات المفتولة والقوام السليم، لكن لم يلتفت عمر إلى واحد من هؤلاء، فقال الرجل: والله ما عندي غير هذا العبد وهو كَلٌّ على مولاه أينما توجَّه لا يأتي بخير.
فلما جاء العبد عرفه عمر، وقال له: أهذا أنت؟ فنظر إليه العبد ورفع بصره إلى السماء وقال: اللهم كما فضحتني بين خَلْقك فخُذْني غير مفتون ومضى لحاله. هكذا حال مَنْ تظهر منه الوَلاية والكرامة، لا يرضى بها ولا يحب أنْ تنكشف أمام الناس، فهو لا يريدها ويكفيه وُدُّ الله له بها.
وقلنا: إن الريح إنْ جاءت هكذا مفردة فهي للعذاب، كما في قوله تعالى: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١-٤٢] فإنْ كانت جَمْعاً فهي للخير كما في: وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ.. [الحجر: ٢٢].
ومعلوم أن الهواء هو الذي يحفظ توازن الأشياء، بدليل أننا لو فرَّغْنَا الهواء من جهة من جهات عمارة مثلاً، فإنها تنهار في نفس الجهة، لأن الهواء هو الذي يسندها ويحفظ توازنها. فإذا أراد الله تعالى أن يدمر بالريح أتى به من جهة واحدة. فكأن الحق سبحانه يقول: الريح المفروض أنه لا يأتي إلا في العذاب والنقمة، لكن سخرته لسليمان بحيث لا يأتي معه إلا بالخير فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦].
وقوله: حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦] حيث قصد وأنّى ذهب.
وهذا يعني أن سليمان خاطب الريح التي لا لغةَ لها لكن فهمه الله، فكأنه أصبح آمراً والريح مأمورة، إذن: فهمتْ عنه الريح، فالحق سبحانه جعل لكل جنس من الأجناس لغته التي يتخاطب بها في بني جنسه، فإذا فَهَّم الله إنساناً هذه اللغة فهمها وتخاطب بها مع هذه الأجناس.
ومن ذلك قوله تعالى: عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ.. [النمل: ١٦].
لذلك حدثونا عن التماسيح في أعالي النيل، وعن الانسجام والتكامل بينها وبين الطيور التي تتغذَّى على الفضلات التي بين أسنان التمساح، فالتمساح بعد تناول طعامه يخرج إلى اليابسة ثم يفتح فمه، فيأتي الطير وينقر ما بين أسنان التمساح فينظفها له، فإذا أحسَّ الطير بقدوم الصياد صوّت صوتاً خاصاً يعرفه التمساح، فيسرع إلى الماء وينجو من الصياد، وهكذا يكون التمساح مُقوِّمَ حياة للطير، والطير مُبقى حياة بالنسبة للتمساح، فتأمل الجزاء الأوْفى، كيف يوجد في عالم الطير والحيوان؟
ولا يصل إلى مرتبة الفهم عن الطير والحيوان إلا مَنْ أعطاه الله هذه الخصوصية، وقد أعطى الله هذه الخصوصية لسيدنا سليمان، ففهم لغة الطير ولغة النمل: قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ [النمل: ١٨-١٩].
إذن: فهم عنها سليمان، وأحسَّ أن هذه نعمة اختصَّه الله بها وتستوجب الشكر، كذلك فهم عن الهدهد وخاطبه ودار بينهما حوار، وقصة الهدهد مع سليمان تدلنا على أن كلّ مَنْ يلي أمراً عليه أن يتابعه متابعةً، يعرف بها الملتزم من غير الملتزم.
ولولا أن سليمان تفقَّد الطير ما عرف بغياب الهدهد. وقوله: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] كأنه تصوَّر أن الهدهد موجود، لكن المانع عنده هو أنْ يراه؛ لذلك قال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠] لأنه نظر فلم يَرَهُ، ثم جاء الهدهد وقال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٢-٢٣].
والذي أثَّر في نفسه أن تعبد هي وقومها الشمسَ من دون الله وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ [النمل: ٢٤].
وهذه اللقطة من القصة تعلمنا أن الذي يلي أمراً لا يرد مَنْ وُلِّيَ عليه في أمر يشير به، بل ينتظر حتى يسمع منه، ويحترم رأيه لا يصادره، ونتعلم أيضاً أن الهدهد كان يعلم قضية التوحيد وقضية الإيمان بالله.
ثم يُعلِّمنا الهدهد أن كل إنسان عليه أنْ يحافظ على مُقوِّم حياته، وأنْ يظل دائماً على باله إنْ أراد أنْ يعيش عيشةً كريمة، فمُقوِّم الحياة هو الأَوْلَى قبل التخطيط ورسم الأهداف، نفهم هذا من قول الهدهد: أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: ٢٥].
لكن لماذا خَصَّ الخبأ، وهو المخبوء تحت الأرض؟ قالوا: لأن غالب غذاء الهدهد مما خُبئ في الأرض، لذلك جعل الله له منقاراً طويلاً ينقر به الأرض، ويُخرِج به غذاءه.
وقوله تعالى: وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧] أي: وسخَّرنا أيضاً له الشياطين، منهم البنَّاء وهو الذي يعمل ويجهد طاقته في يابسة الأرض ويعمرها. والغواص مَنْ يجهد طاقته في البحر ليخرج نفائسه وَآخَرِينَ.. [ص: ٣٨] أي: من الشياطين مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ [ص: ٣٨] أي: مقيدين ومكبَّلين بالسلاسل. والأصفاد جمع: صفد وهو السلسلة.
فهؤلاء مقيدون ليسوا مُطلقين كالبنَّاء والغوَّاص، لكن لماذا قيَّد اللهُ هؤلاء، وأطلق هؤلاء؟ قالوا: لأن منهم الصالحين الطائعين، ومنهم العصاة الذين تأبَّوْا على منهج الله، ومن الممكن أنْ يتأبَّى أيضاً على رسول الله، وهؤلاء هم الذين يُقيِّدون بالسلاسل، فكأن الصالحين يخدمونه بتوجيه الإيمان، وغير الصالحين يخدمونه بتوجيه القيود والسلاسل، يعني هؤلاء بالرغبة وهؤلاء بالرهبة.
ثم يقول سبحانه: هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] فالعطاء مناسب لطلب سليمان حين طلب من الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، قال: إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ [ص: ٣٥] فردَّ الله عليه هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] وما دمت قد وهبتك فسوف أجعلك تتصرف فيما وهبته لك لأنني أمنَّتك فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] يعني: أنت حر في أنْ تعطي أو أنْ تمسكَ وتمنع.
والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرُّف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملْك الواسع تعهَّد لله تعالى بهذه العدالة، لذلك قالوا عنه - عليه السلام - إنه كان لا يأكل إلا خشكار الحب يعني الردَّة أو النخالة، ويترك الصافي للعبيد ولعامة الناس.
فكأنه لم يطلب النعمة والملْك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوةً كانت أعظمَ القُوَى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] أي: بلقيس.
وهنا وفي هذه المواجهة سيظهر أثر الملْك وقيمته، فلما أغرتْه بلقيس بالمال قال: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل: ٣٦].
وهنا تظهر الحكمة في أن سليمان حين طلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، طلبه حتى لا يتميَّز عليه أحد، ولا يحاول أنْ يُغريه أو يرشيه، أو يستميله بالمال، كما حاولت بلقيس بملْكها الواسع في اليمن السعيد في ذلك الوقت.
والذي دلَّ على حصافة بلقيس في هذا الموقف أنها استشارتْ أعيان القوم وأشرافهم وذوي الرأي عندها: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [النمل: ٢٩-٣٠].
أولاً: كيف عرفتْ أنه كتاب كريم؟ قالوا: لأنها وجدته في مخدعها دون أنْ يأتي به رسول، أو يدخل به أحد، ولم يمنعه حراس، ولم يطلب استئذاناً عليها، لذلك علمتْ أنه من جهة أعلى منها، ولا بُدَّ أن حركة صاحب الكتاب في الحياة أقوى من حركتها، بدليل أن الكتاب وصلها بهذه الطريقة، لذلك استشارت القوم مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢].
وانتهت القصة بقولها: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤].
إذن: دَلّ قوله تعالى هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] على أن عطاء الله للأنبياء ليس للتباهي والتفاخر، إنما هو عطاء لخدم الدعوة إلى الله؛ لذلك نرى الذين ملّكهم اللهُ بعضَ مفاتيح الغيب لم يستغلوا معرفة الغيب لصالحهم، وربما جَرَتْ المعجزةُ على أيديهم أو على ألسنتهم، وهم لا يدرون بها، وتظهر منهم الكرامات وهم أنفسهم لا يعرفونها ولا يشعرون بها.
ذلك لأن سِرَّ الله وهبه لهم، لا ليتعالوْا به على الناس، إنما ليزدادوا هم عبوديةً واستطراقاً في العبودية لله تعالى، وليكونوا نماذج لهداية الخَلْق والأخذ بأيديهم إلى طريق الحق.
لذلك يُرْوى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما امتنع الغيثُ وأجدبت الأرضُ خرج يستسقي، وأخرج الضعفاء من الأطفال والشيوخ والنساء حتى أخرج البهائم وكأنه يقول يا رب إنْ كنتَ قد منعت عنَّا المطر لذنوبنا فاسْقِنَا لأجل هؤلاء، لكن لم تمطر السماء وهَمَّ عمر بالانصراف، وبينما هو قافل إذ وجد عبداً واقفاً بين الصخور يرفع يديه ويشخص ببصره إلى السماء، قال عمر: فو الله ما وضع يديه حتى أمطرت السماء كأفواه القِرَب.
وعندها تعجب سيدنا عمر كيف أن السماء لم تستجبْ له واستجابتْ لهذا العبد، وتأمل عمر وجه العبد حتى عرفه، وذهب إلى النخَّاس، وقال له: اعرض عليَّ عبيدك، فظن النخَّاس أنه يريد الشراء، فعرض عليه أفضل ما عنده من أصحاب العضلات المفتولة والقوام السليم، لكن لم يلتفت عمر إلى واحد من هؤلاء، فقال الرجل: والله ما عندي غير هذا العبد وهو كَلٌّ على مولاه أينما توجَّه لا يأتي بخير.
فلما جاء العبد عرفه عمر، وقال له: أهذا أنت؟ فنظر إليه العبد ورفع بصره إلى السماء وقال: اللهم كما فضحتني بين خَلْقك فخُذْني غير مفتون ومضى لحاله. هكذا حال مَنْ تظهر منه الوَلاية والكرامة، لا يرضى بها ولا يحب أنْ تنكشف أمام الناس، فهو لا يريدها ويكفيه وُدُّ الله له بها.
آية رقم ٣٧
ﯥﯦﯧﯨ
ﯩ
قال سبحانه: فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ.. [ص: ٣٦] وكان تسخير الريح لسليمان أول نعمة أضيفتْ إلى ملكه لم تكُنْ موجودة من قبل، ومعنى رُخَآءً.. [ص: ٣٦] أي: لينة ناعمة كالمطية التي تمشي براكبها مَشْياً هادئاً لا تزعجه ولا توقعه. إلا أن بعض المفسرين قالوا إن كلمة رخاء تتعارض مع قوله تعالى في نفس القصة: ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً.. [الأنبياء: ٨١] ونقول: هي بالفعل عاصفة، لكن في موقف آخر؛ لأن الريح في القصة لها عدة استعمالات، فالريح إنْ كانت تحمله للنزهة فهي رُخاء لينة، وإنْ كانت لحمل الأشياء فهي عاصفة، إذن: فالجهة في الوصف مُنفكَّة.
وقلنا: إن الريح إنْ جاءت هكذا مفردة فهي للعذاب، كما في قوله تعالى: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١-٤٢] فإنْ كانت جَمْعاً فهي للخير كما في: وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ.. [الحجر: ٢٢].
ومعلوم أن الهواء هو الذي يحفظ توازن الأشياء، بدليل أننا لو فرَّغْنَا الهواء من جهة من جهات عمارة مثلاً، فإنها تنهار في نفس الجهة، لأن الهواء هو الذي يسندها ويحفظ توازنها. فإذا أراد الله تعالى أن يدمر بالريح أتى به من جهة واحدة. فكأن الحق سبحانه يقول: الريح المفروض أنه لا يأتي إلا في العذاب والنقمة، لكن سخرته لسليمان بحيث لا يأتي معه إلا بالخير فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦].
وقوله: حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦] حيث قصد وأنّى ذهب.
وهذا يعني أن سليمان خاطب الريح التي لا لغةَ لها لكن فهمه الله، فكأنه أصبح آمراً والريح مأمورة، إذن: فهمتْ عنه الريح، فالحق سبحانه جعل لكل جنس من الأجناس لغته التي يتخاطب بها في بني جنسه، فإذا فَهَّم الله إنساناً هذه اللغة فهمها وتخاطب بها مع هذه الأجناس.
ومن ذلك قوله تعالى: عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ.. [النمل: ١٦].
لذلك حدثونا عن التماسيح في أعالي النيل، وعن الانسجام والتكامل بينها وبين الطيور التي تتغذَّى على الفضلات التي بين أسنان التمساح، فالتمساح بعد تناول طعامه يخرج إلى اليابسة ثم يفتح فمه، فيأتي الطير وينقر ما بين أسنان التمساح فينظفها له، فإذا أحسَّ الطير بقدوم الصياد صوّت صوتاً خاصاً يعرفه التمساح، فيسرع إلى الماء وينجو من الصياد، وهكذا يكون التمساح مُقوِّمَ حياة للطير، والطير مُبقى حياة بالنسبة للتمساح، فتأمل الجزاء الأوْفى، كيف يوجد في عالم الطير والحيوان؟
ولا يصل إلى مرتبة الفهم عن الطير والحيوان إلا مَنْ أعطاه الله هذه الخصوصية، وقد أعطى الله هذه الخصوصية لسيدنا سليمان، ففهم لغة الطير ولغة النمل: قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ [النمل: ١٨-١٩].
إذن: فهم عنها سليمان، وأحسَّ أن هذه نعمة اختصَّه الله بها وتستوجب الشكر، كذلك فهم عن الهدهد وخاطبه ودار بينهما حوار، وقصة الهدهد مع سليمان تدلنا على أن كلّ مَنْ يلي أمراً عليه أن يتابعه متابعةً، يعرف بها الملتزم من غير الملتزم.
ولولا أن سليمان تفقَّد الطير ما عرف بغياب الهدهد. وقوله: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] كأنه تصوَّر أن الهدهد موجود، لكن المانع عنده هو أنْ يراه؛ لذلك قال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠] لأنه نظر فلم يَرَهُ، ثم جاء الهدهد وقال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٢-٢٣].
والذي أثَّر في نفسه أن تعبد هي وقومها الشمسَ من دون الله وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ [النمل: ٢٤].
وهذه اللقطة من القصة تعلمنا أن الذي يلي أمراً لا يرد مَنْ وُلِّيَ عليه في أمر يشير به، بل ينتظر حتى يسمع منه، ويحترم رأيه لا يصادره، ونتعلم أيضاً أن الهدهد كان يعلم قضية التوحيد وقضية الإيمان بالله.
ثم يُعلِّمنا الهدهد أن كل إنسان عليه أنْ يحافظ على مُقوِّم حياته، وأنْ يظل دائماً على باله إنْ أراد أنْ يعيش عيشةً كريمة، فمُقوِّم الحياة هو الأَوْلَى قبل التخطيط ورسم الأهداف، نفهم هذا من قول الهدهد: أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: ٢٥].
لكن لماذا خَصَّ الخبأ، وهو المخبوء تحت الأرض؟ قالوا: لأن غالب غذاء الهدهد مما خُبئ في الأرض، لذلك جعل الله له منقاراً طويلاً ينقر به الأرض، ويُخرِج به غذاءه.
وقوله تعالى: وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧] أي: وسخَّرنا أيضاً له الشياطين، منهم البنَّاء وهو الذي يعمل ويجهد طاقته في يابسة الأرض ويعمرها. والغواص مَنْ يجهد طاقته في البحر ليخرج نفائسه وَآخَرِينَ.. [ص: ٣٨] أي: من الشياطين مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ [ص: ٣٨] أي: مقيدين ومكبَّلين بالسلاسل. والأصفاد جمع: صفد وهو السلسلة.
فهؤلاء مقيدون ليسوا مُطلقين كالبنَّاء والغوَّاص، لكن لماذا قيَّد اللهُ هؤلاء، وأطلق هؤلاء؟ قالوا: لأن منهم الصالحين الطائعين، ومنهم العصاة الذين تأبَّوْا على منهج الله، ومن الممكن أنْ يتأبَّى أيضاً على رسول الله، وهؤلاء هم الذين يُقيِّدون بالسلاسل، فكأن الصالحين يخدمونه بتوجيه الإيمان، وغير الصالحين يخدمونه بتوجيه القيود والسلاسل، يعني هؤلاء بالرغبة وهؤلاء بالرهبة.
ثم يقول سبحانه: هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] فالعطاء مناسب لطلب سليمان حين طلب من الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، قال: إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ [ص: ٣٥] فردَّ الله عليه هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] وما دمت قد وهبتك فسوف أجعلك تتصرف فيما وهبته لك لأنني أمنَّتك فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] يعني: أنت حر في أنْ تعطي أو أنْ تمسكَ وتمنع.
والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرُّف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملْك الواسع تعهَّد لله تعالى بهذه العدالة، لذلك قالوا عنه - عليه السلام - إنه كان لا يأكل إلا خشكار الحب يعني الردَّة أو النخالة، ويترك الصافي للعبيد ولعامة الناس.
فكأنه لم يطلب النعمة والملْك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوةً كانت أعظمَ القُوَى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] أي: بلقيس.
وهنا وفي هذه المواجهة سيظهر أثر الملْك وقيمته، فلما أغرتْه بلقيس بالمال قال: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل: ٣٦].
وهنا تظهر الحكمة في أن سليمان حين طلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، طلبه حتى لا يتميَّز عليه أحد، ولا يحاول أنْ يُغريه أو يرشيه، أو يستميله بالمال، كما حاولت بلقيس بملْكها الواسع في اليمن السعيد في ذلك الوقت.
والذي دلَّ على حصافة بلقيس في هذا الموقف أنها استشارتْ أعيان القوم وأشرافهم وذوي الرأي عندها: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [النمل: ٢٩-٣٠].
أولاً: كيف عرفتْ أنه كتاب كريم؟ قالوا: لأنها وجدته في مخدعها دون أنْ يأتي به رسول، أو يدخل به أحد، ولم يمنعه حراس، ولم يطلب استئذاناً عليها، لذلك علمتْ أنه من جهة أعلى منها، ولا بُدَّ أن حركة صاحب الكتاب في الحياة أقوى من حركتها، بدليل أن الكتاب وصلها بهذه الطريقة، لذلك استشارت القوم مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢].
وانتهت القصة بقولها: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤].
إذن: دَلّ قوله تعالى هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] على أن عطاء الله للأنبياء ليس للتباهي والتفاخر، إنما هو عطاء لخدم الدعوة إلى الله؛ لذلك نرى الذين ملّكهم اللهُ بعضَ مفاتيح الغيب لم يستغلوا معرفة الغيب لصالحهم، وربما جَرَتْ المعجزةُ على أيديهم أو على ألسنتهم، وهم لا يدرون بها، وتظهر منهم الكرامات وهم أنفسهم لا يعرفونها ولا يشعرون بها.
ذلك لأن سِرَّ الله وهبه لهم، لا ليتعالوْا به على الناس، إنما ليزدادوا هم عبوديةً واستطراقاً في العبودية لله تعالى، وليكونوا نماذج لهداية الخَلْق والأخذ بأيديهم إلى طريق الحق.
لذلك يُرْوى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما امتنع الغيثُ وأجدبت الأرضُ خرج يستسقي، وأخرج الضعفاء من الأطفال والشيوخ والنساء حتى أخرج البهائم وكأنه يقول يا رب إنْ كنتَ قد منعت عنَّا المطر لذنوبنا فاسْقِنَا لأجل هؤلاء، لكن لم تمطر السماء وهَمَّ عمر بالانصراف، وبينما هو قافل إذ وجد عبداً واقفاً بين الصخور يرفع يديه ويشخص ببصره إلى السماء، قال عمر: فو الله ما وضع يديه حتى أمطرت السماء كأفواه القِرَب.
وعندها تعجب سيدنا عمر كيف أن السماء لم تستجبْ له واستجابتْ لهذا العبد، وتأمل عمر وجه العبد حتى عرفه، وذهب إلى النخَّاس، وقال له: اعرض عليَّ عبيدك، فظن النخَّاس أنه يريد الشراء، فعرض عليه أفضل ما عنده من أصحاب العضلات المفتولة والقوام السليم، لكن لم يلتفت عمر إلى واحد من هؤلاء، فقال الرجل: والله ما عندي غير هذا العبد وهو كَلٌّ على مولاه أينما توجَّه لا يأتي بخير.
فلما جاء العبد عرفه عمر، وقال له: أهذا أنت؟ فنظر إليه العبد ورفع بصره إلى السماء وقال: اللهم كما فضحتني بين خَلْقك فخُذْني غير مفتون ومضى لحاله. هكذا حال مَنْ تظهر منه الوَلاية والكرامة، لا يرضى بها ولا يحب أنْ تنكشف أمام الناس، فهو لا يريدها ويكفيه وُدُّ الله له بها.
وقلنا: إن الريح إنْ جاءت هكذا مفردة فهي للعذاب، كما في قوله تعالى: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١-٤٢] فإنْ كانت جَمْعاً فهي للخير كما في: وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ.. [الحجر: ٢٢].
ومعلوم أن الهواء هو الذي يحفظ توازن الأشياء، بدليل أننا لو فرَّغْنَا الهواء من جهة من جهات عمارة مثلاً، فإنها تنهار في نفس الجهة، لأن الهواء هو الذي يسندها ويحفظ توازنها. فإذا أراد الله تعالى أن يدمر بالريح أتى به من جهة واحدة. فكأن الحق سبحانه يقول: الريح المفروض أنه لا يأتي إلا في العذاب والنقمة، لكن سخرته لسليمان بحيث لا يأتي معه إلا بالخير فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦].
وقوله: حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦] حيث قصد وأنّى ذهب.
وهذا يعني أن سليمان خاطب الريح التي لا لغةَ لها لكن فهمه الله، فكأنه أصبح آمراً والريح مأمورة، إذن: فهمتْ عنه الريح، فالحق سبحانه جعل لكل جنس من الأجناس لغته التي يتخاطب بها في بني جنسه، فإذا فَهَّم الله إنساناً هذه اللغة فهمها وتخاطب بها مع هذه الأجناس.
ومن ذلك قوله تعالى: عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ.. [النمل: ١٦].
لذلك حدثونا عن التماسيح في أعالي النيل، وعن الانسجام والتكامل بينها وبين الطيور التي تتغذَّى على الفضلات التي بين أسنان التمساح، فالتمساح بعد تناول طعامه يخرج إلى اليابسة ثم يفتح فمه، فيأتي الطير وينقر ما بين أسنان التمساح فينظفها له، فإذا أحسَّ الطير بقدوم الصياد صوّت صوتاً خاصاً يعرفه التمساح، فيسرع إلى الماء وينجو من الصياد، وهكذا يكون التمساح مُقوِّمَ حياة للطير، والطير مُبقى حياة بالنسبة للتمساح، فتأمل الجزاء الأوْفى، كيف يوجد في عالم الطير والحيوان؟
ولا يصل إلى مرتبة الفهم عن الطير والحيوان إلا مَنْ أعطاه الله هذه الخصوصية، وقد أعطى الله هذه الخصوصية لسيدنا سليمان، ففهم لغة الطير ولغة النمل: قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ [النمل: ١٨-١٩].
إذن: فهم عنها سليمان، وأحسَّ أن هذه نعمة اختصَّه الله بها وتستوجب الشكر، كذلك فهم عن الهدهد وخاطبه ودار بينهما حوار، وقصة الهدهد مع سليمان تدلنا على أن كلّ مَنْ يلي أمراً عليه أن يتابعه متابعةً، يعرف بها الملتزم من غير الملتزم.
ولولا أن سليمان تفقَّد الطير ما عرف بغياب الهدهد. وقوله: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] كأنه تصوَّر أن الهدهد موجود، لكن المانع عنده هو أنْ يراه؛ لذلك قال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠] لأنه نظر فلم يَرَهُ، ثم جاء الهدهد وقال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٢-٢٣].
والذي أثَّر في نفسه أن تعبد هي وقومها الشمسَ من دون الله وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ [النمل: ٢٤].
وهذه اللقطة من القصة تعلمنا أن الذي يلي أمراً لا يرد مَنْ وُلِّيَ عليه في أمر يشير به، بل ينتظر حتى يسمع منه، ويحترم رأيه لا يصادره، ونتعلم أيضاً أن الهدهد كان يعلم قضية التوحيد وقضية الإيمان بالله.
ثم يُعلِّمنا الهدهد أن كل إنسان عليه أنْ يحافظ على مُقوِّم حياته، وأنْ يظل دائماً على باله إنْ أراد أنْ يعيش عيشةً كريمة، فمُقوِّم الحياة هو الأَوْلَى قبل التخطيط ورسم الأهداف، نفهم هذا من قول الهدهد: أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: ٢٥].
لكن لماذا خَصَّ الخبأ، وهو المخبوء تحت الأرض؟ قالوا: لأن غالب غذاء الهدهد مما خُبئ في الأرض، لذلك جعل الله له منقاراً طويلاً ينقر به الأرض، ويُخرِج به غذاءه.
وقوله تعالى: وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧] أي: وسخَّرنا أيضاً له الشياطين، منهم البنَّاء وهو الذي يعمل ويجهد طاقته في يابسة الأرض ويعمرها. والغواص مَنْ يجهد طاقته في البحر ليخرج نفائسه وَآخَرِينَ.. [ص: ٣٨] أي: من الشياطين مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ [ص: ٣٨] أي: مقيدين ومكبَّلين بالسلاسل. والأصفاد جمع: صفد وهو السلسلة.
فهؤلاء مقيدون ليسوا مُطلقين كالبنَّاء والغوَّاص، لكن لماذا قيَّد اللهُ هؤلاء، وأطلق هؤلاء؟ قالوا: لأن منهم الصالحين الطائعين، ومنهم العصاة الذين تأبَّوْا على منهج الله، ومن الممكن أنْ يتأبَّى أيضاً على رسول الله، وهؤلاء هم الذين يُقيِّدون بالسلاسل، فكأن الصالحين يخدمونه بتوجيه الإيمان، وغير الصالحين يخدمونه بتوجيه القيود والسلاسل، يعني هؤلاء بالرغبة وهؤلاء بالرهبة.
ثم يقول سبحانه: هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] فالعطاء مناسب لطلب سليمان حين طلب من الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، قال: إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ [ص: ٣٥] فردَّ الله عليه هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] وما دمت قد وهبتك فسوف أجعلك تتصرف فيما وهبته لك لأنني أمنَّتك فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] يعني: أنت حر في أنْ تعطي أو أنْ تمسكَ وتمنع.
والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرُّف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملْك الواسع تعهَّد لله تعالى بهذه العدالة، لذلك قالوا عنه - عليه السلام - إنه كان لا يأكل إلا خشكار الحب يعني الردَّة أو النخالة، ويترك الصافي للعبيد ولعامة الناس.
فكأنه لم يطلب النعمة والملْك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوةً كانت أعظمَ القُوَى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] أي: بلقيس.
وهنا وفي هذه المواجهة سيظهر أثر الملْك وقيمته، فلما أغرتْه بلقيس بالمال قال: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل: ٣٦].
وهنا تظهر الحكمة في أن سليمان حين طلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، طلبه حتى لا يتميَّز عليه أحد، ولا يحاول أنْ يُغريه أو يرشيه، أو يستميله بالمال، كما حاولت بلقيس بملْكها الواسع في اليمن السعيد في ذلك الوقت.
والذي دلَّ على حصافة بلقيس في هذا الموقف أنها استشارتْ أعيان القوم وأشرافهم وذوي الرأي عندها: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [النمل: ٢٩-٣٠].
أولاً: كيف عرفتْ أنه كتاب كريم؟ قالوا: لأنها وجدته في مخدعها دون أنْ يأتي به رسول، أو يدخل به أحد، ولم يمنعه حراس، ولم يطلب استئذاناً عليها، لذلك علمتْ أنه من جهة أعلى منها، ولا بُدَّ أن حركة صاحب الكتاب في الحياة أقوى من حركتها، بدليل أن الكتاب وصلها بهذه الطريقة، لذلك استشارت القوم مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢].
وانتهت القصة بقولها: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤].
إذن: دَلّ قوله تعالى هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] على أن عطاء الله للأنبياء ليس للتباهي والتفاخر، إنما هو عطاء لخدم الدعوة إلى الله؛ لذلك نرى الذين ملّكهم اللهُ بعضَ مفاتيح الغيب لم يستغلوا معرفة الغيب لصالحهم، وربما جَرَتْ المعجزةُ على أيديهم أو على ألسنتهم، وهم لا يدرون بها، وتظهر منهم الكرامات وهم أنفسهم لا يعرفونها ولا يشعرون بها.
ذلك لأن سِرَّ الله وهبه لهم، لا ليتعالوْا به على الناس، إنما ليزدادوا هم عبوديةً واستطراقاً في العبودية لله تعالى، وليكونوا نماذج لهداية الخَلْق والأخذ بأيديهم إلى طريق الحق.
لذلك يُرْوى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما امتنع الغيثُ وأجدبت الأرضُ خرج يستسقي، وأخرج الضعفاء من الأطفال والشيوخ والنساء حتى أخرج البهائم وكأنه يقول يا رب إنْ كنتَ قد منعت عنَّا المطر لذنوبنا فاسْقِنَا لأجل هؤلاء، لكن لم تمطر السماء وهَمَّ عمر بالانصراف، وبينما هو قافل إذ وجد عبداً واقفاً بين الصخور يرفع يديه ويشخص ببصره إلى السماء، قال عمر: فو الله ما وضع يديه حتى أمطرت السماء كأفواه القِرَب.
وعندها تعجب سيدنا عمر كيف أن السماء لم تستجبْ له واستجابتْ لهذا العبد، وتأمل عمر وجه العبد حتى عرفه، وذهب إلى النخَّاس، وقال له: اعرض عليَّ عبيدك، فظن النخَّاس أنه يريد الشراء، فعرض عليه أفضل ما عنده من أصحاب العضلات المفتولة والقوام السليم، لكن لم يلتفت عمر إلى واحد من هؤلاء، فقال الرجل: والله ما عندي غير هذا العبد وهو كَلٌّ على مولاه أينما توجَّه لا يأتي بخير.
فلما جاء العبد عرفه عمر، وقال له: أهذا أنت؟ فنظر إليه العبد ورفع بصره إلى السماء وقال: اللهم كما فضحتني بين خَلْقك فخُذْني غير مفتون ومضى لحاله. هكذا حال مَنْ تظهر منه الوَلاية والكرامة، لا يرضى بها ولا يحب أنْ تنكشف أمام الناس، فهو لا يريدها ويكفيه وُدُّ الله له بها.
آية رقم ٣٨
ﯪﯫﯬﯭ
ﯮ
قال سبحانه: فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ.. [ص: ٣٦] وكان تسخير الريح لسليمان أول نعمة أضيفتْ إلى ملكه لم تكُنْ موجودة من قبل، ومعنى رُخَآءً.. [ص: ٣٦] أي: لينة ناعمة كالمطية التي تمشي براكبها مَشْياً هادئاً لا تزعجه ولا توقعه. إلا أن بعض المفسرين قالوا إن كلمة رخاء تتعارض مع قوله تعالى في نفس القصة: ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً.. [الأنبياء: ٨١] ونقول: هي بالفعل عاصفة، لكن في موقف آخر؛ لأن الريح في القصة لها عدة استعمالات، فالريح إنْ كانت تحمله للنزهة فهي رُخاء لينة، وإنْ كانت لحمل الأشياء فهي عاصفة، إذن: فالجهة في الوصف مُنفكَّة.
وقلنا: إن الريح إنْ جاءت هكذا مفردة فهي للعذاب، كما في قوله تعالى: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١-٤٢] فإنْ كانت جَمْعاً فهي للخير كما في: وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ.. [الحجر: ٢٢].
ومعلوم أن الهواء هو الذي يحفظ توازن الأشياء، بدليل أننا لو فرَّغْنَا الهواء من جهة من جهات عمارة مثلاً، فإنها تنهار في نفس الجهة، لأن الهواء هو الذي يسندها ويحفظ توازنها. فإذا أراد الله تعالى أن يدمر بالريح أتى به من جهة واحدة. فكأن الحق سبحانه يقول: الريح المفروض أنه لا يأتي إلا في العذاب والنقمة، لكن سخرته لسليمان بحيث لا يأتي معه إلا بالخير فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦].
وقوله: حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦] حيث قصد وأنّى ذهب.
وهذا يعني أن سليمان خاطب الريح التي لا لغةَ لها لكن فهمه الله، فكأنه أصبح آمراً والريح مأمورة، إذن: فهمتْ عنه الريح، فالحق سبحانه جعل لكل جنس من الأجناس لغته التي يتخاطب بها في بني جنسه، فإذا فَهَّم الله إنساناً هذه اللغة فهمها وتخاطب بها مع هذه الأجناس.
ومن ذلك قوله تعالى: عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ.. [النمل: ١٦].
لذلك حدثونا عن التماسيح في أعالي النيل، وعن الانسجام والتكامل بينها وبين الطيور التي تتغذَّى على الفضلات التي بين أسنان التمساح، فالتمساح بعد تناول طعامه يخرج إلى اليابسة ثم يفتح فمه، فيأتي الطير وينقر ما بين أسنان التمساح فينظفها له، فإذا أحسَّ الطير بقدوم الصياد صوّت صوتاً خاصاً يعرفه التمساح، فيسرع إلى الماء وينجو من الصياد، وهكذا يكون التمساح مُقوِّمَ حياة للطير، والطير مُبقى حياة بالنسبة للتمساح، فتأمل الجزاء الأوْفى، كيف يوجد في عالم الطير والحيوان؟
ولا يصل إلى مرتبة الفهم عن الطير والحيوان إلا مَنْ أعطاه الله هذه الخصوصية، وقد أعطى الله هذه الخصوصية لسيدنا سليمان، ففهم لغة الطير ولغة النمل: قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ [النمل: ١٨-١٩].
إذن: فهم عنها سليمان، وأحسَّ أن هذه نعمة اختصَّه الله بها وتستوجب الشكر، كذلك فهم عن الهدهد وخاطبه ودار بينهما حوار، وقصة الهدهد مع سليمان تدلنا على أن كلّ مَنْ يلي أمراً عليه أن يتابعه متابعةً، يعرف بها الملتزم من غير الملتزم.
ولولا أن سليمان تفقَّد الطير ما عرف بغياب الهدهد. وقوله: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] كأنه تصوَّر أن الهدهد موجود، لكن المانع عنده هو أنْ يراه؛ لذلك قال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠] لأنه نظر فلم يَرَهُ، ثم جاء الهدهد وقال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٢-٢٣].
والذي أثَّر في نفسه أن تعبد هي وقومها الشمسَ من دون الله وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ [النمل: ٢٤].
وهذه اللقطة من القصة تعلمنا أن الذي يلي أمراً لا يرد مَنْ وُلِّيَ عليه في أمر يشير به، بل ينتظر حتى يسمع منه، ويحترم رأيه لا يصادره، ونتعلم أيضاً أن الهدهد كان يعلم قضية التوحيد وقضية الإيمان بالله.
ثم يُعلِّمنا الهدهد أن كل إنسان عليه أنْ يحافظ على مُقوِّم حياته، وأنْ يظل دائماً على باله إنْ أراد أنْ يعيش عيشةً كريمة، فمُقوِّم الحياة هو الأَوْلَى قبل التخطيط ورسم الأهداف، نفهم هذا من قول الهدهد: أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: ٢٥].
لكن لماذا خَصَّ الخبأ، وهو المخبوء تحت الأرض؟ قالوا: لأن غالب غذاء الهدهد مما خُبئ في الأرض، لذلك جعل الله له منقاراً طويلاً ينقر به الأرض، ويُخرِج به غذاءه.
وقوله تعالى: وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧] أي: وسخَّرنا أيضاً له الشياطين، منهم البنَّاء وهو الذي يعمل ويجهد طاقته في يابسة الأرض ويعمرها. والغواص مَنْ يجهد طاقته في البحر ليخرج نفائسه وَآخَرِينَ.. [ص: ٣٨] أي: من الشياطين مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ [ص: ٣٨] أي: مقيدين ومكبَّلين بالسلاسل. والأصفاد جمع: صفد وهو السلسلة.
فهؤلاء مقيدون ليسوا مُطلقين كالبنَّاء والغوَّاص، لكن لماذا قيَّد اللهُ هؤلاء، وأطلق هؤلاء؟ قالوا: لأن منهم الصالحين الطائعين، ومنهم العصاة الذين تأبَّوْا على منهج الله، ومن الممكن أنْ يتأبَّى أيضاً على رسول الله، وهؤلاء هم الذين يُقيِّدون بالسلاسل، فكأن الصالحين يخدمونه بتوجيه الإيمان، وغير الصالحين يخدمونه بتوجيه القيود والسلاسل، يعني هؤلاء بالرغبة وهؤلاء بالرهبة.
ثم يقول سبحانه: هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] فالعطاء مناسب لطلب سليمان حين طلب من الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، قال: إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ [ص: ٣٥] فردَّ الله عليه هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] وما دمت قد وهبتك فسوف أجعلك تتصرف فيما وهبته لك لأنني أمنَّتك فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] يعني: أنت حر في أنْ تعطي أو أنْ تمسكَ وتمنع.
والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرُّف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملْك الواسع تعهَّد لله تعالى بهذه العدالة، لذلك قالوا عنه - عليه السلام - إنه كان لا يأكل إلا خشكار الحب يعني الردَّة أو النخالة، ويترك الصافي للعبيد ولعامة الناس.
فكأنه لم يطلب النعمة والملْك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوةً كانت أعظمَ القُوَى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] أي: بلقيس.
وهنا وفي هذه المواجهة سيظهر أثر الملْك وقيمته، فلما أغرتْه بلقيس بالمال قال: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل: ٣٦].
وهنا تظهر الحكمة في أن سليمان حين طلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، طلبه حتى لا يتميَّز عليه أحد، ولا يحاول أنْ يُغريه أو يرشيه، أو يستميله بالمال، كما حاولت بلقيس بملْكها الواسع في اليمن السعيد في ذلك الوقت.
والذي دلَّ على حصافة بلقيس في هذا الموقف أنها استشارتْ أعيان القوم وأشرافهم وذوي الرأي عندها: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [النمل: ٢٩-٣٠].
أولاً: كيف عرفتْ أنه كتاب كريم؟ قالوا: لأنها وجدته في مخدعها دون أنْ يأتي به رسول، أو يدخل به أحد، ولم يمنعه حراس، ولم يطلب استئذاناً عليها، لذلك علمتْ أنه من جهة أعلى منها، ولا بُدَّ أن حركة صاحب الكتاب في الحياة أقوى من حركتها، بدليل أن الكتاب وصلها بهذه الطريقة، لذلك استشارت القوم مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢].
وانتهت القصة بقولها: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤].
إذن: دَلّ قوله تعالى هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] على أن عطاء الله للأنبياء ليس للتباهي والتفاخر، إنما هو عطاء لخدم الدعوة إلى الله؛ لذلك نرى الذين ملّكهم اللهُ بعضَ مفاتيح الغيب لم يستغلوا معرفة الغيب لصالحهم، وربما جَرَتْ المعجزةُ على أيديهم أو على ألسنتهم، وهم لا يدرون بها، وتظهر منهم الكرامات وهم أنفسهم لا يعرفونها ولا يشعرون بها.
ذلك لأن سِرَّ الله وهبه لهم، لا ليتعالوْا به على الناس، إنما ليزدادوا هم عبوديةً واستطراقاً في العبودية لله تعالى، وليكونوا نماذج لهداية الخَلْق والأخذ بأيديهم إلى طريق الحق.
لذلك يُرْوى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما امتنع الغيثُ وأجدبت الأرضُ خرج يستسقي، وأخرج الضعفاء من الأطفال والشيوخ والنساء حتى أخرج البهائم وكأنه يقول يا رب إنْ كنتَ قد منعت عنَّا المطر لذنوبنا فاسْقِنَا لأجل هؤلاء، لكن لم تمطر السماء وهَمَّ عمر بالانصراف، وبينما هو قافل إذ وجد عبداً واقفاً بين الصخور يرفع يديه ويشخص ببصره إلى السماء، قال عمر: فو الله ما وضع يديه حتى أمطرت السماء كأفواه القِرَب.
وعندها تعجب سيدنا عمر كيف أن السماء لم تستجبْ له واستجابتْ لهذا العبد، وتأمل عمر وجه العبد حتى عرفه، وذهب إلى النخَّاس، وقال له: اعرض عليَّ عبيدك، فظن النخَّاس أنه يريد الشراء، فعرض عليه أفضل ما عنده من أصحاب العضلات المفتولة والقوام السليم، لكن لم يلتفت عمر إلى واحد من هؤلاء، فقال الرجل: والله ما عندي غير هذا العبد وهو كَلٌّ على مولاه أينما توجَّه لا يأتي بخير.
فلما جاء العبد عرفه عمر، وقال له: أهذا أنت؟ فنظر إليه العبد ورفع بصره إلى السماء وقال: اللهم كما فضحتني بين خَلْقك فخُذْني غير مفتون ومضى لحاله. هكذا حال مَنْ تظهر منه الوَلاية والكرامة، لا يرضى بها ولا يحب أنْ تنكشف أمام الناس، فهو لا يريدها ويكفيه وُدُّ الله له بها.
وقلنا: إن الريح إنْ جاءت هكذا مفردة فهي للعذاب، كما في قوله تعالى: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ [الذاريات: ٤١-٤٢] فإنْ كانت جَمْعاً فهي للخير كما في: وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ.. [الحجر: ٢٢].
ومعلوم أن الهواء هو الذي يحفظ توازن الأشياء، بدليل أننا لو فرَّغْنَا الهواء من جهة من جهات عمارة مثلاً، فإنها تنهار في نفس الجهة، لأن الهواء هو الذي يسندها ويحفظ توازنها. فإذا أراد الله تعالى أن يدمر بالريح أتى به من جهة واحدة. فكأن الحق سبحانه يقول: الريح المفروض أنه لا يأتي إلا في العذاب والنقمة، لكن سخرته لسليمان بحيث لا يأتي معه إلا بالخير فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦].
وقوله: حَيْثُ أَصَابَ [ص: ٣٦] حيث قصد وأنّى ذهب.
وهذا يعني أن سليمان خاطب الريح التي لا لغةَ لها لكن فهمه الله، فكأنه أصبح آمراً والريح مأمورة، إذن: فهمتْ عنه الريح، فالحق سبحانه جعل لكل جنس من الأجناس لغته التي يتخاطب بها في بني جنسه، فإذا فَهَّم الله إنساناً هذه اللغة فهمها وتخاطب بها مع هذه الأجناس.
ومن ذلك قوله تعالى: عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ.. [النمل: ١٦].
لذلك حدثونا عن التماسيح في أعالي النيل، وعن الانسجام والتكامل بينها وبين الطيور التي تتغذَّى على الفضلات التي بين أسنان التمساح، فالتمساح بعد تناول طعامه يخرج إلى اليابسة ثم يفتح فمه، فيأتي الطير وينقر ما بين أسنان التمساح فينظفها له، فإذا أحسَّ الطير بقدوم الصياد صوّت صوتاً خاصاً يعرفه التمساح، فيسرع إلى الماء وينجو من الصياد، وهكذا يكون التمساح مُقوِّمَ حياة للطير، والطير مُبقى حياة بالنسبة للتمساح، فتأمل الجزاء الأوْفى، كيف يوجد في عالم الطير والحيوان؟
ولا يصل إلى مرتبة الفهم عن الطير والحيوان إلا مَنْ أعطاه الله هذه الخصوصية، وقد أعطى الله هذه الخصوصية لسيدنا سليمان، ففهم لغة الطير ولغة النمل: قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ [النمل: ١٨-١٩].
إذن: فهم عنها سليمان، وأحسَّ أن هذه نعمة اختصَّه الله بها وتستوجب الشكر، كذلك فهم عن الهدهد وخاطبه ودار بينهما حوار، وقصة الهدهد مع سليمان تدلنا على أن كلّ مَنْ يلي أمراً عليه أن يتابعه متابعةً، يعرف بها الملتزم من غير الملتزم.
ولولا أن سليمان تفقَّد الطير ما عرف بغياب الهدهد. وقوله: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] كأنه تصوَّر أن الهدهد موجود، لكن المانع عنده هو أنْ يراه؛ لذلك قال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠] لأنه نظر فلم يَرَهُ، ثم جاء الهدهد وقال: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٢-٢٣].
والذي أثَّر في نفسه أن تعبد هي وقومها الشمسَ من دون الله وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ [النمل: ٢٤].
وهذه اللقطة من القصة تعلمنا أن الذي يلي أمراً لا يرد مَنْ وُلِّيَ عليه في أمر يشير به، بل ينتظر حتى يسمع منه، ويحترم رأيه لا يصادره، ونتعلم أيضاً أن الهدهد كان يعلم قضية التوحيد وقضية الإيمان بالله.
ثم يُعلِّمنا الهدهد أن كل إنسان عليه أنْ يحافظ على مُقوِّم حياته، وأنْ يظل دائماً على باله إنْ أراد أنْ يعيش عيشةً كريمة، فمُقوِّم الحياة هو الأَوْلَى قبل التخطيط ورسم الأهداف، نفهم هذا من قول الهدهد: أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: ٢٥].
لكن لماذا خَصَّ الخبأ، وهو المخبوء تحت الأرض؟ قالوا: لأن غالب غذاء الهدهد مما خُبئ في الأرض، لذلك جعل الله له منقاراً طويلاً ينقر به الأرض، ويُخرِج به غذاءه.
وقوله تعالى: وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧] أي: وسخَّرنا أيضاً له الشياطين، منهم البنَّاء وهو الذي يعمل ويجهد طاقته في يابسة الأرض ويعمرها. والغواص مَنْ يجهد طاقته في البحر ليخرج نفائسه وَآخَرِينَ.. [ص: ٣٨] أي: من الشياطين مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ [ص: ٣٨] أي: مقيدين ومكبَّلين بالسلاسل. والأصفاد جمع: صفد وهو السلسلة.
فهؤلاء مقيدون ليسوا مُطلقين كالبنَّاء والغوَّاص، لكن لماذا قيَّد اللهُ هؤلاء، وأطلق هؤلاء؟ قالوا: لأن منهم الصالحين الطائعين، ومنهم العصاة الذين تأبَّوْا على منهج الله، ومن الممكن أنْ يتأبَّى أيضاً على رسول الله، وهؤلاء هم الذين يُقيِّدون بالسلاسل، فكأن الصالحين يخدمونه بتوجيه الإيمان، وغير الصالحين يخدمونه بتوجيه القيود والسلاسل، يعني هؤلاء بالرغبة وهؤلاء بالرهبة.
ثم يقول سبحانه: هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] فالعطاء مناسب لطلب سليمان حين طلب من الله مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، قال: إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ [ص: ٣٥] فردَّ الله عليه هَـٰذَا عَطَآؤُنَا.. [ص: ٣٩] وما دمت قد وهبتك فسوف أجعلك تتصرف فيما وهبته لك لأنني أمنَّتك فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] يعني: أنت حر في أنْ تعطي أو أنْ تمسكَ وتمنع.
والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرُّف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملْك الواسع تعهَّد لله تعالى بهذه العدالة، لذلك قالوا عنه - عليه السلام - إنه كان لا يأكل إلا خشكار الحب يعني الردَّة أو النخالة، ويترك الصافي للعبيد ولعامة الناس.
فكأنه لم يطلب النعمة والملْك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوةً كانت أعظمَ القُوَى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] أي: بلقيس.
وهنا وفي هذه المواجهة سيظهر أثر الملْك وقيمته، فلما أغرتْه بلقيس بالمال قال: أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ ٱللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [النمل: ٣٦].
وهنا تظهر الحكمة في أن سليمان حين طلب ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، طلبه حتى لا يتميَّز عليه أحد، ولا يحاول أنْ يُغريه أو يرشيه، أو يستميله بالمال، كما حاولت بلقيس بملْكها الواسع في اليمن السعيد في ذلك الوقت.
والذي دلَّ على حصافة بلقيس في هذا الموقف أنها استشارتْ أعيان القوم وأشرافهم وذوي الرأي عندها: قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ [النمل: ٢٩-٣٠].
أولاً: كيف عرفتْ أنه كتاب كريم؟ قالوا: لأنها وجدته في مخدعها دون أنْ يأتي به رسول، أو يدخل به أحد، ولم يمنعه حراس، ولم يطلب استئذاناً عليها، لذلك علمتْ أنه من جهة أعلى منها، ولا بُدَّ أن حركة صاحب الكتاب في الحياة أقوى من حركتها، بدليل أن الكتاب وصلها بهذه الطريقة، لذلك استشارت القوم مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ [النمل: ٣٢].
وانتهت القصة بقولها: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤].
إذن: دَلّ قوله تعالى هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: ٣٩] على أن عطاء الله للأنبياء ليس للتباهي والتفاخر، إنما هو عطاء لخدم الدعوة إلى الله؛ لذلك نرى الذين ملّكهم اللهُ بعضَ مفاتيح الغيب لم يستغلوا معرفة الغيب لصالحهم، وربما جَرَتْ المعجزةُ على أيديهم أو على ألسنتهم، وهم لا يدرون بها، وتظهر منهم الكرامات وهم أنفسهم لا يعرفونها ولا يشعرون بها.
ذلك لأن سِرَّ الله وهبه لهم، لا ليتعالوْا به على الناس، إنما ليزدادوا هم عبوديةً واستطراقاً في العبودية لله تعالى، وليكونوا نماذج لهداية الخَلْق والأخذ بأيديهم إلى طريق الحق.
لذلك يُرْوى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما امتنع الغيثُ وأجدبت الأرضُ خرج يستسقي، وأخرج الضعفاء من الأطفال والشيوخ والنساء حتى أخرج البهائم وكأنه يقول يا رب إنْ كنتَ قد منعت عنَّا المطر لذنوبنا فاسْقِنَا لأجل هؤلاء، لكن لم تمطر السماء وهَمَّ عمر بالانصراف، وبينما هو قافل إذ وجد عبداً واقفاً بين الصخور يرفع يديه ويشخص ببصره إلى السماء، قال عمر: فو الله ما وضع يديه حتى أمطرت السماء كأفواه القِرَب.
وعندها تعجب سيدنا عمر كيف أن السماء لم تستجبْ له واستجابتْ لهذا العبد، وتأمل عمر وجه العبد حتى عرفه، وذهب إلى النخَّاس، وقال له: اعرض عليَّ عبيدك، فظن النخَّاس أنه يريد الشراء، فعرض عليه أفضل ما عنده من أصحاب العضلات المفتولة والقوام السليم، لكن لم يلتفت عمر إلى واحد من هؤلاء، فقال الرجل: والله ما عندي غير هذا العبد وهو كَلٌّ على مولاه أينما توجَّه لا يأتي بخير.
فلما جاء العبد عرفه عمر، وقال له: أهذا أنت؟ فنظر إليه العبد ورفع بصره إلى السماء وقال: اللهم كما فضحتني بين خَلْقك فخُذْني غير مفتون ومضى لحاله. هكذا حال مَنْ تظهر منه الوَلاية والكرامة، لا يرضى بها ولا يحب أنْ تنكشف أمام الناس، فهو لا يريدها ويكفيه وُدُّ الله له بها.
آية رقم ٣٩
... فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ يعني: أنت حر في أنْ تعطي أو أنْ تمسكَ وتمنع.
والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرُّف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملْك الواسع تعهَّد لله تعالى بهذه العدالة...
فكأنه لم يطلب النعمة والملْك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوةً كانت أعظمَ القُوَى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] أي: بلقيس...
والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرُّف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملْك الواسع تعهَّد لله تعالى بهذه العدالة...
فكأنه لم يطلب النعمة والملْك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوةً كانت أعظمَ القُوَى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] أي: بلقيس...
آية رقم ٤٠
ﯷﯸﯹﯺﯻﯼ
ﯽ
(لَزُلْفَى) يعني: قُرْبى، ودَلَّ على هذه القربى أن الله تعالى أعطاه مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأعطاه حرية التصرف في هذا الملْك، يعطي مَن يشاء، ويمنع مَنْ يشاء، وقد أعطاه الله هذا العطاء مقابل أنه علم أنه لن يصرفه في طغيان ولا في جبروت، ولا في إدلال على الناس، لكن سيضعه في موضعه الذي يريده الله، فأصبح مأموناً على عطاء الله.
ومعنى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٠] أي: حُسْن مرجع ومَردّ إلى الله يوم القيامة.
ثم ينتقل بنا السياق إلى قصة نبي آخر هو سيدنا أيوب عليه السلام:
وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ... .
ومعنى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٠] أي: حُسْن مرجع ومَردّ إلى الله يوم القيامة.
ثم ينتقل بنا السياق إلى قصة نبي آخر هو سيدنا أيوب عليه السلام:
وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ... .
آية رقم ٤١
قوله تعالى وَٱذْكُرْ.. [ص: ٤١] أي: بالحمد والثناء عَبْدَنَآ أَيُّوبَ.. [ص: ٤١] الوصف بالعبودية هنا شرف، لأنه دلَّ على إعزاز الربوبية لمرتبة العبودية، وقلنا: إن العبودية كلمة ممقوتة عند البشر، لأن العبودية للبشر إهانة وتسخير، يأخذ فيها السيد خير عبده وثمرة حركته في الحياة، أما العبودية لله تعالى فوَصْفٌ محبوب، وكلمة محمودة، لأن العبد فيها يأخذ خير سيده.
لذلك لما امتنَّ الله تعالى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء والمعراج جعل حيثية ذلك العبودية له سبحانه، فقال: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] فلما ضاقتْ به حفاوة الأرض في الطائف أراد ربه أنْ يُريَهُ حفاوة السماء به، فالصفة التي رفعتْ محمداً إلى هذه المنزلة هي صفة إخلاصه في العبودية لربه.
ومعنى أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: ٤١] المسُّ: هو الالتقاء الهيِّن الخفيف، يعني هو دون اللمس، قالوا: لأنه مرض مرضاً شديداً أثَّر في إهابه، فكان الشيطان يحوم حوله بخواطر السوء يقول له: كيف يفعل الله بك هذا وأنت رسول، كيف يتركك هكذا دون أنْ يشفيك.
وهكذا اجتمع على سيدنا أيوب ألم الجلد وعذابه الجسدي، وهواجس الشيطان في خواطره النفسية، لذلك قال: بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: ٤١] ونُصْب بالضم مثل نَصَب بالفتح والنَّصَّب التعب، فهي مثل بُخْل وبَخَل، الاثنان بمعنى واحد.
وقالوا في مسِّ الشيطان: إن الفعل على الحقيقة لله تعالى، فالله هو الذي يفعل، والشيطان بوسوسته سبب، والله تعالى هو المسبِّب، فمَسُّ الشيطان يعني وسوسته التي شغلتْ خاطر سيدنا أيوب، فكأن الحق سبحانه أراد من أيوب أنْ يتنبه إلى أن هذه الوسوسة ما كان يصح أنْ تمرَّ بخاطره.
وسيدنا أيوب لما اجتمع عليه المرض ووسوسة الشيطان ضَعُفَ فتوجَّه إلى ربه يدعوه أنْ يقطعَ عن نفسه وسوسة الشيطان؛ لأنها تحتاج إلى مدافعة، والمدافعة تحتاج إلى قوة، والقوة عنده مرهونة بالمرض، ولذلك دعا الله حتى لا يزدادَ ضعفه بوسوسة الشيطان، فلما دعا الله أجابه:
ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ... .
لذلك لما امتنَّ الله تعالى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء والمعراج جعل حيثية ذلك العبودية له سبحانه، فقال: سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. [الإسراء: ١] فلما ضاقتْ به حفاوة الأرض في الطائف أراد ربه أنْ يُريَهُ حفاوة السماء به، فالصفة التي رفعتْ محمداً إلى هذه المنزلة هي صفة إخلاصه في العبودية لربه.
ومعنى أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: ٤١] المسُّ: هو الالتقاء الهيِّن الخفيف، يعني هو دون اللمس، قالوا: لأنه مرض مرضاً شديداً أثَّر في إهابه، فكان الشيطان يحوم حوله بخواطر السوء يقول له: كيف يفعل الله بك هذا وأنت رسول، كيف يتركك هكذا دون أنْ يشفيك.
وهكذا اجتمع على سيدنا أيوب ألم الجلد وعذابه الجسدي، وهواجس الشيطان في خواطره النفسية، لذلك قال: بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص: ٤١] ونُصْب بالضم مثل نَصَب بالفتح والنَّصَّب التعب، فهي مثل بُخْل وبَخَل، الاثنان بمعنى واحد.
وقالوا في مسِّ الشيطان: إن الفعل على الحقيقة لله تعالى، فالله هو الذي يفعل، والشيطان بوسوسته سبب، والله تعالى هو المسبِّب، فمَسُّ الشيطان يعني وسوسته التي شغلتْ خاطر سيدنا أيوب، فكأن الحق سبحانه أراد من أيوب أنْ يتنبه إلى أن هذه الوسوسة ما كان يصح أنْ تمرَّ بخاطره.
وسيدنا أيوب لما اجتمع عليه المرض ووسوسة الشيطان ضَعُفَ فتوجَّه إلى ربه يدعوه أنْ يقطعَ عن نفسه وسوسة الشيطان؛ لأنها تحتاج إلى مدافعة، والمدافعة تحتاج إلى قوة، والقوة عنده مرهونة بالمرض، ولذلك دعا الله حتى لا يزدادَ ضعفه بوسوسة الشيطان، فلما دعا الله أجابه:
ٱرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ... .
آية رقم ٤٢
... كأن الحق سبحانه يقول له: أنا لا أبتليك كراهةً فيك، ولا مشقَّةً عليك، إنما أريد أنْ أسمع منك أنك تكره مَنْ يجيل لك بخاطرك شيئاً يبعدك عني، ارْكُضْ بِرِجْلِكَ.. يعني: المسألة عندي سهلة يسيرة كما تقول: يا فلان الأمر هيِّن فهو تحت رجْلَيْك.
والركْض هو القذف بشدة وسرعة، تقول: ركضتُ الفرسَ. يعني: غمزتُه برجلي هكذا من تحت ليسرع، ثم يتجاوز السياق مسألة الركض إلى النتيجة مباشرة هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ولم يقل: فركض فخرج الماء كذا وكذا، إنما انطوى هذا كله، واكتفى بالأمر (ارْكُضْ).
والمعنى: أن في هذا الماء مغتسلاً لك وشراباً، لأن المرض الذي أصاب سيدنا أيوب يبدو أنه كان مرضاً جلدياً يترك على بشرته بُثوراً تشوِّه جلده. والآن نرى الأطباء الذين يعالجون الأمراض الجلدية يعالجونها بالمراهم الظاهرية التي تعالج ظاهر المرض، لكن لا تتغلغل إلى علاج سبب المرض الداخلي.
فكان من رحمة الله بسيدنا أيوب أنْ جعل شفاءه الظاهري والباطني في ركضة واحدة تخرج الماء، فيغتسل منه مُغتسلاً بارداً، يشفي ظاهر مرضه وشراب يشفي أسباب المرض في داخل جسمه.
والركْض هو القذف بشدة وسرعة، تقول: ركضتُ الفرسَ. يعني: غمزتُه برجلي هكذا من تحت ليسرع، ثم يتجاوز السياق مسألة الركض إلى النتيجة مباشرة هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ولم يقل: فركض فخرج الماء كذا وكذا، إنما انطوى هذا كله، واكتفى بالأمر (ارْكُضْ).
والمعنى: أن في هذا الماء مغتسلاً لك وشراباً، لأن المرض الذي أصاب سيدنا أيوب يبدو أنه كان مرضاً جلدياً يترك على بشرته بُثوراً تشوِّه جلده. والآن نرى الأطباء الذين يعالجون الأمراض الجلدية يعالجونها بالمراهم الظاهرية التي تعالج ظاهر المرض، لكن لا تتغلغل إلى علاج سبب المرض الداخلي.
فكان من رحمة الله بسيدنا أيوب أنْ جعل شفاءه الظاهري والباطني في ركضة واحدة تخرج الماء، فيغتسل منه مُغتسلاً بارداً، يشفي ظاهر مرضه وشراب يشفي أسباب المرض في داخل جسمه.
آية رقم ٤٣
قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ.. يبدو أن بعض أهله بعدوا عنه لما أصابه المرض، فلما شفاه الله وعاد إلى حال السلامة عادوا إليه وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ.. يعني: وهبنا له مثل أهله أي: من الذرية والأتباع رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لأُوْلِي الأَلْبَابِ الذكرى هي الخاطر الذي يمرُّ بك ليصرفك إلى متعلق الذِّكْرى؛ لأنك بصدد ما يبعدك عن سبب الذكرى.
ومضمون الذكرى هنا أنه لما صبر جاءه الفرج من الله، فعاد جسمه مُعَافاً سليماً بعد أنْ برئ من المرض ومن أسبابه، ثم عاد إليه أهله بزيادة مثلهم عليهم رفقاً بعواطفه. وهذا هو المراد بالرحمة في قوله رَحْمَةً مِّنَّا..، فهذه عطاءات متعددة جاءت ثمرة ونتيجة لصبره عليه السلام ورضائه بما قضى الله به.
إذن الذكرى التي نذكرها في هذه القصة أن الإنسان حين ينزل به الكرب يلجأ إلى الله، ويفزع إليه في كربه.
ومضمون الذكرى هنا أنه لما صبر جاءه الفرج من الله، فعاد جسمه مُعَافاً سليماً بعد أنْ برئ من المرض ومن أسبابه، ثم عاد إليه أهله بزيادة مثلهم عليهم رفقاً بعواطفه. وهذا هو المراد بالرحمة في قوله رَحْمَةً مِّنَّا..، فهذه عطاءات متعددة جاءت ثمرة ونتيجة لصبره عليه السلام ورضائه بما قضى الله به.
إذن الذكرى التي نذكرها في هذه القصة أن الإنسان حين ينزل به الكرب يلجأ إلى الله، ويفزع إليه في كربه.
آية رقم ٤٤
الضغث: حزمة الحشيش أو حزمة من شماريخ البلح، وقوله: وَلاَ تَحْنَثْ.. [ص: ٤٤] دلَّ على أن المسألة كان فيها يمين يريد الله تعالى لأيوب ألاَّ يحنث فيه، وهذه الآية تلفتنا إلى قصة بيَّنتها السنة، قالوا: إن الشيطان ذهب إلى إحدى زوجات سيدنا أيوب، وقال لها: اطلبي من أيوب أنْ يلجأ إليَّ وأنا أشفيه حالاً، بشرط أنْ يقول: إن الذي شفاني الشيطان، ولأنها كانت مُسْتشرفة لأنْ يبرأ قالت له: والله جاءني خاطر قال لي كذا وكذا، قال: إنه الشيطان استمعت إليه وتريدين أنْ أطيعه، والله الذي لا إله إلا هو لأجلدنك مائة. هذا هو اليمين الذي أراد الله لأيوب ألاَّ يحنث فيه، فقال له: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ.. [ص: ٤٤].
والنبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل هذا حينما جاءه الرجل الأَحْبَن، أحبن من (حَ بَ نَ) يعني: كبير البطن، أو في بطنه استسقاء، وقد زنى بامرأة هزيلة مريضة، فلما اعترف بجريمته خاف عليه الرسول أنْ يموتَ لو أقام عليه الحد، فأمر بأنْ يُضْربَ بحزمة من الحشيش، أو مائة عود من شماريخ النخل يُضرب بها مرة واحدة.
ومعنى فَٱضْرِب بِّهِ.. [ص: ٤٤] أي: من آليت على نفسك أنْ تجلده وَلاَ تَحْنَثْ.. [ص: ٤٤] أي: في يمينك إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً.. [ص: ٤٤] فكأن هذا التيسير جزاءٌ له على صبره وعلى رجوعه إلى ربه، فجعل الله له شيئاً يُرضيه بأنْ خفَّفَ عنه حتى الألم الذي يورثه في الغير، لأنه أقسم أنْ يجلد، فكان ينبغي عليه أنْ يُجلد على الحقيقة حتى لا يحنث، لكن خفَّفَ الله عليه حتى لا يؤلمه في أهله.
والنبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل هذا حينما جاءه الرجل الأَحْبَن، أحبن من (حَ بَ نَ) يعني: كبير البطن، أو في بطنه استسقاء، وقد زنى بامرأة هزيلة مريضة، فلما اعترف بجريمته خاف عليه الرسول أنْ يموتَ لو أقام عليه الحد، فأمر بأنْ يُضْربَ بحزمة من الحشيش، أو مائة عود من شماريخ النخل يُضرب بها مرة واحدة.
ومعنى فَٱضْرِب بِّهِ.. [ص: ٤٤] أي: من آليت على نفسك أنْ تجلده وَلاَ تَحْنَثْ.. [ص: ٤٤] أي: في يمينك إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً.. [ص: ٤٤] فكأن هذا التيسير جزاءٌ له على صبره وعلى رجوعه إلى ربه، فجعل الله له شيئاً يُرضيه بأنْ خفَّفَ عنه حتى الألم الذي يورثه في الغير، لأنه أقسم أنْ يجلد، فكان ينبغي عليه أنْ يُجلد على الحقيقة حتى لا يحنث، لكن خفَّفَ الله عليه حتى لا يؤلمه في أهله.
آية رقم ٤٥
هنا أيضاً (واذكر) أي: بالحمد والثناء (عبادنا) جمع عبد وقلنا: إن العبودية ممقوتة إنْ كانت للبشر، لكن العبودية لله عِزٌّ وشرف (إبراهيم) هو أبو الأنبياء (وإسحاق) وهبه الله لإبراهيم بعد أنْ أسلم الحكم لله حين أمره بذبح ولده إسماعيل (ويعقوب) هو ابن إسحاق.
وقد وقفنا على قصة هؤلاء الأنبياء في قوله تعالى على لسان إبراهيم يقول لولده إسماعيل: يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ.. [الصافات: ١٠٢] فلم يشأ إبراهيم أنْ يقبل على ذَبْح ولده قبل أنْ يُبيِّن له الأمر الذي صدر إليه، ذلك لأنه أشفق عليه أنْ يأخذه على غِرَّة فيمتلئ قلب الولد على أبيه حقداً؛ لأنه لا يعرف الحكمة من قَتْل أبيه له، ثم أراد أن يشرك ولده معه في التسليم لله وألاّ يحرمه الأجر.
لذلك قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا.. [الصافات: ١٠٣] يعني: إبراهيم وإسماعيل وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ.. [الصافات: ١٠٣-١٠٥] أي: استسلمتَ واستسلم ولدك، إذن ارفع يدك وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١٠٧-١١٣].
إذن: جاء إسحاق وجاء من بعده يعقوب نتيجة لتسليم إبراهيم وانصياعه لأمر ربه في ذبح إسماعيل، فأبقى على إسماعيل، ووهب إسحاق ويعقوب زيادةً وفضلاً من الله؛ لأن الحق سبحانه لا يريد بالابتلاء أنْ يعذِّب الناس.
لذلك قلنا: إن لسيدنا إبراهيم فضلاً على كل مسلم، وجميلاً في عنق كل مؤمن، لماذا؟ لأن مسألة الذبح لو نُفِّذت في إسماعيل لصارتْ ابتلاءً من الله للإنسان بأنْ يتقرَّب إلى الله بذبح ولده، لكن سيدنا إبراهيم بإيمانه وتسليمه الأمر والحكم لله تحمل عنّا هذه المسألة، ورفع عنا هذا الحكم، وإلا صارتْ المسألة نُسُكاً وعبادة لازمة لكل مؤمن من بعده، وصدق القائل:
سَلَّمْ لِرَبِّك حكْمَهُ فَلِحِكْمَةٍ يَقْضِيه حَتَّى تَسْتَريحَ وتغْنَما
وَاذْكُرْ خليلَ الله في ذَبْحِ ابْنِهِ إذْ قالَ خالِقُهُ فَلَمَّا أسْلَمَا
ونتعلم من هذه المسألة أن كل أمر أو حدث يُسيء الإنسان في ظاهره ويتعبه ويعتبره الإنسان مصيبةً لا ينبغي أنْ ننظر إليه مُنفصلاً عن فاعله، لكن يجب أنْ نأخذَ الحدث بضميمة مَنْ أحدثه؛ لأن الحكم على الحدث يتغير بالنظر إلى الفاعل.
وأوضحنا هذه المسألة وقلنا: هَبْ أن ولدك دخل عليك، والدم يسيل من وجهه، فإنك لا تهتم بالإصابة بقدر ما تهتم بالفاعل، فأول سؤال تسأله: مَنْ فعل بك هذا؟ ثم تنتظر أن تسمع اسم الفاعل، فإنْ قال الولد: عمي ضربني فإنك ستهدأ وتقول: لا بُدَّ أنك فعلتَ شيئاً استوجبَ أنْ يضربك عمك، لكن إنْ قال لك: فلان خاصة إنْ كان عدواً لك، فإنك تقيم الدنيا ولا تقعدها.
إذن: لا يمكن أنْ تحكم على الفعل بالخير أو الشر إلا بنسبته إلى فاعله؛ لأنه بنسبة الفعل إلى فاعل تتمحض الخيرية فيه أو يتمحَّض الشرُّ فيه.
ومعنى أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أصحاب الأيدي وهي جمع يد، وتُطلَق اليد على الجارحة المعروفة، وتُطلَق على ما تأتي به الجارحة من فعل، تقول: فلان له يد عليَّ يعني: فضل وجميل، ولأن أغلب الأفعال تُزَاوَلُ باليد سُمِّيَتْ النعمة التي تصل بطريق اليد باسم هذه الجارحة الفاعلة، ومن ذلك قوْل القائل:
له أيادٍ عليَّ سابغة أعدّ منها ولا أعددها
وفَرْق بين الحركة الفاعلة التي تقوم بالفعل، ومعنى آخر في الحركة الفاعلة هو ما يُوجب عليك الحركة، مثلاً حين نريد البَذْل والعطاء، فمَنْ عنده مال يبذل ويعطي بيده، أما المعدم فلا يعطي إنما ينصح مَنْ عنده المال بأنْ يبذلَ منه.
يقول تعالى: لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ.. [التوبة: ٩١].
فالعمل هنا ليس باليد إنما باللسان، لكن لما كانتْ اليد هي الآلة التي نباشر بها أكثر الأعمال نسبنا كلَّ خير يتعدَّى منك إلى غيرك نسبناه إلى اليد؛ لذلك يقول سبحانه: يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.. [الفتح: ١٠].
فإذا كان الإنسان غير واجد للمال، وغير قادر على النصح باللسان، فإن الله تعالى لا يحرمه أبداً من العمل الصالح في البذل، ويكتفي منه بأنْ يفرح بمَنْ يبذل ويسعده العطاء من غيره.
ومثال ذلك: الرجل الذي سمعوه يدعو عند الكعبة يقول: اللهم إنك تعلم أنِّي عاصيك، لكن أحب مَنْ يطيعك. والأصمعي يسمع رجلاً عند الملتزم يدعو ويقول: يا رب أنا أعلم أني عاصيك وأستحي وأنا عاصيك أنْ أطلب منك، لكن لا إله إلا أنت، فلمن أذهب؛ فقال له: يا هذا، إن ربك يغفر لك لحُسْن مسألتك.
ومعلوم أن المؤمن يجتهد في الدعاء خاصة عند الملتزم، ويحاول أن يُحسِن الدعاء، ويُحسِن المسألة في هذا الموقف.
مرتبة أخرى يجعلها الله لغير الواجد حتى لا يُحْرم الأجر في العطاء، هي أنْ يحزن لأنه لا يجد ما يبذله، كما جاء في قول الله تعالى: وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢].
فالحق سبحانه لا يحرم مؤمناً أنْ يكون له موقف في البذل، ولو كان بَذْلاً سلبياً.
ومن معاني اليد: القوة كما في قوله تعالى: يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.. [الفتح: ١٠] فالمراد أُوْلِي ٱلأَيْدِي.. [ص: ٤٥] أي: أصحاب القوة في طاعة الله.
و ٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أي: البصائر في العلم والدين والحكمة، أما الأبصار بمعنى حَاسَّةِ البصر، فهي موجودة في الجميع المؤمن وغير المؤمن، إذن: المراد الأبصار التي ترى ثم تؤدي مهمة أخرى فوق البصر، وتزيده نوراً على نور.
إذن: البصر وحده لا يكفي لأن آيات الله في الكون هي المعطيات، كما نقول في المسألة الرياضية، وهذه المعطيات تحتاج إلى بصيرة واعية لتصل بالمعطيات إلى المطلوب، وهو الإيمان بمَنْ أعطى هذه المعطيات.
فالأبصار حينما تنظر في الكون، وترى معطياته، وترى آيات الله فيه، ثم لا تتأثر عقلياً ولا وجدانياً بها، ولا تلتفت إلى صانعها ومبدعها، فلا قيمة لهذه الأبصار.
فالمعنى ٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أي: أصحاب البصائر التي شغلتْ العقول والوجدان، بما تراه من الآيات، وعلمت أن هذا الكون لا يمكن أنْ يُنْسَب إلا إلى قوة قادرة ظاهرة مسيطرة، لا يوجد لها شريك، وإلا لو كان له شريك لظهر أثره، ولدافع عن حقه في هذا الملْك، وما دام لم يظهر هذا المعارض ولم يَدَّعِ أحد أنه خلق، فالقضية تَسْلَم لمن ادعاها.
لذلك يقول سبحانه: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
وقدَّم الأيدي على الأبصار، لأن عمل الأيدي نتيجة نهائية للبصر، لأنك تبصر آيات الله في كونه، وتعرف أنه ربُّ الجميع، وخالق الجميع، ورازق الجميع، فيرقّ قلبك للفقير وتعطيه، لعلَّكَ تصبح مثله في يوم ما فتجد من يعطيك، ولا تحقد على واجد وأنت معدم، لأن خير الواجد سينالك بأيِّ حال.
لذلك قال تعالى: وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً [النساء: ٩].
ولنعتبر بقوله تعالى: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً.. [الكهف: ٨٢].
ثم يقول سبحانه: إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ [ص: ٤٦].
أخلصناهم يعني: أعطيناهم شيئاً خالصاً لهم، والخالصة التي خصصناهم بها هي التي تلفتهم دائماً إلى دار الجزاء وهي الآخرة، وبهذه الذكرى يظل الإنسان دائماً مُسْتحضراً ثوابَ الطاعة وعقابَ المعصية، وإذا استحضر الإنسان هذه العاقبة استقام على الطاعة وابتعد عن المعصية.
لذلك يقول صلى الله عليه وسلم في بيان هذه المسألة: لماذا نفى عنه الإيمان في هذه اللحظة؟ قالوا: لأنه غفل عن عاقبة فِعْله غفل عن الجزاء، فالغفلة هي التي تكسلنا عن الطاعة، وتُوقِعنا في المعصية، وتُغرينا بها، ولو استحضر الإنسانُ العقوبة على المعصية ما وقع فيها.
وسبق أنْ ضربنا مثلاً فقلنا: لو أن شاباً عنده شرهٌ جنسي. وقلنا له: سنوفر لك ما تريد، لكن بعد أنْ تقضي ليلتك سنأخذك إلى هذا الفرن المسجور، ونضعك فيه لمدة ساعة واحدة، مثل هذا الشاب ما ظنكم به؟ لا بُدَّ أنه سيفر من هذه المعصية، ويهرب منها، ويزهد فيها، لماذا؟ لأنه عاين العاقبة واستحضر الجزاء.
كذلك الطالب الذي يجتهد في دروسه، حتى أنه يهمل في أكله وشربه، لماذا يفعل ذلك؟ لأنه استحضر لذة النجاح وشرف التفوق وعُلُوّ المنزلة بين أهله وزملائه، وفي المقابل الطالب المهمل لا يهمل إلا لأنه غفل عن عاقبة الإهمال وذِلّة الفشل يوم أنْ تظهر نتيجته.
فمعنى ذِكْرَى ٱلدَّارِ [ص: ٤٦] أي: يظل دائماً على ذِكْر لها يستحضر الثواب على الطاعة، فيقبل عليها، ويستحضر العقاب على المَعصية فيفرّ منها.
وقوله: وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ [ص: ٤٧].
أي: الذين اصطفيناهم، ولله تعالى في الخَلْق اصطفاءات يصطفي من الأماكن، ويصطفي من الأزمنة ما يشاء، كما اصطفى من الأمكنة الكعبة وبيتَ المقدس، واصطفى من الأزمنة شهر رمضان كذلك يصطفي من الناس رسلاً، ويصطفي من الملائكة رسلاً.
والاصطفاء ليس تدليلاً للمصطفى ولا محاباة له، إنما ائتمان المصطفَى على ما يريده من اصطفاه أي المصْطِفي من إشاعة الخير في جنسه، فاصطفاء الرسل ليس تدليلاً لهم، إنما الاصطفاء يُحمِّلهم أعباء جسيمة في ذواتهم وأنفسهم وفي أموالهم وأهليهم.
كذلك اصطفى رمضان لا لنعبد الله ونطيعه في رمضان وحده، إنما ليشيع الطاعة في الزمان كله بأنْ تأخذ من رمضان الطاقة اللازمة للعام كله، إذن: فاصطفاء الزمان أو المكان أو الإنسان أو الملائكة ليس تدليلاً لخَلْق على خَلْق، إنما لإشاعة الخير في كل الخَلْق للخَلْق.
ومعنى ٱلأَخْيَارِ [ص: ٤٧] جمع خيِّر. والمعنى: اصطفيناهم لما فيهم من الخيرية، التي تؤهِّلهم لهذا الاصطفاء.
وقد وقفنا على قصة هؤلاء الأنبياء في قوله تعالى على لسان إبراهيم يقول لولده إسماعيل: يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ.. [الصافات: ١٠٢] فلم يشأ إبراهيم أنْ يقبل على ذَبْح ولده قبل أنْ يُبيِّن له الأمر الذي صدر إليه، ذلك لأنه أشفق عليه أنْ يأخذه على غِرَّة فيمتلئ قلب الولد على أبيه حقداً؛ لأنه لا يعرف الحكمة من قَتْل أبيه له، ثم أراد أن يشرك ولده معه في التسليم لله وألاّ يحرمه الأجر.
لذلك قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا.. [الصافات: ١٠٣] يعني: إبراهيم وإسماعيل وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ.. [الصافات: ١٠٣-١٠٥] أي: استسلمتَ واستسلم ولدك، إذن ارفع يدك وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١٠٧-١١٣].
إذن: جاء إسحاق وجاء من بعده يعقوب نتيجة لتسليم إبراهيم وانصياعه لأمر ربه في ذبح إسماعيل، فأبقى على إسماعيل، ووهب إسحاق ويعقوب زيادةً وفضلاً من الله؛ لأن الحق سبحانه لا يريد بالابتلاء أنْ يعذِّب الناس.
لذلك قلنا: إن لسيدنا إبراهيم فضلاً على كل مسلم، وجميلاً في عنق كل مؤمن، لماذا؟ لأن مسألة الذبح لو نُفِّذت في إسماعيل لصارتْ ابتلاءً من الله للإنسان بأنْ يتقرَّب إلى الله بذبح ولده، لكن سيدنا إبراهيم بإيمانه وتسليمه الأمر والحكم لله تحمل عنّا هذه المسألة، ورفع عنا هذا الحكم، وإلا صارتْ المسألة نُسُكاً وعبادة لازمة لكل مؤمن من بعده، وصدق القائل:
سَلَّمْ لِرَبِّك حكْمَهُ فَلِحِكْمَةٍ يَقْضِيه حَتَّى تَسْتَريحَ وتغْنَما
وَاذْكُرْ خليلَ الله في ذَبْحِ ابْنِهِ إذْ قالَ خالِقُهُ فَلَمَّا أسْلَمَا
ونتعلم من هذه المسألة أن كل أمر أو حدث يُسيء الإنسان في ظاهره ويتعبه ويعتبره الإنسان مصيبةً لا ينبغي أنْ ننظر إليه مُنفصلاً عن فاعله، لكن يجب أنْ نأخذَ الحدث بضميمة مَنْ أحدثه؛ لأن الحكم على الحدث يتغير بالنظر إلى الفاعل.
وأوضحنا هذه المسألة وقلنا: هَبْ أن ولدك دخل عليك، والدم يسيل من وجهه، فإنك لا تهتم بالإصابة بقدر ما تهتم بالفاعل، فأول سؤال تسأله: مَنْ فعل بك هذا؟ ثم تنتظر أن تسمع اسم الفاعل، فإنْ قال الولد: عمي ضربني فإنك ستهدأ وتقول: لا بُدَّ أنك فعلتَ شيئاً استوجبَ أنْ يضربك عمك، لكن إنْ قال لك: فلان خاصة إنْ كان عدواً لك، فإنك تقيم الدنيا ولا تقعدها.
إذن: لا يمكن أنْ تحكم على الفعل بالخير أو الشر إلا بنسبته إلى فاعله؛ لأنه بنسبة الفعل إلى فاعل تتمحض الخيرية فيه أو يتمحَّض الشرُّ فيه.
ومعنى أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أصحاب الأيدي وهي جمع يد، وتُطلَق اليد على الجارحة المعروفة، وتُطلَق على ما تأتي به الجارحة من فعل، تقول: فلان له يد عليَّ يعني: فضل وجميل، ولأن أغلب الأفعال تُزَاوَلُ باليد سُمِّيَتْ النعمة التي تصل بطريق اليد باسم هذه الجارحة الفاعلة، ومن ذلك قوْل القائل:
له أيادٍ عليَّ سابغة أعدّ منها ولا أعددها
وفَرْق بين الحركة الفاعلة التي تقوم بالفعل، ومعنى آخر في الحركة الفاعلة هو ما يُوجب عليك الحركة، مثلاً حين نريد البَذْل والعطاء، فمَنْ عنده مال يبذل ويعطي بيده، أما المعدم فلا يعطي إنما ينصح مَنْ عنده المال بأنْ يبذلَ منه.
يقول تعالى: لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ.. [التوبة: ٩١].
فالعمل هنا ليس باليد إنما باللسان، لكن لما كانتْ اليد هي الآلة التي نباشر بها أكثر الأعمال نسبنا كلَّ خير يتعدَّى منك إلى غيرك نسبناه إلى اليد؛ لذلك يقول سبحانه: يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.. [الفتح: ١٠].
فإذا كان الإنسان غير واجد للمال، وغير قادر على النصح باللسان، فإن الله تعالى لا يحرمه أبداً من العمل الصالح في البذل، ويكتفي منه بأنْ يفرح بمَنْ يبذل ويسعده العطاء من غيره.
ومثال ذلك: الرجل الذي سمعوه يدعو عند الكعبة يقول: اللهم إنك تعلم أنِّي عاصيك، لكن أحب مَنْ يطيعك. والأصمعي يسمع رجلاً عند الملتزم يدعو ويقول: يا رب أنا أعلم أني عاصيك وأستحي وأنا عاصيك أنْ أطلب منك، لكن لا إله إلا أنت، فلمن أذهب؛ فقال له: يا هذا، إن ربك يغفر لك لحُسْن مسألتك.
ومعلوم أن المؤمن يجتهد في الدعاء خاصة عند الملتزم، ويحاول أن يُحسِن الدعاء، ويُحسِن المسألة في هذا الموقف.
مرتبة أخرى يجعلها الله لغير الواجد حتى لا يُحْرم الأجر في العطاء، هي أنْ يحزن لأنه لا يجد ما يبذله، كما جاء في قول الله تعالى: وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢].
فالحق سبحانه لا يحرم مؤمناً أنْ يكون له موقف في البذل، ولو كان بَذْلاً سلبياً.
ومن معاني اليد: القوة كما في قوله تعالى: يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.. [الفتح: ١٠] فالمراد أُوْلِي ٱلأَيْدِي.. [ص: ٤٥] أي: أصحاب القوة في طاعة الله.
و ٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أي: البصائر في العلم والدين والحكمة، أما الأبصار بمعنى حَاسَّةِ البصر، فهي موجودة في الجميع المؤمن وغير المؤمن، إذن: المراد الأبصار التي ترى ثم تؤدي مهمة أخرى فوق البصر، وتزيده نوراً على نور.
إذن: البصر وحده لا يكفي لأن آيات الله في الكون هي المعطيات، كما نقول في المسألة الرياضية، وهذه المعطيات تحتاج إلى بصيرة واعية لتصل بالمعطيات إلى المطلوب، وهو الإيمان بمَنْ أعطى هذه المعطيات.
فالأبصار حينما تنظر في الكون، وترى معطياته، وترى آيات الله فيه، ثم لا تتأثر عقلياً ولا وجدانياً بها، ولا تلتفت إلى صانعها ومبدعها، فلا قيمة لهذه الأبصار.
فالمعنى ٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أي: أصحاب البصائر التي شغلتْ العقول والوجدان، بما تراه من الآيات، وعلمت أن هذا الكون لا يمكن أنْ يُنْسَب إلا إلى قوة قادرة ظاهرة مسيطرة، لا يوجد لها شريك، وإلا لو كان له شريك لظهر أثره، ولدافع عن حقه في هذا الملْك، وما دام لم يظهر هذا المعارض ولم يَدَّعِ أحد أنه خلق، فالقضية تَسْلَم لمن ادعاها.
لذلك يقول سبحانه: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
وقدَّم الأيدي على الأبصار، لأن عمل الأيدي نتيجة نهائية للبصر، لأنك تبصر آيات الله في كونه، وتعرف أنه ربُّ الجميع، وخالق الجميع، ورازق الجميع، فيرقّ قلبك للفقير وتعطيه، لعلَّكَ تصبح مثله في يوم ما فتجد من يعطيك، ولا تحقد على واجد وأنت معدم، لأن خير الواجد سينالك بأيِّ حال.
لذلك قال تعالى: وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً [النساء: ٩].
ولنعتبر بقوله تعالى: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً.. [الكهف: ٨٢].
ثم يقول سبحانه: إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ [ص: ٤٦].
أخلصناهم يعني: أعطيناهم شيئاً خالصاً لهم، والخالصة التي خصصناهم بها هي التي تلفتهم دائماً إلى دار الجزاء وهي الآخرة، وبهذه الذكرى يظل الإنسان دائماً مُسْتحضراً ثوابَ الطاعة وعقابَ المعصية، وإذا استحضر الإنسان هذه العاقبة استقام على الطاعة وابتعد عن المعصية.
لذلك يقول صلى الله عليه وسلم في بيان هذه المسألة: لماذا نفى عنه الإيمان في هذه اللحظة؟ قالوا: لأنه غفل عن عاقبة فِعْله غفل عن الجزاء، فالغفلة هي التي تكسلنا عن الطاعة، وتُوقِعنا في المعصية، وتُغرينا بها، ولو استحضر الإنسانُ العقوبة على المعصية ما وقع فيها.
وسبق أنْ ضربنا مثلاً فقلنا: لو أن شاباً عنده شرهٌ جنسي. وقلنا له: سنوفر لك ما تريد، لكن بعد أنْ تقضي ليلتك سنأخذك إلى هذا الفرن المسجور، ونضعك فيه لمدة ساعة واحدة، مثل هذا الشاب ما ظنكم به؟ لا بُدَّ أنه سيفر من هذه المعصية، ويهرب منها، ويزهد فيها، لماذا؟ لأنه عاين العاقبة واستحضر الجزاء.
كذلك الطالب الذي يجتهد في دروسه، حتى أنه يهمل في أكله وشربه، لماذا يفعل ذلك؟ لأنه استحضر لذة النجاح وشرف التفوق وعُلُوّ المنزلة بين أهله وزملائه، وفي المقابل الطالب المهمل لا يهمل إلا لأنه غفل عن عاقبة الإهمال وذِلّة الفشل يوم أنْ تظهر نتيجته.
فمعنى ذِكْرَى ٱلدَّارِ [ص: ٤٦] أي: يظل دائماً على ذِكْر لها يستحضر الثواب على الطاعة، فيقبل عليها، ويستحضر العقاب على المَعصية فيفرّ منها.
وقوله: وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ [ص: ٤٧].
أي: الذين اصطفيناهم، ولله تعالى في الخَلْق اصطفاءات يصطفي من الأماكن، ويصطفي من الأزمنة ما يشاء، كما اصطفى من الأمكنة الكعبة وبيتَ المقدس، واصطفى من الأزمنة شهر رمضان كذلك يصطفي من الناس رسلاً، ويصطفي من الملائكة رسلاً.
والاصطفاء ليس تدليلاً للمصطفى ولا محاباة له، إنما ائتمان المصطفَى على ما يريده من اصطفاه أي المصْطِفي من إشاعة الخير في جنسه، فاصطفاء الرسل ليس تدليلاً لهم، إنما الاصطفاء يُحمِّلهم أعباء جسيمة في ذواتهم وأنفسهم وفي أموالهم وأهليهم.
كذلك اصطفى رمضان لا لنعبد الله ونطيعه في رمضان وحده، إنما ليشيع الطاعة في الزمان كله بأنْ تأخذ من رمضان الطاقة اللازمة للعام كله، إذن: فاصطفاء الزمان أو المكان أو الإنسان أو الملائكة ليس تدليلاً لخَلْق على خَلْق، إنما لإشاعة الخير في كل الخَلْق للخَلْق.
ومعنى ٱلأَخْيَارِ [ص: ٤٧] جمع خيِّر. والمعنى: اصطفيناهم لما فيهم من الخيرية، التي تؤهِّلهم لهذا الاصطفاء.
آية رقم ٤٦
ﭶﭷﭸﭹﭺ
ﭻ
هنا أيضاً (واذكر) أي: بالحمد والثناء (عبادنا) جمع عبد وقلنا: إن العبودية ممقوتة إنْ كانت للبشر، لكن العبودية لله عِزٌّ وشرف (إبراهيم) هو أبو الأنبياء (وإسحاق) وهبه الله لإبراهيم بعد أنْ أسلم الحكم لله حين أمره بذبح ولده إسماعيل (ويعقوب) هو ابن إسحاق.
وقد وقفنا على قصة هؤلاء الأنبياء في قوله تعالى على لسان إبراهيم يقول لولده إسماعيل: يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ.. [الصافات: ١٠٢] فلم يشأ إبراهيم أنْ يقبل على ذَبْح ولده قبل أنْ يُبيِّن له الأمر الذي صدر إليه، ذلك لأنه أشفق عليه أنْ يأخذه على غِرَّة فيمتلئ قلب الولد على أبيه حقداً؛ لأنه لا يعرف الحكمة من قَتْل أبيه له، ثم أراد أن يشرك ولده معه في التسليم لله وألاّ يحرمه الأجر.
لذلك قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا.. [الصافات: ١٠٣] يعني: إبراهيم وإسماعيل وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ.. [الصافات: ١٠٣-١٠٥] أي: استسلمتَ واستسلم ولدك، إذن ارفع يدك وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١٠٧-١١٣].
إذن: جاء إسحاق وجاء من بعده يعقوب نتيجة لتسليم إبراهيم وانصياعه لأمر ربه في ذبح إسماعيل، فأبقى على إسماعيل، ووهب إسحاق ويعقوب زيادةً وفضلاً من الله؛ لأن الحق سبحانه لا يريد بالابتلاء أنْ يعذِّب الناس.
لذلك قلنا: إن لسيدنا إبراهيم فضلاً على كل مسلم، وجميلاً في عنق كل مؤمن، لماذا؟ لأن مسألة الذبح لو نُفِّذت في إسماعيل لصارتْ ابتلاءً من الله للإنسان بأنْ يتقرَّب إلى الله بذبح ولده، لكن سيدنا إبراهيم بإيمانه وتسليمه الأمر والحكم لله تحمل عنّا هذه المسألة، ورفع عنا هذا الحكم، وإلا صارتْ المسألة نُسُكاً وعبادة لازمة لكل مؤمن من بعده، وصدق القائل:
سَلَّمْ لِرَبِّك حكْمَهُ فَلِحِكْمَةٍ يَقْضِيه حَتَّى تَسْتَريحَ وتغْنَما
وَاذْكُرْ خليلَ الله في ذَبْحِ ابْنِهِ إذْ قالَ خالِقُهُ فَلَمَّا أسْلَمَا
ونتعلم من هذه المسألة أن كل أمر أو حدث يُسيء الإنسان في ظاهره ويتعبه ويعتبره الإنسان مصيبةً لا ينبغي أنْ ننظر إليه مُنفصلاً عن فاعله، لكن يجب أنْ نأخذَ الحدث بضميمة مَنْ أحدثه؛ لأن الحكم على الحدث يتغير بالنظر إلى الفاعل.
وأوضحنا هذه المسألة وقلنا: هَبْ أن ولدك دخل عليك، والدم يسيل من وجهه، فإنك لا تهتم بالإصابة بقدر ما تهتم بالفاعل، فأول سؤال تسأله: مَنْ فعل بك هذا؟ ثم تنتظر أن تسمع اسم الفاعل، فإنْ قال الولد: عمي ضربني فإنك ستهدأ وتقول: لا بُدَّ أنك فعلتَ شيئاً استوجبَ أنْ يضربك عمك، لكن إنْ قال لك: فلان خاصة إنْ كان عدواً لك، فإنك تقيم الدنيا ولا تقعدها.
إذن: لا يمكن أنْ تحكم على الفعل بالخير أو الشر إلا بنسبته إلى فاعله؛ لأنه بنسبة الفعل إلى فاعل تتمحض الخيرية فيه أو يتمحَّض الشرُّ فيه.
ومعنى أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أصحاب الأيدي وهي جمع يد، وتُطلَق اليد على الجارحة المعروفة، وتُطلَق على ما تأتي به الجارحة من فعل، تقول: فلان له يد عليَّ يعني: فضل وجميل، ولأن أغلب الأفعال تُزَاوَلُ باليد سُمِّيَتْ النعمة التي تصل بطريق اليد باسم هذه الجارحة الفاعلة، ومن ذلك قوْل القائل:
له أيادٍ عليَّ سابغة أعدّ منها ولا أعددها
وفَرْق بين الحركة الفاعلة التي تقوم بالفعل، ومعنى آخر في الحركة الفاعلة هو ما يُوجب عليك الحركة، مثلاً حين نريد البَذْل والعطاء، فمَنْ عنده مال يبذل ويعطي بيده، أما المعدم فلا يعطي إنما ينصح مَنْ عنده المال بأنْ يبذلَ منه.
يقول تعالى: لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ.. [التوبة: ٩١].
فالعمل هنا ليس باليد إنما باللسان، لكن لما كانتْ اليد هي الآلة التي نباشر بها أكثر الأعمال نسبنا كلَّ خير يتعدَّى منك إلى غيرك نسبناه إلى اليد؛ لذلك يقول سبحانه: يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.. [الفتح: ١٠].
فإذا كان الإنسان غير واجد للمال، وغير قادر على النصح باللسان، فإن الله تعالى لا يحرمه أبداً من العمل الصالح في البذل، ويكتفي منه بأنْ يفرح بمَنْ يبذل ويسعده العطاء من غيره.
ومثال ذلك: الرجل الذي سمعوه يدعو عند الكعبة يقول: اللهم إنك تعلم أنِّي عاصيك، لكن أحب مَنْ يطيعك. والأصمعي يسمع رجلاً عند الملتزم يدعو ويقول: يا رب أنا أعلم أني عاصيك وأستحي وأنا عاصيك أنْ أطلب منك، لكن لا إله إلا أنت، فلمن أذهب؛ فقال له: يا هذا، إن ربك يغفر لك لحُسْن مسألتك.
ومعلوم أن المؤمن يجتهد في الدعاء خاصة عند الملتزم، ويحاول أن يُحسِن الدعاء، ويُحسِن المسألة في هذا الموقف.
مرتبة أخرى يجعلها الله لغير الواجد حتى لا يُحْرم الأجر في العطاء، هي أنْ يحزن لأنه لا يجد ما يبذله، كما جاء في قول الله تعالى: وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢].
فالحق سبحانه لا يحرم مؤمناً أنْ يكون له موقف في البذل، ولو كان بَذْلاً سلبياً.
ومن معاني اليد: القوة كما في قوله تعالى: يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.. [الفتح: ١٠] فالمراد أُوْلِي ٱلأَيْدِي.. [ص: ٤٥] أي: أصحاب القوة في طاعة الله.
و ٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أي: البصائر في العلم والدين والحكمة، أما الأبصار بمعنى حَاسَّةِ البصر، فهي موجودة في الجميع المؤمن وغير المؤمن، إذن: المراد الأبصار التي ترى ثم تؤدي مهمة أخرى فوق البصر، وتزيده نوراً على نور.
إذن: البصر وحده لا يكفي لأن آيات الله في الكون هي المعطيات، كما نقول في المسألة الرياضية، وهذه المعطيات تحتاج إلى بصيرة واعية لتصل بالمعطيات إلى المطلوب، وهو الإيمان بمَنْ أعطى هذه المعطيات.
فالأبصار حينما تنظر في الكون، وترى معطياته، وترى آيات الله فيه، ثم لا تتأثر عقلياً ولا وجدانياً بها، ولا تلتفت إلى صانعها ومبدعها، فلا قيمة لهذه الأبصار.
فالمعنى ٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أي: أصحاب البصائر التي شغلتْ العقول والوجدان، بما تراه من الآيات، وعلمت أن هذا الكون لا يمكن أنْ يُنْسَب إلا إلى قوة قادرة ظاهرة مسيطرة، لا يوجد لها شريك، وإلا لو كان له شريك لظهر أثره، ولدافع عن حقه في هذا الملْك، وما دام لم يظهر هذا المعارض ولم يَدَّعِ أحد أنه خلق، فالقضية تَسْلَم لمن ادعاها.
لذلك يقول سبحانه: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
وقدَّم الأيدي على الأبصار، لأن عمل الأيدي نتيجة نهائية للبصر، لأنك تبصر آيات الله في كونه، وتعرف أنه ربُّ الجميع، وخالق الجميع، ورازق الجميع، فيرقّ قلبك للفقير وتعطيه، لعلَّكَ تصبح مثله في يوم ما فتجد من يعطيك، ولا تحقد على واجد وأنت معدم، لأن خير الواجد سينالك بأيِّ حال.
لذلك قال تعالى: وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً [النساء: ٩].
ولنعتبر بقوله تعالى: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً.. [الكهف: ٨٢].
ثم يقول سبحانه: إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ [ص: ٤٦].
أخلصناهم يعني: أعطيناهم شيئاً خالصاً لهم، والخالصة التي خصصناهم بها هي التي تلفتهم دائماً إلى دار الجزاء وهي الآخرة، وبهذه الذكرى يظل الإنسان دائماً مُسْتحضراً ثوابَ الطاعة وعقابَ المعصية، وإذا استحضر الإنسان هذه العاقبة استقام على الطاعة وابتعد عن المعصية.
لذلك يقول صلى الله عليه وسلم في بيان هذه المسألة: لماذا نفى عنه الإيمان في هذه اللحظة؟ قالوا: لأنه غفل عن عاقبة فِعْله غفل عن الجزاء، فالغفلة هي التي تكسلنا عن الطاعة، وتُوقِعنا في المعصية، وتُغرينا بها، ولو استحضر الإنسانُ العقوبة على المعصية ما وقع فيها.
وسبق أنْ ضربنا مثلاً فقلنا: لو أن شاباً عنده شرهٌ جنسي. وقلنا له: سنوفر لك ما تريد، لكن بعد أنْ تقضي ليلتك سنأخذك إلى هذا الفرن المسجور، ونضعك فيه لمدة ساعة واحدة، مثل هذا الشاب ما ظنكم به؟ لا بُدَّ أنه سيفر من هذه المعصية، ويهرب منها، ويزهد فيها، لماذا؟ لأنه عاين العاقبة واستحضر الجزاء.
كذلك الطالب الذي يجتهد في دروسه، حتى أنه يهمل في أكله وشربه، لماذا يفعل ذلك؟ لأنه استحضر لذة النجاح وشرف التفوق وعُلُوّ المنزلة بين أهله وزملائه، وفي المقابل الطالب المهمل لا يهمل إلا لأنه غفل عن عاقبة الإهمال وذِلّة الفشل يوم أنْ تظهر نتيجته.
فمعنى ذِكْرَى ٱلدَّارِ [ص: ٤٦] أي: يظل دائماً على ذِكْر لها يستحضر الثواب على الطاعة، فيقبل عليها، ويستحضر العقاب على المَعصية فيفرّ منها.
وقوله: وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ [ص: ٤٧].
أي: الذين اصطفيناهم، ولله تعالى في الخَلْق اصطفاءات يصطفي من الأماكن، ويصطفي من الأزمنة ما يشاء، كما اصطفى من الأمكنة الكعبة وبيتَ المقدس، واصطفى من الأزمنة شهر رمضان كذلك يصطفي من الناس رسلاً، ويصطفي من الملائكة رسلاً.
والاصطفاء ليس تدليلاً للمصطفى ولا محاباة له، إنما ائتمان المصطفَى على ما يريده من اصطفاه أي المصْطِفي من إشاعة الخير في جنسه، فاصطفاء الرسل ليس تدليلاً لهم، إنما الاصطفاء يُحمِّلهم أعباء جسيمة في ذواتهم وأنفسهم وفي أموالهم وأهليهم.
كذلك اصطفى رمضان لا لنعبد الله ونطيعه في رمضان وحده، إنما ليشيع الطاعة في الزمان كله بأنْ تأخذ من رمضان الطاقة اللازمة للعام كله، إذن: فاصطفاء الزمان أو المكان أو الإنسان أو الملائكة ليس تدليلاً لخَلْق على خَلْق، إنما لإشاعة الخير في كل الخَلْق للخَلْق.
ومعنى ٱلأَخْيَارِ [ص: ٤٧] جمع خيِّر. والمعنى: اصطفيناهم لما فيهم من الخيرية، التي تؤهِّلهم لهذا الاصطفاء.
وقد وقفنا على قصة هؤلاء الأنبياء في قوله تعالى على لسان إبراهيم يقول لولده إسماعيل: يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ.. [الصافات: ١٠٢] فلم يشأ إبراهيم أنْ يقبل على ذَبْح ولده قبل أنْ يُبيِّن له الأمر الذي صدر إليه، ذلك لأنه أشفق عليه أنْ يأخذه على غِرَّة فيمتلئ قلب الولد على أبيه حقداً؛ لأنه لا يعرف الحكمة من قَتْل أبيه له، ثم أراد أن يشرك ولده معه في التسليم لله وألاّ يحرمه الأجر.
لذلك قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا.. [الصافات: ١٠٣] يعني: إبراهيم وإسماعيل وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ.. [الصافات: ١٠٣-١٠٥] أي: استسلمتَ واستسلم ولدك، إذن ارفع يدك وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ * سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ [الصافات: ١٠٧-١١٣].
إذن: جاء إسحاق وجاء من بعده يعقوب نتيجة لتسليم إبراهيم وانصياعه لأمر ربه في ذبح إسماعيل، فأبقى على إسماعيل، ووهب إسحاق ويعقوب زيادةً وفضلاً من الله؛ لأن الحق سبحانه لا يريد بالابتلاء أنْ يعذِّب الناس.
لذلك قلنا: إن لسيدنا إبراهيم فضلاً على كل مسلم، وجميلاً في عنق كل مؤمن، لماذا؟ لأن مسألة الذبح لو نُفِّذت في إسماعيل لصارتْ ابتلاءً من الله للإنسان بأنْ يتقرَّب إلى الله بذبح ولده، لكن سيدنا إبراهيم بإيمانه وتسليمه الأمر والحكم لله تحمل عنّا هذه المسألة، ورفع عنا هذا الحكم، وإلا صارتْ المسألة نُسُكاً وعبادة لازمة لكل مؤمن من بعده، وصدق القائل:
سَلَّمْ لِرَبِّك حكْمَهُ فَلِحِكْمَةٍ يَقْضِيه حَتَّى تَسْتَريحَ وتغْنَما
وَاذْكُرْ خليلَ الله في ذَبْحِ ابْنِهِ إذْ قالَ خالِقُهُ فَلَمَّا أسْلَمَا
ونتعلم من هذه المسألة أن كل أمر أو حدث يُسيء الإنسان في ظاهره ويتعبه ويعتبره الإنسان مصيبةً لا ينبغي أنْ ننظر إليه مُنفصلاً عن فاعله، لكن يجب أنْ نأخذَ الحدث بضميمة مَنْ أحدثه؛ لأن الحكم على الحدث يتغير بالنظر إلى الفاعل.
وأوضحنا هذه المسألة وقلنا: هَبْ أن ولدك دخل عليك، والدم يسيل من وجهه، فإنك لا تهتم بالإصابة بقدر ما تهتم بالفاعل، فأول سؤال تسأله: مَنْ فعل بك هذا؟ ثم تنتظر أن تسمع اسم الفاعل، فإنْ قال الولد: عمي ضربني فإنك ستهدأ وتقول: لا بُدَّ أنك فعلتَ شيئاً استوجبَ أنْ يضربك عمك، لكن إنْ قال لك: فلان خاصة إنْ كان عدواً لك، فإنك تقيم الدنيا ولا تقعدها.
إذن: لا يمكن أنْ تحكم على الفعل بالخير أو الشر إلا بنسبته إلى فاعله؛ لأنه بنسبة الفعل إلى فاعل تتمحض الخيرية فيه أو يتمحَّض الشرُّ فيه.
ومعنى أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أصحاب الأيدي وهي جمع يد، وتُطلَق اليد على الجارحة المعروفة، وتُطلَق على ما تأتي به الجارحة من فعل، تقول: فلان له يد عليَّ يعني: فضل وجميل، ولأن أغلب الأفعال تُزَاوَلُ باليد سُمِّيَتْ النعمة التي تصل بطريق اليد باسم هذه الجارحة الفاعلة، ومن ذلك قوْل القائل:
له أيادٍ عليَّ سابغة أعدّ منها ولا أعددها
وفَرْق بين الحركة الفاعلة التي تقوم بالفعل، ومعنى آخر في الحركة الفاعلة هو ما يُوجب عليك الحركة، مثلاً حين نريد البَذْل والعطاء، فمَنْ عنده مال يبذل ويعطي بيده، أما المعدم فلا يعطي إنما ينصح مَنْ عنده المال بأنْ يبذلَ منه.
يقول تعالى: لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ.. [التوبة: ٩١].
فالعمل هنا ليس باليد إنما باللسان، لكن لما كانتْ اليد هي الآلة التي نباشر بها أكثر الأعمال نسبنا كلَّ خير يتعدَّى منك إلى غيرك نسبناه إلى اليد؛ لذلك يقول سبحانه: يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.. [الفتح: ١٠].
فإذا كان الإنسان غير واجد للمال، وغير قادر على النصح باللسان، فإن الله تعالى لا يحرمه أبداً من العمل الصالح في البذل، ويكتفي منه بأنْ يفرح بمَنْ يبذل ويسعده العطاء من غيره.
ومثال ذلك: الرجل الذي سمعوه يدعو عند الكعبة يقول: اللهم إنك تعلم أنِّي عاصيك، لكن أحب مَنْ يطيعك. والأصمعي يسمع رجلاً عند الملتزم يدعو ويقول: يا رب أنا أعلم أني عاصيك وأستحي وأنا عاصيك أنْ أطلب منك، لكن لا إله إلا أنت، فلمن أذهب؛ فقال له: يا هذا، إن ربك يغفر لك لحُسْن مسألتك.
ومعلوم أن المؤمن يجتهد في الدعاء خاصة عند الملتزم، ويحاول أن يُحسِن الدعاء، ويُحسِن المسألة في هذا الموقف.
مرتبة أخرى يجعلها الله لغير الواجد حتى لا يُحْرم الأجر في العطاء، هي أنْ يحزن لأنه لا يجد ما يبذله، كما جاء في قول الله تعالى: وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢].
فالحق سبحانه لا يحرم مؤمناً أنْ يكون له موقف في البذل، ولو كان بَذْلاً سلبياً.
ومن معاني اليد: القوة كما في قوله تعالى: يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ.. [الفتح: ١٠] فالمراد أُوْلِي ٱلأَيْدِي.. [ص: ٤٥] أي: أصحاب القوة في طاعة الله.
و ٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أي: البصائر في العلم والدين والحكمة، أما الأبصار بمعنى حَاسَّةِ البصر، فهي موجودة في الجميع المؤمن وغير المؤمن، إذن: المراد الأبصار التي ترى ثم تؤدي مهمة أخرى فوق البصر، وتزيده نوراً على نور.
إذن: البصر وحده لا يكفي لأن آيات الله في الكون هي المعطيات، كما نقول في المسألة الرياضية، وهذه المعطيات تحتاج إلى بصيرة واعية لتصل بالمعطيات إلى المطلوب، وهو الإيمان بمَنْ أعطى هذه المعطيات.
فالأبصار حينما تنظر في الكون، وترى معطياته، وترى آيات الله فيه، ثم لا تتأثر عقلياً ولا وجدانياً بها، ولا تلتفت إلى صانعها ومبدعها، فلا قيمة لهذه الأبصار.
فالمعنى ٱلأَبْصَارِ [ص: ٤٥] أي: أصحاب البصائر التي شغلتْ العقول والوجدان، بما تراه من الآيات، وعلمت أن هذا الكون لا يمكن أنْ يُنْسَب إلا إلى قوة قادرة ظاهرة مسيطرة، لا يوجد لها شريك، وإلا لو كان له شريك لظهر أثره، ولدافع عن حقه في هذا الملْك، وما دام لم يظهر هذا المعارض ولم يَدَّعِ أحد أنه خلق، فالقضية تَسْلَم لمن ادعاها.
لذلك يقول سبحانه: قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً [الإسراء: ٤٢].
وقدَّم الأيدي على الأبصار، لأن عمل الأيدي نتيجة نهائية للبصر، لأنك تبصر آيات الله في كونه، وتعرف أنه ربُّ الجميع، وخالق الجميع، ورازق الجميع، فيرقّ قلبك للفقير وتعطيه، لعلَّكَ تصبح مثله في يوم ما فتجد من يعطيك، ولا تحقد على واجد وأنت معدم، لأن خير الواجد سينالك بأيِّ حال.
لذلك قال تعالى: وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً [النساء: ٩].
ولنعتبر بقوله تعالى: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً.. [الكهف: ٨٢].
ثم يقول سبحانه: إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ [ص: ٤٦].
أخلصناهم يعني: أعطيناهم شيئاً خالصاً لهم، والخالصة التي خصصناهم بها هي التي تلفتهم دائماً إلى دار الجزاء وهي الآخرة، وبهذه الذكرى يظل الإنسان دائماً مُسْتحضراً ثوابَ الطاعة وعقابَ المعصية، وإذا استحضر الإنسان هذه العاقبة استقام على الطاعة وابتعد عن المعصية.
لذلك يقول صلى الله عليه وسلم في بيان هذه المسألة: لماذا نفى عنه الإيمان في هذه اللحظة؟ قالوا: لأنه غفل عن عاقبة فِعْله غفل عن الجزاء، فالغفلة هي التي تكسلنا عن الطاعة، وتُوقِعنا في المعصية، وتُغرينا بها، ولو استحضر الإنسانُ العقوبة على المعصية ما وقع فيها.
وسبق أنْ ضربنا مثلاً فقلنا: لو أن شاباً عنده شرهٌ جنسي. وقلنا له: سنوفر لك ما تريد، لكن بعد أنْ تقضي ليلتك سنأخذك إلى هذا الفرن المسجور، ونضعك فيه لمدة ساعة واحدة، مثل هذا الشاب ما ظنكم به؟ لا بُدَّ أنه سيفر من هذه المعصية، ويهرب منها، ويزهد فيها، لماذا؟ لأنه عاين العاقبة واستحضر الجزاء.
كذلك الطالب الذي يجتهد في دروسه، حتى أنه يهمل في أكله وشربه، لماذا يفعل ذلك؟ لأنه استحضر لذة النجاح وشرف التفوق وعُلُوّ المنزلة بين أهله وزملائه، وفي المقابل الطالب المهمل لا يهمل إلا لأنه غفل عن عاقبة الإهمال وذِلّة الفشل يوم أنْ تظهر نتيجته.
فمعنى ذِكْرَى ٱلدَّارِ [ص: ٤٦] أي: يظل دائماً على ذِكْر لها يستحضر الثواب على الطاعة، فيقبل عليها، ويستحضر العقاب على المَعصية فيفرّ منها.
وقوله: وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ [ص: ٤٧].
أي: الذين اصطفيناهم، ولله تعالى في الخَلْق اصطفاءات يصطفي من الأماكن، ويصطفي من الأزمنة ما يشاء، كما اصطفى من الأمكنة الكعبة وبيتَ المقدس، واصطفى من الأزمنة شهر رمضان كذلك يصطفي من الناس رسلاً، ويصطفي من الملائكة رسلاً.
والاصطفاء ليس تدليلاً للمصطفى ولا محاباة له، إنما ائتمان المصطفَى على ما يريده من اصطفاه أي المصْطِفي من إشاعة الخير في جنسه، فاصطفاء الرسل ليس تدليلاً لهم، إنما الاصطفاء يُحمِّلهم أعباء جسيمة في ذواتهم وأنفسهم وفي أموالهم وأهليهم.
كذلك اصطفى رمضان لا لنعبد الله ونطيعه في رمضان وحده، إنما ليشيع الطاعة في الزمان كله بأنْ تأخذ من رمضان الطاقة اللازمة للعام كله، إذن: فاصطفاء الزمان أو المكان أو الإنسان أو الملائكة ليس تدليلاً لخَلْق على خَلْق، إنما لإشاعة الخير في كل الخَلْق للخَلْق.
ومعنى ٱلأَخْيَارِ [ص: ٤٧] جمع خيِّر. والمعنى: اصطفيناهم لما فيهم من الخيرية، التي تؤهِّلهم لهذا الاصطفاء.
آية رقم ٤٧
ﭼﭽﭾﭿﮀ
ﮁ
الاصطفاء ليس تدليلاً للمصطفى ولا محاباة له، إنما ائتمان المصطفَى على ما يريده من اصطفاه أي المصْطِفي من إشاعة الخير في جنسه، فاصطفاء الرسل ليس تدليلاً لهم، إنما الاصطفاء يُحمِّلهم أعباء جسيمة في ذواتهم وأنفسهم وفي أموالهم وأهليهم...
ومعنى الأَخْيَارِ جمع خيِّر. والمعنى: اصطفيناهم لما فيهم من الخيرية، التي تؤهِّلهم لهذا الاصطفاء.
ومعنى الأَخْيَارِ جمع خيِّر. والمعنى: اصطفيناهم لما فيهم من الخيرية، التي تؤهِّلهم لهذا الاصطفاء.
آية رقم ٤٨
سيدنا إسماعيل معروف لنا جميعاً من خلال قصته مع أبيه إبراهيم، والخلاف هنا بين العلماء في سيدنا ذي الكفل، لأن من الرسل مَنْ عدَّهم الله في موكب الرسالات، لكن لم يذكر لنا إلا أسماءهم وأوصافهم، وذو الكفل ذُكِر هنا بهذا الوصف. وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ [ص: ٤٧] فاليسع لا نعرف عنه إلا اسمه، ولم يذكر القرآن مَنْ هو، ولا متى بُعِث، ولا إلى مَنْ أرسِل، ولا المنهج الذي جاء به، كذلك في ذي الكفل لم يذكر عنه القرآن إلا اسمه، ووصفه هنا بأنه من المصطفين الأخيار، وفي سورة الأنبياء قال عنه الحق سبحانه: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا ٱلْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ [الأنبياء: ٨٥-٨٦].
فوُصِف مرةً بأنه من الأخيار، ومرة بأنه من الصابرين، ومرة من الصالحين، ولهذا أدخله الله في رحمته، وهذه التي جعلت العلماء يختلفون في ذي الكفل، أهو رسول أم غير رسول؟ لكن جمهور العلماء على أنه رسول، بدليل أن الله تعالى سلكه ضمن هؤلاء الرسل.
ومما قيل في ذي الكفل أنه في فترة اليسع وفي رسالته أراد أن يستخلفَ على الناس رجلاً بعده، وأراد أنْ يرى سيرته في الرعية، وكيف سيتصرف هذا في أخريات حياته؟ وحين رأى أن قوته عجزتْ عن القيام بأمر الدعوة. وكان من حرصه على الدعوة من بعده أنْ يختبر مَنْ يستخلفه وينظر ما يفعل.
فلما جلس اليسع في قومه قال: مَنْ يتقبل مني بثلاث؟ والباء عادة كما في هذه العبارة تدخل على الثمن، كما تقول: اشتريتُ كذا بكذا، والمعنى: مَنْ يتكفل لي بثلاثة أشياء وأستخلفه على القوم، ثم قال في بيان هذه الثلاث: أنْ يصومَ النهار، ويقومَ الليل، ولا يغضبَ. فقام رجل من القوم تزدريه العين وقال: أنا، فأعاد عليه: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم، فردَّه.
وفي الغد، جلس اليسع في مجلسه، وعرض على القوم مقالته، فقام الرجل بعينه وقال: أنا، فعرف اليسع أن الرجل عنده عزيمة وإصرار على القيام بهذه المهمة، فاستخلفه على القوم.
وقد تكلم العلماء في هذه الشروط الثلاثة التي جعلها سيدنا اليسع - عليه السلام - حيثيات الاستخلاف، قالوا: لأن الذي يصوم النهار يصوم عما أحله الله في غير الصوم، والذي يصوم عَمَّا أحله الله يصوم من باب أَوْلَى عما حرَّمه الله، فضمن بذلك بُعْده عن المحرمات، والذي يقوم الليل ترك راحته وترك التنعُّم ليأنس بربه، ومَنْ كانت فيه هذه الصفة لا يتخذ الاستخلاف للنعمة والرفاهية إنما يتخذه للقيام بأعبائه، وإلا لو أراد التنعُّم لَنام الليل مِلْء جفونه.
أما عدم الغضب فهي صفة لا بُدَّ أنْ تتوافر في كل مَنْ يسوس الرعية، أو يجلس في مجلس حكم بين الناس، ومعلوم أن للرعية أخلاقاً شتى وصفات متباينة، فلا بُدَّ لمن يتولَّى أمرهم أنْ يكون حليماً لا يغضب؛ لأن الغضب يستر العقل، فلا يختار بين البدائل، ولا يُحسن التصرف في الحكومة.
لذلك قالوا للقاضي حين يغضب: ردَّ نفسك، يعني: أنت لا تصلح لمنصب القضاء. إذن: قال ولا تغضب لأن العقل يتأثر بالغضب، فتختلف موازينه في الحكم، وتختلف كذلك مَلَكات النفس فلا يصح الحكم.
قالوا في مسألة عدم الغضب: إن الشيطان لم يستطع التدخُّل في صيام النهار وقيام الليل، فأراد أنْ يدخل إليه من ناحية عدم الغضب، فأرسل إليه ذريته ليُغضبوه فلم يغضب ذو الكفل - عليه السلام - فقال لهم: ارفعوا أيديكم عنه وسأتولى أنا هذا الأمر، وكان ذو الكفل لا ينام إلا نومةً واحدة في القيلولة، هي كل ما ينام في الليل والنهار، وكان يأمر خادمه ألاَّ يدخل أحد عليه في هذا الوقت، فكان الشيطان يتحيَّن هذا الوقت، ويطرق على ذي الكفل الباب، ويُحدث عنده ضجة يقول: أنا رجل ظلمني قومي وفعلوا بي كيت وكيت وأريد أنْ تنصفني منهم.
فقال ذو الكفل: أَلاَ تعلم أن هذا الوقت هو الوقت الذي أستريح فيه، اذهب وتعالَ في وقت أجلس فيه للحكم بينكم، وأنا أقضي في أمرك.
وفي اليوم التالي، جاء الشيطان وفعل كما فعل بالأمس، وفي اليوم الثالث وجد الباب مغلقاً فنفذ إلى ذي الكفل بطريقته الخاصة، قالوا: دخل من كوة في البيت في غفلة من الحارس، وطرق على ذي الكفل باب مِخْدعه، فلما رآه قال: كيف دخلتَ؟ فتلعثم. قال: إذن: أنت هو. أي الشيطان قال: والله لقد احتلنا كثيراً على أنْ نغضبك فلم نفلح، ثم تركه وانصرف.
أما عن خلاف العلماء في رسالة ذي الكفل، فأنا أريد أنْ أُجلَّ العلماء عن الخلاف في شيء يصح أن نلتقي فيه. قالوا: الكفل من التكفُّل، كما في قوله تعالى: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا.. [آل عمران: ٣٧] والكِفْل: هو النصير.
والذين قالوا برسالته استدلوا على ذلك بأمرين: الأول أن الله ذكره في عداد الرسل، الآخر: أن اليسع - عليه السلام - استخلفه. والحق سبحانه وتعالى سكت على هذا الاستخلاف ولم يُغيِّره، وهذا إقرار للاستخلاف وموافقة عليه، كما وافق الحق سبحانه لموسى - عليه السلام - لما طلب من ربه أن يُؤيِّده بأخيه هارون، فقال: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي.. [القصص: ٣٤].
قال آخرون: بل هو رجل متطوع بالدعوة، فَسَد الناس في زمانه، ورأى أن هذا الفساد لا يصلحه إلا رجلٌ له عدالة في الحكم، ونزاهة في القضاء بين الناس، ورأى في نفسه هذه المواهب، فعرض على قومه أن يقوم بأمرهم، وأنْ يسيرَ فيهم بالعدل فوافقوا عليه. إذن: ذو الكفل في رأَي هؤلاء أنه ليس رسولاً، بل رجل متطوع بمنهج كمنهج الرسل.
فوُصِف مرةً بأنه من الأخيار، ومرة بأنه من الصابرين، ومرة من الصالحين، ولهذا أدخله الله في رحمته، وهذه التي جعلت العلماء يختلفون في ذي الكفل، أهو رسول أم غير رسول؟ لكن جمهور العلماء على أنه رسول، بدليل أن الله تعالى سلكه ضمن هؤلاء الرسل.
ومما قيل في ذي الكفل أنه في فترة اليسع وفي رسالته أراد أن يستخلفَ على الناس رجلاً بعده، وأراد أنْ يرى سيرته في الرعية، وكيف سيتصرف هذا في أخريات حياته؟ وحين رأى أن قوته عجزتْ عن القيام بأمر الدعوة. وكان من حرصه على الدعوة من بعده أنْ يختبر مَنْ يستخلفه وينظر ما يفعل.
فلما جلس اليسع في قومه قال: مَنْ يتقبل مني بثلاث؟ والباء عادة كما في هذه العبارة تدخل على الثمن، كما تقول: اشتريتُ كذا بكذا، والمعنى: مَنْ يتكفل لي بثلاثة أشياء وأستخلفه على القوم، ثم قال في بيان هذه الثلاث: أنْ يصومَ النهار، ويقومَ الليل، ولا يغضبَ. فقام رجل من القوم تزدريه العين وقال: أنا، فأعاد عليه: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم، فردَّه.
وفي الغد، جلس اليسع في مجلسه، وعرض على القوم مقالته، فقام الرجل بعينه وقال: أنا، فعرف اليسع أن الرجل عنده عزيمة وإصرار على القيام بهذه المهمة، فاستخلفه على القوم.
وقد تكلم العلماء في هذه الشروط الثلاثة التي جعلها سيدنا اليسع - عليه السلام - حيثيات الاستخلاف، قالوا: لأن الذي يصوم النهار يصوم عما أحله الله في غير الصوم، والذي يصوم عَمَّا أحله الله يصوم من باب أَوْلَى عما حرَّمه الله، فضمن بذلك بُعْده عن المحرمات، والذي يقوم الليل ترك راحته وترك التنعُّم ليأنس بربه، ومَنْ كانت فيه هذه الصفة لا يتخذ الاستخلاف للنعمة والرفاهية إنما يتخذه للقيام بأعبائه، وإلا لو أراد التنعُّم لَنام الليل مِلْء جفونه.
أما عدم الغضب فهي صفة لا بُدَّ أنْ تتوافر في كل مَنْ يسوس الرعية، أو يجلس في مجلس حكم بين الناس، ومعلوم أن للرعية أخلاقاً شتى وصفات متباينة، فلا بُدَّ لمن يتولَّى أمرهم أنْ يكون حليماً لا يغضب؛ لأن الغضب يستر العقل، فلا يختار بين البدائل، ولا يُحسن التصرف في الحكومة.
لذلك قالوا للقاضي حين يغضب: ردَّ نفسك، يعني: أنت لا تصلح لمنصب القضاء. إذن: قال ولا تغضب لأن العقل يتأثر بالغضب، فتختلف موازينه في الحكم، وتختلف كذلك مَلَكات النفس فلا يصح الحكم.
قالوا في مسألة عدم الغضب: إن الشيطان لم يستطع التدخُّل في صيام النهار وقيام الليل، فأراد أنْ يدخل إليه من ناحية عدم الغضب، فأرسل إليه ذريته ليُغضبوه فلم يغضب ذو الكفل - عليه السلام - فقال لهم: ارفعوا أيديكم عنه وسأتولى أنا هذا الأمر، وكان ذو الكفل لا ينام إلا نومةً واحدة في القيلولة، هي كل ما ينام في الليل والنهار، وكان يأمر خادمه ألاَّ يدخل أحد عليه في هذا الوقت، فكان الشيطان يتحيَّن هذا الوقت، ويطرق على ذي الكفل الباب، ويُحدث عنده ضجة يقول: أنا رجل ظلمني قومي وفعلوا بي كيت وكيت وأريد أنْ تنصفني منهم.
فقال ذو الكفل: أَلاَ تعلم أن هذا الوقت هو الوقت الذي أستريح فيه، اذهب وتعالَ في وقت أجلس فيه للحكم بينكم، وأنا أقضي في أمرك.
وفي اليوم التالي، جاء الشيطان وفعل كما فعل بالأمس، وفي اليوم الثالث وجد الباب مغلقاً فنفذ إلى ذي الكفل بطريقته الخاصة، قالوا: دخل من كوة في البيت في غفلة من الحارس، وطرق على ذي الكفل باب مِخْدعه، فلما رآه قال: كيف دخلتَ؟ فتلعثم. قال: إذن: أنت هو. أي الشيطان قال: والله لقد احتلنا كثيراً على أنْ نغضبك فلم نفلح، ثم تركه وانصرف.
أما عن خلاف العلماء في رسالة ذي الكفل، فأنا أريد أنْ أُجلَّ العلماء عن الخلاف في شيء يصح أن نلتقي فيه. قالوا: الكفل من التكفُّل، كما في قوله تعالى: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا.. [آل عمران: ٣٧] والكِفْل: هو النصير.
والذين قالوا برسالته استدلوا على ذلك بأمرين: الأول أن الله ذكره في عداد الرسل، الآخر: أن اليسع - عليه السلام - استخلفه. والحق سبحانه وتعالى سكت على هذا الاستخلاف ولم يُغيِّره، وهذا إقرار للاستخلاف وموافقة عليه، كما وافق الحق سبحانه لموسى - عليه السلام - لما طلب من ربه أن يُؤيِّده بأخيه هارون، فقال: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي.. [القصص: ٣٤].
قال آخرون: بل هو رجل متطوع بالدعوة، فَسَد الناس في زمانه، ورأى أن هذا الفساد لا يصلحه إلا رجلٌ له عدالة في الحكم، ونزاهة في القضاء بين الناس، ورأى في نفسه هذه المواهب، فعرض على قومه أن يقوم بأمرهم، وأنْ يسيرَ فيهم بالعدل فوافقوا عليه. إذن: ذو الكفل في رأَي هؤلاء أنه ليس رسولاً، بل رجل متطوع بمنهج كمنهج الرسل.
آية رقم ٤٩
قوله تعالى: هَـٰذَا أي: ما تقدم من موكب الرسل ذِكْرٌ تذكير كما في قوله تعالى: أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ.. [البقرة: ٢٨٢].
يعني: هذا الذي ذكرناه من موكب الرسل ومن موقف الأمم معهم، وكيف أنهم تحمَّلوا تفاهة القوم وقِلَّة أدبهم مع أنبياءهم، وتحمَّلوا الاجتراء باللسان وبالجوارح، نذكر هذا لمحمد الذي يَلْقى من قومه ما يَلْقى من الأذى لنذكره أنه ليس بدْعاً في الرسل، وأن ما جرى لإخوانه المرسلين لا بُدَّ أنْ يجري له، وإذا كنا نقيس الابتلاء بمقدار الرسالة فنصيبُ محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الإيذاء أكبر من نصيب الرسل أجمعين.
فقوله تعالى: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] تسليةٌ لسيدنا رسول الله حتى يعلم أنه ليس بِدْعاً في ذلك، وأن عظمته في أنْ يتلقَّى سفاهة القوم؛ لأن القومَ حين يسفهون على الرسول يدلُّ ذلك على أنهم منتفعون بالفساد الشائع في قومهم، وما جاء الرسول إلا ليقضي على هذا الفساد، إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسولُ خَصْماً لهؤلاء، وكلما تصدَّى لفسادهم اشتدتْ عداوتهم له، وإيذاؤهم وسخريتهم منه، واتهامهم له بالكذب والسحر والجنون.. إلخ.
فهذه إذن سنة لله تعالى في كل مَنْ يتصدَّى للدعوة ويجابه الفساد في المجتمع، لا بُدَّ أنْ يجد مَنْ يجترئ عليه ويتهمه بالباطل، ويحاول النيل منه والتشكيك في قصده، هذا رَدُّ فعل طبيعي إذا وجده الداعية ينبغي أنْ يُسَرَّ به، فهو إشارة وعلامة تدلّ على نجَاحه في مسعاه، وأنه نال منهم وغَاظهم.
وقوله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] أي: مرجع حسن إلى الله يوم القيامة، فهي تتحدث عن الآخرة وما ينتظره صلى الله عليه وسلم من الجزاء الحسن، ففي الآية عطاءان لرسول الله: الأولى: تسليته صلى الله عليه وسلم في قوله: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] ثم وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] كأنه تعالى يقول: هذا الذي ذكرناه ذِكْر لمحمد كي نُسَلِّيه، لكن الأهمّ من ذلك ما ينتظره من الجزاء الحسن في الآخرة، الواو هنا عطفت وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] على هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩].
والمتقون مادتها: وَقَى يعني حال بين شيء يصيبه، وبين نفسه، واتقى الشيء جعل بينه وبين الشيء وقايةً تحميه. وإذا نظرنا إلى هذه المادة في القرآن نجد الحق سبحانه يأمر بالتقوى تكليفاً يكلف الإنسان أنْ يقي نفسه مما يعُود عليه بالشر، وقد أتتْ هذه المادة بلفظ: اتقوا الله، واتقوا ربكم، واتقوني، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.
وكلها تلتقي في معنى واحد، لأن لله تعالى كما قلنا صفات جلال وصفات جمال، فمعنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال لله وقاية، مثل: المنتقم الجبار القهار.. إلخ.
وهذه الصفات هي التي ترهب المخالف وتردعه، فاتقوا صفات الجلال من الله، لأنه سبحانه قادر أنْ يبطش بكم وليس لكم جَلَد على انتقام الله أو التعرُّض لأثر هذه الصفات.
وبنفس المعنى: اتقوا النار لأنها جُنْد من جُنْد الله، وأثر من آثار صفات الجلال.
وفي موضع واحد من القرآن وردتْ التقوى بلفظ (واتقوا) دون ذكر للمتقَى، وكأن هذا اللفظ جاء ليدلّ على شمول التقوى أو مطلق التقوى، فهي تعني: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.. إلخ.
ومعنى لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يعني: حُسْن مرجع، لكن أيّ مرجع؟ للعلماء في المرجع كلام فلسفي يقولون: أي مرجع الروح ومردّها إلى الأجساد يوم القيامة، وهذا كلام لا وزنَ له؛ لأننا نفهم المرجع والمردَّ إذا لاحظنا الخَلق الأول، والخالق سبحانه قبل أنْ يخلق الخَلْق أخذ عليهم العهد، وهم ما يزالون في مرحلة الذَّرِّ.
كما قاله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: إيمان الفطرة في عالم الذرِّ والشهادة لله تعالى بأنه الربُّ الخالق المُربِّي تستدعي أن يكون المرجع إليه سبحانه والمردّ إليه للحساب، هل قابلتم هذه الشهادة بالطاعة أم بالعصيان؟ فمن أدّى العهد القديم واستصحبه إلى العهد الجديد فقد فاز وله حُسْن مآب، وأما مَنْ ظلم نفسه وخالف العهد الذي أخذه على نفسه فقد خاب وخسر، وله في الآخرة مآب الشرِّ والسُّوء.
ولما كان حُسْن المآب كلمة عامة مُجْملة أراد الحق سبحانه أن يُفصِّلها وأنْ يوضحها لنا، فقال: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] فكلمة جنات عدن بدل من حُسْن مآب، فكأن الحق سبحانه حصر حُسْن المآب في جنات عدن، والجنات جمع جنة، وهي المكان المليء بالأشجار المتشابكة التي تستر مَنْ يسير تحتها، أو لأنها تجنّ مَنْ يسير فيها وتحبسه عن الخروج فيها أو الحاجة لغيره؛ لأن فيها كلّ ما يحتاجه، وهذا هو معنى الجنة في الدنيا أيضاً، ومنه قوله تعالى: وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ.. [الكهف: ٣٢].
ومثَلُ الجنة التي دخلها آدم - عليه السلام - ليتلقَّى فيها من الله التجربة التكليفية بافعل ولا تفعل، لكن نسمع مَنْ يقول أن آدم كان في جنة الآخرة، وأخرجه الله منها إلى الدنيا، وهذا لا يستقيم لأن أول إخبار من الله عن آدم لم يقُلْ أنِّي خلقته للجنة، إنما قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً.. [البقرة: ٣٠].
أما مسألة دخوله الجنةَ أي جنة الدنيا، فذلك لأنك حين تريد أنْ تدرِّب شخصاً على عمل ما فإنك لا بُدَّ أنْ تتكفَّل له بالإقامة والنفقة، وتوفر له مُقوِّمات حياته بالطريقة التي تتيح له التدريب والقيام بالمهمة التي كلف بها، وهكذا فعل الله تعالى لآدم، فلما نسي ما أمره الله به واتبع الشيطان تغيَّرت طبيعته، ولم يَعُدْ صالحاً للإقامة في هذه الجنة، كما قال سبحانه: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا.. [الأعراف: ٢٢].
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها آدم بسوأته لأنه خالف أمر ربه، كذلك إذا رأيتَ عورة ظهرتْ في الأرض إلى أن تقوم الساعة فاعلم أنها نتيجة مخالفة لمنهج الله أو تعطيلٍ لحكم من أحكامه، وإلا ما الذي جعل هذه الفتحة في آدم عورة، وهي لا تختلف عن أيِّ فتحة مثلها في الجسم، ما الفرق بينها وبين فتحة الفم مثلاً؟ إذن: متى كانت عورة؟
كانت عورة حين أصبح لها مُسْتقذرات ينفر منها طبْع الإنسان، وكيف تكونتْ هذه المستقذرات؟ تكوَّنت لأنه أكل على خلاف منهج ربه، بدليل أنه لما أكل وفْق ما أمره الله لم تكُنْ له فضلات، كان يأكل من طهي الله، يأكل على قَدْر استبقاء الحياة.
لكن لما خالف وأكل من الشجرة تكوَّنتْ الفضلات وظهر أثرها المستقذر وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ.. [الأعراف: ٢٢] يريد أنْ يستر هذه العورة وأنْ يداريها، لكنها أصبحتْ عادة لازمة للإنسان إلى الأبد، سوأة لا تُستر ولا تُدفع، إذن: صارت سوأة بالمخالفة.
لذلك نجدهم في الحروب وميادين القتال يعطون الجنود أقراصاً مغذية تفيد الجسم، ولا تترك فضلات، ولا تزحم المعدة.
ولو تنبَّه آدمُ لوسوسة الشيطان ما طاوعه وما أكل من الشجرة؛ لأنه أغواهما بقوله: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] في حين أنه يطلب من الله أنْ يُنْظِره إلى يوم يُبعثون، ولو علم أن هذه الشجرة تبقيه وتُخلده لأكل هو منها، أليس هو القائل: رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ص: ٧٩].
إذن: كان الشيطان كذاباً، لكن لم يتنبه آدم لكذبه، قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥].
لكن لماذا يقع آدم - عليه السلام - في هذا الابتلاء؟ قالوا: لأن آدم سيكون أباً للبشر جميعاً، وسيكون ممثلاً لصِنفيْن منهم، صنف معصوم من الخطأ وهم الأنبياء والرسل، وصنف يخطئ وهم عامة الناس، إذن: لا بُدَّ أنْ تتمثل في حياته هاتان الصورتان، وقد وقع منه العصيان وهو في الجنة في فترة الاختبار التكليفي كما قلنا، وعصيانه هذا لا ينافي عصمة الأنبياء، لأنه لم يكُن قد نُبِّئ بعد، لكن تاب آدم فتاب الله عليه فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ.. [البقرة: ٣٧].
وقال: ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: كان الاجتباء والاختيار للنبوة بعد المحنة التي وقع فيها، وبعد الاجتباء عصم آدم عصمة الأنبياء، وكلمة ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ.. [طه: ١٢٢] دلتْ على التعقيب ووجود مدة بين عصيان آدم واجتبائه.
إذن: قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ.. [ص: ٥٠] أي: في دار الجزاء ومعنى عَدْنٍ يعني: إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي، وقال (عَدْن) لأن جنات الدنيا ينتفع بها صاحبها مدة ثم تزول، فإما أنْ تصيبها جائحة، كما في قوله تعالى في قصة أصحاب الجنة: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ [القلم: ١٧-٢٠] وإما أن يموت هو ويتركها لغيره.
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُطمئن أهل طاعته بأن الجنة التي أعدَّها لهم باقية دائمة لا تزول، جنات إقامة دائمة خالدة، لا يفوتك نعيمها ولا تفوته.
وقوله سبحانه: مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] مُفتحة اسم مفعول يدل على المبالغة وكثرة تفتيح الأبواب، فمَنِ الذي يفتحها؟ يجوز فتحها الخزنة ساعة يروْنَ أهل الجنة قادمين يفتحونَ لهم ويحيونهم حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣].
كما نرى مثلاً في الفنادق الكبيرة، يقف الحراس والحُجَّاب على الباب، وساعةَ يأتي الزائر يفتحون له الباب، لكن لما ارتقوا بهذه المسألة رأينا الأبواب تُفتح وحدها أتوماتيكياً بمجرد الاقتراب منها، فإنْ دخل الزائر تُغلق أيضاً تلقائياً. فيجوز أن الأبواب تُفتح بفعل الملائكة، أو تُفتح بمجرد إرادة أهل الجنة، فساعةَ يريد أنْ يدخل تُفتح له دون تدخُّل من أحد.
فإذا كان البشر قد توصَّلوا إلى هذه الدرجة في مسألة فَتْح الأبواب، فهذا التقدُّم يؤيد ما جاء به القرآن، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣].
لقد رأينا هذه السُّقف وهذه المعارج، وقد يُراد بها السلالم والأسانسيرات التي نصعد فيها الآن، وقد نزل هذا الكلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان على أمة أمية مُتبدية، لا تعرف المباني، إنما تسكن الخيام وبيوت الشَّعر والوَبَر.
إذن: في القرآن لقطات تدلُّك على أن في كتاب الله رصيداً لكل ما يجدُّ في حياة الناس، فإنْ تعجبتَ لشيء في كتاب الله فاعلم أن الواقع يؤيده، وأنكم أيها الخَلْق ستصلون في علومكم وارتقاءاتكم إلى مِثْل ما تتعجبون منه، فإذا كنتم قدرتم أنْ تفعلوا ذلك فاسمحوا لله تعالى أنْ يفعله من باب أوْلَى.
ثم يقول سبحانه في وصف أهل الجنة مُتَّكِئِينَ فِيهَا.. [ص: ٥١] المتكئ هو ما بين النائم والجالس، أو ما بين النائم والقاعد؛ لأن هناك فَرْقاً بين قعد وجلس - وإنْ كان المعنى واحداً - لأن قعد تكون عن قيام، كان قائماً فقعد، أما جلس فمن الاضطجاع، يعني كان مضطجعاً فجلس.
والإنسان حين يكون قائماً يحمل وزنه كله على القدمين، فإنْ تعب من القيام قعد، وفي القعود يكون ثقل الجسم على المقعدة، فإنْ تعب من القعود اتكأ على جنبه.. وهذا وَضْع بين الجلوس والاضطجاع على الأرض، ويُوزع فيه ثقل الجسم فيكون أكثر راحة للإنسان.
لذلك اختاره الله لأهل الجنة، واختارته امرأة العزيز للنسوة اللاتي استضافتهن. قال تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً.. [يوسف: ٣١] فالمتكأ دَلَّ على أن المجلس لا يُمَلُّ، وأن الاتكاء هو الوضع الذي يأخذ فيه الإنسان راحته.
وقال تعالى في أهل الجنة: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن: ٥٤].
وقال أيضاً في سورة الرحمن: مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن: ٧٦].
وقال أيضاً في بيان مُتكأ أهل الجنة: مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ.. [الكهف: ٣١].
إذن: أهل الجنة يتكئون إما على الفرش المُبطَّنة بالإستبرق، وهو الحرير السميك الغليظ، وهو يشبه ما نسميه الآن (الستان)، وإذا كانت هذه الفرش حشوها وبطانتها من إستبرق، فما بالك بظاهرها؟
ومعنى (رَفْرَفٍ) هو ما نسميه الآن الكرانيش الموجود مثلاً في الستائر. ومعنى (الأرائك) مفردها أريكة، وهي السرير الذي تُوضع عليه الحليات والستائر أشبه (بالنموسية) مثلاً. هذه هي مُتكاءات أهل الجنة.
لكن ماذا بعد أنْ يتكئ؟ لا بُدَّ لتمام النعيم من الطعام والشراب فهو لا يتكئ ويصوم، إنما يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ [ص: ٥١] فكأن التحية التي تُقدَّم لهم هي ما تشتهيه نفوسهم. يعني: لا يقدم لهم شيئاً على غير مرادهم، إنما حسب ما يرغبون وما يشتهون، فالتحية ليستْ مُلزِمة للجميع؛ لأنها قد لا تصادف هَوىً في النفس، وقدَّم الفاكهة مع أنها تفكُّهٌ ورفاهية بعد القوت الطبيعي والضروري، قالوا: وجود الفاكهة أو التفكُّه دليل على وجود الضروريات من باب أَوْلَى.
وقوله وَشَرَابٍ [ص: ٥١] المراد الشراب المستخرج من العنب، وخَصَّ الفاكهة والشراب لأنها لم تكُنْ موجودة في البيئة التي نزل فيها القرآن، فكان لها لذة عندهم، فهم لا يعرفون في طعامهم إلا التمر والبُرّ والشعير، فذكر لهم ما يشتهونه من الطعام والشراب.
وفي موضع آخر قال سبحانه: وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: ٢٠-٢١].
وفي سورة البقرة يُبيِّن لهم أن فاكهة الآخرة تختلف عما يعرفونه من فاكهة الدنيا وإنْ تشابه الاثنان، فالشكل واللون واحد، لكن المذاق مختلف، قال تعالى: كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ [البقرة: ٢٥].
إذن: الثمرة هي الثمرة، تفاح مثل التفاح، حتى أنك تقول: هذا الذي أكلتُه في الدنيا، والحقيقة أنه مختلف تماماً لأنه مُعَدٌّ لك بطلاقة القدرة.
وفي مواضع أخرى يوضح لنا القرآن الكريم مجلسَ أهل الجنة فيحدثنا مرة عن الفُرُش والمتكأ، فيقول: فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: ١٣-١٦].
النمارق جمع نمرقة، وهي التكاية التي نتكئ عليها. والزرابي: جمع زريبة، وهي البساط المنقوش. وإذا حدَّثنا عن أدوات الشراب يقول مرة (أكواب) ومرة (أباريق) ومرة (كأس).
هذه كلها أوعية للشراب، لكن هناك فرقاً بين هذه الثلاثة: فالكوب هو الإناء الذي ليس له عُرْوة ولا خرطوم، عروة يعني يد يُمسَك منها: والخرطوم هو الذي نسميه (البزبوز) الذي يُصَبُّ منه الماء، فإنْ كان له عروة أو خرطوم سُمِّي إبريقاً، فإنْ كان في الكوب شرابٌ سُمِّي كأساً، يعني: الكأس هو الكوب إنْ كان ممتلئاً، وإن كان فارغاً فهو كوب.
ومن عادات العرب في الكاسات أن الواحد منهم لا يشرب كلَّ ما فيها، إنما يُبقي فيها كمية من الشراب، ثم يريقها على الأرض، وفي هذا دلالة على عدم الشَّرَه وعدم الطمع، أو دلالة على امتلاء العين والاستغناء.
وقد عَبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
ولِلأرْضِ مِنْ كَأْسِ الكِرَامِ نَصِيبُ
وكنا قبل أن نذهب إلى طعام أحد الإخوان حين نُدْعَى إليه نأكل أكلة خفيفة، أو طبقاً نسميه طبقَ الكرامة، حتى لا نجلس على الطعام ونحن متلهفون للطعام، فلا يليق بالكريم أنْ يُقبِلَ على الطعام بشَرَهٍ، كأنه لم يَرَ طعاماً من قبل.
ومن عادات العرب أيضاً في شرابهم أنهم لا يملئون الكأس إلى آخرها، حتى يستطيع الشارب أنْ يُميز الشراب من الكأس التي وُضِعت فيه، وهذا يدل على صفاء الشراب أو صفاء الكأس.
لذلك قال شاعرهم:
لَوْلاَ انْتِصَافُ الكأْسِ خِلْنَا أنَّهَا فِي كَفِّ سَاقِيهَا تقوم بِذَاتِها
يعني: لو مُلِئت الكأس لَخِلْتَ أنها كأس بلا شراب، أو شرابٌ بلا كأس.
لكن ماذا يطلب أهل الجنة بعد الاتكاء وبعد الأكل والشرب مما تشتهيه أنفسهم، قالوا: الإنسان بعد أن تتوافر له هذه النعم يتطلع إلى حسناء يداعبها تكون له وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال تعالى بعدها:
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ... .
يعني: هذا الذي ذكرناه من موكب الرسل ومن موقف الأمم معهم، وكيف أنهم تحمَّلوا تفاهة القوم وقِلَّة أدبهم مع أنبياءهم، وتحمَّلوا الاجتراء باللسان وبالجوارح، نذكر هذا لمحمد الذي يَلْقى من قومه ما يَلْقى من الأذى لنذكره أنه ليس بدْعاً في الرسل، وأن ما جرى لإخوانه المرسلين لا بُدَّ أنْ يجري له، وإذا كنا نقيس الابتلاء بمقدار الرسالة فنصيبُ محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الإيذاء أكبر من نصيب الرسل أجمعين.
فقوله تعالى: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] تسليةٌ لسيدنا رسول الله حتى يعلم أنه ليس بِدْعاً في ذلك، وأن عظمته في أنْ يتلقَّى سفاهة القوم؛ لأن القومَ حين يسفهون على الرسول يدلُّ ذلك على أنهم منتفعون بالفساد الشائع في قومهم، وما جاء الرسول إلا ليقضي على هذا الفساد، إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسولُ خَصْماً لهؤلاء، وكلما تصدَّى لفسادهم اشتدتْ عداوتهم له، وإيذاؤهم وسخريتهم منه، واتهامهم له بالكذب والسحر والجنون.. إلخ.
فهذه إذن سنة لله تعالى في كل مَنْ يتصدَّى للدعوة ويجابه الفساد في المجتمع، لا بُدَّ أنْ يجد مَنْ يجترئ عليه ويتهمه بالباطل، ويحاول النيل منه والتشكيك في قصده، هذا رَدُّ فعل طبيعي إذا وجده الداعية ينبغي أنْ يُسَرَّ به، فهو إشارة وعلامة تدلّ على نجَاحه في مسعاه، وأنه نال منهم وغَاظهم.
وقوله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] أي: مرجع حسن إلى الله يوم القيامة، فهي تتحدث عن الآخرة وما ينتظره صلى الله عليه وسلم من الجزاء الحسن، ففي الآية عطاءان لرسول الله: الأولى: تسليته صلى الله عليه وسلم في قوله: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] ثم وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] كأنه تعالى يقول: هذا الذي ذكرناه ذِكْر لمحمد كي نُسَلِّيه، لكن الأهمّ من ذلك ما ينتظره من الجزاء الحسن في الآخرة، الواو هنا عطفت وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] على هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩].
والمتقون مادتها: وَقَى يعني حال بين شيء يصيبه، وبين نفسه، واتقى الشيء جعل بينه وبين الشيء وقايةً تحميه. وإذا نظرنا إلى هذه المادة في القرآن نجد الحق سبحانه يأمر بالتقوى تكليفاً يكلف الإنسان أنْ يقي نفسه مما يعُود عليه بالشر، وقد أتتْ هذه المادة بلفظ: اتقوا الله، واتقوا ربكم، واتقوني، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.
وكلها تلتقي في معنى واحد، لأن لله تعالى كما قلنا صفات جلال وصفات جمال، فمعنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال لله وقاية، مثل: المنتقم الجبار القهار.. إلخ.
وهذه الصفات هي التي ترهب المخالف وتردعه، فاتقوا صفات الجلال من الله، لأنه سبحانه قادر أنْ يبطش بكم وليس لكم جَلَد على انتقام الله أو التعرُّض لأثر هذه الصفات.
وبنفس المعنى: اتقوا النار لأنها جُنْد من جُنْد الله، وأثر من آثار صفات الجلال.
وفي موضع واحد من القرآن وردتْ التقوى بلفظ (واتقوا) دون ذكر للمتقَى، وكأن هذا اللفظ جاء ليدلّ على شمول التقوى أو مطلق التقوى، فهي تعني: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.. إلخ.
ومعنى لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يعني: حُسْن مرجع، لكن أيّ مرجع؟ للعلماء في المرجع كلام فلسفي يقولون: أي مرجع الروح ومردّها إلى الأجساد يوم القيامة، وهذا كلام لا وزنَ له؛ لأننا نفهم المرجع والمردَّ إذا لاحظنا الخَلق الأول، والخالق سبحانه قبل أنْ يخلق الخَلْق أخذ عليهم العهد، وهم ما يزالون في مرحلة الذَّرِّ.
كما قاله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: إيمان الفطرة في عالم الذرِّ والشهادة لله تعالى بأنه الربُّ الخالق المُربِّي تستدعي أن يكون المرجع إليه سبحانه والمردّ إليه للحساب، هل قابلتم هذه الشهادة بالطاعة أم بالعصيان؟ فمن أدّى العهد القديم واستصحبه إلى العهد الجديد فقد فاز وله حُسْن مآب، وأما مَنْ ظلم نفسه وخالف العهد الذي أخذه على نفسه فقد خاب وخسر، وله في الآخرة مآب الشرِّ والسُّوء.
ولما كان حُسْن المآب كلمة عامة مُجْملة أراد الحق سبحانه أن يُفصِّلها وأنْ يوضحها لنا، فقال: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] فكلمة جنات عدن بدل من حُسْن مآب، فكأن الحق سبحانه حصر حُسْن المآب في جنات عدن، والجنات جمع جنة، وهي المكان المليء بالأشجار المتشابكة التي تستر مَنْ يسير تحتها، أو لأنها تجنّ مَنْ يسير فيها وتحبسه عن الخروج فيها أو الحاجة لغيره؛ لأن فيها كلّ ما يحتاجه، وهذا هو معنى الجنة في الدنيا أيضاً، ومنه قوله تعالى: وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ.. [الكهف: ٣٢].
ومثَلُ الجنة التي دخلها آدم - عليه السلام - ليتلقَّى فيها من الله التجربة التكليفية بافعل ولا تفعل، لكن نسمع مَنْ يقول أن آدم كان في جنة الآخرة، وأخرجه الله منها إلى الدنيا، وهذا لا يستقيم لأن أول إخبار من الله عن آدم لم يقُلْ أنِّي خلقته للجنة، إنما قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً.. [البقرة: ٣٠].
أما مسألة دخوله الجنةَ أي جنة الدنيا، فذلك لأنك حين تريد أنْ تدرِّب شخصاً على عمل ما فإنك لا بُدَّ أنْ تتكفَّل له بالإقامة والنفقة، وتوفر له مُقوِّمات حياته بالطريقة التي تتيح له التدريب والقيام بالمهمة التي كلف بها، وهكذا فعل الله تعالى لآدم، فلما نسي ما أمره الله به واتبع الشيطان تغيَّرت طبيعته، ولم يَعُدْ صالحاً للإقامة في هذه الجنة، كما قال سبحانه: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا.. [الأعراف: ٢٢].
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها آدم بسوأته لأنه خالف أمر ربه، كذلك إذا رأيتَ عورة ظهرتْ في الأرض إلى أن تقوم الساعة فاعلم أنها نتيجة مخالفة لمنهج الله أو تعطيلٍ لحكم من أحكامه، وإلا ما الذي جعل هذه الفتحة في آدم عورة، وهي لا تختلف عن أيِّ فتحة مثلها في الجسم، ما الفرق بينها وبين فتحة الفم مثلاً؟ إذن: متى كانت عورة؟
كانت عورة حين أصبح لها مُسْتقذرات ينفر منها طبْع الإنسان، وكيف تكونتْ هذه المستقذرات؟ تكوَّنت لأنه أكل على خلاف منهج ربه، بدليل أنه لما أكل وفْق ما أمره الله لم تكُنْ له فضلات، كان يأكل من طهي الله، يأكل على قَدْر استبقاء الحياة.
لكن لما خالف وأكل من الشجرة تكوَّنتْ الفضلات وظهر أثرها المستقذر وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ.. [الأعراف: ٢٢] يريد أنْ يستر هذه العورة وأنْ يداريها، لكنها أصبحتْ عادة لازمة للإنسان إلى الأبد، سوأة لا تُستر ولا تُدفع، إذن: صارت سوأة بالمخالفة.
لذلك نجدهم في الحروب وميادين القتال يعطون الجنود أقراصاً مغذية تفيد الجسم، ولا تترك فضلات، ولا تزحم المعدة.
ولو تنبَّه آدمُ لوسوسة الشيطان ما طاوعه وما أكل من الشجرة؛ لأنه أغواهما بقوله: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] في حين أنه يطلب من الله أنْ يُنْظِره إلى يوم يُبعثون، ولو علم أن هذه الشجرة تبقيه وتُخلده لأكل هو منها، أليس هو القائل: رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ص: ٧٩].
إذن: كان الشيطان كذاباً، لكن لم يتنبه آدم لكذبه، قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥].
لكن لماذا يقع آدم - عليه السلام - في هذا الابتلاء؟ قالوا: لأن آدم سيكون أباً للبشر جميعاً، وسيكون ممثلاً لصِنفيْن منهم، صنف معصوم من الخطأ وهم الأنبياء والرسل، وصنف يخطئ وهم عامة الناس، إذن: لا بُدَّ أنْ تتمثل في حياته هاتان الصورتان، وقد وقع منه العصيان وهو في الجنة في فترة الاختبار التكليفي كما قلنا، وعصيانه هذا لا ينافي عصمة الأنبياء، لأنه لم يكُن قد نُبِّئ بعد، لكن تاب آدم فتاب الله عليه فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ.. [البقرة: ٣٧].
وقال: ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: كان الاجتباء والاختيار للنبوة بعد المحنة التي وقع فيها، وبعد الاجتباء عصم آدم عصمة الأنبياء، وكلمة ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ.. [طه: ١٢٢] دلتْ على التعقيب ووجود مدة بين عصيان آدم واجتبائه.
إذن: قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ.. [ص: ٥٠] أي: في دار الجزاء ومعنى عَدْنٍ يعني: إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي، وقال (عَدْن) لأن جنات الدنيا ينتفع بها صاحبها مدة ثم تزول، فإما أنْ تصيبها جائحة، كما في قوله تعالى في قصة أصحاب الجنة: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ [القلم: ١٧-٢٠] وإما أن يموت هو ويتركها لغيره.
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُطمئن أهل طاعته بأن الجنة التي أعدَّها لهم باقية دائمة لا تزول، جنات إقامة دائمة خالدة، لا يفوتك نعيمها ولا تفوته.
وقوله سبحانه: مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] مُفتحة اسم مفعول يدل على المبالغة وكثرة تفتيح الأبواب، فمَنِ الذي يفتحها؟ يجوز فتحها الخزنة ساعة يروْنَ أهل الجنة قادمين يفتحونَ لهم ويحيونهم حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣].
كما نرى مثلاً في الفنادق الكبيرة، يقف الحراس والحُجَّاب على الباب، وساعةَ يأتي الزائر يفتحون له الباب، لكن لما ارتقوا بهذه المسألة رأينا الأبواب تُفتح وحدها أتوماتيكياً بمجرد الاقتراب منها، فإنْ دخل الزائر تُغلق أيضاً تلقائياً. فيجوز أن الأبواب تُفتح بفعل الملائكة، أو تُفتح بمجرد إرادة أهل الجنة، فساعةَ يريد أنْ يدخل تُفتح له دون تدخُّل من أحد.
فإذا كان البشر قد توصَّلوا إلى هذه الدرجة في مسألة فَتْح الأبواب، فهذا التقدُّم يؤيد ما جاء به القرآن، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣].
لقد رأينا هذه السُّقف وهذه المعارج، وقد يُراد بها السلالم والأسانسيرات التي نصعد فيها الآن، وقد نزل هذا الكلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان على أمة أمية مُتبدية، لا تعرف المباني، إنما تسكن الخيام وبيوت الشَّعر والوَبَر.
إذن: في القرآن لقطات تدلُّك على أن في كتاب الله رصيداً لكل ما يجدُّ في حياة الناس، فإنْ تعجبتَ لشيء في كتاب الله فاعلم أن الواقع يؤيده، وأنكم أيها الخَلْق ستصلون في علومكم وارتقاءاتكم إلى مِثْل ما تتعجبون منه، فإذا كنتم قدرتم أنْ تفعلوا ذلك فاسمحوا لله تعالى أنْ يفعله من باب أوْلَى.
ثم يقول سبحانه في وصف أهل الجنة مُتَّكِئِينَ فِيهَا.. [ص: ٥١] المتكئ هو ما بين النائم والجالس، أو ما بين النائم والقاعد؛ لأن هناك فَرْقاً بين قعد وجلس - وإنْ كان المعنى واحداً - لأن قعد تكون عن قيام، كان قائماً فقعد، أما جلس فمن الاضطجاع، يعني كان مضطجعاً فجلس.
والإنسان حين يكون قائماً يحمل وزنه كله على القدمين، فإنْ تعب من القيام قعد، وفي القعود يكون ثقل الجسم على المقعدة، فإنْ تعب من القعود اتكأ على جنبه.. وهذا وَضْع بين الجلوس والاضطجاع على الأرض، ويُوزع فيه ثقل الجسم فيكون أكثر راحة للإنسان.
لذلك اختاره الله لأهل الجنة، واختارته امرأة العزيز للنسوة اللاتي استضافتهن. قال تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً.. [يوسف: ٣١] فالمتكأ دَلَّ على أن المجلس لا يُمَلُّ، وأن الاتكاء هو الوضع الذي يأخذ فيه الإنسان راحته.
وقال تعالى في أهل الجنة: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن: ٥٤].
وقال أيضاً في سورة الرحمن: مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن: ٧٦].
وقال أيضاً في بيان مُتكأ أهل الجنة: مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ.. [الكهف: ٣١].
إذن: أهل الجنة يتكئون إما على الفرش المُبطَّنة بالإستبرق، وهو الحرير السميك الغليظ، وهو يشبه ما نسميه الآن (الستان)، وإذا كانت هذه الفرش حشوها وبطانتها من إستبرق، فما بالك بظاهرها؟
ومعنى (رَفْرَفٍ) هو ما نسميه الآن الكرانيش الموجود مثلاً في الستائر. ومعنى (الأرائك) مفردها أريكة، وهي السرير الذي تُوضع عليه الحليات والستائر أشبه (بالنموسية) مثلاً. هذه هي مُتكاءات أهل الجنة.
لكن ماذا بعد أنْ يتكئ؟ لا بُدَّ لتمام النعيم من الطعام والشراب فهو لا يتكئ ويصوم، إنما يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ [ص: ٥١] فكأن التحية التي تُقدَّم لهم هي ما تشتهيه نفوسهم. يعني: لا يقدم لهم شيئاً على غير مرادهم، إنما حسب ما يرغبون وما يشتهون، فالتحية ليستْ مُلزِمة للجميع؛ لأنها قد لا تصادف هَوىً في النفس، وقدَّم الفاكهة مع أنها تفكُّهٌ ورفاهية بعد القوت الطبيعي والضروري، قالوا: وجود الفاكهة أو التفكُّه دليل على وجود الضروريات من باب أَوْلَى.
وقوله وَشَرَابٍ [ص: ٥١] المراد الشراب المستخرج من العنب، وخَصَّ الفاكهة والشراب لأنها لم تكُنْ موجودة في البيئة التي نزل فيها القرآن، فكان لها لذة عندهم، فهم لا يعرفون في طعامهم إلا التمر والبُرّ والشعير، فذكر لهم ما يشتهونه من الطعام والشراب.
وفي موضع آخر قال سبحانه: وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: ٢٠-٢١].
وفي سورة البقرة يُبيِّن لهم أن فاكهة الآخرة تختلف عما يعرفونه من فاكهة الدنيا وإنْ تشابه الاثنان، فالشكل واللون واحد، لكن المذاق مختلف، قال تعالى: كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ [البقرة: ٢٥].
إذن: الثمرة هي الثمرة، تفاح مثل التفاح، حتى أنك تقول: هذا الذي أكلتُه في الدنيا، والحقيقة أنه مختلف تماماً لأنه مُعَدٌّ لك بطلاقة القدرة.
وفي مواضع أخرى يوضح لنا القرآن الكريم مجلسَ أهل الجنة فيحدثنا مرة عن الفُرُش والمتكأ، فيقول: فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: ١٣-١٦].
النمارق جمع نمرقة، وهي التكاية التي نتكئ عليها. والزرابي: جمع زريبة، وهي البساط المنقوش. وإذا حدَّثنا عن أدوات الشراب يقول مرة (أكواب) ومرة (أباريق) ومرة (كأس).
هذه كلها أوعية للشراب، لكن هناك فرقاً بين هذه الثلاثة: فالكوب هو الإناء الذي ليس له عُرْوة ولا خرطوم، عروة يعني يد يُمسَك منها: والخرطوم هو الذي نسميه (البزبوز) الذي يُصَبُّ منه الماء، فإنْ كان له عروة أو خرطوم سُمِّي إبريقاً، فإنْ كان في الكوب شرابٌ سُمِّي كأساً، يعني: الكأس هو الكوب إنْ كان ممتلئاً، وإن كان فارغاً فهو كوب.
ومن عادات العرب في الكاسات أن الواحد منهم لا يشرب كلَّ ما فيها، إنما يُبقي فيها كمية من الشراب، ثم يريقها على الأرض، وفي هذا دلالة على عدم الشَّرَه وعدم الطمع، أو دلالة على امتلاء العين والاستغناء.
وقد عَبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
ولِلأرْضِ مِنْ كَأْسِ الكِرَامِ نَصِيبُ
وكنا قبل أن نذهب إلى طعام أحد الإخوان حين نُدْعَى إليه نأكل أكلة خفيفة، أو طبقاً نسميه طبقَ الكرامة، حتى لا نجلس على الطعام ونحن متلهفون للطعام، فلا يليق بالكريم أنْ يُقبِلَ على الطعام بشَرَهٍ، كأنه لم يَرَ طعاماً من قبل.
ومن عادات العرب أيضاً في شرابهم أنهم لا يملئون الكأس إلى آخرها، حتى يستطيع الشارب أنْ يُميز الشراب من الكأس التي وُضِعت فيه، وهذا يدل على صفاء الشراب أو صفاء الكأس.
لذلك قال شاعرهم:
لَوْلاَ انْتِصَافُ الكأْسِ خِلْنَا أنَّهَا فِي كَفِّ سَاقِيهَا تقوم بِذَاتِها
يعني: لو مُلِئت الكأس لَخِلْتَ أنها كأس بلا شراب، أو شرابٌ بلا كأس.
لكن ماذا يطلب أهل الجنة بعد الاتكاء وبعد الأكل والشرب مما تشتهيه أنفسهم، قالوا: الإنسان بعد أن تتوافر له هذه النعم يتطلع إلى حسناء يداعبها تكون له وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال تعالى بعدها:
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ... .
آية رقم ٥٠
ﮔﮕﮖﮗﮘ
ﮙ
قوله تعالى: هَـٰذَا أي: ما تقدم من موكب الرسل ذِكْرٌ تذكير كما في قوله تعالى: أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ.. [البقرة: ٢٨٢].
يعني: هذا الذي ذكرناه من موكب الرسل ومن موقف الأمم معهم، وكيف أنهم تحمَّلوا تفاهة القوم وقِلَّة أدبهم مع أنبياءهم، وتحمَّلوا الاجتراء باللسان وبالجوارح، نذكر هذا لمحمد الذي يَلْقى من قومه ما يَلْقى من الأذى لنذكره أنه ليس بدْعاً في الرسل، وأن ما جرى لإخوانه المرسلين لا بُدَّ أنْ يجري له، وإذا كنا نقيس الابتلاء بمقدار الرسالة فنصيبُ محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الإيذاء أكبر من نصيب الرسل أجمعين.
فقوله تعالى: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] تسليةٌ لسيدنا رسول الله حتى يعلم أنه ليس بِدْعاً في ذلك، وأن عظمته في أنْ يتلقَّى سفاهة القوم؛ لأن القومَ حين يسفهون على الرسول يدلُّ ذلك على أنهم منتفعون بالفساد الشائع في قومهم، وما جاء الرسول إلا ليقضي على هذا الفساد، إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسولُ خَصْماً لهؤلاء، وكلما تصدَّى لفسادهم اشتدتْ عداوتهم له، وإيذاؤهم وسخريتهم منه، واتهامهم له بالكذب والسحر والجنون.. إلخ.
فهذه إذن سنة لله تعالى في كل مَنْ يتصدَّى للدعوة ويجابه الفساد في المجتمع، لا بُدَّ أنْ يجد مَنْ يجترئ عليه ويتهمه بالباطل، ويحاول النيل منه والتشكيك في قصده، هذا رَدُّ فعل طبيعي إذا وجده الداعية ينبغي أنْ يُسَرَّ به، فهو إشارة وعلامة تدلّ على نجَاحه في مسعاه، وأنه نال منهم وغَاظهم.
وقوله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] أي: مرجع حسن إلى الله يوم القيامة، فهي تتحدث عن الآخرة وما ينتظره صلى الله عليه وسلم من الجزاء الحسن، ففي الآية عطاءان لرسول الله: الأولى: تسليته صلى الله عليه وسلم في قوله: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] ثم وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] كأنه تعالى يقول: هذا الذي ذكرناه ذِكْر لمحمد كي نُسَلِّيه، لكن الأهمّ من ذلك ما ينتظره من الجزاء الحسن في الآخرة، الواو هنا عطفت وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] على هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩].
والمتقون مادتها: وَقَى يعني حال بين شيء يصيبه، وبين نفسه، واتقى الشيء جعل بينه وبين الشيء وقايةً تحميه. وإذا نظرنا إلى هذه المادة في القرآن نجد الحق سبحانه يأمر بالتقوى تكليفاً يكلف الإنسان أنْ يقي نفسه مما يعُود عليه بالشر، وقد أتتْ هذه المادة بلفظ: اتقوا الله، واتقوا ربكم، واتقوني، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.
وكلها تلتقي في معنى واحد، لأن لله تعالى كما قلنا صفات جلال وصفات جمال، فمعنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال لله وقاية، مثل: المنتقم الجبار القهار.. إلخ.
وهذه الصفات هي التي ترهب المخالف وتردعه، فاتقوا صفات الجلال من الله، لأنه سبحانه قادر أنْ يبطش بكم وليس لكم جَلَد على انتقام الله أو التعرُّض لأثر هذه الصفات.
وبنفس المعنى: اتقوا النار لأنها جُنْد من جُنْد الله، وأثر من آثار صفات الجلال.
وفي موضع واحد من القرآن وردتْ التقوى بلفظ (واتقوا) دون ذكر للمتقَى، وكأن هذا اللفظ جاء ليدلّ على شمول التقوى أو مطلق التقوى، فهي تعني: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.. إلخ.
ومعنى لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يعني: حُسْن مرجع، لكن أيّ مرجع؟ للعلماء في المرجع كلام فلسفي يقولون: أي مرجع الروح ومردّها إلى الأجساد يوم القيامة، وهذا كلام لا وزنَ له؛ لأننا نفهم المرجع والمردَّ إذا لاحظنا الخَلق الأول، والخالق سبحانه قبل أنْ يخلق الخَلْق أخذ عليهم العهد، وهم ما يزالون في مرحلة الذَّرِّ.
كما قاله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: إيمان الفطرة في عالم الذرِّ والشهادة لله تعالى بأنه الربُّ الخالق المُربِّي تستدعي أن يكون المرجع إليه سبحانه والمردّ إليه للحساب، هل قابلتم هذه الشهادة بالطاعة أم بالعصيان؟ فمن أدّى العهد القديم واستصحبه إلى العهد الجديد فقد فاز وله حُسْن مآب، وأما مَنْ ظلم نفسه وخالف العهد الذي أخذه على نفسه فقد خاب وخسر، وله في الآخرة مآب الشرِّ والسُّوء.
ولما كان حُسْن المآب كلمة عامة مُجْملة أراد الحق سبحانه أن يُفصِّلها وأنْ يوضحها لنا، فقال: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] فكلمة جنات عدن بدل من حُسْن مآب، فكأن الحق سبحانه حصر حُسْن المآب في جنات عدن، والجنات جمع جنة، وهي المكان المليء بالأشجار المتشابكة التي تستر مَنْ يسير تحتها، أو لأنها تجنّ مَنْ يسير فيها وتحبسه عن الخروج فيها أو الحاجة لغيره؛ لأن فيها كلّ ما يحتاجه، وهذا هو معنى الجنة في الدنيا أيضاً، ومنه قوله تعالى: وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ.. [الكهف: ٣٢].
ومثَلُ الجنة التي دخلها آدم - عليه السلام - ليتلقَّى فيها من الله التجربة التكليفية بافعل ولا تفعل، لكن نسمع مَنْ يقول أن آدم كان في جنة الآخرة، وأخرجه الله منها إلى الدنيا، وهذا لا يستقيم لأن أول إخبار من الله عن آدم لم يقُلْ أنِّي خلقته للجنة، إنما قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً.. [البقرة: ٣٠].
أما مسألة دخوله الجنةَ أي جنة الدنيا، فذلك لأنك حين تريد أنْ تدرِّب شخصاً على عمل ما فإنك لا بُدَّ أنْ تتكفَّل له بالإقامة والنفقة، وتوفر له مُقوِّمات حياته بالطريقة التي تتيح له التدريب والقيام بالمهمة التي كلف بها، وهكذا فعل الله تعالى لآدم، فلما نسي ما أمره الله به واتبع الشيطان تغيَّرت طبيعته، ولم يَعُدْ صالحاً للإقامة في هذه الجنة، كما قال سبحانه: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا.. [الأعراف: ٢٢].
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها آدم بسوأته لأنه خالف أمر ربه، كذلك إذا رأيتَ عورة ظهرتْ في الأرض إلى أن تقوم الساعة فاعلم أنها نتيجة مخالفة لمنهج الله أو تعطيلٍ لحكم من أحكامه، وإلا ما الذي جعل هذه الفتحة في آدم عورة، وهي لا تختلف عن أيِّ فتحة مثلها في الجسم، ما الفرق بينها وبين فتحة الفم مثلاً؟ إذن: متى كانت عورة؟
كانت عورة حين أصبح لها مُسْتقذرات ينفر منها طبْع الإنسان، وكيف تكونتْ هذه المستقذرات؟ تكوَّنت لأنه أكل على خلاف منهج ربه، بدليل أنه لما أكل وفْق ما أمره الله لم تكُنْ له فضلات، كان يأكل من طهي الله، يأكل على قَدْر استبقاء الحياة.
لكن لما خالف وأكل من الشجرة تكوَّنتْ الفضلات وظهر أثرها المستقذر وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ.. [الأعراف: ٢٢] يريد أنْ يستر هذه العورة وأنْ يداريها، لكنها أصبحتْ عادة لازمة للإنسان إلى الأبد، سوأة لا تُستر ولا تُدفع، إذن: صارت سوأة بالمخالفة.
لذلك نجدهم في الحروب وميادين القتال يعطون الجنود أقراصاً مغذية تفيد الجسم، ولا تترك فضلات، ولا تزحم المعدة.
ولو تنبَّه آدمُ لوسوسة الشيطان ما طاوعه وما أكل من الشجرة؛ لأنه أغواهما بقوله: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] في حين أنه يطلب من الله أنْ يُنْظِره إلى يوم يُبعثون، ولو علم أن هذه الشجرة تبقيه وتُخلده لأكل هو منها، أليس هو القائل: رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ص: ٧٩].
إذن: كان الشيطان كذاباً، لكن لم يتنبه آدم لكذبه، قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥].
لكن لماذا يقع آدم - عليه السلام - في هذا الابتلاء؟ قالوا: لأن آدم سيكون أباً للبشر جميعاً، وسيكون ممثلاً لصِنفيْن منهم، صنف معصوم من الخطأ وهم الأنبياء والرسل، وصنف يخطئ وهم عامة الناس، إذن: لا بُدَّ أنْ تتمثل في حياته هاتان الصورتان، وقد وقع منه العصيان وهو في الجنة في فترة الاختبار التكليفي كما قلنا، وعصيانه هذا لا ينافي عصمة الأنبياء، لأنه لم يكُن قد نُبِّئ بعد، لكن تاب آدم فتاب الله عليه فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ.. [البقرة: ٣٧].
وقال: ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: كان الاجتباء والاختيار للنبوة بعد المحنة التي وقع فيها، وبعد الاجتباء عصم آدم عصمة الأنبياء، وكلمة ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ.. [طه: ١٢٢] دلتْ على التعقيب ووجود مدة بين عصيان آدم واجتبائه.
إذن: قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ.. [ص: ٥٠] أي: في دار الجزاء ومعنى عَدْنٍ يعني: إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي، وقال (عَدْن) لأن جنات الدنيا ينتفع بها صاحبها مدة ثم تزول، فإما أنْ تصيبها جائحة، كما في قوله تعالى في قصة أصحاب الجنة: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ [القلم: ١٧-٢٠] وإما أن يموت هو ويتركها لغيره.
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُطمئن أهل طاعته بأن الجنة التي أعدَّها لهم باقية دائمة لا تزول، جنات إقامة دائمة خالدة، لا يفوتك نعيمها ولا تفوته.
وقوله سبحانه: مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] مُفتحة اسم مفعول يدل على المبالغة وكثرة تفتيح الأبواب، فمَنِ الذي يفتحها؟ يجوز فتحها الخزنة ساعة يروْنَ أهل الجنة قادمين يفتحونَ لهم ويحيونهم حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣].
كما نرى مثلاً في الفنادق الكبيرة، يقف الحراس والحُجَّاب على الباب، وساعةَ يأتي الزائر يفتحون له الباب، لكن لما ارتقوا بهذه المسألة رأينا الأبواب تُفتح وحدها أتوماتيكياً بمجرد الاقتراب منها، فإنْ دخل الزائر تُغلق أيضاً تلقائياً. فيجوز أن الأبواب تُفتح بفعل الملائكة، أو تُفتح بمجرد إرادة أهل الجنة، فساعةَ يريد أنْ يدخل تُفتح له دون تدخُّل من أحد.
فإذا كان البشر قد توصَّلوا إلى هذه الدرجة في مسألة فَتْح الأبواب، فهذا التقدُّم يؤيد ما جاء به القرآن، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣].
لقد رأينا هذه السُّقف وهذه المعارج، وقد يُراد بها السلالم والأسانسيرات التي نصعد فيها الآن، وقد نزل هذا الكلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان على أمة أمية مُتبدية، لا تعرف المباني، إنما تسكن الخيام وبيوت الشَّعر والوَبَر.
إذن: في القرآن لقطات تدلُّك على أن في كتاب الله رصيداً لكل ما يجدُّ في حياة الناس، فإنْ تعجبتَ لشيء في كتاب الله فاعلم أن الواقع يؤيده، وأنكم أيها الخَلْق ستصلون في علومكم وارتقاءاتكم إلى مِثْل ما تتعجبون منه، فإذا كنتم قدرتم أنْ تفعلوا ذلك فاسمحوا لله تعالى أنْ يفعله من باب أوْلَى.
ثم يقول سبحانه في وصف أهل الجنة مُتَّكِئِينَ فِيهَا.. [ص: ٥١] المتكئ هو ما بين النائم والجالس، أو ما بين النائم والقاعد؛ لأن هناك فَرْقاً بين قعد وجلس - وإنْ كان المعنى واحداً - لأن قعد تكون عن قيام، كان قائماً فقعد، أما جلس فمن الاضطجاع، يعني كان مضطجعاً فجلس.
والإنسان حين يكون قائماً يحمل وزنه كله على القدمين، فإنْ تعب من القيام قعد، وفي القعود يكون ثقل الجسم على المقعدة، فإنْ تعب من القعود اتكأ على جنبه.. وهذا وَضْع بين الجلوس والاضطجاع على الأرض، ويُوزع فيه ثقل الجسم فيكون أكثر راحة للإنسان.
لذلك اختاره الله لأهل الجنة، واختارته امرأة العزيز للنسوة اللاتي استضافتهن. قال تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً.. [يوسف: ٣١] فالمتكأ دَلَّ على أن المجلس لا يُمَلُّ، وأن الاتكاء هو الوضع الذي يأخذ فيه الإنسان راحته.
وقال تعالى في أهل الجنة: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن: ٥٤].
وقال أيضاً في سورة الرحمن: مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن: ٧٦].
وقال أيضاً في بيان مُتكأ أهل الجنة: مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ.. [الكهف: ٣١].
إذن: أهل الجنة يتكئون إما على الفرش المُبطَّنة بالإستبرق، وهو الحرير السميك الغليظ، وهو يشبه ما نسميه الآن (الستان)، وإذا كانت هذه الفرش حشوها وبطانتها من إستبرق، فما بالك بظاهرها؟
ومعنى (رَفْرَفٍ) هو ما نسميه الآن الكرانيش الموجود مثلاً في الستائر. ومعنى (الأرائك) مفردها أريكة، وهي السرير الذي تُوضع عليه الحليات والستائر أشبه (بالنموسية) مثلاً. هذه هي مُتكاءات أهل الجنة.
لكن ماذا بعد أنْ يتكئ؟ لا بُدَّ لتمام النعيم من الطعام والشراب فهو لا يتكئ ويصوم، إنما يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ [ص: ٥١] فكأن التحية التي تُقدَّم لهم هي ما تشتهيه نفوسهم. يعني: لا يقدم لهم شيئاً على غير مرادهم، إنما حسب ما يرغبون وما يشتهون، فالتحية ليستْ مُلزِمة للجميع؛ لأنها قد لا تصادف هَوىً في النفس، وقدَّم الفاكهة مع أنها تفكُّهٌ ورفاهية بعد القوت الطبيعي والضروري، قالوا: وجود الفاكهة أو التفكُّه دليل على وجود الضروريات من باب أَوْلَى.
وقوله وَشَرَابٍ [ص: ٥١] المراد الشراب المستخرج من العنب، وخَصَّ الفاكهة والشراب لأنها لم تكُنْ موجودة في البيئة التي نزل فيها القرآن، فكان لها لذة عندهم، فهم لا يعرفون في طعامهم إلا التمر والبُرّ والشعير، فذكر لهم ما يشتهونه من الطعام والشراب.
وفي موضع آخر قال سبحانه: وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: ٢٠-٢١].
وفي سورة البقرة يُبيِّن لهم أن فاكهة الآخرة تختلف عما يعرفونه من فاكهة الدنيا وإنْ تشابه الاثنان، فالشكل واللون واحد، لكن المذاق مختلف، قال تعالى: كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ [البقرة: ٢٥].
إذن: الثمرة هي الثمرة، تفاح مثل التفاح، حتى أنك تقول: هذا الذي أكلتُه في الدنيا، والحقيقة أنه مختلف تماماً لأنه مُعَدٌّ لك بطلاقة القدرة.
وفي مواضع أخرى يوضح لنا القرآن الكريم مجلسَ أهل الجنة فيحدثنا مرة عن الفُرُش والمتكأ، فيقول: فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: ١٣-١٦].
النمارق جمع نمرقة، وهي التكاية التي نتكئ عليها. والزرابي: جمع زريبة، وهي البساط المنقوش. وإذا حدَّثنا عن أدوات الشراب يقول مرة (أكواب) ومرة (أباريق) ومرة (كأس).
هذه كلها أوعية للشراب، لكن هناك فرقاً بين هذه الثلاثة: فالكوب هو الإناء الذي ليس له عُرْوة ولا خرطوم، عروة يعني يد يُمسَك منها: والخرطوم هو الذي نسميه (البزبوز) الذي يُصَبُّ منه الماء، فإنْ كان له عروة أو خرطوم سُمِّي إبريقاً، فإنْ كان في الكوب شرابٌ سُمِّي كأساً، يعني: الكأس هو الكوب إنْ كان ممتلئاً، وإن كان فارغاً فهو كوب.
ومن عادات العرب في الكاسات أن الواحد منهم لا يشرب كلَّ ما فيها، إنما يُبقي فيها كمية من الشراب، ثم يريقها على الأرض، وفي هذا دلالة على عدم الشَّرَه وعدم الطمع، أو دلالة على امتلاء العين والاستغناء.
وقد عَبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
ولِلأرْضِ مِنْ كَأْسِ الكِرَامِ نَصِيبُ
وكنا قبل أن نذهب إلى طعام أحد الإخوان حين نُدْعَى إليه نأكل أكلة خفيفة، أو طبقاً نسميه طبقَ الكرامة، حتى لا نجلس على الطعام ونحن متلهفون للطعام، فلا يليق بالكريم أنْ يُقبِلَ على الطعام بشَرَهٍ، كأنه لم يَرَ طعاماً من قبل.
ومن عادات العرب أيضاً في شرابهم أنهم لا يملئون الكأس إلى آخرها، حتى يستطيع الشارب أنْ يُميز الشراب من الكأس التي وُضِعت فيه، وهذا يدل على صفاء الشراب أو صفاء الكأس.
لذلك قال شاعرهم:
لَوْلاَ انْتِصَافُ الكأْسِ خِلْنَا أنَّهَا فِي كَفِّ سَاقِيهَا تقوم بِذَاتِها
يعني: لو مُلِئت الكأس لَخِلْتَ أنها كأس بلا شراب، أو شرابٌ بلا كأس.
لكن ماذا يطلب أهل الجنة بعد الاتكاء وبعد الأكل والشرب مما تشتهيه أنفسهم، قالوا: الإنسان بعد أن تتوافر له هذه النعم يتطلع إلى حسناء يداعبها تكون له وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال تعالى بعدها:
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ... .
يعني: هذا الذي ذكرناه من موكب الرسل ومن موقف الأمم معهم، وكيف أنهم تحمَّلوا تفاهة القوم وقِلَّة أدبهم مع أنبياءهم، وتحمَّلوا الاجتراء باللسان وبالجوارح، نذكر هذا لمحمد الذي يَلْقى من قومه ما يَلْقى من الأذى لنذكره أنه ليس بدْعاً في الرسل، وأن ما جرى لإخوانه المرسلين لا بُدَّ أنْ يجري له، وإذا كنا نقيس الابتلاء بمقدار الرسالة فنصيبُ محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الإيذاء أكبر من نصيب الرسل أجمعين.
فقوله تعالى: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] تسليةٌ لسيدنا رسول الله حتى يعلم أنه ليس بِدْعاً في ذلك، وأن عظمته في أنْ يتلقَّى سفاهة القوم؛ لأن القومَ حين يسفهون على الرسول يدلُّ ذلك على أنهم منتفعون بالفساد الشائع في قومهم، وما جاء الرسول إلا ليقضي على هذا الفساد، إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسولُ خَصْماً لهؤلاء، وكلما تصدَّى لفسادهم اشتدتْ عداوتهم له، وإيذاؤهم وسخريتهم منه، واتهامهم له بالكذب والسحر والجنون.. إلخ.
فهذه إذن سنة لله تعالى في كل مَنْ يتصدَّى للدعوة ويجابه الفساد في المجتمع، لا بُدَّ أنْ يجد مَنْ يجترئ عليه ويتهمه بالباطل، ويحاول النيل منه والتشكيك في قصده، هذا رَدُّ فعل طبيعي إذا وجده الداعية ينبغي أنْ يُسَرَّ به، فهو إشارة وعلامة تدلّ على نجَاحه في مسعاه، وأنه نال منهم وغَاظهم.
وقوله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] أي: مرجع حسن إلى الله يوم القيامة، فهي تتحدث عن الآخرة وما ينتظره صلى الله عليه وسلم من الجزاء الحسن، ففي الآية عطاءان لرسول الله: الأولى: تسليته صلى الله عليه وسلم في قوله: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] ثم وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] كأنه تعالى يقول: هذا الذي ذكرناه ذِكْر لمحمد كي نُسَلِّيه، لكن الأهمّ من ذلك ما ينتظره من الجزاء الحسن في الآخرة، الواو هنا عطفت وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] على هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩].
والمتقون مادتها: وَقَى يعني حال بين شيء يصيبه، وبين نفسه، واتقى الشيء جعل بينه وبين الشيء وقايةً تحميه. وإذا نظرنا إلى هذه المادة في القرآن نجد الحق سبحانه يأمر بالتقوى تكليفاً يكلف الإنسان أنْ يقي نفسه مما يعُود عليه بالشر، وقد أتتْ هذه المادة بلفظ: اتقوا الله، واتقوا ربكم، واتقوني، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.
وكلها تلتقي في معنى واحد، لأن لله تعالى كما قلنا صفات جلال وصفات جمال، فمعنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال لله وقاية، مثل: المنتقم الجبار القهار.. إلخ.
وهذه الصفات هي التي ترهب المخالف وتردعه، فاتقوا صفات الجلال من الله، لأنه سبحانه قادر أنْ يبطش بكم وليس لكم جَلَد على انتقام الله أو التعرُّض لأثر هذه الصفات.
وبنفس المعنى: اتقوا النار لأنها جُنْد من جُنْد الله، وأثر من آثار صفات الجلال.
وفي موضع واحد من القرآن وردتْ التقوى بلفظ (واتقوا) دون ذكر للمتقَى، وكأن هذا اللفظ جاء ليدلّ على شمول التقوى أو مطلق التقوى، فهي تعني: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.. إلخ.
ومعنى لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يعني: حُسْن مرجع، لكن أيّ مرجع؟ للعلماء في المرجع كلام فلسفي يقولون: أي مرجع الروح ومردّها إلى الأجساد يوم القيامة، وهذا كلام لا وزنَ له؛ لأننا نفهم المرجع والمردَّ إذا لاحظنا الخَلق الأول، والخالق سبحانه قبل أنْ يخلق الخَلْق أخذ عليهم العهد، وهم ما يزالون في مرحلة الذَّرِّ.
كما قاله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: إيمان الفطرة في عالم الذرِّ والشهادة لله تعالى بأنه الربُّ الخالق المُربِّي تستدعي أن يكون المرجع إليه سبحانه والمردّ إليه للحساب، هل قابلتم هذه الشهادة بالطاعة أم بالعصيان؟ فمن أدّى العهد القديم واستصحبه إلى العهد الجديد فقد فاز وله حُسْن مآب، وأما مَنْ ظلم نفسه وخالف العهد الذي أخذه على نفسه فقد خاب وخسر، وله في الآخرة مآب الشرِّ والسُّوء.
ولما كان حُسْن المآب كلمة عامة مُجْملة أراد الحق سبحانه أن يُفصِّلها وأنْ يوضحها لنا، فقال: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] فكلمة جنات عدن بدل من حُسْن مآب، فكأن الحق سبحانه حصر حُسْن المآب في جنات عدن، والجنات جمع جنة، وهي المكان المليء بالأشجار المتشابكة التي تستر مَنْ يسير تحتها، أو لأنها تجنّ مَنْ يسير فيها وتحبسه عن الخروج فيها أو الحاجة لغيره؛ لأن فيها كلّ ما يحتاجه، وهذا هو معنى الجنة في الدنيا أيضاً، ومنه قوله تعالى: وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ.. [الكهف: ٣٢].
ومثَلُ الجنة التي دخلها آدم - عليه السلام - ليتلقَّى فيها من الله التجربة التكليفية بافعل ولا تفعل، لكن نسمع مَنْ يقول أن آدم كان في جنة الآخرة، وأخرجه الله منها إلى الدنيا، وهذا لا يستقيم لأن أول إخبار من الله عن آدم لم يقُلْ أنِّي خلقته للجنة، إنما قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً.. [البقرة: ٣٠].
أما مسألة دخوله الجنةَ أي جنة الدنيا، فذلك لأنك حين تريد أنْ تدرِّب شخصاً على عمل ما فإنك لا بُدَّ أنْ تتكفَّل له بالإقامة والنفقة، وتوفر له مُقوِّمات حياته بالطريقة التي تتيح له التدريب والقيام بالمهمة التي كلف بها، وهكذا فعل الله تعالى لآدم، فلما نسي ما أمره الله به واتبع الشيطان تغيَّرت طبيعته، ولم يَعُدْ صالحاً للإقامة في هذه الجنة، كما قال سبحانه: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا.. [الأعراف: ٢٢].
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها آدم بسوأته لأنه خالف أمر ربه، كذلك إذا رأيتَ عورة ظهرتْ في الأرض إلى أن تقوم الساعة فاعلم أنها نتيجة مخالفة لمنهج الله أو تعطيلٍ لحكم من أحكامه، وإلا ما الذي جعل هذه الفتحة في آدم عورة، وهي لا تختلف عن أيِّ فتحة مثلها في الجسم، ما الفرق بينها وبين فتحة الفم مثلاً؟ إذن: متى كانت عورة؟
كانت عورة حين أصبح لها مُسْتقذرات ينفر منها طبْع الإنسان، وكيف تكونتْ هذه المستقذرات؟ تكوَّنت لأنه أكل على خلاف منهج ربه، بدليل أنه لما أكل وفْق ما أمره الله لم تكُنْ له فضلات، كان يأكل من طهي الله، يأكل على قَدْر استبقاء الحياة.
لكن لما خالف وأكل من الشجرة تكوَّنتْ الفضلات وظهر أثرها المستقذر وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ.. [الأعراف: ٢٢] يريد أنْ يستر هذه العورة وأنْ يداريها، لكنها أصبحتْ عادة لازمة للإنسان إلى الأبد، سوأة لا تُستر ولا تُدفع، إذن: صارت سوأة بالمخالفة.
لذلك نجدهم في الحروب وميادين القتال يعطون الجنود أقراصاً مغذية تفيد الجسم، ولا تترك فضلات، ولا تزحم المعدة.
ولو تنبَّه آدمُ لوسوسة الشيطان ما طاوعه وما أكل من الشجرة؛ لأنه أغواهما بقوله: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] في حين أنه يطلب من الله أنْ يُنْظِره إلى يوم يُبعثون، ولو علم أن هذه الشجرة تبقيه وتُخلده لأكل هو منها، أليس هو القائل: رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ص: ٧٩].
إذن: كان الشيطان كذاباً، لكن لم يتنبه آدم لكذبه، قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥].
لكن لماذا يقع آدم - عليه السلام - في هذا الابتلاء؟ قالوا: لأن آدم سيكون أباً للبشر جميعاً، وسيكون ممثلاً لصِنفيْن منهم، صنف معصوم من الخطأ وهم الأنبياء والرسل، وصنف يخطئ وهم عامة الناس، إذن: لا بُدَّ أنْ تتمثل في حياته هاتان الصورتان، وقد وقع منه العصيان وهو في الجنة في فترة الاختبار التكليفي كما قلنا، وعصيانه هذا لا ينافي عصمة الأنبياء، لأنه لم يكُن قد نُبِّئ بعد، لكن تاب آدم فتاب الله عليه فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ.. [البقرة: ٣٧].
وقال: ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: كان الاجتباء والاختيار للنبوة بعد المحنة التي وقع فيها، وبعد الاجتباء عصم آدم عصمة الأنبياء، وكلمة ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ.. [طه: ١٢٢] دلتْ على التعقيب ووجود مدة بين عصيان آدم واجتبائه.
إذن: قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ.. [ص: ٥٠] أي: في دار الجزاء ومعنى عَدْنٍ يعني: إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي، وقال (عَدْن) لأن جنات الدنيا ينتفع بها صاحبها مدة ثم تزول، فإما أنْ تصيبها جائحة، كما في قوله تعالى في قصة أصحاب الجنة: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ [القلم: ١٧-٢٠] وإما أن يموت هو ويتركها لغيره.
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُطمئن أهل طاعته بأن الجنة التي أعدَّها لهم باقية دائمة لا تزول، جنات إقامة دائمة خالدة، لا يفوتك نعيمها ولا تفوته.
وقوله سبحانه: مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] مُفتحة اسم مفعول يدل على المبالغة وكثرة تفتيح الأبواب، فمَنِ الذي يفتحها؟ يجوز فتحها الخزنة ساعة يروْنَ أهل الجنة قادمين يفتحونَ لهم ويحيونهم حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣].
كما نرى مثلاً في الفنادق الكبيرة، يقف الحراس والحُجَّاب على الباب، وساعةَ يأتي الزائر يفتحون له الباب، لكن لما ارتقوا بهذه المسألة رأينا الأبواب تُفتح وحدها أتوماتيكياً بمجرد الاقتراب منها، فإنْ دخل الزائر تُغلق أيضاً تلقائياً. فيجوز أن الأبواب تُفتح بفعل الملائكة، أو تُفتح بمجرد إرادة أهل الجنة، فساعةَ يريد أنْ يدخل تُفتح له دون تدخُّل من أحد.
فإذا كان البشر قد توصَّلوا إلى هذه الدرجة في مسألة فَتْح الأبواب، فهذا التقدُّم يؤيد ما جاء به القرآن، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣].
لقد رأينا هذه السُّقف وهذه المعارج، وقد يُراد بها السلالم والأسانسيرات التي نصعد فيها الآن، وقد نزل هذا الكلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان على أمة أمية مُتبدية، لا تعرف المباني، إنما تسكن الخيام وبيوت الشَّعر والوَبَر.
إذن: في القرآن لقطات تدلُّك على أن في كتاب الله رصيداً لكل ما يجدُّ في حياة الناس، فإنْ تعجبتَ لشيء في كتاب الله فاعلم أن الواقع يؤيده، وأنكم أيها الخَلْق ستصلون في علومكم وارتقاءاتكم إلى مِثْل ما تتعجبون منه، فإذا كنتم قدرتم أنْ تفعلوا ذلك فاسمحوا لله تعالى أنْ يفعله من باب أوْلَى.
ثم يقول سبحانه في وصف أهل الجنة مُتَّكِئِينَ فِيهَا.. [ص: ٥١] المتكئ هو ما بين النائم والجالس، أو ما بين النائم والقاعد؛ لأن هناك فَرْقاً بين قعد وجلس - وإنْ كان المعنى واحداً - لأن قعد تكون عن قيام، كان قائماً فقعد، أما جلس فمن الاضطجاع، يعني كان مضطجعاً فجلس.
والإنسان حين يكون قائماً يحمل وزنه كله على القدمين، فإنْ تعب من القيام قعد، وفي القعود يكون ثقل الجسم على المقعدة، فإنْ تعب من القعود اتكأ على جنبه.. وهذا وَضْع بين الجلوس والاضطجاع على الأرض، ويُوزع فيه ثقل الجسم فيكون أكثر راحة للإنسان.
لذلك اختاره الله لأهل الجنة، واختارته امرأة العزيز للنسوة اللاتي استضافتهن. قال تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً.. [يوسف: ٣١] فالمتكأ دَلَّ على أن المجلس لا يُمَلُّ، وأن الاتكاء هو الوضع الذي يأخذ فيه الإنسان راحته.
وقال تعالى في أهل الجنة: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن: ٥٤].
وقال أيضاً في سورة الرحمن: مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن: ٧٦].
وقال أيضاً في بيان مُتكأ أهل الجنة: مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ.. [الكهف: ٣١].
إذن: أهل الجنة يتكئون إما على الفرش المُبطَّنة بالإستبرق، وهو الحرير السميك الغليظ، وهو يشبه ما نسميه الآن (الستان)، وإذا كانت هذه الفرش حشوها وبطانتها من إستبرق، فما بالك بظاهرها؟
ومعنى (رَفْرَفٍ) هو ما نسميه الآن الكرانيش الموجود مثلاً في الستائر. ومعنى (الأرائك) مفردها أريكة، وهي السرير الذي تُوضع عليه الحليات والستائر أشبه (بالنموسية) مثلاً. هذه هي مُتكاءات أهل الجنة.
لكن ماذا بعد أنْ يتكئ؟ لا بُدَّ لتمام النعيم من الطعام والشراب فهو لا يتكئ ويصوم، إنما يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ [ص: ٥١] فكأن التحية التي تُقدَّم لهم هي ما تشتهيه نفوسهم. يعني: لا يقدم لهم شيئاً على غير مرادهم، إنما حسب ما يرغبون وما يشتهون، فالتحية ليستْ مُلزِمة للجميع؛ لأنها قد لا تصادف هَوىً في النفس، وقدَّم الفاكهة مع أنها تفكُّهٌ ورفاهية بعد القوت الطبيعي والضروري، قالوا: وجود الفاكهة أو التفكُّه دليل على وجود الضروريات من باب أَوْلَى.
وقوله وَشَرَابٍ [ص: ٥١] المراد الشراب المستخرج من العنب، وخَصَّ الفاكهة والشراب لأنها لم تكُنْ موجودة في البيئة التي نزل فيها القرآن، فكان لها لذة عندهم، فهم لا يعرفون في طعامهم إلا التمر والبُرّ والشعير، فذكر لهم ما يشتهونه من الطعام والشراب.
وفي موضع آخر قال سبحانه: وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: ٢٠-٢١].
وفي سورة البقرة يُبيِّن لهم أن فاكهة الآخرة تختلف عما يعرفونه من فاكهة الدنيا وإنْ تشابه الاثنان، فالشكل واللون واحد، لكن المذاق مختلف، قال تعالى: كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ [البقرة: ٢٥].
إذن: الثمرة هي الثمرة، تفاح مثل التفاح، حتى أنك تقول: هذا الذي أكلتُه في الدنيا، والحقيقة أنه مختلف تماماً لأنه مُعَدٌّ لك بطلاقة القدرة.
وفي مواضع أخرى يوضح لنا القرآن الكريم مجلسَ أهل الجنة فيحدثنا مرة عن الفُرُش والمتكأ، فيقول: فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: ١٣-١٦].
النمارق جمع نمرقة، وهي التكاية التي نتكئ عليها. والزرابي: جمع زريبة، وهي البساط المنقوش. وإذا حدَّثنا عن أدوات الشراب يقول مرة (أكواب) ومرة (أباريق) ومرة (كأس).
هذه كلها أوعية للشراب، لكن هناك فرقاً بين هذه الثلاثة: فالكوب هو الإناء الذي ليس له عُرْوة ولا خرطوم، عروة يعني يد يُمسَك منها: والخرطوم هو الذي نسميه (البزبوز) الذي يُصَبُّ منه الماء، فإنْ كان له عروة أو خرطوم سُمِّي إبريقاً، فإنْ كان في الكوب شرابٌ سُمِّي كأساً، يعني: الكأس هو الكوب إنْ كان ممتلئاً، وإن كان فارغاً فهو كوب.
ومن عادات العرب في الكاسات أن الواحد منهم لا يشرب كلَّ ما فيها، إنما يُبقي فيها كمية من الشراب، ثم يريقها على الأرض، وفي هذا دلالة على عدم الشَّرَه وعدم الطمع، أو دلالة على امتلاء العين والاستغناء.
وقد عَبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
ولِلأرْضِ مِنْ كَأْسِ الكِرَامِ نَصِيبُ
وكنا قبل أن نذهب إلى طعام أحد الإخوان حين نُدْعَى إليه نأكل أكلة خفيفة، أو طبقاً نسميه طبقَ الكرامة، حتى لا نجلس على الطعام ونحن متلهفون للطعام، فلا يليق بالكريم أنْ يُقبِلَ على الطعام بشَرَهٍ، كأنه لم يَرَ طعاماً من قبل.
ومن عادات العرب أيضاً في شرابهم أنهم لا يملئون الكأس إلى آخرها، حتى يستطيع الشارب أنْ يُميز الشراب من الكأس التي وُضِعت فيه، وهذا يدل على صفاء الشراب أو صفاء الكأس.
لذلك قال شاعرهم:
لَوْلاَ انْتِصَافُ الكأْسِ خِلْنَا أنَّهَا فِي كَفِّ سَاقِيهَا تقوم بِذَاتِها
يعني: لو مُلِئت الكأس لَخِلْتَ أنها كأس بلا شراب، أو شرابٌ بلا كأس.
لكن ماذا يطلب أهل الجنة بعد الاتكاء وبعد الأكل والشرب مما تشتهيه أنفسهم، قالوا: الإنسان بعد أن تتوافر له هذه النعم يتطلع إلى حسناء يداعبها تكون له وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال تعالى بعدها:
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ... .
آية رقم ٥١
قوله تعالى: هَـٰذَا أي: ما تقدم من موكب الرسل ذِكْرٌ تذكير كما في قوله تعالى: أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ.. [البقرة: ٢٨٢].
يعني: هذا الذي ذكرناه من موكب الرسل ومن موقف الأمم معهم، وكيف أنهم تحمَّلوا تفاهة القوم وقِلَّة أدبهم مع أنبياءهم، وتحمَّلوا الاجتراء باللسان وبالجوارح، نذكر هذا لمحمد الذي يَلْقى من قومه ما يَلْقى من الأذى لنذكره أنه ليس بدْعاً في الرسل، وأن ما جرى لإخوانه المرسلين لا بُدَّ أنْ يجري له، وإذا كنا نقيس الابتلاء بمقدار الرسالة فنصيبُ محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الإيذاء أكبر من نصيب الرسل أجمعين.
فقوله تعالى: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] تسليةٌ لسيدنا رسول الله حتى يعلم أنه ليس بِدْعاً في ذلك، وأن عظمته في أنْ يتلقَّى سفاهة القوم؛ لأن القومَ حين يسفهون على الرسول يدلُّ ذلك على أنهم منتفعون بالفساد الشائع في قومهم، وما جاء الرسول إلا ليقضي على هذا الفساد، إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسولُ خَصْماً لهؤلاء، وكلما تصدَّى لفسادهم اشتدتْ عداوتهم له، وإيذاؤهم وسخريتهم منه، واتهامهم له بالكذب والسحر والجنون.. إلخ.
فهذه إذن سنة لله تعالى في كل مَنْ يتصدَّى للدعوة ويجابه الفساد في المجتمع، لا بُدَّ أنْ يجد مَنْ يجترئ عليه ويتهمه بالباطل، ويحاول النيل منه والتشكيك في قصده، هذا رَدُّ فعل طبيعي إذا وجده الداعية ينبغي أنْ يُسَرَّ به، فهو إشارة وعلامة تدلّ على نجَاحه في مسعاه، وأنه نال منهم وغَاظهم.
وقوله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] أي: مرجع حسن إلى الله يوم القيامة، فهي تتحدث عن الآخرة وما ينتظره صلى الله عليه وسلم من الجزاء الحسن، ففي الآية عطاءان لرسول الله: الأولى: تسليته صلى الله عليه وسلم في قوله: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] ثم وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] كأنه تعالى يقول: هذا الذي ذكرناه ذِكْر لمحمد كي نُسَلِّيه، لكن الأهمّ من ذلك ما ينتظره من الجزاء الحسن في الآخرة، الواو هنا عطفت وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] على هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩].
والمتقون مادتها: وَقَى يعني حال بين شيء يصيبه، وبين نفسه، واتقى الشيء جعل بينه وبين الشيء وقايةً تحميه. وإذا نظرنا إلى هذه المادة في القرآن نجد الحق سبحانه يأمر بالتقوى تكليفاً يكلف الإنسان أنْ يقي نفسه مما يعُود عليه بالشر، وقد أتتْ هذه المادة بلفظ: اتقوا الله، واتقوا ربكم، واتقوني، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.
وكلها تلتقي في معنى واحد، لأن لله تعالى كما قلنا صفات جلال وصفات جمال، فمعنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال لله وقاية، مثل: المنتقم الجبار القهار.. إلخ.
وهذه الصفات هي التي ترهب المخالف وتردعه، فاتقوا صفات الجلال من الله، لأنه سبحانه قادر أنْ يبطش بكم وليس لكم جَلَد على انتقام الله أو التعرُّض لأثر هذه الصفات.
وبنفس المعنى: اتقوا النار لأنها جُنْد من جُنْد الله، وأثر من آثار صفات الجلال.
وفي موضع واحد من القرآن وردتْ التقوى بلفظ (واتقوا) دون ذكر للمتقَى، وكأن هذا اللفظ جاء ليدلّ على شمول التقوى أو مطلق التقوى، فهي تعني: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.. إلخ.
ومعنى لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يعني: حُسْن مرجع، لكن أيّ مرجع؟ للعلماء في المرجع كلام فلسفي يقولون: أي مرجع الروح ومردّها إلى الأجساد يوم القيامة، وهذا كلام لا وزنَ له؛ لأننا نفهم المرجع والمردَّ إذا لاحظنا الخَلق الأول، والخالق سبحانه قبل أنْ يخلق الخَلْق أخذ عليهم العهد، وهم ما يزالون في مرحلة الذَّرِّ.
كما قاله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: إيمان الفطرة في عالم الذرِّ والشهادة لله تعالى بأنه الربُّ الخالق المُربِّي تستدعي أن يكون المرجع إليه سبحانه والمردّ إليه للحساب، هل قابلتم هذه الشهادة بالطاعة أم بالعصيان؟ فمن أدّى العهد القديم واستصحبه إلى العهد الجديد فقد فاز وله حُسْن مآب، وأما مَنْ ظلم نفسه وخالف العهد الذي أخذه على نفسه فقد خاب وخسر، وله في الآخرة مآب الشرِّ والسُّوء.
ولما كان حُسْن المآب كلمة عامة مُجْملة أراد الحق سبحانه أن يُفصِّلها وأنْ يوضحها لنا، فقال: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] فكلمة جنات عدن بدل من حُسْن مآب، فكأن الحق سبحانه حصر حُسْن المآب في جنات عدن، والجنات جمع جنة، وهي المكان المليء بالأشجار المتشابكة التي تستر مَنْ يسير تحتها، أو لأنها تجنّ مَنْ يسير فيها وتحبسه عن الخروج فيها أو الحاجة لغيره؛ لأن فيها كلّ ما يحتاجه، وهذا هو معنى الجنة في الدنيا أيضاً، ومنه قوله تعالى: وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ.. [الكهف: ٣٢].
ومثَلُ الجنة التي دخلها آدم - عليه السلام - ليتلقَّى فيها من الله التجربة التكليفية بافعل ولا تفعل، لكن نسمع مَنْ يقول أن آدم كان في جنة الآخرة، وأخرجه الله منها إلى الدنيا، وهذا لا يستقيم لأن أول إخبار من الله عن آدم لم يقُلْ أنِّي خلقته للجنة، إنما قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً.. [البقرة: ٣٠].
أما مسألة دخوله الجنةَ أي جنة الدنيا، فذلك لأنك حين تريد أنْ تدرِّب شخصاً على عمل ما فإنك لا بُدَّ أنْ تتكفَّل له بالإقامة والنفقة، وتوفر له مُقوِّمات حياته بالطريقة التي تتيح له التدريب والقيام بالمهمة التي كلف بها، وهكذا فعل الله تعالى لآدم، فلما نسي ما أمره الله به واتبع الشيطان تغيَّرت طبيعته، ولم يَعُدْ صالحاً للإقامة في هذه الجنة، كما قال سبحانه: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا.. [الأعراف: ٢٢].
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها آدم بسوأته لأنه خالف أمر ربه، كذلك إذا رأيتَ عورة ظهرتْ في الأرض إلى أن تقوم الساعة فاعلم أنها نتيجة مخالفة لمنهج الله أو تعطيلٍ لحكم من أحكامه، وإلا ما الذي جعل هذه الفتحة في آدم عورة، وهي لا تختلف عن أيِّ فتحة مثلها في الجسم، ما الفرق بينها وبين فتحة الفم مثلاً؟ إذن: متى كانت عورة؟
كانت عورة حين أصبح لها مُسْتقذرات ينفر منها طبْع الإنسان، وكيف تكونتْ هذه المستقذرات؟ تكوَّنت لأنه أكل على خلاف منهج ربه، بدليل أنه لما أكل وفْق ما أمره الله لم تكُنْ له فضلات، كان يأكل من طهي الله، يأكل على قَدْر استبقاء الحياة.
لكن لما خالف وأكل من الشجرة تكوَّنتْ الفضلات وظهر أثرها المستقذر وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ.. [الأعراف: ٢٢] يريد أنْ يستر هذه العورة وأنْ يداريها، لكنها أصبحتْ عادة لازمة للإنسان إلى الأبد، سوأة لا تُستر ولا تُدفع، إذن: صارت سوأة بالمخالفة.
لذلك نجدهم في الحروب وميادين القتال يعطون الجنود أقراصاً مغذية تفيد الجسم، ولا تترك فضلات، ولا تزحم المعدة.
ولو تنبَّه آدمُ لوسوسة الشيطان ما طاوعه وما أكل من الشجرة؛ لأنه أغواهما بقوله: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] في حين أنه يطلب من الله أنْ يُنْظِره إلى يوم يُبعثون، ولو علم أن هذه الشجرة تبقيه وتُخلده لأكل هو منها، أليس هو القائل: رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ص: ٧٩].
إذن: كان الشيطان كذاباً، لكن لم يتنبه آدم لكذبه، قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥].
لكن لماذا يقع آدم - عليه السلام - في هذا الابتلاء؟ قالوا: لأن آدم سيكون أباً للبشر جميعاً، وسيكون ممثلاً لصِنفيْن منهم، صنف معصوم من الخطأ وهم الأنبياء والرسل، وصنف يخطئ وهم عامة الناس، إذن: لا بُدَّ أنْ تتمثل في حياته هاتان الصورتان، وقد وقع منه العصيان وهو في الجنة في فترة الاختبار التكليفي كما قلنا، وعصيانه هذا لا ينافي عصمة الأنبياء، لأنه لم يكُن قد نُبِّئ بعد، لكن تاب آدم فتاب الله عليه فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ.. [البقرة: ٣٧].
وقال: ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: كان الاجتباء والاختيار للنبوة بعد المحنة التي وقع فيها، وبعد الاجتباء عصم آدم عصمة الأنبياء، وكلمة ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ.. [طه: ١٢٢] دلتْ على التعقيب ووجود مدة بين عصيان آدم واجتبائه.
إذن: قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ.. [ص: ٥٠] أي: في دار الجزاء ومعنى عَدْنٍ يعني: إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي، وقال (عَدْن) لأن جنات الدنيا ينتفع بها صاحبها مدة ثم تزول، فإما أنْ تصيبها جائحة، كما في قوله تعالى في قصة أصحاب الجنة: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ [القلم: ١٧-٢٠] وإما أن يموت هو ويتركها لغيره.
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُطمئن أهل طاعته بأن الجنة التي أعدَّها لهم باقية دائمة لا تزول، جنات إقامة دائمة خالدة، لا يفوتك نعيمها ولا تفوته.
وقوله سبحانه: مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] مُفتحة اسم مفعول يدل على المبالغة وكثرة تفتيح الأبواب، فمَنِ الذي يفتحها؟ يجوز فتحها الخزنة ساعة يروْنَ أهل الجنة قادمين يفتحونَ لهم ويحيونهم حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣].
كما نرى مثلاً في الفنادق الكبيرة، يقف الحراس والحُجَّاب على الباب، وساعةَ يأتي الزائر يفتحون له الباب، لكن لما ارتقوا بهذه المسألة رأينا الأبواب تُفتح وحدها أتوماتيكياً بمجرد الاقتراب منها، فإنْ دخل الزائر تُغلق أيضاً تلقائياً. فيجوز أن الأبواب تُفتح بفعل الملائكة، أو تُفتح بمجرد إرادة أهل الجنة، فساعةَ يريد أنْ يدخل تُفتح له دون تدخُّل من أحد.
فإذا كان البشر قد توصَّلوا إلى هذه الدرجة في مسألة فَتْح الأبواب، فهذا التقدُّم يؤيد ما جاء به القرآن، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣].
لقد رأينا هذه السُّقف وهذه المعارج، وقد يُراد بها السلالم والأسانسيرات التي نصعد فيها الآن، وقد نزل هذا الكلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان على أمة أمية مُتبدية، لا تعرف المباني، إنما تسكن الخيام وبيوت الشَّعر والوَبَر.
إذن: في القرآن لقطات تدلُّك على أن في كتاب الله رصيداً لكل ما يجدُّ في حياة الناس، فإنْ تعجبتَ لشيء في كتاب الله فاعلم أن الواقع يؤيده، وأنكم أيها الخَلْق ستصلون في علومكم وارتقاءاتكم إلى مِثْل ما تتعجبون منه، فإذا كنتم قدرتم أنْ تفعلوا ذلك فاسمحوا لله تعالى أنْ يفعله من باب أوْلَى.
ثم يقول سبحانه في وصف أهل الجنة مُتَّكِئِينَ فِيهَا.. [ص: ٥١] المتكئ هو ما بين النائم والجالس، أو ما بين النائم والقاعد؛ لأن هناك فَرْقاً بين قعد وجلس - وإنْ كان المعنى واحداً - لأن قعد تكون عن قيام، كان قائماً فقعد، أما جلس فمن الاضطجاع، يعني كان مضطجعاً فجلس.
والإنسان حين يكون قائماً يحمل وزنه كله على القدمين، فإنْ تعب من القيام قعد، وفي القعود يكون ثقل الجسم على المقعدة، فإنْ تعب من القعود اتكأ على جنبه.. وهذا وَضْع بين الجلوس والاضطجاع على الأرض، ويُوزع فيه ثقل الجسم فيكون أكثر راحة للإنسان.
لذلك اختاره الله لأهل الجنة، واختارته امرأة العزيز للنسوة اللاتي استضافتهن. قال تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً.. [يوسف: ٣١] فالمتكأ دَلَّ على أن المجلس لا يُمَلُّ، وأن الاتكاء هو الوضع الذي يأخذ فيه الإنسان راحته.
وقال تعالى في أهل الجنة: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن: ٥٤].
وقال أيضاً في سورة الرحمن: مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن: ٧٦].
وقال أيضاً في بيان مُتكأ أهل الجنة: مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ.. [الكهف: ٣١].
إذن: أهل الجنة يتكئون إما على الفرش المُبطَّنة بالإستبرق، وهو الحرير السميك الغليظ، وهو يشبه ما نسميه الآن (الستان)، وإذا كانت هذه الفرش حشوها وبطانتها من إستبرق، فما بالك بظاهرها؟
ومعنى (رَفْرَفٍ) هو ما نسميه الآن الكرانيش الموجود مثلاً في الستائر. ومعنى (الأرائك) مفردها أريكة، وهي السرير الذي تُوضع عليه الحليات والستائر أشبه (بالنموسية) مثلاً. هذه هي مُتكاءات أهل الجنة.
لكن ماذا بعد أنْ يتكئ؟ لا بُدَّ لتمام النعيم من الطعام والشراب فهو لا يتكئ ويصوم، إنما يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ [ص: ٥١] فكأن التحية التي تُقدَّم لهم هي ما تشتهيه نفوسهم. يعني: لا يقدم لهم شيئاً على غير مرادهم، إنما حسب ما يرغبون وما يشتهون، فالتحية ليستْ مُلزِمة للجميع؛ لأنها قد لا تصادف هَوىً في النفس، وقدَّم الفاكهة مع أنها تفكُّهٌ ورفاهية بعد القوت الطبيعي والضروري، قالوا: وجود الفاكهة أو التفكُّه دليل على وجود الضروريات من باب أَوْلَى.
وقوله وَشَرَابٍ [ص: ٥١] المراد الشراب المستخرج من العنب، وخَصَّ الفاكهة والشراب لأنها لم تكُنْ موجودة في البيئة التي نزل فيها القرآن، فكان لها لذة عندهم، فهم لا يعرفون في طعامهم إلا التمر والبُرّ والشعير، فذكر لهم ما يشتهونه من الطعام والشراب.
وفي موضع آخر قال سبحانه: وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: ٢٠-٢١].
وفي سورة البقرة يُبيِّن لهم أن فاكهة الآخرة تختلف عما يعرفونه من فاكهة الدنيا وإنْ تشابه الاثنان، فالشكل واللون واحد، لكن المذاق مختلف، قال تعالى: كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ [البقرة: ٢٥].
إذن: الثمرة هي الثمرة، تفاح مثل التفاح، حتى أنك تقول: هذا الذي أكلتُه في الدنيا، والحقيقة أنه مختلف تماماً لأنه مُعَدٌّ لك بطلاقة القدرة.
وفي مواضع أخرى يوضح لنا القرآن الكريم مجلسَ أهل الجنة فيحدثنا مرة عن الفُرُش والمتكأ، فيقول: فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: ١٣-١٦].
النمارق جمع نمرقة، وهي التكاية التي نتكئ عليها. والزرابي: جمع زريبة، وهي البساط المنقوش. وإذا حدَّثنا عن أدوات الشراب يقول مرة (أكواب) ومرة (أباريق) ومرة (كأس).
هذه كلها أوعية للشراب، لكن هناك فرقاً بين هذه الثلاثة: فالكوب هو الإناء الذي ليس له عُرْوة ولا خرطوم، عروة يعني يد يُمسَك منها: والخرطوم هو الذي نسميه (البزبوز) الذي يُصَبُّ منه الماء، فإنْ كان له عروة أو خرطوم سُمِّي إبريقاً، فإنْ كان في الكوب شرابٌ سُمِّي كأساً، يعني: الكأس هو الكوب إنْ كان ممتلئاً، وإن كان فارغاً فهو كوب.
ومن عادات العرب في الكاسات أن الواحد منهم لا يشرب كلَّ ما فيها، إنما يُبقي فيها كمية من الشراب، ثم يريقها على الأرض، وفي هذا دلالة على عدم الشَّرَه وعدم الطمع، أو دلالة على امتلاء العين والاستغناء.
وقد عَبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
ولِلأرْضِ مِنْ كَأْسِ الكِرَامِ نَصِيبُ
وكنا قبل أن نذهب إلى طعام أحد الإخوان حين نُدْعَى إليه نأكل أكلة خفيفة، أو طبقاً نسميه طبقَ الكرامة، حتى لا نجلس على الطعام ونحن متلهفون للطعام، فلا يليق بالكريم أنْ يُقبِلَ على الطعام بشَرَهٍ، كأنه لم يَرَ طعاماً من قبل.
ومن عادات العرب أيضاً في شرابهم أنهم لا يملئون الكأس إلى آخرها، حتى يستطيع الشارب أنْ يُميز الشراب من الكأس التي وُضِعت فيه، وهذا يدل على صفاء الشراب أو صفاء الكأس.
لذلك قال شاعرهم:
لَوْلاَ انْتِصَافُ الكأْسِ خِلْنَا أنَّهَا فِي كَفِّ سَاقِيهَا تقوم بِذَاتِها
يعني: لو مُلِئت الكأس لَخِلْتَ أنها كأس بلا شراب، أو شرابٌ بلا كأس.
لكن ماذا يطلب أهل الجنة بعد الاتكاء وبعد الأكل والشرب مما تشتهيه أنفسهم، قالوا: الإنسان بعد أن تتوافر له هذه النعم يتطلع إلى حسناء يداعبها تكون له وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال تعالى بعدها:
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ... .
يعني: هذا الذي ذكرناه من موكب الرسل ومن موقف الأمم معهم، وكيف أنهم تحمَّلوا تفاهة القوم وقِلَّة أدبهم مع أنبياءهم، وتحمَّلوا الاجتراء باللسان وبالجوارح، نذكر هذا لمحمد الذي يَلْقى من قومه ما يَلْقى من الأذى لنذكره أنه ليس بدْعاً في الرسل، وأن ما جرى لإخوانه المرسلين لا بُدَّ أنْ يجري له، وإذا كنا نقيس الابتلاء بمقدار الرسالة فنصيبُ محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الإيذاء أكبر من نصيب الرسل أجمعين.
فقوله تعالى: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] تسليةٌ لسيدنا رسول الله حتى يعلم أنه ليس بِدْعاً في ذلك، وأن عظمته في أنْ يتلقَّى سفاهة القوم؛ لأن القومَ حين يسفهون على الرسول يدلُّ ذلك على أنهم منتفعون بالفساد الشائع في قومهم، وما جاء الرسول إلا ليقضي على هذا الفساد، إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الرسولُ خَصْماً لهؤلاء، وكلما تصدَّى لفسادهم اشتدتْ عداوتهم له، وإيذاؤهم وسخريتهم منه، واتهامهم له بالكذب والسحر والجنون.. إلخ.
فهذه إذن سنة لله تعالى في كل مَنْ يتصدَّى للدعوة ويجابه الفساد في المجتمع، لا بُدَّ أنْ يجد مَنْ يجترئ عليه ويتهمه بالباطل، ويحاول النيل منه والتشكيك في قصده، هذا رَدُّ فعل طبيعي إذا وجده الداعية ينبغي أنْ يُسَرَّ به، فهو إشارة وعلامة تدلّ على نجَاحه في مسعاه، وأنه نال منهم وغَاظهم.
وقوله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] أي: مرجع حسن إلى الله يوم القيامة، فهي تتحدث عن الآخرة وما ينتظره صلى الله عليه وسلم من الجزاء الحسن، ففي الآية عطاءان لرسول الله: الأولى: تسليته صلى الله عليه وسلم في قوله: هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩] ثم وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] كأنه تعالى يقول: هذا الذي ذكرناه ذِكْر لمحمد كي نُسَلِّيه، لكن الأهمّ من ذلك ما ينتظره من الجزاء الحسن في الآخرة، الواو هنا عطفت وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] على هَـٰذَا ذِكْرٌ.. [ص: ٤٩].
والمتقون مادتها: وَقَى يعني حال بين شيء يصيبه، وبين نفسه، واتقى الشيء جعل بينه وبين الشيء وقايةً تحميه. وإذا نظرنا إلى هذه المادة في القرآن نجد الحق سبحانه يأمر بالتقوى تكليفاً يكلف الإنسان أنْ يقي نفسه مما يعُود عليه بالشر، وقد أتتْ هذه المادة بلفظ: اتقوا الله، واتقوا ربكم، واتقوني، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.
وكلها تلتقي في معنى واحد، لأن لله تعالى كما قلنا صفات جلال وصفات جمال، فمعنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال لله وقاية، مثل: المنتقم الجبار القهار.. إلخ.
وهذه الصفات هي التي ترهب المخالف وتردعه، فاتقوا صفات الجلال من الله، لأنه سبحانه قادر أنْ يبطش بكم وليس لكم جَلَد على انتقام الله أو التعرُّض لأثر هذه الصفات.
وبنفس المعنى: اتقوا النار لأنها جُنْد من جُنْد الله، وأثر من آثار صفات الجلال.
وفي موضع واحد من القرآن وردتْ التقوى بلفظ (واتقوا) دون ذكر للمتقَى، وكأن هذا اللفظ جاء ليدلّ على شمول التقوى أو مطلق التقوى، فهي تعني: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.. إلخ.
ومعنى لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يعني: حُسْن مرجع، لكن أيّ مرجع؟ للعلماء في المرجع كلام فلسفي يقولون: أي مرجع الروح ومردّها إلى الأجساد يوم القيامة، وهذا كلام لا وزنَ له؛ لأننا نفهم المرجع والمردَّ إذا لاحظنا الخَلق الأول، والخالق سبحانه قبل أنْ يخلق الخَلْق أخذ عليهم العهد، وهم ما يزالون في مرحلة الذَّرِّ.
كما قاله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: إيمان الفطرة في عالم الذرِّ والشهادة لله تعالى بأنه الربُّ الخالق المُربِّي تستدعي أن يكون المرجع إليه سبحانه والمردّ إليه للحساب، هل قابلتم هذه الشهادة بالطاعة أم بالعصيان؟ فمن أدّى العهد القديم واستصحبه إلى العهد الجديد فقد فاز وله حُسْن مآب، وأما مَنْ ظلم نفسه وخالف العهد الذي أخذه على نفسه فقد خاب وخسر، وله في الآخرة مآب الشرِّ والسُّوء.
ولما كان حُسْن المآب كلمة عامة مُجْملة أراد الحق سبحانه أن يُفصِّلها وأنْ يوضحها لنا، فقال: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] فكلمة جنات عدن بدل من حُسْن مآب، فكأن الحق سبحانه حصر حُسْن المآب في جنات عدن، والجنات جمع جنة، وهي المكان المليء بالأشجار المتشابكة التي تستر مَنْ يسير تحتها، أو لأنها تجنّ مَنْ يسير فيها وتحبسه عن الخروج فيها أو الحاجة لغيره؛ لأن فيها كلّ ما يحتاجه، وهذا هو معنى الجنة في الدنيا أيضاً، ومنه قوله تعالى: وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ.. [الكهف: ٣٢].
ومثَلُ الجنة التي دخلها آدم - عليه السلام - ليتلقَّى فيها من الله التجربة التكليفية بافعل ولا تفعل، لكن نسمع مَنْ يقول أن آدم كان في جنة الآخرة، وأخرجه الله منها إلى الدنيا، وهذا لا يستقيم لأن أول إخبار من الله عن آدم لم يقُلْ أنِّي خلقته للجنة، إنما قال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً.. [البقرة: ٣٠].
أما مسألة دخوله الجنةَ أي جنة الدنيا، فذلك لأنك حين تريد أنْ تدرِّب شخصاً على عمل ما فإنك لا بُدَّ أنْ تتكفَّل له بالإقامة والنفقة، وتوفر له مُقوِّمات حياته بالطريقة التي تتيح له التدريب والقيام بالمهمة التي كلف بها، وهكذا فعل الله تعالى لآدم، فلما نسي ما أمره الله به واتبع الشيطان تغيَّرت طبيعته، ولم يَعُدْ صالحاً للإقامة في هذه الجنة، كما قال سبحانه: فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا.. [الأعراف: ٢٢].
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها آدم بسوأته لأنه خالف أمر ربه، كذلك إذا رأيتَ عورة ظهرتْ في الأرض إلى أن تقوم الساعة فاعلم أنها نتيجة مخالفة لمنهج الله أو تعطيلٍ لحكم من أحكامه، وإلا ما الذي جعل هذه الفتحة في آدم عورة، وهي لا تختلف عن أيِّ فتحة مثلها في الجسم، ما الفرق بينها وبين فتحة الفم مثلاً؟ إذن: متى كانت عورة؟
كانت عورة حين أصبح لها مُسْتقذرات ينفر منها طبْع الإنسان، وكيف تكونتْ هذه المستقذرات؟ تكوَّنت لأنه أكل على خلاف منهج ربه، بدليل أنه لما أكل وفْق ما أمره الله لم تكُنْ له فضلات، كان يأكل من طهي الله، يأكل على قَدْر استبقاء الحياة.
لكن لما خالف وأكل من الشجرة تكوَّنتْ الفضلات وظهر أثرها المستقذر وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ.. [الأعراف: ٢٢] يريد أنْ يستر هذه العورة وأنْ يداريها، لكنها أصبحتْ عادة لازمة للإنسان إلى الأبد، سوأة لا تُستر ولا تُدفع، إذن: صارت سوأة بالمخالفة.
لذلك نجدهم في الحروب وميادين القتال يعطون الجنود أقراصاً مغذية تفيد الجسم، ولا تترك فضلات، ولا تزحم المعدة.
ولو تنبَّه آدمُ لوسوسة الشيطان ما طاوعه وما أكل من الشجرة؛ لأنه أغواهما بقوله: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ [الأعراف: ٢٠] في حين أنه يطلب من الله أنْ يُنْظِره إلى يوم يُبعثون، ولو علم أن هذه الشجرة تبقيه وتُخلده لأكل هو منها، أليس هو القائل: رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ص: ٧٩].
إذن: كان الشيطان كذاباً، لكن لم يتنبه آدم لكذبه، قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥].
لكن لماذا يقع آدم - عليه السلام - في هذا الابتلاء؟ قالوا: لأن آدم سيكون أباً للبشر جميعاً، وسيكون ممثلاً لصِنفيْن منهم، صنف معصوم من الخطأ وهم الأنبياء والرسل، وصنف يخطئ وهم عامة الناس، إذن: لا بُدَّ أنْ تتمثل في حياته هاتان الصورتان، وقد وقع منه العصيان وهو في الجنة في فترة الاختبار التكليفي كما قلنا، وعصيانه هذا لا ينافي عصمة الأنبياء، لأنه لم يكُن قد نُبِّئ بعد، لكن تاب آدم فتاب الله عليه فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ.. [البقرة: ٣٧].
وقال: ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ [طه: ١٢٢].
إذن: كان الاجتباء والاختيار للنبوة بعد المحنة التي وقع فيها، وبعد الاجتباء عصم آدم عصمة الأنبياء، وكلمة ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ.. [طه: ١٢٢] دلتْ على التعقيب ووجود مدة بين عصيان آدم واجتبائه.
إذن: قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ.. [ص: ٥٠] أي: في دار الجزاء ومعنى عَدْنٍ يعني: إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي، وقال (عَدْن) لأن جنات الدنيا ينتفع بها صاحبها مدة ثم تزول، فإما أنْ تصيبها جائحة، كما في قوله تعالى في قصة أصحاب الجنة: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ [القلم: ١٧-٢٠] وإما أن يموت هو ويتركها لغيره.
لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُطمئن أهل طاعته بأن الجنة التي أعدَّها لهم باقية دائمة لا تزول، جنات إقامة دائمة خالدة، لا يفوتك نعيمها ولا تفوته.
وقوله سبحانه: مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ ٱلأَبْوَابُ [ص: ٥٠] مُفتحة اسم مفعول يدل على المبالغة وكثرة تفتيح الأبواب، فمَنِ الذي يفتحها؟ يجوز فتحها الخزنة ساعة يروْنَ أهل الجنة قادمين يفتحونَ لهم ويحيونهم حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر: ٧٣].
كما نرى مثلاً في الفنادق الكبيرة، يقف الحراس والحُجَّاب على الباب، وساعةَ يأتي الزائر يفتحون له الباب، لكن لما ارتقوا بهذه المسألة رأينا الأبواب تُفتح وحدها أتوماتيكياً بمجرد الاقتراب منها، فإنْ دخل الزائر تُغلق أيضاً تلقائياً. فيجوز أن الأبواب تُفتح بفعل الملائكة، أو تُفتح بمجرد إرادة أهل الجنة، فساعةَ يريد أنْ يدخل تُفتح له دون تدخُّل من أحد.
فإذا كان البشر قد توصَّلوا إلى هذه الدرجة في مسألة فَتْح الأبواب، فهذا التقدُّم يؤيد ما جاء به القرآن، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف: ٣٣].
لقد رأينا هذه السُّقف وهذه المعارج، وقد يُراد بها السلالم والأسانسيرات التي نصعد فيها الآن، وقد نزل هذا الكلام منذ ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان على أمة أمية مُتبدية، لا تعرف المباني، إنما تسكن الخيام وبيوت الشَّعر والوَبَر.
إذن: في القرآن لقطات تدلُّك على أن في كتاب الله رصيداً لكل ما يجدُّ في حياة الناس، فإنْ تعجبتَ لشيء في كتاب الله فاعلم أن الواقع يؤيده، وأنكم أيها الخَلْق ستصلون في علومكم وارتقاءاتكم إلى مِثْل ما تتعجبون منه، فإذا كنتم قدرتم أنْ تفعلوا ذلك فاسمحوا لله تعالى أنْ يفعله من باب أوْلَى.
ثم يقول سبحانه في وصف أهل الجنة مُتَّكِئِينَ فِيهَا.. [ص: ٥١] المتكئ هو ما بين النائم والجالس، أو ما بين النائم والقاعد؛ لأن هناك فَرْقاً بين قعد وجلس - وإنْ كان المعنى واحداً - لأن قعد تكون عن قيام، كان قائماً فقعد، أما جلس فمن الاضطجاع، يعني كان مضطجعاً فجلس.
والإنسان حين يكون قائماً يحمل وزنه كله على القدمين، فإنْ تعب من القيام قعد، وفي القعود يكون ثقل الجسم على المقعدة، فإنْ تعب من القعود اتكأ على جنبه.. وهذا وَضْع بين الجلوس والاضطجاع على الأرض، ويُوزع فيه ثقل الجسم فيكون أكثر راحة للإنسان.
لذلك اختاره الله لأهل الجنة، واختارته امرأة العزيز للنسوة اللاتي استضافتهن. قال تعالى: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً.. [يوسف: ٣١] فالمتكأ دَلَّ على أن المجلس لا يُمَلُّ، وأن الاتكاء هو الوضع الذي يأخذ فيه الإنسان راحته.
وقال تعالى في أهل الجنة: مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن: ٥٤].
وقال أيضاً في سورة الرحمن: مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ [الرحمن: ٧٦].
وقال أيضاً في بيان مُتكأ أهل الجنة: مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ.. [الكهف: ٣١].
إذن: أهل الجنة يتكئون إما على الفرش المُبطَّنة بالإستبرق، وهو الحرير السميك الغليظ، وهو يشبه ما نسميه الآن (الستان)، وإذا كانت هذه الفرش حشوها وبطانتها من إستبرق، فما بالك بظاهرها؟
ومعنى (رَفْرَفٍ) هو ما نسميه الآن الكرانيش الموجود مثلاً في الستائر. ومعنى (الأرائك) مفردها أريكة، وهي السرير الذي تُوضع عليه الحليات والستائر أشبه (بالنموسية) مثلاً. هذه هي مُتكاءات أهل الجنة.
لكن ماذا بعد أنْ يتكئ؟ لا بُدَّ لتمام النعيم من الطعام والشراب فهو لا يتكئ ويصوم، إنما يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ [ص: ٥١] فكأن التحية التي تُقدَّم لهم هي ما تشتهيه نفوسهم. يعني: لا يقدم لهم شيئاً على غير مرادهم، إنما حسب ما يرغبون وما يشتهون، فالتحية ليستْ مُلزِمة للجميع؛ لأنها قد لا تصادف هَوىً في النفس، وقدَّم الفاكهة مع أنها تفكُّهٌ ورفاهية بعد القوت الطبيعي والضروري، قالوا: وجود الفاكهة أو التفكُّه دليل على وجود الضروريات من باب أَوْلَى.
وقوله وَشَرَابٍ [ص: ٥١] المراد الشراب المستخرج من العنب، وخَصَّ الفاكهة والشراب لأنها لم تكُنْ موجودة في البيئة التي نزل فيها القرآن، فكان لها لذة عندهم، فهم لا يعرفون في طعامهم إلا التمر والبُرّ والشعير، فذكر لهم ما يشتهونه من الطعام والشراب.
وفي موضع آخر قال سبحانه: وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة: ٢٠-٢١].
وفي سورة البقرة يُبيِّن لهم أن فاكهة الآخرة تختلف عما يعرفونه من فاكهة الدنيا وإنْ تشابه الاثنان، فالشكل واللون واحد، لكن المذاق مختلف، قال تعالى: كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ [البقرة: ٢٥].
إذن: الثمرة هي الثمرة، تفاح مثل التفاح، حتى أنك تقول: هذا الذي أكلتُه في الدنيا، والحقيقة أنه مختلف تماماً لأنه مُعَدٌّ لك بطلاقة القدرة.
وفي مواضع أخرى يوضح لنا القرآن الكريم مجلسَ أهل الجنة فيحدثنا مرة عن الفُرُش والمتكأ، فيقول: فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية: ١٣-١٦].
النمارق جمع نمرقة، وهي التكاية التي نتكئ عليها. والزرابي: جمع زريبة، وهي البساط المنقوش. وإذا حدَّثنا عن أدوات الشراب يقول مرة (أكواب) ومرة (أباريق) ومرة (كأس).
هذه كلها أوعية للشراب، لكن هناك فرقاً بين هذه الثلاثة: فالكوب هو الإناء الذي ليس له عُرْوة ولا خرطوم، عروة يعني يد يُمسَك منها: والخرطوم هو الذي نسميه (البزبوز) الذي يُصَبُّ منه الماء، فإنْ كان له عروة أو خرطوم سُمِّي إبريقاً، فإنْ كان في الكوب شرابٌ سُمِّي كأساً، يعني: الكأس هو الكوب إنْ كان ممتلئاً، وإن كان فارغاً فهو كوب.
ومن عادات العرب في الكاسات أن الواحد منهم لا يشرب كلَّ ما فيها، إنما يُبقي فيها كمية من الشراب، ثم يريقها على الأرض، وفي هذا دلالة على عدم الشَّرَه وعدم الطمع، أو دلالة على امتلاء العين والاستغناء.
وقد عَبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله:
ولِلأرْضِ مِنْ كَأْسِ الكِرَامِ نَصِيبُ
وكنا قبل أن نذهب إلى طعام أحد الإخوان حين نُدْعَى إليه نأكل أكلة خفيفة، أو طبقاً نسميه طبقَ الكرامة، حتى لا نجلس على الطعام ونحن متلهفون للطعام، فلا يليق بالكريم أنْ يُقبِلَ على الطعام بشَرَهٍ، كأنه لم يَرَ طعاماً من قبل.
ومن عادات العرب أيضاً في شرابهم أنهم لا يملئون الكأس إلى آخرها، حتى يستطيع الشارب أنْ يُميز الشراب من الكأس التي وُضِعت فيه، وهذا يدل على صفاء الشراب أو صفاء الكأس.
لذلك قال شاعرهم:
لَوْلاَ انْتِصَافُ الكأْسِ خِلْنَا أنَّهَا فِي كَفِّ سَاقِيهَا تقوم بِذَاتِها
يعني: لو مُلِئت الكأس لَخِلْتَ أنها كأس بلا شراب، أو شرابٌ بلا كأس.
لكن ماذا يطلب أهل الجنة بعد الاتكاء وبعد الأكل والشرب مما تشتهيه أنفسهم، قالوا: الإنسان بعد أن تتوافر له هذه النعم يتطلع إلى حسناء يداعبها تكون له وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال تعالى بعدها:
وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ... .
آية رقم ٥٢
ﮢﮣﮤﮥﮦ
ﮧ
معنى قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ [ص: ٥٢] أي: تقصر الواحدة منهن عينيها فلا تمتد إلى غير مالكها فلا يطمع أحد أن ينظر إليها، والطرف أو العين لها أثر ولها كلام ولغة، ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١] إلى أن قال سبحانه حكاية عن يوسف: قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ [يوسف: ٣٣].
فالقصة كانت مع امرأة واحدة هي امرأة العزيز، فكيف يقول هنا مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ.. [يوسف: ٣٣] و كَيْدَهُنَّ.. [يوسف: ٣٣] و أَصْبُ إِلَيْهِنَّ.. [يوسف: ٣٣] هكذا بصيغة الجمع.
إذن: لا بُدَّ أنهن ساعةَ رأيْنَهُ نظرتْ إليه كُلٌّ منهن نظرة استدل منها على أنها تهواه، فالنظرة إذن لغة تحمل كلاماً، وتُعبِّر عما في نفس صاحبها، لذلك تكلم يوسف عنهن جميعاً، لا عن امرأة العزيز وحدها. لذلك لما أراد العزيز أنْ يستدعيه قال: مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.. [يوسف: ٥٠] والكلام كان في البداية عن امرأة العزيز.
ومن النظرات التي كانت لها دلالاتٌ في أدبنا العربي حُكِي عن أبي دلامة لما دخل على الخليفة وحوله الأعيان، وأراد الخليفة أنْ يداعبَ أبا دلامة فقال له: يا أبا دُلاَمة، لتهجونَّ واحداً منا أو لأقتلنَّكَ، فوقف أبو دلامة يفكر فيما يقوله، وجعل الحاضرون ينظرون إليه، كُلٌّ يقول له بالنظرة لا تَهْجُني، ولك ما تشاء من العطاء، فواحد يُرغِّبه وواحد يُرهِّبه.
وأخيراً، رأى أبو دلامة أنْ يُرضِيَ الخليفة ويهجو نفسه طمعاً فيما ينتظره من عطاء هؤلاء الأعيان، وفوجئ الجميع بأبي دلامة يقول:
أَلاَ أبلغ لديْكَ أبَا دُلاَمَةَ فَلَيْسَ مِنَ الكِرام وَلاَ كَرَامَه
إذَا لَبِسَ العِمَامَةَ كَانَ قِرْدًا وَخِنْزِيراً إذَا نَزَعَ العِمَامَه
واغتنى أبو دلامة من جراء هذه الدعابة.
فمعنى قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أيك تَغصّ طرفها عن غير مالكها، وهذه للخصوصية المطلوبة في المرأة بالذات؛ لأنك تجد الرجل مهما كان سَمْحاً كريماً يجود بكل ما يملك على مَنْ يحب إلا المرأة، فإنه لا يطيق مجرد أنْ ينظر أحد غيره إليها، فهذه صفة للمؤمن في الدنيا، وهي أيضاً صفته في الآخرة.
لذلك نقول: إن من عجائب ما يفعله الإيمان بأهله ومن مزاياه، أنه لا يخلع العقائد من القلوب ولا الاختيار من العقول فحسب، بل يخلع الاتجاه من العاطفة أيضاً، وقد رأينا ذلك في قصة المهاجرين والأنصار، فالإيمان خلع من القلوب الكفرَ، وخلع من العقول حُبَّ العناد في الاختيار، ثم خلع أقوى العواطف وهي عاطفة الرجل نحو امرأته.
ألم يَقُل الأنصاريُّ لأخيه المهاجر الذي جاء بغير أهله: انظر إلى زوجاتي، فأيّهنّ أعجبتْكَ أطلقها لتتزوجها أنت. إلى هذه الدرجة فعل الإيمانُ بالمؤمنين الأوائل.
ومعنى أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أي: متساويات في الحُسْن أو في السنِّ بحيث لا تميز منهن واحدة عن الأخرى، فكُلُّهن جميلات في سِنٍّ واحدة، وحُسْن واحد، وقَوَام واحد؛ لماذا؟ قالوا: حتى تظل الأعْيُنُ مقصورةً على ما تملك لا يطمع أحدٌ في الأُخْريات ولا ينظر وتزوغ عينه على مَا ليس له، فلو كانت النساء جميعهن على درجة واحدة، فَلِم النظر إذن؟
أو أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] يعني: مثله ومناسبة له تتقلب له في الصورة التي يحبها.
وقوله سبحانه: هَـٰذَا.. [ص: ٥٣] أي: ما ذكرناه من الجنة ونعيمها، هذا المذكور كله مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] لكن نوعد ممن؟ نوعد ممَّنْ يملك إنفاذَ ما وعد به، نعم لأنه سبحانه القادر العزيز الغالب، ليس هناك قوة تعانده، ولا قوة تعارضه فيما يريد.
فأنت تَعِد الوعد وفي نيتك الوفاء به، هذا عند التحمل، لكن أنت لا تملك عنصراً واحداً من عناصر الوفاء بما وعدتَ، فيأتي وقت الوفاء فلا تُوفِ؛ لأنه عَرَض لك عارضٌ حال بينك وبينَ الوفاء بما وعدتَ، أما الحق سبحَانه فوَعْده حق، لأن له طلاقةَ القدرة.
وقوله: لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] أي: حساب المتقين؛ لأن الحساب مطلقاً يشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فالحساب هنا أي حساب أهل الإيمان، كما قاله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا.. [ص: ٥٤] أي: الذي ذكرناه لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص: ٥٤] فلم يقُلْ لرزقكم إنما لَرِزْقُنَا.. [ص: ٥٤] فكأنهم هم الذين يقولون، وهم الذين يقروون أن ما هم فيه من النعيم باقٍ لا ينفد، لماذا؟ لأنهم عاينوا صِْدق الوعد، وأن الله أدخلهم الجنة على الوَصْف الذي أخبرهم به، فعلموا أن وعد الله حَقٌّ، وأن نعيمه خالد بَاقٍ لا يزول.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن المتقين الأخيار يتكلم بعدها عن الأشرار، فالصورة الأولى وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يقابلها:
هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ... .
فالقصة كانت مع امرأة واحدة هي امرأة العزيز، فكيف يقول هنا مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ.. [يوسف: ٣٣] و كَيْدَهُنَّ.. [يوسف: ٣٣] و أَصْبُ إِلَيْهِنَّ.. [يوسف: ٣٣] هكذا بصيغة الجمع.
إذن: لا بُدَّ أنهن ساعةَ رأيْنَهُ نظرتْ إليه كُلٌّ منهن نظرة استدل منها على أنها تهواه، فالنظرة إذن لغة تحمل كلاماً، وتُعبِّر عما في نفس صاحبها، لذلك تكلم يوسف عنهن جميعاً، لا عن امرأة العزيز وحدها. لذلك لما أراد العزيز أنْ يستدعيه قال: مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.. [يوسف: ٥٠] والكلام كان في البداية عن امرأة العزيز.
ومن النظرات التي كانت لها دلالاتٌ في أدبنا العربي حُكِي عن أبي دلامة لما دخل على الخليفة وحوله الأعيان، وأراد الخليفة أنْ يداعبَ أبا دلامة فقال له: يا أبا دُلاَمة، لتهجونَّ واحداً منا أو لأقتلنَّكَ، فوقف أبو دلامة يفكر فيما يقوله، وجعل الحاضرون ينظرون إليه، كُلٌّ يقول له بالنظرة لا تَهْجُني، ولك ما تشاء من العطاء، فواحد يُرغِّبه وواحد يُرهِّبه.
وأخيراً، رأى أبو دلامة أنْ يُرضِيَ الخليفة ويهجو نفسه طمعاً فيما ينتظره من عطاء هؤلاء الأعيان، وفوجئ الجميع بأبي دلامة يقول:
أَلاَ أبلغ لديْكَ أبَا دُلاَمَةَ فَلَيْسَ مِنَ الكِرام وَلاَ كَرَامَه
إذَا لَبِسَ العِمَامَةَ كَانَ قِرْدًا وَخِنْزِيراً إذَا نَزَعَ العِمَامَه
واغتنى أبو دلامة من جراء هذه الدعابة.
فمعنى قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أيك تَغصّ طرفها عن غير مالكها، وهذه للخصوصية المطلوبة في المرأة بالذات؛ لأنك تجد الرجل مهما كان سَمْحاً كريماً يجود بكل ما يملك على مَنْ يحب إلا المرأة، فإنه لا يطيق مجرد أنْ ينظر أحد غيره إليها، فهذه صفة للمؤمن في الدنيا، وهي أيضاً صفته في الآخرة.
لذلك نقول: إن من عجائب ما يفعله الإيمان بأهله ومن مزاياه، أنه لا يخلع العقائد من القلوب ولا الاختيار من العقول فحسب، بل يخلع الاتجاه من العاطفة أيضاً، وقد رأينا ذلك في قصة المهاجرين والأنصار، فالإيمان خلع من القلوب الكفرَ، وخلع من العقول حُبَّ العناد في الاختيار، ثم خلع أقوى العواطف وهي عاطفة الرجل نحو امرأته.
ألم يَقُل الأنصاريُّ لأخيه المهاجر الذي جاء بغير أهله: انظر إلى زوجاتي، فأيّهنّ أعجبتْكَ أطلقها لتتزوجها أنت. إلى هذه الدرجة فعل الإيمانُ بالمؤمنين الأوائل.
ومعنى أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أي: متساويات في الحُسْن أو في السنِّ بحيث لا تميز منهن واحدة عن الأخرى، فكُلُّهن جميلات في سِنٍّ واحدة، وحُسْن واحد، وقَوَام واحد؛ لماذا؟ قالوا: حتى تظل الأعْيُنُ مقصورةً على ما تملك لا يطمع أحدٌ في الأُخْريات ولا ينظر وتزوغ عينه على مَا ليس له، فلو كانت النساء جميعهن على درجة واحدة، فَلِم النظر إذن؟
أو أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] يعني: مثله ومناسبة له تتقلب له في الصورة التي يحبها.
وقوله سبحانه: هَـٰذَا.. [ص: ٥٣] أي: ما ذكرناه من الجنة ونعيمها، هذا المذكور كله مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] لكن نوعد ممن؟ نوعد ممَّنْ يملك إنفاذَ ما وعد به، نعم لأنه سبحانه القادر العزيز الغالب، ليس هناك قوة تعانده، ولا قوة تعارضه فيما يريد.
فأنت تَعِد الوعد وفي نيتك الوفاء به، هذا عند التحمل، لكن أنت لا تملك عنصراً واحداً من عناصر الوفاء بما وعدتَ، فيأتي وقت الوفاء فلا تُوفِ؛ لأنه عَرَض لك عارضٌ حال بينك وبينَ الوفاء بما وعدتَ، أما الحق سبحَانه فوَعْده حق، لأن له طلاقةَ القدرة.
وقوله: لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] أي: حساب المتقين؛ لأن الحساب مطلقاً يشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فالحساب هنا أي حساب أهل الإيمان، كما قاله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا.. [ص: ٥٤] أي: الذي ذكرناه لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص: ٥٤] فلم يقُلْ لرزقكم إنما لَرِزْقُنَا.. [ص: ٥٤] فكأنهم هم الذين يقولون، وهم الذين يقروون أن ما هم فيه من النعيم باقٍ لا ينفد، لماذا؟ لأنهم عاينوا صِْدق الوعد، وأن الله أدخلهم الجنة على الوَصْف الذي أخبرهم به، فعلموا أن وعد الله حَقٌّ، وأن نعيمه خالد بَاقٍ لا يزول.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن المتقين الأخيار يتكلم بعدها عن الأشرار، فالصورة الأولى وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يقابلها:
هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ... .
آية رقم ٥٣
ﮨﮩﮪﮫﮬ
ﮭ
معنى قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ [ص: ٥٢] أي: تقصر الواحدة منهن عينيها فلا تمتد إلى غير مالكها فلا يطمع أحد أن ينظر إليها، والطرف أو العين لها أثر ولها كلام ولغة، ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١] إلى أن قال سبحانه حكاية عن يوسف: قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ [يوسف: ٣٣].
فالقصة كانت مع امرأة واحدة هي امرأة العزيز، فكيف يقول هنا مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ.. [يوسف: ٣٣] و كَيْدَهُنَّ.. [يوسف: ٣٣] و أَصْبُ إِلَيْهِنَّ.. [يوسف: ٣٣] هكذا بصيغة الجمع.
إذن: لا بُدَّ أنهن ساعةَ رأيْنَهُ نظرتْ إليه كُلٌّ منهن نظرة استدل منها على أنها تهواه، فالنظرة إذن لغة تحمل كلاماً، وتُعبِّر عما في نفس صاحبها، لذلك تكلم يوسف عنهن جميعاً، لا عن امرأة العزيز وحدها. لذلك لما أراد العزيز أنْ يستدعيه قال: مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.. [يوسف: ٥٠] والكلام كان في البداية عن امرأة العزيز.
ومن النظرات التي كانت لها دلالاتٌ في أدبنا العربي حُكِي عن أبي دلامة لما دخل على الخليفة وحوله الأعيان، وأراد الخليفة أنْ يداعبَ أبا دلامة فقال له: يا أبا دُلاَمة، لتهجونَّ واحداً منا أو لأقتلنَّكَ، فوقف أبو دلامة يفكر فيما يقوله، وجعل الحاضرون ينظرون إليه، كُلٌّ يقول له بالنظرة لا تَهْجُني، ولك ما تشاء من العطاء، فواحد يُرغِّبه وواحد يُرهِّبه.
وأخيراً، رأى أبو دلامة أنْ يُرضِيَ الخليفة ويهجو نفسه طمعاً فيما ينتظره من عطاء هؤلاء الأعيان، وفوجئ الجميع بأبي دلامة يقول:
أَلاَ أبلغ لديْكَ أبَا دُلاَمَةَ فَلَيْسَ مِنَ الكِرام وَلاَ كَرَامَه
إذَا لَبِسَ العِمَامَةَ كَانَ قِرْدًا وَخِنْزِيراً إذَا نَزَعَ العِمَامَه
واغتنى أبو دلامة من جراء هذه الدعابة.
فمعنى قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أيك تَغصّ طرفها عن غير مالكها، وهذه للخصوصية المطلوبة في المرأة بالذات؛ لأنك تجد الرجل مهما كان سَمْحاً كريماً يجود بكل ما يملك على مَنْ يحب إلا المرأة، فإنه لا يطيق مجرد أنْ ينظر أحد غيره إليها، فهذه صفة للمؤمن في الدنيا، وهي أيضاً صفته في الآخرة.
لذلك نقول: إن من عجائب ما يفعله الإيمان بأهله ومن مزاياه، أنه لا يخلع العقائد من القلوب ولا الاختيار من العقول فحسب، بل يخلع الاتجاه من العاطفة أيضاً، وقد رأينا ذلك في قصة المهاجرين والأنصار، فالإيمان خلع من القلوب الكفرَ، وخلع من العقول حُبَّ العناد في الاختيار، ثم خلع أقوى العواطف وهي عاطفة الرجل نحو امرأته.
ألم يَقُل الأنصاريُّ لأخيه المهاجر الذي جاء بغير أهله: انظر إلى زوجاتي، فأيّهنّ أعجبتْكَ أطلقها لتتزوجها أنت. إلى هذه الدرجة فعل الإيمانُ بالمؤمنين الأوائل.
ومعنى أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أي: متساويات في الحُسْن أو في السنِّ بحيث لا تميز منهن واحدة عن الأخرى، فكُلُّهن جميلات في سِنٍّ واحدة، وحُسْن واحد، وقَوَام واحد؛ لماذا؟ قالوا: حتى تظل الأعْيُنُ مقصورةً على ما تملك لا يطمع أحدٌ في الأُخْريات ولا ينظر وتزوغ عينه على مَا ليس له، فلو كانت النساء جميعهن على درجة واحدة، فَلِم النظر إذن؟
أو أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] يعني: مثله ومناسبة له تتقلب له في الصورة التي يحبها.
وقوله سبحانه: هَـٰذَا.. [ص: ٥٣] أي: ما ذكرناه من الجنة ونعيمها، هذا المذكور كله مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] لكن نوعد ممن؟ نوعد ممَّنْ يملك إنفاذَ ما وعد به، نعم لأنه سبحانه القادر العزيز الغالب، ليس هناك قوة تعانده، ولا قوة تعارضه فيما يريد.
فأنت تَعِد الوعد وفي نيتك الوفاء به، هذا عند التحمل، لكن أنت لا تملك عنصراً واحداً من عناصر الوفاء بما وعدتَ، فيأتي وقت الوفاء فلا تُوفِ؛ لأنه عَرَض لك عارضٌ حال بينك وبينَ الوفاء بما وعدتَ، أما الحق سبحَانه فوَعْده حق، لأن له طلاقةَ القدرة.
وقوله: لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] أي: حساب المتقين؛ لأن الحساب مطلقاً يشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فالحساب هنا أي حساب أهل الإيمان، كما قاله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا.. [ص: ٥٤] أي: الذي ذكرناه لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص: ٥٤] فلم يقُلْ لرزقكم إنما لَرِزْقُنَا.. [ص: ٥٤] فكأنهم هم الذين يقولون، وهم الذين يقروون أن ما هم فيه من النعيم باقٍ لا ينفد، لماذا؟ لأنهم عاينوا صِْدق الوعد، وأن الله أدخلهم الجنة على الوَصْف الذي أخبرهم به، فعلموا أن وعد الله حَقٌّ، وأن نعيمه خالد بَاقٍ لا يزول.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن المتقين الأخيار يتكلم بعدها عن الأشرار، فالصورة الأولى وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يقابلها:
هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ... .
فالقصة كانت مع امرأة واحدة هي امرأة العزيز، فكيف يقول هنا مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ.. [يوسف: ٣٣] و كَيْدَهُنَّ.. [يوسف: ٣٣] و أَصْبُ إِلَيْهِنَّ.. [يوسف: ٣٣] هكذا بصيغة الجمع.
إذن: لا بُدَّ أنهن ساعةَ رأيْنَهُ نظرتْ إليه كُلٌّ منهن نظرة استدل منها على أنها تهواه، فالنظرة إذن لغة تحمل كلاماً، وتُعبِّر عما في نفس صاحبها، لذلك تكلم يوسف عنهن جميعاً، لا عن امرأة العزيز وحدها. لذلك لما أراد العزيز أنْ يستدعيه قال: مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.. [يوسف: ٥٠] والكلام كان في البداية عن امرأة العزيز.
ومن النظرات التي كانت لها دلالاتٌ في أدبنا العربي حُكِي عن أبي دلامة لما دخل على الخليفة وحوله الأعيان، وأراد الخليفة أنْ يداعبَ أبا دلامة فقال له: يا أبا دُلاَمة، لتهجونَّ واحداً منا أو لأقتلنَّكَ، فوقف أبو دلامة يفكر فيما يقوله، وجعل الحاضرون ينظرون إليه، كُلٌّ يقول له بالنظرة لا تَهْجُني، ولك ما تشاء من العطاء، فواحد يُرغِّبه وواحد يُرهِّبه.
وأخيراً، رأى أبو دلامة أنْ يُرضِيَ الخليفة ويهجو نفسه طمعاً فيما ينتظره من عطاء هؤلاء الأعيان، وفوجئ الجميع بأبي دلامة يقول:
أَلاَ أبلغ لديْكَ أبَا دُلاَمَةَ فَلَيْسَ مِنَ الكِرام وَلاَ كَرَامَه
إذَا لَبِسَ العِمَامَةَ كَانَ قِرْدًا وَخِنْزِيراً إذَا نَزَعَ العِمَامَه
واغتنى أبو دلامة من جراء هذه الدعابة.
فمعنى قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أيك تَغصّ طرفها عن غير مالكها، وهذه للخصوصية المطلوبة في المرأة بالذات؛ لأنك تجد الرجل مهما كان سَمْحاً كريماً يجود بكل ما يملك على مَنْ يحب إلا المرأة، فإنه لا يطيق مجرد أنْ ينظر أحد غيره إليها، فهذه صفة للمؤمن في الدنيا، وهي أيضاً صفته في الآخرة.
لذلك نقول: إن من عجائب ما يفعله الإيمان بأهله ومن مزاياه، أنه لا يخلع العقائد من القلوب ولا الاختيار من العقول فحسب، بل يخلع الاتجاه من العاطفة أيضاً، وقد رأينا ذلك في قصة المهاجرين والأنصار، فالإيمان خلع من القلوب الكفرَ، وخلع من العقول حُبَّ العناد في الاختيار، ثم خلع أقوى العواطف وهي عاطفة الرجل نحو امرأته.
ألم يَقُل الأنصاريُّ لأخيه المهاجر الذي جاء بغير أهله: انظر إلى زوجاتي، فأيّهنّ أعجبتْكَ أطلقها لتتزوجها أنت. إلى هذه الدرجة فعل الإيمانُ بالمؤمنين الأوائل.
ومعنى أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أي: متساويات في الحُسْن أو في السنِّ بحيث لا تميز منهن واحدة عن الأخرى، فكُلُّهن جميلات في سِنٍّ واحدة، وحُسْن واحد، وقَوَام واحد؛ لماذا؟ قالوا: حتى تظل الأعْيُنُ مقصورةً على ما تملك لا يطمع أحدٌ في الأُخْريات ولا ينظر وتزوغ عينه على مَا ليس له، فلو كانت النساء جميعهن على درجة واحدة، فَلِم النظر إذن؟
أو أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] يعني: مثله ومناسبة له تتقلب له في الصورة التي يحبها.
وقوله سبحانه: هَـٰذَا.. [ص: ٥٣] أي: ما ذكرناه من الجنة ونعيمها، هذا المذكور كله مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] لكن نوعد ممن؟ نوعد ممَّنْ يملك إنفاذَ ما وعد به، نعم لأنه سبحانه القادر العزيز الغالب، ليس هناك قوة تعانده، ولا قوة تعارضه فيما يريد.
فأنت تَعِد الوعد وفي نيتك الوفاء به، هذا عند التحمل، لكن أنت لا تملك عنصراً واحداً من عناصر الوفاء بما وعدتَ، فيأتي وقت الوفاء فلا تُوفِ؛ لأنه عَرَض لك عارضٌ حال بينك وبينَ الوفاء بما وعدتَ، أما الحق سبحَانه فوَعْده حق، لأن له طلاقةَ القدرة.
وقوله: لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] أي: حساب المتقين؛ لأن الحساب مطلقاً يشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فالحساب هنا أي حساب أهل الإيمان، كما قاله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا.. [ص: ٥٤] أي: الذي ذكرناه لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص: ٥٤] فلم يقُلْ لرزقكم إنما لَرِزْقُنَا.. [ص: ٥٤] فكأنهم هم الذين يقولون، وهم الذين يقروون أن ما هم فيه من النعيم باقٍ لا ينفد، لماذا؟ لأنهم عاينوا صِْدق الوعد، وأن الله أدخلهم الجنة على الوَصْف الذي أخبرهم به، فعلموا أن وعد الله حَقٌّ، وأن نعيمه خالد بَاقٍ لا يزول.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن المتقين الأخيار يتكلم بعدها عن الأشرار، فالصورة الأولى وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يقابلها:
هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ... .
آية رقم ٥٤
معنى قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ [ص: ٥٢] أي: تقصر الواحدة منهن عينيها فلا تمتد إلى غير مالكها فلا يطمع أحد أن ينظر إليها، والطرف أو العين لها أثر ولها كلام ولغة، ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١] إلى أن قال سبحانه حكاية عن يوسف: قَالَ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ [يوسف: ٣٣].
فالقصة كانت مع امرأة واحدة هي امرأة العزيز، فكيف يقول هنا مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ.. [يوسف: ٣٣] و كَيْدَهُنَّ.. [يوسف: ٣٣] و أَصْبُ إِلَيْهِنَّ.. [يوسف: ٣٣] هكذا بصيغة الجمع.
إذن: لا بُدَّ أنهن ساعةَ رأيْنَهُ نظرتْ إليه كُلٌّ منهن نظرة استدل منها على أنها تهواه، فالنظرة إذن لغة تحمل كلاماً، وتُعبِّر عما في نفس صاحبها، لذلك تكلم يوسف عنهن جميعاً، لا عن امرأة العزيز وحدها. لذلك لما أراد العزيز أنْ يستدعيه قال: مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.. [يوسف: ٥٠] والكلام كان في البداية عن امرأة العزيز.
ومن النظرات التي كانت لها دلالاتٌ في أدبنا العربي حُكِي عن أبي دلامة لما دخل على الخليفة وحوله الأعيان، وأراد الخليفة أنْ يداعبَ أبا دلامة فقال له: يا أبا دُلاَمة، لتهجونَّ واحداً منا أو لأقتلنَّكَ، فوقف أبو دلامة يفكر فيما يقوله، وجعل الحاضرون ينظرون إليه، كُلٌّ يقول له بالنظرة لا تَهْجُني، ولك ما تشاء من العطاء، فواحد يُرغِّبه وواحد يُرهِّبه.
وأخيراً، رأى أبو دلامة أنْ يُرضِيَ الخليفة ويهجو نفسه طمعاً فيما ينتظره من عطاء هؤلاء الأعيان، وفوجئ الجميع بأبي دلامة يقول:
أَلاَ أبلغ لديْكَ أبَا دُلاَمَةَ فَلَيْسَ مِنَ الكِرام وَلاَ كَرَامَه
إذَا لَبِسَ العِمَامَةَ كَانَ قِرْدًا وَخِنْزِيراً إذَا نَزَعَ العِمَامَه
واغتنى أبو دلامة من جراء هذه الدعابة.
فمعنى قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أيك تَغصّ طرفها عن غير مالكها، وهذه للخصوصية المطلوبة في المرأة بالذات؛ لأنك تجد الرجل مهما كان سَمْحاً كريماً يجود بكل ما يملك على مَنْ يحب إلا المرأة، فإنه لا يطيق مجرد أنْ ينظر أحد غيره إليها، فهذه صفة للمؤمن في الدنيا، وهي أيضاً صفته في الآخرة.
لذلك نقول: إن من عجائب ما يفعله الإيمان بأهله ومن مزاياه، أنه لا يخلع العقائد من القلوب ولا الاختيار من العقول فحسب، بل يخلع الاتجاه من العاطفة أيضاً، وقد رأينا ذلك في قصة المهاجرين والأنصار، فالإيمان خلع من القلوب الكفرَ، وخلع من العقول حُبَّ العناد في الاختيار، ثم خلع أقوى العواطف وهي عاطفة الرجل نحو امرأته.
ألم يَقُل الأنصاريُّ لأخيه المهاجر الذي جاء بغير أهله: انظر إلى زوجاتي، فأيّهنّ أعجبتْكَ أطلقها لتتزوجها أنت. إلى هذه الدرجة فعل الإيمانُ بالمؤمنين الأوائل.
ومعنى أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أي: متساويات في الحُسْن أو في السنِّ بحيث لا تميز منهن واحدة عن الأخرى، فكُلُّهن جميلات في سِنٍّ واحدة، وحُسْن واحد، وقَوَام واحد؛ لماذا؟ قالوا: حتى تظل الأعْيُنُ مقصورةً على ما تملك لا يطمع أحدٌ في الأُخْريات ولا ينظر وتزوغ عينه على مَا ليس له، فلو كانت النساء جميعهن على درجة واحدة، فَلِم النظر إذن؟
أو أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] يعني: مثله ومناسبة له تتقلب له في الصورة التي يحبها.
وقوله سبحانه: هَـٰذَا.. [ص: ٥٣] أي: ما ذكرناه من الجنة ونعيمها، هذا المذكور كله مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] لكن نوعد ممن؟ نوعد ممَّنْ يملك إنفاذَ ما وعد به، نعم لأنه سبحانه القادر العزيز الغالب، ليس هناك قوة تعانده، ولا قوة تعارضه فيما يريد.
فأنت تَعِد الوعد وفي نيتك الوفاء به، هذا عند التحمل، لكن أنت لا تملك عنصراً واحداً من عناصر الوفاء بما وعدتَ، فيأتي وقت الوفاء فلا تُوفِ؛ لأنه عَرَض لك عارضٌ حال بينك وبينَ الوفاء بما وعدتَ، أما الحق سبحَانه فوَعْده حق، لأن له طلاقةَ القدرة.
وقوله: لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] أي: حساب المتقين؛ لأن الحساب مطلقاً يشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فالحساب هنا أي حساب أهل الإيمان، كما قاله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا.. [ص: ٥٤] أي: الذي ذكرناه لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص: ٥٤] فلم يقُلْ لرزقكم إنما لَرِزْقُنَا.. [ص: ٥٤] فكأنهم هم الذين يقولون، وهم الذين يقروون أن ما هم فيه من النعيم باقٍ لا ينفد، لماذا؟ لأنهم عاينوا صِْدق الوعد، وأن الله أدخلهم الجنة على الوَصْف الذي أخبرهم به، فعلموا أن وعد الله حَقٌّ، وأن نعيمه خالد بَاقٍ لا يزول.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن المتقين الأخيار يتكلم بعدها عن الأشرار، فالصورة الأولى وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يقابلها:
هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ... .
فالقصة كانت مع امرأة واحدة هي امرأة العزيز، فكيف يقول هنا مِمَّا يَدْعُونَنِيۤ إِلَيْهِ.. [يوسف: ٣٣] و كَيْدَهُنَّ.. [يوسف: ٣٣] و أَصْبُ إِلَيْهِنَّ.. [يوسف: ٣٣] هكذا بصيغة الجمع.
إذن: لا بُدَّ أنهن ساعةَ رأيْنَهُ نظرتْ إليه كُلٌّ منهن نظرة استدل منها على أنها تهواه، فالنظرة إذن لغة تحمل كلاماً، وتُعبِّر عما في نفس صاحبها، لذلك تكلم يوسف عنهن جميعاً، لا عن امرأة العزيز وحدها. لذلك لما أراد العزيز أنْ يستدعيه قال: مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ.. [يوسف: ٥٠] والكلام كان في البداية عن امرأة العزيز.
ومن النظرات التي كانت لها دلالاتٌ في أدبنا العربي حُكِي عن أبي دلامة لما دخل على الخليفة وحوله الأعيان، وأراد الخليفة أنْ يداعبَ أبا دلامة فقال له: يا أبا دُلاَمة، لتهجونَّ واحداً منا أو لأقتلنَّكَ، فوقف أبو دلامة يفكر فيما يقوله، وجعل الحاضرون ينظرون إليه، كُلٌّ يقول له بالنظرة لا تَهْجُني، ولك ما تشاء من العطاء، فواحد يُرغِّبه وواحد يُرهِّبه.
وأخيراً، رأى أبو دلامة أنْ يُرضِيَ الخليفة ويهجو نفسه طمعاً فيما ينتظره من عطاء هؤلاء الأعيان، وفوجئ الجميع بأبي دلامة يقول:
أَلاَ أبلغ لديْكَ أبَا دُلاَمَةَ فَلَيْسَ مِنَ الكِرام وَلاَ كَرَامَه
إذَا لَبِسَ العِمَامَةَ كَانَ قِرْدًا وَخِنْزِيراً إذَا نَزَعَ العِمَامَه
واغتنى أبو دلامة من جراء هذه الدعابة.
فمعنى قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أيك تَغصّ طرفها عن غير مالكها، وهذه للخصوصية المطلوبة في المرأة بالذات؛ لأنك تجد الرجل مهما كان سَمْحاً كريماً يجود بكل ما يملك على مَنْ يحب إلا المرأة، فإنه لا يطيق مجرد أنْ ينظر أحد غيره إليها، فهذه صفة للمؤمن في الدنيا، وهي أيضاً صفته في الآخرة.
لذلك نقول: إن من عجائب ما يفعله الإيمان بأهله ومن مزاياه، أنه لا يخلع العقائد من القلوب ولا الاختيار من العقول فحسب، بل يخلع الاتجاه من العاطفة أيضاً، وقد رأينا ذلك في قصة المهاجرين والأنصار، فالإيمان خلع من القلوب الكفرَ، وخلع من العقول حُبَّ العناد في الاختيار، ثم خلع أقوى العواطف وهي عاطفة الرجل نحو امرأته.
ألم يَقُل الأنصاريُّ لأخيه المهاجر الذي جاء بغير أهله: انظر إلى زوجاتي، فأيّهنّ أعجبتْكَ أطلقها لتتزوجها أنت. إلى هذه الدرجة فعل الإيمانُ بالمؤمنين الأوائل.
ومعنى أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] أي: متساويات في الحُسْن أو في السنِّ بحيث لا تميز منهن واحدة عن الأخرى، فكُلُّهن جميلات في سِنٍّ واحدة، وحُسْن واحد، وقَوَام واحد؛ لماذا؟ قالوا: حتى تظل الأعْيُنُ مقصورةً على ما تملك لا يطمع أحدٌ في الأُخْريات ولا ينظر وتزوغ عينه على مَا ليس له، فلو كانت النساء جميعهن على درجة واحدة، فَلِم النظر إذن؟
أو أَتْرَابٌ [ص: ٥٢] يعني: مثله ومناسبة له تتقلب له في الصورة التي يحبها.
وقوله سبحانه: هَـٰذَا.. [ص: ٥٣] أي: ما ذكرناه من الجنة ونعيمها، هذا المذكور كله مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] لكن نوعد ممن؟ نوعد ممَّنْ يملك إنفاذَ ما وعد به، نعم لأنه سبحانه القادر العزيز الغالب، ليس هناك قوة تعانده، ولا قوة تعارضه فيما يريد.
فأنت تَعِد الوعد وفي نيتك الوفاء به، هذا عند التحمل، لكن أنت لا تملك عنصراً واحداً من عناصر الوفاء بما وعدتَ، فيأتي وقت الوفاء فلا تُوفِ؛ لأنه عَرَض لك عارضٌ حال بينك وبينَ الوفاء بما وعدتَ، أما الحق سبحَانه فوَعْده حق، لأن له طلاقةَ القدرة.
وقوله: لِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ [ص: ٥٣] أي: حساب المتقين؛ لأن الحساب مطلقاً يشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فالحساب هنا أي حساب أهل الإيمان، كما قاله سبحانه: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ هَـٰذَا.. [ص: ٥٤] أي: الذي ذكرناه لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ [ص: ٥٤] فلم يقُلْ لرزقكم إنما لَرِزْقُنَا.. [ص: ٥٤] فكأنهم هم الذين يقولون، وهم الذين يقروون أن ما هم فيه من النعيم باقٍ لا ينفد، لماذا؟ لأنهم عاينوا صِْدق الوعد، وأن الله أدخلهم الجنة على الوَصْف الذي أخبرهم به، فعلموا أن وعد الله حَقٌّ، وأن نعيمه خالد بَاقٍ لا يزول.
وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن المتقين الأخيار يتكلم بعدها عن الأشرار، فالصورة الأولى وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص: ٤٩] يقابلها:
هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ... .
آية رقم ٥٥
ﯗﯘﯙﯚﯛﯜ
ﯝ
قال هنا أيضاً (هذا) أي: الكلام السابق عن جزاء المتقين في الجنة. وفي مقابله وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ص: ٥٥] لشرّ مصير وأسوأ منقلب ومرجع، والمآب هنا أيضاً كالمآب السابق، مآب إلى مَنْ أخذ عليهم العهد الأول ومنحهم إيمانَ الفطرة، فكلُّ مولود يُولَد على الفطرة، لكن هؤلاء لم يُوفوا بالعهد الذي أخذوه على أنفسهم، إنما خالفوا أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ.. [الأعراف: ١٧٢].
وكما فَصَّلَ الحق سبحانه حُسْن المآب يُفصِّل هنا أيضاً شر المآب، فيقول جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا.. [ص: ٥٦] أي: يصطلون بنارها فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ [ص: ٥٦] أي: ساء. والمهاد: هو فراش الطفل الذي يمهد له لينام فيه نَوْمةً مريحة، لكن ليس للطفل دَخْل في إعداده إنما يُعدُّه له وليُّه الذي يتولى أمره، كذلك هؤلاء الطاغون لا دَخْلَ لهم في المهد الذي سيُلقون فيه.
إذن: استخدام المهد هنا على سبيل الاستهزاء والسخرية منهم. هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص: ٥٧] أي: يذوقوا العذاب (حَمِيم) هو الشيء الحار الذي تناهتْ حرارته، و (غَسَّاق) هو صديد أهل النار الذي يسيل منهم في جهنم والعياذ بالله، تقول: غسقتْ عينه أي: سال دمعها.
لكن هل ينتهي العذاب بالحميم والغساق؟ لا، بل لهم ألوان أخرى من العذاب وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] آخر: يعني عذاب آخر غير هذا ينتظرهم مِن شَكْلِهِ.. [ص: ٥٨] من مثله ومن جنسه ومن نوعه وتكوينه أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أنواع وأصناف مختلفة، وإلاَّ فأين المُهْل؟ وأين شجرة الزقوم التي طَلْعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيرها من ألوان العذاب الذي أعدَّه الله لهؤلاء الطاغين؟
وبعد أن أعطانا الحق سبحانه هذه المقابلَة التوضيحية بين جزاء أهل الأخيار المتقين، ومصير الأشرار الطاغين، أراد سبحانه أنْ يُفرِّق بين صحبة الأخيار وصحبة الأشرار، فصحبة الأخيار تعينك على الطاعة وتعينك على الخير، وصحبة الأشرار تجرُّك إلى الشر وتدعوك إلى المعصية.
ففي المدارس مثلاً، كم من تلميذ تفوق لأنه مَاشَى زميلاً من أهل الخير أعانه على دروسه وحَثَّه على المذاكرة وخَوَّفه من سوء العاقبة آخر العام إنْ أهمل، وفي المقابل كم من تلميذ فشل لأنه صاحبَ الأشرار الذين أغروْه بالهروب من الحصص، وأخذوه إلى الشارع، وإلى السلوك غير المستقيم.
وفي النهاية، لا بُدَّ أنْ يحمد المتفوق زميله الذي أخذ بيده إلى الخير، ولا بدّ أنْ يذم الفاشل زميله الذي أغراه وأضلّه وضيَّع عليه الفرصة.
أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا هذه الصورة، فقال سبحانه:
هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ... .
وكما فَصَّلَ الحق سبحانه حُسْن المآب يُفصِّل هنا أيضاً شر المآب، فيقول جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا.. [ص: ٥٦] أي: يصطلون بنارها فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ [ص: ٥٦] أي: ساء. والمهاد: هو فراش الطفل الذي يمهد له لينام فيه نَوْمةً مريحة، لكن ليس للطفل دَخْل في إعداده إنما يُعدُّه له وليُّه الذي يتولى أمره، كذلك هؤلاء الطاغون لا دَخْلَ لهم في المهد الذي سيُلقون فيه.
إذن: استخدام المهد هنا على سبيل الاستهزاء والسخرية منهم. هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص: ٥٧] أي: يذوقوا العذاب (حَمِيم) هو الشيء الحار الذي تناهتْ حرارته، و (غَسَّاق) هو صديد أهل النار الذي يسيل منهم في جهنم والعياذ بالله، تقول: غسقتْ عينه أي: سال دمعها.
لكن هل ينتهي العذاب بالحميم والغساق؟ لا، بل لهم ألوان أخرى من العذاب وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] آخر: يعني عذاب آخر غير هذا ينتظرهم مِن شَكْلِهِ.. [ص: ٥٨] من مثله ومن جنسه ومن نوعه وتكوينه أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أنواع وأصناف مختلفة، وإلاَّ فأين المُهْل؟ وأين شجرة الزقوم التي طَلْعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيرها من ألوان العذاب الذي أعدَّه الله لهؤلاء الطاغين؟
وبعد أن أعطانا الحق سبحانه هذه المقابلَة التوضيحية بين جزاء أهل الأخيار المتقين، ومصير الأشرار الطاغين، أراد سبحانه أنْ يُفرِّق بين صحبة الأخيار وصحبة الأشرار، فصحبة الأخيار تعينك على الطاعة وتعينك على الخير، وصحبة الأشرار تجرُّك إلى الشر وتدعوك إلى المعصية.
ففي المدارس مثلاً، كم من تلميذ تفوق لأنه مَاشَى زميلاً من أهل الخير أعانه على دروسه وحَثَّه على المذاكرة وخَوَّفه من سوء العاقبة آخر العام إنْ أهمل، وفي المقابل كم من تلميذ فشل لأنه صاحبَ الأشرار الذين أغروْه بالهروب من الحصص، وأخذوه إلى الشارع، وإلى السلوك غير المستقيم.
وفي النهاية، لا بُدَّ أنْ يحمد المتفوق زميله الذي أخذ بيده إلى الخير، ولا بدّ أنْ يذم الفاشل زميله الذي أغراه وأضلّه وضيَّع عليه الفرصة.
أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا هذه الصورة، فقال سبحانه:
هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ... .
آية رقم ٥٦
ﯞﯟﯠﯡ
ﯢ
قال هنا أيضاً (هذا) أي: الكلام السابق عن جزاء المتقين في الجنة. وفي مقابله وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ص: ٥٥] لشرّ مصير وأسوأ منقلب ومرجع، والمآب هنا أيضاً كالمآب السابق، مآب إلى مَنْ أخذ عليهم العهد الأول ومنحهم إيمانَ الفطرة، فكلُّ مولود يُولَد على الفطرة، لكن هؤلاء لم يُوفوا بالعهد الذي أخذوه على أنفسهم، إنما خالفوا أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ.. [الأعراف: ١٧٢].
وكما فَصَّلَ الحق سبحانه حُسْن المآب يُفصِّل هنا أيضاً شر المآب، فيقول جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا.. [ص: ٥٦] أي: يصطلون بنارها فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ [ص: ٥٦] أي: ساء. والمهاد: هو فراش الطفل الذي يمهد له لينام فيه نَوْمةً مريحة، لكن ليس للطفل دَخْل في إعداده إنما يُعدُّه له وليُّه الذي يتولى أمره، كذلك هؤلاء الطاغون لا دَخْلَ لهم في المهد الذي سيُلقون فيه.
إذن: استخدام المهد هنا على سبيل الاستهزاء والسخرية منهم. هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص: ٥٧] أي: يذوقوا العذاب (حَمِيم) هو الشيء الحار الذي تناهتْ حرارته، و (غَسَّاق) هو صديد أهل النار الذي يسيل منهم في جهنم والعياذ بالله، تقول: غسقتْ عينه أي: سال دمعها.
لكن هل ينتهي العذاب بالحميم والغساق؟ لا، بل لهم ألوان أخرى من العذاب وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] آخر: يعني عذاب آخر غير هذا ينتظرهم مِن شَكْلِهِ.. [ص: ٥٨] من مثله ومن جنسه ومن نوعه وتكوينه أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أنواع وأصناف مختلفة، وإلاَّ فأين المُهْل؟ وأين شجرة الزقوم التي طَلْعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيرها من ألوان العذاب الذي أعدَّه الله لهؤلاء الطاغين؟
وبعد أن أعطانا الحق سبحانه هذه المقابلَة التوضيحية بين جزاء أهل الأخيار المتقين، ومصير الأشرار الطاغين، أراد سبحانه أنْ يُفرِّق بين صحبة الأخيار وصحبة الأشرار، فصحبة الأخيار تعينك على الطاعة وتعينك على الخير، وصحبة الأشرار تجرُّك إلى الشر وتدعوك إلى المعصية.
ففي المدارس مثلاً، كم من تلميذ تفوق لأنه مَاشَى زميلاً من أهل الخير أعانه على دروسه وحَثَّه على المذاكرة وخَوَّفه من سوء العاقبة آخر العام إنْ أهمل، وفي المقابل كم من تلميذ فشل لأنه صاحبَ الأشرار الذين أغروْه بالهروب من الحصص، وأخذوه إلى الشارع، وإلى السلوك غير المستقيم.
وفي النهاية، لا بُدَّ أنْ يحمد المتفوق زميله الذي أخذ بيده إلى الخير، ولا بدّ أنْ يذم الفاشل زميله الذي أغراه وأضلّه وضيَّع عليه الفرصة.
أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا هذه الصورة، فقال سبحانه:
هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ... .
وكما فَصَّلَ الحق سبحانه حُسْن المآب يُفصِّل هنا أيضاً شر المآب، فيقول جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا.. [ص: ٥٦] أي: يصطلون بنارها فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ [ص: ٥٦] أي: ساء. والمهاد: هو فراش الطفل الذي يمهد له لينام فيه نَوْمةً مريحة، لكن ليس للطفل دَخْل في إعداده إنما يُعدُّه له وليُّه الذي يتولى أمره، كذلك هؤلاء الطاغون لا دَخْلَ لهم في المهد الذي سيُلقون فيه.
إذن: استخدام المهد هنا على سبيل الاستهزاء والسخرية منهم. هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص: ٥٧] أي: يذوقوا العذاب (حَمِيم) هو الشيء الحار الذي تناهتْ حرارته، و (غَسَّاق) هو صديد أهل النار الذي يسيل منهم في جهنم والعياذ بالله، تقول: غسقتْ عينه أي: سال دمعها.
لكن هل ينتهي العذاب بالحميم والغساق؟ لا، بل لهم ألوان أخرى من العذاب وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] آخر: يعني عذاب آخر غير هذا ينتظرهم مِن شَكْلِهِ.. [ص: ٥٨] من مثله ومن جنسه ومن نوعه وتكوينه أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أنواع وأصناف مختلفة، وإلاَّ فأين المُهْل؟ وأين شجرة الزقوم التي طَلْعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيرها من ألوان العذاب الذي أعدَّه الله لهؤلاء الطاغين؟
وبعد أن أعطانا الحق سبحانه هذه المقابلَة التوضيحية بين جزاء أهل الأخيار المتقين، ومصير الأشرار الطاغين، أراد سبحانه أنْ يُفرِّق بين صحبة الأخيار وصحبة الأشرار، فصحبة الأخيار تعينك على الطاعة وتعينك على الخير، وصحبة الأشرار تجرُّك إلى الشر وتدعوك إلى المعصية.
ففي المدارس مثلاً، كم من تلميذ تفوق لأنه مَاشَى زميلاً من أهل الخير أعانه على دروسه وحَثَّه على المذاكرة وخَوَّفه من سوء العاقبة آخر العام إنْ أهمل، وفي المقابل كم من تلميذ فشل لأنه صاحبَ الأشرار الذين أغروْه بالهروب من الحصص، وأخذوه إلى الشارع، وإلى السلوك غير المستقيم.
وفي النهاية، لا بُدَّ أنْ يحمد المتفوق زميله الذي أخذ بيده إلى الخير، ولا بدّ أنْ يذم الفاشل زميله الذي أغراه وأضلّه وضيَّع عليه الفرصة.
أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا هذه الصورة، فقال سبحانه:
هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ... .
آية رقم ٥٧
ﯣﯤﯥﯦ
ﯧ
قال هنا أيضاً (هذا) أي: الكلام السابق عن جزاء المتقين في الجنة. وفي مقابله وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ص: ٥٥] لشرّ مصير وأسوأ منقلب ومرجع، والمآب هنا أيضاً كالمآب السابق، مآب إلى مَنْ أخذ عليهم العهد الأول ومنحهم إيمانَ الفطرة، فكلُّ مولود يُولَد على الفطرة، لكن هؤلاء لم يُوفوا بالعهد الذي أخذوه على أنفسهم، إنما خالفوا أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ.. [الأعراف: ١٧٢].
وكما فَصَّلَ الحق سبحانه حُسْن المآب يُفصِّل هنا أيضاً شر المآب، فيقول جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا.. [ص: ٥٦] أي: يصطلون بنارها فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ [ص: ٥٦] أي: ساء. والمهاد: هو فراش الطفل الذي يمهد له لينام فيه نَوْمةً مريحة، لكن ليس للطفل دَخْل في إعداده إنما يُعدُّه له وليُّه الذي يتولى أمره، كذلك هؤلاء الطاغون لا دَخْلَ لهم في المهد الذي سيُلقون فيه.
إذن: استخدام المهد هنا على سبيل الاستهزاء والسخرية منهم. هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص: ٥٧] أي: يذوقوا العذاب (حَمِيم) هو الشيء الحار الذي تناهتْ حرارته، و (غَسَّاق) هو صديد أهل النار الذي يسيل منهم في جهنم والعياذ بالله، تقول: غسقتْ عينه أي: سال دمعها.
لكن هل ينتهي العذاب بالحميم والغساق؟ لا، بل لهم ألوان أخرى من العذاب وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] آخر: يعني عذاب آخر غير هذا ينتظرهم مِن شَكْلِهِ.. [ص: ٥٨] من مثله ومن جنسه ومن نوعه وتكوينه أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أنواع وأصناف مختلفة، وإلاَّ فأين المُهْل؟ وأين شجرة الزقوم التي طَلْعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيرها من ألوان العذاب الذي أعدَّه الله لهؤلاء الطاغين؟
وبعد أن أعطانا الحق سبحانه هذه المقابلَة التوضيحية بين جزاء أهل الأخيار المتقين، ومصير الأشرار الطاغين، أراد سبحانه أنْ يُفرِّق بين صحبة الأخيار وصحبة الأشرار، فصحبة الأخيار تعينك على الطاعة وتعينك على الخير، وصحبة الأشرار تجرُّك إلى الشر وتدعوك إلى المعصية.
ففي المدارس مثلاً، كم من تلميذ تفوق لأنه مَاشَى زميلاً من أهل الخير أعانه على دروسه وحَثَّه على المذاكرة وخَوَّفه من سوء العاقبة آخر العام إنْ أهمل، وفي المقابل كم من تلميذ فشل لأنه صاحبَ الأشرار الذين أغروْه بالهروب من الحصص، وأخذوه إلى الشارع، وإلى السلوك غير المستقيم.
وفي النهاية، لا بُدَّ أنْ يحمد المتفوق زميله الذي أخذ بيده إلى الخير، ولا بدّ أنْ يذم الفاشل زميله الذي أغراه وأضلّه وضيَّع عليه الفرصة.
أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا هذه الصورة، فقال سبحانه:
هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ... .
وكما فَصَّلَ الحق سبحانه حُسْن المآب يُفصِّل هنا أيضاً شر المآب، فيقول جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا.. [ص: ٥٦] أي: يصطلون بنارها فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ [ص: ٥٦] أي: ساء. والمهاد: هو فراش الطفل الذي يمهد له لينام فيه نَوْمةً مريحة، لكن ليس للطفل دَخْل في إعداده إنما يُعدُّه له وليُّه الذي يتولى أمره، كذلك هؤلاء الطاغون لا دَخْلَ لهم في المهد الذي سيُلقون فيه.
إذن: استخدام المهد هنا على سبيل الاستهزاء والسخرية منهم. هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص: ٥٧] أي: يذوقوا العذاب (حَمِيم) هو الشيء الحار الذي تناهتْ حرارته، و (غَسَّاق) هو صديد أهل النار الذي يسيل منهم في جهنم والعياذ بالله، تقول: غسقتْ عينه أي: سال دمعها.
لكن هل ينتهي العذاب بالحميم والغساق؟ لا، بل لهم ألوان أخرى من العذاب وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] آخر: يعني عذاب آخر غير هذا ينتظرهم مِن شَكْلِهِ.. [ص: ٥٨] من مثله ومن جنسه ومن نوعه وتكوينه أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أنواع وأصناف مختلفة، وإلاَّ فأين المُهْل؟ وأين شجرة الزقوم التي طَلْعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيرها من ألوان العذاب الذي أعدَّه الله لهؤلاء الطاغين؟
وبعد أن أعطانا الحق سبحانه هذه المقابلَة التوضيحية بين جزاء أهل الأخيار المتقين، ومصير الأشرار الطاغين، أراد سبحانه أنْ يُفرِّق بين صحبة الأخيار وصحبة الأشرار، فصحبة الأخيار تعينك على الطاعة وتعينك على الخير، وصحبة الأشرار تجرُّك إلى الشر وتدعوك إلى المعصية.
ففي المدارس مثلاً، كم من تلميذ تفوق لأنه مَاشَى زميلاً من أهل الخير أعانه على دروسه وحَثَّه على المذاكرة وخَوَّفه من سوء العاقبة آخر العام إنْ أهمل، وفي المقابل كم من تلميذ فشل لأنه صاحبَ الأشرار الذين أغروْه بالهروب من الحصص، وأخذوه إلى الشارع، وإلى السلوك غير المستقيم.
وفي النهاية، لا بُدَّ أنْ يحمد المتفوق زميله الذي أخذ بيده إلى الخير، ولا بدّ أنْ يذم الفاشل زميله الذي أغراه وأضلّه وضيَّع عليه الفرصة.
أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا هذه الصورة، فقال سبحانه:
هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ... .
آية رقم ٥٨
ﯨﯩﯪﯫ
ﯬ
قال هنا أيضاً (هذا) أي: الكلام السابق عن جزاء المتقين في الجنة. وفي مقابله وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ص: ٥٥] لشرّ مصير وأسوأ منقلب ومرجع، والمآب هنا أيضاً كالمآب السابق، مآب إلى مَنْ أخذ عليهم العهد الأول ومنحهم إيمانَ الفطرة، فكلُّ مولود يُولَد على الفطرة، لكن هؤلاء لم يُوفوا بالعهد الذي أخذوه على أنفسهم، إنما خالفوا أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ.. [الأعراف: ١٧٢].
وكما فَصَّلَ الحق سبحانه حُسْن المآب يُفصِّل هنا أيضاً شر المآب، فيقول جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا.. [ص: ٥٦] أي: يصطلون بنارها فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ [ص: ٥٦] أي: ساء. والمهاد: هو فراش الطفل الذي يمهد له لينام فيه نَوْمةً مريحة، لكن ليس للطفل دَخْل في إعداده إنما يُعدُّه له وليُّه الذي يتولى أمره، كذلك هؤلاء الطاغون لا دَخْلَ لهم في المهد الذي سيُلقون فيه.
إذن: استخدام المهد هنا على سبيل الاستهزاء والسخرية منهم. هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص: ٥٧] أي: يذوقوا العذاب (حَمِيم) هو الشيء الحار الذي تناهتْ حرارته، و (غَسَّاق) هو صديد أهل النار الذي يسيل منهم في جهنم والعياذ بالله، تقول: غسقتْ عينه أي: سال دمعها.
لكن هل ينتهي العذاب بالحميم والغساق؟ لا، بل لهم ألوان أخرى من العذاب وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] آخر: يعني عذاب آخر غير هذا ينتظرهم مِن شَكْلِهِ.. [ص: ٥٨] من مثله ومن جنسه ومن نوعه وتكوينه أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أنواع وأصناف مختلفة، وإلاَّ فأين المُهْل؟ وأين شجرة الزقوم التي طَلْعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيرها من ألوان العذاب الذي أعدَّه الله لهؤلاء الطاغين؟
وبعد أن أعطانا الحق سبحانه هذه المقابلَة التوضيحية بين جزاء أهل الأخيار المتقين، ومصير الأشرار الطاغين، أراد سبحانه أنْ يُفرِّق بين صحبة الأخيار وصحبة الأشرار، فصحبة الأخيار تعينك على الطاعة وتعينك على الخير، وصحبة الأشرار تجرُّك إلى الشر وتدعوك إلى المعصية.
ففي المدارس مثلاً، كم من تلميذ تفوق لأنه مَاشَى زميلاً من أهل الخير أعانه على دروسه وحَثَّه على المذاكرة وخَوَّفه من سوء العاقبة آخر العام إنْ أهمل، وفي المقابل كم من تلميذ فشل لأنه صاحبَ الأشرار الذين أغروْه بالهروب من الحصص، وأخذوه إلى الشارع، وإلى السلوك غير المستقيم.
وفي النهاية، لا بُدَّ أنْ يحمد المتفوق زميله الذي أخذ بيده إلى الخير، ولا بدّ أنْ يذم الفاشل زميله الذي أغراه وأضلّه وضيَّع عليه الفرصة.
أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا هذه الصورة، فقال سبحانه:
هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ... .
وكما فَصَّلَ الحق سبحانه حُسْن المآب يُفصِّل هنا أيضاً شر المآب، فيقول جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا.. [ص: ٥٦] أي: يصطلون بنارها فَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ [ص: ٥٦] أي: ساء. والمهاد: هو فراش الطفل الذي يمهد له لينام فيه نَوْمةً مريحة، لكن ليس للطفل دَخْل في إعداده إنما يُعدُّه له وليُّه الذي يتولى أمره، كذلك هؤلاء الطاغون لا دَخْلَ لهم في المهد الذي سيُلقون فيه.
إذن: استخدام المهد هنا على سبيل الاستهزاء والسخرية منهم. هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص: ٥٧] أي: يذوقوا العذاب (حَمِيم) هو الشيء الحار الذي تناهتْ حرارته، و (غَسَّاق) هو صديد أهل النار الذي يسيل منهم في جهنم والعياذ بالله، تقول: غسقتْ عينه أي: سال دمعها.
لكن هل ينتهي العذاب بالحميم والغساق؟ لا، بل لهم ألوان أخرى من العذاب وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] آخر: يعني عذاب آخر غير هذا ينتظرهم مِن شَكْلِهِ.. [ص: ٥٨] من مثله ومن جنسه ومن نوعه وتكوينه أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أنواع وأصناف مختلفة، وإلاَّ فأين المُهْل؟ وأين شجرة الزقوم التي طَلْعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيرها من ألوان العذاب الذي أعدَّه الله لهؤلاء الطاغين؟
وبعد أن أعطانا الحق سبحانه هذه المقابلَة التوضيحية بين جزاء أهل الأخيار المتقين، ومصير الأشرار الطاغين، أراد سبحانه أنْ يُفرِّق بين صحبة الأخيار وصحبة الأشرار، فصحبة الأخيار تعينك على الطاعة وتعينك على الخير، وصحبة الأشرار تجرُّك إلى الشر وتدعوك إلى المعصية.
ففي المدارس مثلاً، كم من تلميذ تفوق لأنه مَاشَى زميلاً من أهل الخير أعانه على دروسه وحَثَّه على المذاكرة وخَوَّفه من سوء العاقبة آخر العام إنْ أهمل، وفي المقابل كم من تلميذ فشل لأنه صاحبَ الأشرار الذين أغروْه بالهروب من الحصص، وأخذوه إلى الشارع، وإلى السلوك غير المستقيم.
وفي النهاية، لا بُدَّ أنْ يحمد المتفوق زميله الذي أخذ بيده إلى الخير، ولا بدّ أنْ يذم الفاشل زميله الذي أغراه وأضلّه وضيَّع عليه الفرصة.
أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا هذه الصورة، فقال سبحانه:
هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ... .
آية رقم ٥٩
هذه الآيات تصور لنا موقفاً من مواقف القيامة دار بين أهل الشر الذين تعاونوا عليه واجتمعوا من أجله، بين الأخلاء على الشر، وهذا الحوار عناصره ثلاثة، هم: الملائكة خَزَنة النار، وزعماء الكفر الذين سبقوا إلى النار، ثم أتباعهم من الذين أضلوهم، يقول الملائكة لزعماء الكفر: هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ [ص: ٥٩] يُنبهون أهل النار أن جماعة من أتباعكم قادمة إليكم.
ومعنى مُّقْتَحِمٌ.. [ص: ٥٩] يعني: داخل النار بشدة وبسرعة، لكن كيف يسرع الداخل وهو داخل إلى النار؟ قالوا: لأنه لا يسير بإرادته، إنما يُجبر على الحضور ويُدفع إلى الدخول رَغْماً عنه، كما قال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣].
والفوج هو الجماعة أو الطائفة كما نقول: فوج الحجاج، أو فوج المسافرين.
فماذا قال زعماء الكفر الذين هم في النار؟ قالوا: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ [ص: ٥٩] يعني: لا سعةَ ولا تحيةَ ولا تكريم، هكذا حال الأخلاء على شَرٍّ، ففي الآخرة تنقلب هذه الخُلَّة وهذه الصداقة إلى عداء، ويلعن كل منهم صاحبه، المتبوع يلعن التابع، والتابع يلعن المتبوع، وها هم المتبوعون يقولون لأتباعهم: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ.. [ص: ٥٩] وعلام نرحب بهم؟ أجاءوا لينقذونا مما نحن فيه؟ أو حتى ليخففوا عنا؟ إنهم جاءوا للنار وللاصطلاء بحرِّها.
فردَّ الفوج المقتحم الداخل على قادته وزعمائه الذين أضلوه: بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: الكفر والضلال، يعني: أنتم غَشَشْتمونا وأضللتمونا وأخذتم بأيدينا إلى هذا المصير السيء فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ [المجادلة: ٨] الذي صِرْتم وصِرْنا إليه قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ [ص: ٦١].
وفي موضع آخر، يُصوِّر القرآنُ هذا الموقفَ، فيقول حكايةً عن الكافرين: رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب: ٦٧-٦٨].
فطلبوا لهم ضعفين من العذاب، لأنهم ضَلُّوا في أنفسهم، ثم أضلُّوا غيرهم فاستوجب كل ضلال جزاءً، إذن: لا بُدَّ أنْ يكونَ المتبوعُ أشدَّ عذاباً من تابعه، والحق سبحانه لا يعذِّب عبده بأكثر مما يستحق، لكن هؤلاء يُضَاعَف لهم العذابُ ضِعْفين من ناحية انفكاك الجهة، فضِعف لأنه ضَلَّ في ذاته، وضِعْفَ لأنه أضلَّ غيره.
ومعنى: أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: بالإغواء والتزيين وتحسين الضلال وتيسير سُبُله.
وفي موضع آخر في سورة البقرة يُبيِّن الحق سبحانه أن الأخلاء على الشر سيتبرأ كل منهم من الآخر: إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ [البقرة: ١٦٦-١٦٧].
وما أشبه موقفهم هذا بموقف الشيطان حين يقول لأتباعه يوم القيامة: إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢].
هذا إذن مصير الأخلاء على الشر، تنتهي خُلَّتهم بالعداوة واللعن أما الأخلاَّء على الخير فهم أخلاء في الدنيا أخلاء في الآخرة، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
كلمة أخلاء جمع خليل، والخُلَّة تعني أنهما تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، تحابَّا حُباً تعدَّى مرحلة اللقاء والعناق إلى أن ذوّب كلاً منهما في الآخر، وكأنه أحدث بينهما تداخلَ ذرات من جسم إلى جسم، وهذا الذي عَبَّر عنه إسماعيل صبري رحمة الله عليه حين قال:
وَلَمَّا التقَيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جُهْدهُ خَليلَيْنِ فَاضَا لَوْعةً وَعِتَابَا
كَأنَّ حَبِيباً في خلال حَبيبه تَسرَّبَ أَثْنَاءَ العِنَاقِ وَغَابَا
لكن كيف يكون تحسين الضلال؟ وكيف يقبل الناسُ الإغواءَ بالباطل؟ قالوا: لأن أيَّ منهج من السماء لا بُدَّ أنْ يصادمَ شهوات النفس ونزواتها، فحين تتغلب الشهواتُ والنزوات على الإنسان يلجأ إلى إله لا منهجَ له ولا أوامرَ ولا نواهيَ، ومن هنا ضَلَّ الناسُ، فعبدوا الأصنام والجمادات، لأن عبادة مثل هذه الآلهة تُشعِرهم بالتديُّن الذي يميل إليه الإنسان بطبعه، فهو إذن متدين.
وفي نفس الوقت، ينفلت من قيود المنهج، لأن إلهه لا يأمره بشيء، ولا ينهاه عن شيء؛ لأن العبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود في أمره ونَهْيه، فالذين عبدوا الأصنام مثلاً أو الشمس أو القمر، بماذا أمرتْهُم هذه الآلهة، وعَمَّ نَهَتم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدَّتْ لمن كفر بها؟
إذن: فهي آلهة باطلة؛ لأن المعبود بحق له منهج افعل ولا تفعل، عنده الثواب لمَن أطاع، والعقاب لمن يعصى.
ثم يلتفت أهل النار لفتة أخرى:
وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً... .
ومعنى مُّقْتَحِمٌ.. [ص: ٥٩] يعني: داخل النار بشدة وبسرعة، لكن كيف يسرع الداخل وهو داخل إلى النار؟ قالوا: لأنه لا يسير بإرادته، إنما يُجبر على الحضور ويُدفع إلى الدخول رَغْماً عنه، كما قال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣].
والفوج هو الجماعة أو الطائفة كما نقول: فوج الحجاج، أو فوج المسافرين.
فماذا قال زعماء الكفر الذين هم في النار؟ قالوا: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ [ص: ٥٩] يعني: لا سعةَ ولا تحيةَ ولا تكريم، هكذا حال الأخلاء على شَرٍّ، ففي الآخرة تنقلب هذه الخُلَّة وهذه الصداقة إلى عداء، ويلعن كل منهم صاحبه، المتبوع يلعن التابع، والتابع يلعن المتبوع، وها هم المتبوعون يقولون لأتباعهم: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ.. [ص: ٥٩] وعلام نرحب بهم؟ أجاءوا لينقذونا مما نحن فيه؟ أو حتى ليخففوا عنا؟ إنهم جاءوا للنار وللاصطلاء بحرِّها.
فردَّ الفوج المقتحم الداخل على قادته وزعمائه الذين أضلوه: بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: الكفر والضلال، يعني: أنتم غَشَشْتمونا وأضللتمونا وأخذتم بأيدينا إلى هذا المصير السيء فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ [المجادلة: ٨] الذي صِرْتم وصِرْنا إليه قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ [ص: ٦١].
وفي موضع آخر، يُصوِّر القرآنُ هذا الموقفَ، فيقول حكايةً عن الكافرين: رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب: ٦٧-٦٨].
فطلبوا لهم ضعفين من العذاب، لأنهم ضَلُّوا في أنفسهم، ثم أضلُّوا غيرهم فاستوجب كل ضلال جزاءً، إذن: لا بُدَّ أنْ يكونَ المتبوعُ أشدَّ عذاباً من تابعه، والحق سبحانه لا يعذِّب عبده بأكثر مما يستحق، لكن هؤلاء يُضَاعَف لهم العذابُ ضِعْفين من ناحية انفكاك الجهة، فضِعف لأنه ضَلَّ في ذاته، وضِعْفَ لأنه أضلَّ غيره.
ومعنى: أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: بالإغواء والتزيين وتحسين الضلال وتيسير سُبُله.
وفي موضع آخر في سورة البقرة يُبيِّن الحق سبحانه أن الأخلاء على الشر سيتبرأ كل منهم من الآخر: إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ [البقرة: ١٦٦-١٦٧].
وما أشبه موقفهم هذا بموقف الشيطان حين يقول لأتباعه يوم القيامة: إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢].
هذا إذن مصير الأخلاء على الشر، تنتهي خُلَّتهم بالعداوة واللعن أما الأخلاَّء على الخير فهم أخلاء في الدنيا أخلاء في الآخرة، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
كلمة أخلاء جمع خليل، والخُلَّة تعني أنهما تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، تحابَّا حُباً تعدَّى مرحلة اللقاء والعناق إلى أن ذوّب كلاً منهما في الآخر، وكأنه أحدث بينهما تداخلَ ذرات من جسم إلى جسم، وهذا الذي عَبَّر عنه إسماعيل صبري رحمة الله عليه حين قال:
وَلَمَّا التقَيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جُهْدهُ خَليلَيْنِ فَاضَا لَوْعةً وَعِتَابَا
كَأنَّ حَبِيباً في خلال حَبيبه تَسرَّبَ أَثْنَاءَ العِنَاقِ وَغَابَا
لكن كيف يكون تحسين الضلال؟ وكيف يقبل الناسُ الإغواءَ بالباطل؟ قالوا: لأن أيَّ منهج من السماء لا بُدَّ أنْ يصادمَ شهوات النفس ونزواتها، فحين تتغلب الشهواتُ والنزوات على الإنسان يلجأ إلى إله لا منهجَ له ولا أوامرَ ولا نواهيَ، ومن هنا ضَلَّ الناسُ، فعبدوا الأصنام والجمادات، لأن عبادة مثل هذه الآلهة تُشعِرهم بالتديُّن الذي يميل إليه الإنسان بطبعه، فهو إذن متدين.
وفي نفس الوقت، ينفلت من قيود المنهج، لأن إلهه لا يأمره بشيء، ولا ينهاه عن شيء؛ لأن العبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود في أمره ونَهْيه، فالذين عبدوا الأصنام مثلاً أو الشمس أو القمر، بماذا أمرتْهُم هذه الآلهة، وعَمَّ نَهَتم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدَّتْ لمن كفر بها؟
إذن: فهي آلهة باطلة؛ لأن المعبود بحق له منهج افعل ولا تفعل، عنده الثواب لمَن أطاع، والعقاب لمن يعصى.
ثم يلتفت أهل النار لفتة أخرى:
وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً... .
آية رقم ٦٠
هذه الآيات تصور لنا موقفاً من مواقف القيامة دار بين أهل الشر الذين تعاونوا عليه واجتمعوا من أجله، بين الأخلاء على الشر، وهذا الحوار عناصره ثلاثة، هم: الملائكة خَزَنة النار، وزعماء الكفر الذين سبقوا إلى النار، ثم أتباعهم من الذين أضلوهم، يقول الملائكة لزعماء الكفر: هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ [ص: ٥٩] يُنبهون أهل النار أن جماعة من أتباعكم قادمة إليكم.
ومعنى مُّقْتَحِمٌ.. [ص: ٥٩] يعني: داخل النار بشدة وبسرعة، لكن كيف يسرع الداخل وهو داخل إلى النار؟ قالوا: لأنه لا يسير بإرادته، إنما يُجبر على الحضور ويُدفع إلى الدخول رَغْماً عنه، كما قال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣].
والفوج هو الجماعة أو الطائفة كما نقول: فوج الحجاج، أو فوج المسافرين.
فماذا قال زعماء الكفر الذين هم في النار؟ قالوا: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ [ص: ٥٩] يعني: لا سعةَ ولا تحيةَ ولا تكريم، هكذا حال الأخلاء على شَرٍّ، ففي الآخرة تنقلب هذه الخُلَّة وهذه الصداقة إلى عداء، ويلعن كل منهم صاحبه، المتبوع يلعن التابع، والتابع يلعن المتبوع، وها هم المتبوعون يقولون لأتباعهم: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ.. [ص: ٥٩] وعلام نرحب بهم؟ أجاءوا لينقذونا مما نحن فيه؟ أو حتى ليخففوا عنا؟ إنهم جاءوا للنار وللاصطلاء بحرِّها.
فردَّ الفوج المقتحم الداخل على قادته وزعمائه الذين أضلوه: بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: الكفر والضلال، يعني: أنتم غَشَشْتمونا وأضللتمونا وأخذتم بأيدينا إلى هذا المصير السيء فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ [المجادلة: ٨] الذي صِرْتم وصِرْنا إليه قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ [ص: ٦١].
وفي موضع آخر، يُصوِّر القرآنُ هذا الموقفَ، فيقول حكايةً عن الكافرين: رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب: ٦٧-٦٨].
فطلبوا لهم ضعفين من العذاب، لأنهم ضَلُّوا في أنفسهم، ثم أضلُّوا غيرهم فاستوجب كل ضلال جزاءً، إذن: لا بُدَّ أنْ يكونَ المتبوعُ أشدَّ عذاباً من تابعه، والحق سبحانه لا يعذِّب عبده بأكثر مما يستحق، لكن هؤلاء يُضَاعَف لهم العذابُ ضِعْفين من ناحية انفكاك الجهة، فضِعف لأنه ضَلَّ في ذاته، وضِعْفَ لأنه أضلَّ غيره.
ومعنى: أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: بالإغواء والتزيين وتحسين الضلال وتيسير سُبُله.
وفي موضع آخر في سورة البقرة يُبيِّن الحق سبحانه أن الأخلاء على الشر سيتبرأ كل منهم من الآخر: إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ [البقرة: ١٦٦-١٦٧].
وما أشبه موقفهم هذا بموقف الشيطان حين يقول لأتباعه يوم القيامة: إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢].
هذا إذن مصير الأخلاء على الشر، تنتهي خُلَّتهم بالعداوة واللعن أما الأخلاَّء على الخير فهم أخلاء في الدنيا أخلاء في الآخرة، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
كلمة أخلاء جمع خليل، والخُلَّة تعني أنهما تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، تحابَّا حُباً تعدَّى مرحلة اللقاء والعناق إلى أن ذوّب كلاً منهما في الآخر، وكأنه أحدث بينهما تداخلَ ذرات من جسم إلى جسم، وهذا الذي عَبَّر عنه إسماعيل صبري رحمة الله عليه حين قال:
وَلَمَّا التقَيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جُهْدهُ خَليلَيْنِ فَاضَا لَوْعةً وَعِتَابَا
كَأنَّ حَبِيباً في خلال حَبيبه تَسرَّبَ أَثْنَاءَ العِنَاقِ وَغَابَا
لكن كيف يكون تحسين الضلال؟ وكيف يقبل الناسُ الإغواءَ بالباطل؟ قالوا: لأن أيَّ منهج من السماء لا بُدَّ أنْ يصادمَ شهوات النفس ونزواتها، فحين تتغلب الشهواتُ والنزوات على الإنسان يلجأ إلى إله لا منهجَ له ولا أوامرَ ولا نواهيَ، ومن هنا ضَلَّ الناسُ، فعبدوا الأصنام والجمادات، لأن عبادة مثل هذه الآلهة تُشعِرهم بالتديُّن الذي يميل إليه الإنسان بطبعه، فهو إذن متدين.
وفي نفس الوقت، ينفلت من قيود المنهج، لأن إلهه لا يأمره بشيء، ولا ينهاه عن شيء؛ لأن العبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود في أمره ونَهْيه، فالذين عبدوا الأصنام مثلاً أو الشمس أو القمر، بماذا أمرتْهُم هذه الآلهة، وعَمَّ نَهَتم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدَّتْ لمن كفر بها؟
إذن: فهي آلهة باطلة؛ لأن المعبود بحق له منهج افعل ولا تفعل، عنده الثواب لمَن أطاع، والعقاب لمن يعصى.
ثم يلتفت أهل النار لفتة أخرى:
وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً... .
ومعنى مُّقْتَحِمٌ.. [ص: ٥٩] يعني: داخل النار بشدة وبسرعة، لكن كيف يسرع الداخل وهو داخل إلى النار؟ قالوا: لأنه لا يسير بإرادته، إنما يُجبر على الحضور ويُدفع إلى الدخول رَغْماً عنه، كما قال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣].
والفوج هو الجماعة أو الطائفة كما نقول: فوج الحجاج، أو فوج المسافرين.
فماذا قال زعماء الكفر الذين هم في النار؟ قالوا: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ [ص: ٥٩] يعني: لا سعةَ ولا تحيةَ ولا تكريم، هكذا حال الأخلاء على شَرٍّ، ففي الآخرة تنقلب هذه الخُلَّة وهذه الصداقة إلى عداء، ويلعن كل منهم صاحبه، المتبوع يلعن التابع، والتابع يلعن المتبوع، وها هم المتبوعون يقولون لأتباعهم: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ.. [ص: ٥٩] وعلام نرحب بهم؟ أجاءوا لينقذونا مما نحن فيه؟ أو حتى ليخففوا عنا؟ إنهم جاءوا للنار وللاصطلاء بحرِّها.
فردَّ الفوج المقتحم الداخل على قادته وزعمائه الذين أضلوه: بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: الكفر والضلال، يعني: أنتم غَشَشْتمونا وأضللتمونا وأخذتم بأيدينا إلى هذا المصير السيء فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ [المجادلة: ٨] الذي صِرْتم وصِرْنا إليه قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ [ص: ٦١].
وفي موضع آخر، يُصوِّر القرآنُ هذا الموقفَ، فيقول حكايةً عن الكافرين: رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب: ٦٧-٦٨].
فطلبوا لهم ضعفين من العذاب، لأنهم ضَلُّوا في أنفسهم، ثم أضلُّوا غيرهم فاستوجب كل ضلال جزاءً، إذن: لا بُدَّ أنْ يكونَ المتبوعُ أشدَّ عذاباً من تابعه، والحق سبحانه لا يعذِّب عبده بأكثر مما يستحق، لكن هؤلاء يُضَاعَف لهم العذابُ ضِعْفين من ناحية انفكاك الجهة، فضِعف لأنه ضَلَّ في ذاته، وضِعْفَ لأنه أضلَّ غيره.
ومعنى: أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: بالإغواء والتزيين وتحسين الضلال وتيسير سُبُله.
وفي موضع آخر في سورة البقرة يُبيِّن الحق سبحانه أن الأخلاء على الشر سيتبرأ كل منهم من الآخر: إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ [البقرة: ١٦٦-١٦٧].
وما أشبه موقفهم هذا بموقف الشيطان حين يقول لأتباعه يوم القيامة: إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢].
هذا إذن مصير الأخلاء على الشر، تنتهي خُلَّتهم بالعداوة واللعن أما الأخلاَّء على الخير فهم أخلاء في الدنيا أخلاء في الآخرة، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
كلمة أخلاء جمع خليل، والخُلَّة تعني أنهما تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، تحابَّا حُباً تعدَّى مرحلة اللقاء والعناق إلى أن ذوّب كلاً منهما في الآخر، وكأنه أحدث بينهما تداخلَ ذرات من جسم إلى جسم، وهذا الذي عَبَّر عنه إسماعيل صبري رحمة الله عليه حين قال:
وَلَمَّا التقَيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جُهْدهُ خَليلَيْنِ فَاضَا لَوْعةً وَعِتَابَا
كَأنَّ حَبِيباً في خلال حَبيبه تَسرَّبَ أَثْنَاءَ العِنَاقِ وَغَابَا
لكن كيف يكون تحسين الضلال؟ وكيف يقبل الناسُ الإغواءَ بالباطل؟ قالوا: لأن أيَّ منهج من السماء لا بُدَّ أنْ يصادمَ شهوات النفس ونزواتها، فحين تتغلب الشهواتُ والنزوات على الإنسان يلجأ إلى إله لا منهجَ له ولا أوامرَ ولا نواهيَ، ومن هنا ضَلَّ الناسُ، فعبدوا الأصنام والجمادات، لأن عبادة مثل هذه الآلهة تُشعِرهم بالتديُّن الذي يميل إليه الإنسان بطبعه، فهو إذن متدين.
وفي نفس الوقت، ينفلت من قيود المنهج، لأن إلهه لا يأمره بشيء، ولا ينهاه عن شيء؛ لأن العبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود في أمره ونَهْيه، فالذين عبدوا الأصنام مثلاً أو الشمس أو القمر، بماذا أمرتْهُم هذه الآلهة، وعَمَّ نَهَتم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدَّتْ لمن كفر بها؟
إذن: فهي آلهة باطلة؛ لأن المعبود بحق له منهج افعل ولا تفعل، عنده الثواب لمَن أطاع، والعقاب لمن يعصى.
ثم يلتفت أهل النار لفتة أخرى:
وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً... .
آية رقم ٦١
هذه الآيات تصور لنا موقفاً من مواقف القيامة دار بين أهل الشر الذين تعاونوا عليه واجتمعوا من أجله، بين الأخلاء على الشر، وهذا الحوار عناصره ثلاثة، هم: الملائكة خَزَنة النار، وزعماء الكفر الذين سبقوا إلى النار، ثم أتباعهم من الذين أضلوهم، يقول الملائكة لزعماء الكفر: هَـٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ [ص: ٥٩] يُنبهون أهل النار أن جماعة من أتباعكم قادمة إليكم.
ومعنى مُّقْتَحِمٌ.. [ص: ٥٩] يعني: داخل النار بشدة وبسرعة، لكن كيف يسرع الداخل وهو داخل إلى النار؟ قالوا: لأنه لا يسير بإرادته، إنما يُجبر على الحضور ويُدفع إلى الدخول رَغْماً عنه، كما قال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣].
والفوج هو الجماعة أو الطائفة كما نقول: فوج الحجاج، أو فوج المسافرين.
فماذا قال زعماء الكفر الذين هم في النار؟ قالوا: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ [ص: ٥٩] يعني: لا سعةَ ولا تحيةَ ولا تكريم، هكذا حال الأخلاء على شَرٍّ، ففي الآخرة تنقلب هذه الخُلَّة وهذه الصداقة إلى عداء، ويلعن كل منهم صاحبه، المتبوع يلعن التابع، والتابع يلعن المتبوع، وها هم المتبوعون يقولون لأتباعهم: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ.. [ص: ٥٩] وعلام نرحب بهم؟ أجاءوا لينقذونا مما نحن فيه؟ أو حتى ليخففوا عنا؟ إنهم جاءوا للنار وللاصطلاء بحرِّها.
فردَّ الفوج المقتحم الداخل على قادته وزعمائه الذين أضلوه: بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: الكفر والضلال، يعني: أنتم غَشَشْتمونا وأضللتمونا وأخذتم بأيدينا إلى هذا المصير السيء فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ [المجادلة: ٨] الذي صِرْتم وصِرْنا إليه قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ [ص: ٦١].
وفي موضع آخر، يُصوِّر القرآنُ هذا الموقفَ، فيقول حكايةً عن الكافرين: رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب: ٦٧-٦٨].
فطلبوا لهم ضعفين من العذاب، لأنهم ضَلُّوا في أنفسهم، ثم أضلُّوا غيرهم فاستوجب كل ضلال جزاءً، إذن: لا بُدَّ أنْ يكونَ المتبوعُ أشدَّ عذاباً من تابعه، والحق سبحانه لا يعذِّب عبده بأكثر مما يستحق، لكن هؤلاء يُضَاعَف لهم العذابُ ضِعْفين من ناحية انفكاك الجهة، فضِعف لأنه ضَلَّ في ذاته، وضِعْفَ لأنه أضلَّ غيره.
ومعنى: أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: بالإغواء والتزيين وتحسين الضلال وتيسير سُبُله.
وفي موضع آخر في سورة البقرة يُبيِّن الحق سبحانه أن الأخلاء على الشر سيتبرأ كل منهم من الآخر: إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ [البقرة: ١٦٦-١٦٧].
وما أشبه موقفهم هذا بموقف الشيطان حين يقول لأتباعه يوم القيامة: إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢].
هذا إذن مصير الأخلاء على الشر، تنتهي خُلَّتهم بالعداوة واللعن أما الأخلاَّء على الخير فهم أخلاء في الدنيا أخلاء في الآخرة، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
كلمة أخلاء جمع خليل، والخُلَّة تعني أنهما تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، تحابَّا حُباً تعدَّى مرحلة اللقاء والعناق إلى أن ذوّب كلاً منهما في الآخر، وكأنه أحدث بينهما تداخلَ ذرات من جسم إلى جسم، وهذا الذي عَبَّر عنه إسماعيل صبري رحمة الله عليه حين قال:
وَلَمَّا التقَيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جُهْدهُ خَليلَيْنِ فَاضَا لَوْعةً وَعِتَابَا
كَأنَّ حَبِيباً في خلال حَبيبه تَسرَّبَ أَثْنَاءَ العِنَاقِ وَغَابَا
لكن كيف يكون تحسين الضلال؟ وكيف يقبل الناسُ الإغواءَ بالباطل؟ قالوا: لأن أيَّ منهج من السماء لا بُدَّ أنْ يصادمَ شهوات النفس ونزواتها، فحين تتغلب الشهواتُ والنزوات على الإنسان يلجأ إلى إله لا منهجَ له ولا أوامرَ ولا نواهيَ، ومن هنا ضَلَّ الناسُ، فعبدوا الأصنام والجمادات، لأن عبادة مثل هذه الآلهة تُشعِرهم بالتديُّن الذي يميل إليه الإنسان بطبعه، فهو إذن متدين.
وفي نفس الوقت، ينفلت من قيود المنهج، لأن إلهه لا يأمره بشيء، ولا ينهاه عن شيء؛ لأن العبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود في أمره ونَهْيه، فالذين عبدوا الأصنام مثلاً أو الشمس أو القمر، بماذا أمرتْهُم هذه الآلهة، وعَمَّ نَهَتم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدَّتْ لمن كفر بها؟
إذن: فهي آلهة باطلة؛ لأن المعبود بحق له منهج افعل ولا تفعل، عنده الثواب لمَن أطاع، والعقاب لمن يعصى.
ثم يلتفت أهل النار لفتة أخرى:
وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً... .
ومعنى مُّقْتَحِمٌ.. [ص: ٥٩] يعني: داخل النار بشدة وبسرعة، لكن كيف يسرع الداخل وهو داخل إلى النار؟ قالوا: لأنه لا يسير بإرادته، إنما يُجبر على الحضور ويُدفع إلى الدخول رَغْماً عنه، كما قال تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣].
والفوج هو الجماعة أو الطائفة كما نقول: فوج الحجاج، أو فوج المسافرين.
فماذا قال زعماء الكفر الذين هم في النار؟ قالوا: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّارِ [ص: ٥٩] يعني: لا سعةَ ولا تحيةَ ولا تكريم، هكذا حال الأخلاء على شَرٍّ، ففي الآخرة تنقلب هذه الخُلَّة وهذه الصداقة إلى عداء، ويلعن كل منهم صاحبه، المتبوع يلعن التابع، والتابع يلعن المتبوع، وها هم المتبوعون يقولون لأتباعهم: لاَ مَرْحَباً بِهِمْ.. [ص: ٥٩] وعلام نرحب بهم؟ أجاءوا لينقذونا مما نحن فيه؟ أو حتى ليخففوا عنا؟ إنهم جاءوا للنار وللاصطلاء بحرِّها.
فردَّ الفوج المقتحم الداخل على قادته وزعمائه الذين أضلوه: بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: الكفر والضلال، يعني: أنتم غَشَشْتمونا وأضللتمونا وأخذتم بأيدينا إلى هذا المصير السيء فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ [المجادلة: ٨] الذي صِرْتم وصِرْنا إليه قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَـٰذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ [ص: ٦١].
وفي موضع آخر، يُصوِّر القرآنُ هذا الموقفَ، فيقول حكايةً عن الكافرين: رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ ٱلْعَذَابِ وَٱلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً [الأحزاب: ٦٧-٦٨].
فطلبوا لهم ضعفين من العذاب، لأنهم ضَلُّوا في أنفسهم، ثم أضلُّوا غيرهم فاستوجب كل ضلال جزاءً، إذن: لا بُدَّ أنْ يكونَ المتبوعُ أشدَّ عذاباً من تابعه، والحق سبحانه لا يعذِّب عبده بأكثر مما يستحق، لكن هؤلاء يُضَاعَف لهم العذابُ ضِعْفين من ناحية انفكاك الجهة، فضِعف لأنه ضَلَّ في ذاته، وضِعْفَ لأنه أضلَّ غيره.
ومعنى: أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا.. [ص: ٦٠] أي: بالإغواء والتزيين وتحسين الضلال وتيسير سُبُله.
وفي موضع آخر في سورة البقرة يُبيِّن الحق سبحانه أن الأخلاء على الشر سيتبرأ كل منهم من الآخر: إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ [البقرة: ١٦٦-١٦٧].
وما أشبه موقفهم هذا بموقف الشيطان حين يقول لأتباعه يوم القيامة: إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. [إبراهيم: ٢٢].
هذا إذن مصير الأخلاء على الشر، تنتهي خُلَّتهم بالعداوة واللعن أما الأخلاَّء على الخير فهم أخلاء في الدنيا أخلاء في الآخرة، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
كلمة أخلاء جمع خليل، والخُلَّة تعني أنهما تحابَّا في الله، اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، تحابَّا حُباً تعدَّى مرحلة اللقاء والعناق إلى أن ذوّب كلاً منهما في الآخر، وكأنه أحدث بينهما تداخلَ ذرات من جسم إلى جسم، وهذا الذي عَبَّر عنه إسماعيل صبري رحمة الله عليه حين قال:
وَلَمَّا التقَيْنَا قَرَّبَ الشَّوْقُ جُهْدهُ خَليلَيْنِ فَاضَا لَوْعةً وَعِتَابَا
كَأنَّ حَبِيباً في خلال حَبيبه تَسرَّبَ أَثْنَاءَ العِنَاقِ وَغَابَا
لكن كيف يكون تحسين الضلال؟ وكيف يقبل الناسُ الإغواءَ بالباطل؟ قالوا: لأن أيَّ منهج من السماء لا بُدَّ أنْ يصادمَ شهوات النفس ونزواتها، فحين تتغلب الشهواتُ والنزوات على الإنسان يلجأ إلى إله لا منهجَ له ولا أوامرَ ولا نواهيَ، ومن هنا ضَلَّ الناسُ، فعبدوا الأصنام والجمادات، لأن عبادة مثل هذه الآلهة تُشعِرهم بالتديُّن الذي يميل إليه الإنسان بطبعه، فهو إذن متدين.
وفي نفس الوقت، ينفلت من قيود المنهج، لأن إلهه لا يأمره بشيء، ولا ينهاه عن شيء؛ لأن العبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود في أمره ونَهْيه، فالذين عبدوا الأصنام مثلاً أو الشمس أو القمر، بماذا أمرتْهُم هذه الآلهة، وعَمَّ نَهَتم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدَّتْ لمن كفر بها؟
إذن: فهي آلهة باطلة؛ لأن المعبود بحق له منهج افعل ولا تفعل، عنده الثواب لمَن أطاع، والعقاب لمن يعصى.
ثم يلتفت أهل النار لفتة أخرى:
وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً... .
آية رقم ٦٢
وَقَالُواْ [ص: ٦٢] أي: أهل النار مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً.. [ص: ٦٢] يعنون أصحاب محمد الذين كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ [ص: ٦٢]، كما قال الكفار لسيدنا نوح عليه السلام: مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود: ٢٧] كذلك قال كفار مكة لأتباع محمد من العبيد أمثال بلال وخبّاب وغيرهم.
فزعماء الكفر في النار ينظرون حولهم، فلا يجدون هؤلاء الأشرار - معهم - فيتعجَّبون مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ [ص: ٦٢] أين هم؟ فالحال أنَّا لا نراهم، ثم يعودون إلى أنفسهم فيقولون: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً.. [ص: ٦٣] يعني: سخرنا منهم، وقلنا: إنهم أشرار وهم ليسوا أشراراً، فمصيرهم غير مصيرنا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: هم موجودون معنا، لكن زاغتْ أبصارنا فلا نراهم.
وكلمة (سِخْريّاً) من السخرية والاستهزاء، أما سُخرياً بالضم فهي بمعنى الاستغلال والاستذلال من التسخير في الأعمال. ومعنى زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: مالتْ عنهم، وقولهم مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ.. [ص: ٦٢] مثل قول سيدنا سليمان في قصة الهدهد: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] فالمعنى أن الهدهد لا بُدَّ أنْ يكونَ موجوداً، لكن المانع عندي في أنْ أراه، ثم استدرك فقال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] ولا بُدَّ أنْ يتخاصمَ أهلُ النار لأنهم إما ضَالٌّ وإما مُضِلٌّ فيُلقي كل منهم اللومَ على الآخر ساعةَ يرى المصير الذي صاروا إليه، ثم مَنِ الذي أخبرنا بهذا التخاصم، أخبرنا به القرآن الكريم، والقرآن لم يَقُلْ قضية وخالَفها الواقع.
ولك أنْ تلاحظ هذه الحقيقة من واقع القرآن مع المجتمع منذ بَعْث محمد صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحالي، أأخبر الحق سبحانه بقضية، وجاء الواقع مخالفاً لها؟ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً.. [فاطر: ٤٣].
فمثلاً في بدر انتصرنا عليهم وقتلنا منهم قَتْلى وأخذنا أَسْرى، ولم يمر عام واحد حتى جاءتْ أُحُد، وفيها سار الكفار من مكة إلى مقربة من المدينة، وكانت المؤشرات تدل على انتصار المسلمين، لكنهم خالفوا منهج الله في عدم طاعتهم أمر رسولهم.
وقد كان رسول الله قد أمر الرُّماة ألاَّ يتركوا أماكنهم مهما حدث.
فلما رأى الرماة تفوُّق المسلمين وشاهدوا بوادر النصر سالَ لعابهم على الأسْلاب والغنائم، فنزلوا إليها، وتركوا أماكنهم، فاستغلَّ الكفارُ الفرصةَ، والتفُّوا حول المسلمين، وفعلاً (ماعت) المعركة وإنْ كنا لم نُهزم، إلا أننا لم ننتصر، مع أن الله تعالى وعد رسله بالنصر ووعد جنده بالغلبة، فقال سبحانه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
ومع ذلك كان عدم النصر في أُحُد ظاهِرة صحية في الإيمان؛ لأن المسلمين لو انتصروا مع المخالفة لأمر الرسول لَهَان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا: خالفناه في أُحُد وانتصرنا، فإذا رأيتَ جندياً للإسلام يُهزم فاعلم أنه خالف التوجيه، إما خالف توجيه الرسول، أو خالف توجيه القائد الموكَّل من الرسول.
إذن: سنة الله في النصر لم تتخلف، إنما تخلفتْ الجندية لله تعالى؛ لذلك قُلْنا في أُحُد لم ينتصر المسلمون، لكن انتصر الإسلام وانتصرتْ أوامره.
كذلك حذَّرنا الحق سبحانه من الغرور والزَّهْو بالقوة وكثرة العدد، لأن النصر في الحقيقة ليس بكثرة عددكم، إنما النصر من الله، وهذا الدرس أخذناه في غزوة حنين، فأبو بكر نفسه داخله شيء من ذلك حين رأى أعداد المسلمين مقارنةً بأعداد الكافرين، فقال: لن نُهزم اليوم من قِلَّة، فأعطاهم الله درساً لا يُنْسى، وكاد النصر أنْ يكون للكفار، لكن أدركتهم رحمة الله، وحَنَّ الله عليهم في نهاية المعركة وحُسِمتْ لصالح الإسلام.
إذن: فالزَّهْو والغرور مخالف لقواعد الجندية فالنصر ليس بالعدد ولا بالعُدَّة، إنما النصر من الله كما قال سبحانه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤].
وقال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ.. [الأنفال: ١٧].
إذن: نقول ما دام أن الله أخبرنا بتخاصم أهل النار فهو حَقٌّ واقع نؤمن بصدقه.
ثم أراد الحق سبحانه أن يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم حجَّة، فقال:
قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ... .
فزعماء الكفر في النار ينظرون حولهم، فلا يجدون هؤلاء الأشرار - معهم - فيتعجَّبون مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ [ص: ٦٢] أين هم؟ فالحال أنَّا لا نراهم، ثم يعودون إلى أنفسهم فيقولون: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً.. [ص: ٦٣] يعني: سخرنا منهم، وقلنا: إنهم أشرار وهم ليسوا أشراراً، فمصيرهم غير مصيرنا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: هم موجودون معنا، لكن زاغتْ أبصارنا فلا نراهم.
وكلمة (سِخْريّاً) من السخرية والاستهزاء، أما سُخرياً بالضم فهي بمعنى الاستغلال والاستذلال من التسخير في الأعمال. ومعنى زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: مالتْ عنهم، وقولهم مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ.. [ص: ٦٢] مثل قول سيدنا سليمان في قصة الهدهد: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] فالمعنى أن الهدهد لا بُدَّ أنْ يكونَ موجوداً، لكن المانع عندي في أنْ أراه، ثم استدرك فقال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] ولا بُدَّ أنْ يتخاصمَ أهلُ النار لأنهم إما ضَالٌّ وإما مُضِلٌّ فيُلقي كل منهم اللومَ على الآخر ساعةَ يرى المصير الذي صاروا إليه، ثم مَنِ الذي أخبرنا بهذا التخاصم، أخبرنا به القرآن الكريم، والقرآن لم يَقُلْ قضية وخالَفها الواقع.
ولك أنْ تلاحظ هذه الحقيقة من واقع القرآن مع المجتمع منذ بَعْث محمد صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحالي، أأخبر الحق سبحانه بقضية، وجاء الواقع مخالفاً لها؟ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً.. [فاطر: ٤٣].
فمثلاً في بدر انتصرنا عليهم وقتلنا منهم قَتْلى وأخذنا أَسْرى، ولم يمر عام واحد حتى جاءتْ أُحُد، وفيها سار الكفار من مكة إلى مقربة من المدينة، وكانت المؤشرات تدل على انتصار المسلمين، لكنهم خالفوا منهج الله في عدم طاعتهم أمر رسولهم.
وقد كان رسول الله قد أمر الرُّماة ألاَّ يتركوا أماكنهم مهما حدث.
فلما رأى الرماة تفوُّق المسلمين وشاهدوا بوادر النصر سالَ لعابهم على الأسْلاب والغنائم، فنزلوا إليها، وتركوا أماكنهم، فاستغلَّ الكفارُ الفرصةَ، والتفُّوا حول المسلمين، وفعلاً (ماعت) المعركة وإنْ كنا لم نُهزم، إلا أننا لم ننتصر، مع أن الله تعالى وعد رسله بالنصر ووعد جنده بالغلبة، فقال سبحانه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
ومع ذلك كان عدم النصر في أُحُد ظاهِرة صحية في الإيمان؛ لأن المسلمين لو انتصروا مع المخالفة لأمر الرسول لَهَان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا: خالفناه في أُحُد وانتصرنا، فإذا رأيتَ جندياً للإسلام يُهزم فاعلم أنه خالف التوجيه، إما خالف توجيه الرسول، أو خالف توجيه القائد الموكَّل من الرسول.
إذن: سنة الله في النصر لم تتخلف، إنما تخلفتْ الجندية لله تعالى؛ لذلك قُلْنا في أُحُد لم ينتصر المسلمون، لكن انتصر الإسلام وانتصرتْ أوامره.
كذلك حذَّرنا الحق سبحانه من الغرور والزَّهْو بالقوة وكثرة العدد، لأن النصر في الحقيقة ليس بكثرة عددكم، إنما النصر من الله، وهذا الدرس أخذناه في غزوة حنين، فأبو بكر نفسه داخله شيء من ذلك حين رأى أعداد المسلمين مقارنةً بأعداد الكافرين، فقال: لن نُهزم اليوم من قِلَّة، فأعطاهم الله درساً لا يُنْسى، وكاد النصر أنْ يكون للكفار، لكن أدركتهم رحمة الله، وحَنَّ الله عليهم في نهاية المعركة وحُسِمتْ لصالح الإسلام.
إذن: فالزَّهْو والغرور مخالف لقواعد الجندية فالنصر ليس بالعدد ولا بالعُدَّة، إنما النصر من الله كما قال سبحانه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤].
وقال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ.. [الأنفال: ١٧].
إذن: نقول ما دام أن الله أخبرنا بتخاصم أهل النار فهو حَقٌّ واقع نؤمن بصدقه.
ثم أراد الحق سبحانه أن يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم حجَّة، فقال:
قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ... .
آية رقم ٦٣
ﭜﭝﭞﭟﭠﭡ
ﭢ
وَقَالُواْ [ص: ٦٢] أي: أهل النار مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً.. [ص: ٦٢] يعنون أصحاب محمد الذين كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ [ص: ٦٢]، كما قال الكفار لسيدنا نوح عليه السلام: مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود: ٢٧] كذلك قال كفار مكة لأتباع محمد من العبيد أمثال بلال وخبّاب وغيرهم.
فزعماء الكفر في النار ينظرون حولهم، فلا يجدون هؤلاء الأشرار - معهم - فيتعجَّبون مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ [ص: ٦٢] أين هم؟ فالحال أنَّا لا نراهم، ثم يعودون إلى أنفسهم فيقولون: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً.. [ص: ٦٣] يعني: سخرنا منهم، وقلنا: إنهم أشرار وهم ليسوا أشراراً، فمصيرهم غير مصيرنا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: هم موجودون معنا، لكن زاغتْ أبصارنا فلا نراهم.
وكلمة (سِخْريّاً) من السخرية والاستهزاء، أما سُخرياً بالضم فهي بمعنى الاستغلال والاستذلال من التسخير في الأعمال. ومعنى زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: مالتْ عنهم، وقولهم مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ.. [ص: ٦٢] مثل قول سيدنا سليمان في قصة الهدهد: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] فالمعنى أن الهدهد لا بُدَّ أنْ يكونَ موجوداً، لكن المانع عندي في أنْ أراه، ثم استدرك فقال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] ولا بُدَّ أنْ يتخاصمَ أهلُ النار لأنهم إما ضَالٌّ وإما مُضِلٌّ فيُلقي كل منهم اللومَ على الآخر ساعةَ يرى المصير الذي صاروا إليه، ثم مَنِ الذي أخبرنا بهذا التخاصم، أخبرنا به القرآن الكريم، والقرآن لم يَقُلْ قضية وخالَفها الواقع.
ولك أنْ تلاحظ هذه الحقيقة من واقع القرآن مع المجتمع منذ بَعْث محمد صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحالي، أأخبر الحق سبحانه بقضية، وجاء الواقع مخالفاً لها؟ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً.. [فاطر: ٤٣].
فمثلاً في بدر انتصرنا عليهم وقتلنا منهم قَتْلى وأخذنا أَسْرى، ولم يمر عام واحد حتى جاءتْ أُحُد، وفيها سار الكفار من مكة إلى مقربة من المدينة، وكانت المؤشرات تدل على انتصار المسلمين، لكنهم خالفوا منهج الله في عدم طاعتهم أمر رسولهم.
وقد كان رسول الله قد أمر الرُّماة ألاَّ يتركوا أماكنهم مهما حدث.
فلما رأى الرماة تفوُّق المسلمين وشاهدوا بوادر النصر سالَ لعابهم على الأسْلاب والغنائم، فنزلوا إليها، وتركوا أماكنهم، فاستغلَّ الكفارُ الفرصةَ، والتفُّوا حول المسلمين، وفعلاً (ماعت) المعركة وإنْ كنا لم نُهزم، إلا أننا لم ننتصر، مع أن الله تعالى وعد رسله بالنصر ووعد جنده بالغلبة، فقال سبحانه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
ومع ذلك كان عدم النصر في أُحُد ظاهِرة صحية في الإيمان؛ لأن المسلمين لو انتصروا مع المخالفة لأمر الرسول لَهَان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا: خالفناه في أُحُد وانتصرنا، فإذا رأيتَ جندياً للإسلام يُهزم فاعلم أنه خالف التوجيه، إما خالف توجيه الرسول، أو خالف توجيه القائد الموكَّل من الرسول.
إذن: سنة الله في النصر لم تتخلف، إنما تخلفتْ الجندية لله تعالى؛ لذلك قُلْنا في أُحُد لم ينتصر المسلمون، لكن انتصر الإسلام وانتصرتْ أوامره.
كذلك حذَّرنا الحق سبحانه من الغرور والزَّهْو بالقوة وكثرة العدد، لأن النصر في الحقيقة ليس بكثرة عددكم، إنما النصر من الله، وهذا الدرس أخذناه في غزوة حنين، فأبو بكر نفسه داخله شيء من ذلك حين رأى أعداد المسلمين مقارنةً بأعداد الكافرين، فقال: لن نُهزم اليوم من قِلَّة، فأعطاهم الله درساً لا يُنْسى، وكاد النصر أنْ يكون للكفار، لكن أدركتهم رحمة الله، وحَنَّ الله عليهم في نهاية المعركة وحُسِمتْ لصالح الإسلام.
إذن: فالزَّهْو والغرور مخالف لقواعد الجندية فالنصر ليس بالعدد ولا بالعُدَّة، إنما النصر من الله كما قال سبحانه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤].
وقال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ.. [الأنفال: ١٧].
إذن: نقول ما دام أن الله أخبرنا بتخاصم أهل النار فهو حَقٌّ واقع نؤمن بصدقه.
ثم أراد الحق سبحانه أن يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم حجَّة، فقال:
قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ... .
فزعماء الكفر في النار ينظرون حولهم، فلا يجدون هؤلاء الأشرار - معهم - فيتعجَّبون مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ [ص: ٦٢] أين هم؟ فالحال أنَّا لا نراهم، ثم يعودون إلى أنفسهم فيقولون: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً.. [ص: ٦٣] يعني: سخرنا منهم، وقلنا: إنهم أشرار وهم ليسوا أشراراً، فمصيرهم غير مصيرنا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: هم موجودون معنا، لكن زاغتْ أبصارنا فلا نراهم.
وكلمة (سِخْريّاً) من السخرية والاستهزاء، أما سُخرياً بالضم فهي بمعنى الاستغلال والاستذلال من التسخير في الأعمال. ومعنى زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: مالتْ عنهم، وقولهم مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ.. [ص: ٦٢] مثل قول سيدنا سليمان في قصة الهدهد: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] فالمعنى أن الهدهد لا بُدَّ أنْ يكونَ موجوداً، لكن المانع عندي في أنْ أراه، ثم استدرك فقال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] ولا بُدَّ أنْ يتخاصمَ أهلُ النار لأنهم إما ضَالٌّ وإما مُضِلٌّ فيُلقي كل منهم اللومَ على الآخر ساعةَ يرى المصير الذي صاروا إليه، ثم مَنِ الذي أخبرنا بهذا التخاصم، أخبرنا به القرآن الكريم، والقرآن لم يَقُلْ قضية وخالَفها الواقع.
ولك أنْ تلاحظ هذه الحقيقة من واقع القرآن مع المجتمع منذ بَعْث محمد صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحالي، أأخبر الحق سبحانه بقضية، وجاء الواقع مخالفاً لها؟ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً.. [فاطر: ٤٣].
فمثلاً في بدر انتصرنا عليهم وقتلنا منهم قَتْلى وأخذنا أَسْرى، ولم يمر عام واحد حتى جاءتْ أُحُد، وفيها سار الكفار من مكة إلى مقربة من المدينة، وكانت المؤشرات تدل على انتصار المسلمين، لكنهم خالفوا منهج الله في عدم طاعتهم أمر رسولهم.
وقد كان رسول الله قد أمر الرُّماة ألاَّ يتركوا أماكنهم مهما حدث.
فلما رأى الرماة تفوُّق المسلمين وشاهدوا بوادر النصر سالَ لعابهم على الأسْلاب والغنائم، فنزلوا إليها، وتركوا أماكنهم، فاستغلَّ الكفارُ الفرصةَ، والتفُّوا حول المسلمين، وفعلاً (ماعت) المعركة وإنْ كنا لم نُهزم، إلا أننا لم ننتصر، مع أن الله تعالى وعد رسله بالنصر ووعد جنده بالغلبة، فقال سبحانه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
ومع ذلك كان عدم النصر في أُحُد ظاهِرة صحية في الإيمان؛ لأن المسلمين لو انتصروا مع المخالفة لأمر الرسول لَهَان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا: خالفناه في أُحُد وانتصرنا، فإذا رأيتَ جندياً للإسلام يُهزم فاعلم أنه خالف التوجيه، إما خالف توجيه الرسول، أو خالف توجيه القائد الموكَّل من الرسول.
إذن: سنة الله في النصر لم تتخلف، إنما تخلفتْ الجندية لله تعالى؛ لذلك قُلْنا في أُحُد لم ينتصر المسلمون، لكن انتصر الإسلام وانتصرتْ أوامره.
كذلك حذَّرنا الحق سبحانه من الغرور والزَّهْو بالقوة وكثرة العدد، لأن النصر في الحقيقة ليس بكثرة عددكم، إنما النصر من الله، وهذا الدرس أخذناه في غزوة حنين، فأبو بكر نفسه داخله شيء من ذلك حين رأى أعداد المسلمين مقارنةً بأعداد الكافرين، فقال: لن نُهزم اليوم من قِلَّة، فأعطاهم الله درساً لا يُنْسى، وكاد النصر أنْ يكون للكفار، لكن أدركتهم رحمة الله، وحَنَّ الله عليهم في نهاية المعركة وحُسِمتْ لصالح الإسلام.
إذن: فالزَّهْو والغرور مخالف لقواعد الجندية فالنصر ليس بالعدد ولا بالعُدَّة، إنما النصر من الله كما قال سبحانه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤].
وقال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ.. [الأنفال: ١٧].
إذن: نقول ما دام أن الله أخبرنا بتخاصم أهل النار فهو حَقٌّ واقع نؤمن بصدقه.
ثم أراد الحق سبحانه أن يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم حجَّة، فقال:
قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ... .
آية رقم ٦٤
ﭣﭤﭥﭦﭧﭨ
ﭩ
وَقَالُواْ [ص: ٦٢] أي: أهل النار مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً.. [ص: ٦٢] يعنون أصحاب محمد الذين كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ [ص: ٦٢]، كما قال الكفار لسيدنا نوح عليه السلام: مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود: ٢٧] كذلك قال كفار مكة لأتباع محمد من العبيد أمثال بلال وخبّاب وغيرهم.
فزعماء الكفر في النار ينظرون حولهم، فلا يجدون هؤلاء الأشرار - معهم - فيتعجَّبون مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ [ص: ٦٢] أين هم؟ فالحال أنَّا لا نراهم، ثم يعودون إلى أنفسهم فيقولون: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً.. [ص: ٦٣] يعني: سخرنا منهم، وقلنا: إنهم أشرار وهم ليسوا أشراراً، فمصيرهم غير مصيرنا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: هم موجودون معنا، لكن زاغتْ أبصارنا فلا نراهم.
وكلمة (سِخْريّاً) من السخرية والاستهزاء، أما سُخرياً بالضم فهي بمعنى الاستغلال والاستذلال من التسخير في الأعمال. ومعنى زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: مالتْ عنهم، وقولهم مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ.. [ص: ٦٢] مثل قول سيدنا سليمان في قصة الهدهد: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] فالمعنى أن الهدهد لا بُدَّ أنْ يكونَ موجوداً، لكن المانع عندي في أنْ أراه، ثم استدرك فقال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] ولا بُدَّ أنْ يتخاصمَ أهلُ النار لأنهم إما ضَالٌّ وإما مُضِلٌّ فيُلقي كل منهم اللومَ على الآخر ساعةَ يرى المصير الذي صاروا إليه، ثم مَنِ الذي أخبرنا بهذا التخاصم، أخبرنا به القرآن الكريم، والقرآن لم يَقُلْ قضية وخالَفها الواقع.
ولك أنْ تلاحظ هذه الحقيقة من واقع القرآن مع المجتمع منذ بَعْث محمد صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحالي، أأخبر الحق سبحانه بقضية، وجاء الواقع مخالفاً لها؟ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً.. [فاطر: ٤٣].
فمثلاً في بدر انتصرنا عليهم وقتلنا منهم قَتْلى وأخذنا أَسْرى، ولم يمر عام واحد حتى جاءتْ أُحُد، وفيها سار الكفار من مكة إلى مقربة من المدينة، وكانت المؤشرات تدل على انتصار المسلمين، لكنهم خالفوا منهج الله في عدم طاعتهم أمر رسولهم.
وقد كان رسول الله قد أمر الرُّماة ألاَّ يتركوا أماكنهم مهما حدث.
فلما رأى الرماة تفوُّق المسلمين وشاهدوا بوادر النصر سالَ لعابهم على الأسْلاب والغنائم، فنزلوا إليها، وتركوا أماكنهم، فاستغلَّ الكفارُ الفرصةَ، والتفُّوا حول المسلمين، وفعلاً (ماعت) المعركة وإنْ كنا لم نُهزم، إلا أننا لم ننتصر، مع أن الله تعالى وعد رسله بالنصر ووعد جنده بالغلبة، فقال سبحانه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
ومع ذلك كان عدم النصر في أُحُد ظاهِرة صحية في الإيمان؛ لأن المسلمين لو انتصروا مع المخالفة لأمر الرسول لَهَان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا: خالفناه في أُحُد وانتصرنا، فإذا رأيتَ جندياً للإسلام يُهزم فاعلم أنه خالف التوجيه، إما خالف توجيه الرسول، أو خالف توجيه القائد الموكَّل من الرسول.
إذن: سنة الله في النصر لم تتخلف، إنما تخلفتْ الجندية لله تعالى؛ لذلك قُلْنا في أُحُد لم ينتصر المسلمون، لكن انتصر الإسلام وانتصرتْ أوامره.
كذلك حذَّرنا الحق سبحانه من الغرور والزَّهْو بالقوة وكثرة العدد، لأن النصر في الحقيقة ليس بكثرة عددكم، إنما النصر من الله، وهذا الدرس أخذناه في غزوة حنين، فأبو بكر نفسه داخله شيء من ذلك حين رأى أعداد المسلمين مقارنةً بأعداد الكافرين، فقال: لن نُهزم اليوم من قِلَّة، فأعطاهم الله درساً لا يُنْسى، وكاد النصر أنْ يكون للكفار، لكن أدركتهم رحمة الله، وحَنَّ الله عليهم في نهاية المعركة وحُسِمتْ لصالح الإسلام.
إذن: فالزَّهْو والغرور مخالف لقواعد الجندية فالنصر ليس بالعدد ولا بالعُدَّة، إنما النصر من الله كما قال سبحانه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤].
وقال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ.. [الأنفال: ١٧].
إذن: نقول ما دام أن الله أخبرنا بتخاصم أهل النار فهو حَقٌّ واقع نؤمن بصدقه.
ثم أراد الحق سبحانه أن يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم حجَّة، فقال:
قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ... .
فزعماء الكفر في النار ينظرون حولهم، فلا يجدون هؤلاء الأشرار - معهم - فيتعجَّبون مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ ٱلأَشْرَارِ [ص: ٦٢] أين هم؟ فالحال أنَّا لا نراهم، ثم يعودون إلى أنفسهم فيقولون: أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً.. [ص: ٦٣] يعني: سخرنا منهم، وقلنا: إنهم أشرار وهم ليسوا أشراراً، فمصيرهم غير مصيرنا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: هم موجودون معنا، لكن زاغتْ أبصارنا فلا نراهم.
وكلمة (سِخْريّاً) من السخرية والاستهزاء، أما سُخرياً بالضم فهي بمعنى الاستغلال والاستذلال من التسخير في الأعمال. ومعنى زَاغَتْ عَنْهُمُ ٱلأَبْصَار [ص: ٦٣] يعني: مالتْ عنهم، وقولهم مَا لَنَا لاَ نَرَىٰ.. [ص: ٦٢] مثل قول سيدنا سليمان في قصة الهدهد: مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ.. [النمل: ٢٠] فالمعنى أن الهدهد لا بُدَّ أنْ يكونَ موجوداً، لكن المانع عندي في أنْ أراه، ثم استدرك فقال: أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ [النمل: ٢٠].
ثم يقول سبحانه: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] ولا بُدَّ أنْ يتخاصمَ أهلُ النار لأنهم إما ضَالٌّ وإما مُضِلٌّ فيُلقي كل منهم اللومَ على الآخر ساعةَ يرى المصير الذي صاروا إليه، ثم مَنِ الذي أخبرنا بهذا التخاصم، أخبرنا به القرآن الكريم، والقرآن لم يَقُلْ قضية وخالَفها الواقع.
ولك أنْ تلاحظ هذه الحقيقة من واقع القرآن مع المجتمع منذ بَعْث محمد صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحالي، أأخبر الحق سبحانه بقضية، وجاء الواقع مخالفاً لها؟ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً.. [فاطر: ٤٣].
فمثلاً في بدر انتصرنا عليهم وقتلنا منهم قَتْلى وأخذنا أَسْرى، ولم يمر عام واحد حتى جاءتْ أُحُد، وفيها سار الكفار من مكة إلى مقربة من المدينة، وكانت المؤشرات تدل على انتصار المسلمين، لكنهم خالفوا منهج الله في عدم طاعتهم أمر رسولهم.
وقد كان رسول الله قد أمر الرُّماة ألاَّ يتركوا أماكنهم مهما حدث.
فلما رأى الرماة تفوُّق المسلمين وشاهدوا بوادر النصر سالَ لعابهم على الأسْلاب والغنائم، فنزلوا إليها، وتركوا أماكنهم، فاستغلَّ الكفارُ الفرصةَ، والتفُّوا حول المسلمين، وفعلاً (ماعت) المعركة وإنْ كنا لم نُهزم، إلا أننا لم ننتصر، مع أن الله تعالى وعد رسله بالنصر ووعد جنده بالغلبة، فقال سبحانه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١-١٧٣].
ومع ذلك كان عدم النصر في أُحُد ظاهِرة صحية في الإيمان؛ لأن المسلمين لو انتصروا مع المخالفة لأمر الرسول لَهَان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا: خالفناه في أُحُد وانتصرنا، فإذا رأيتَ جندياً للإسلام يُهزم فاعلم أنه خالف التوجيه، إما خالف توجيه الرسول، أو خالف توجيه القائد الموكَّل من الرسول.
إذن: سنة الله في النصر لم تتخلف، إنما تخلفتْ الجندية لله تعالى؛ لذلك قُلْنا في أُحُد لم ينتصر المسلمون، لكن انتصر الإسلام وانتصرتْ أوامره.
كذلك حذَّرنا الحق سبحانه من الغرور والزَّهْو بالقوة وكثرة العدد، لأن النصر في الحقيقة ليس بكثرة عددكم، إنما النصر من الله، وهذا الدرس أخذناه في غزوة حنين، فأبو بكر نفسه داخله شيء من ذلك حين رأى أعداد المسلمين مقارنةً بأعداد الكافرين، فقال: لن نُهزم اليوم من قِلَّة، فأعطاهم الله درساً لا يُنْسى، وكاد النصر أنْ يكون للكفار، لكن أدركتهم رحمة الله، وحَنَّ الله عليهم في نهاية المعركة وحُسِمتْ لصالح الإسلام.
إذن: فالزَّهْو والغرور مخالف لقواعد الجندية فالنصر ليس بالعدد ولا بالعُدَّة، إنما النصر من الله كما قال سبحانه: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤].
وقال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ.. [الأنفال: ١٧].
إذن: نقول ما دام أن الله أخبرنا بتخاصم أهل النار فهو حَقٌّ واقع نؤمن بصدقه.
ثم أراد الحق سبحانه أن يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم حجَّة، فقال:
قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ... .
آية رقم ٦٥
نفهم هذه الآيات في ضوء ما حكاه القرآن في أول السورة من تكذيب الكافرين لرسول الله، ففي الآيات الأولى من السورة قال تعالى: وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٤-٥] إلى أنْ قالوا: أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ [ص: ٨].
إذن: الآيات في صدر السورة تبين أن هؤلاء القوم عندهم خَلَل في قضيتين الأولى في قضية التوحيد أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً.. [ص: ٥] والأخرى: قضية النبوة أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا.. [ص: ٨].
فجاءت هذه الآيات لتردَّ عليهم ولتصحح هذا الخلل، فقال هنا: (قل) يا محمد إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ.. [ص: ٦٥] واختار هنا الإنذار مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بشيراً ونذيراً، لأن الكلام هنا في مواجهة الكافرين، فناسبهم الإنذار، وفي القضية الأخرى يقول سبحانه: وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ * رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ [ص: ٦٥-٦٦].
إذن: الآيات في صدر السورة تبين أن هؤلاء القوم عندهم خَلَل في قضيتين الأولى في قضية التوحيد أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً.. [ص: ٥] والأخرى: قضية النبوة أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا.. [ص: ٨].
فجاءت هذه الآيات لتردَّ عليهم ولتصحح هذا الخلل، فقال هنا: (قل) يا محمد إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ.. [ص: ٦٥] واختار هنا الإنذار مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بشيراً ونذيراً، لأن الكلام هنا في مواجهة الكافرين، فناسبهم الإنذار، وفي القضية الأخرى يقول سبحانه: وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ * رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ [ص: ٦٥-٦٦].
آية رقم ٦٦
نفهم هذه الآيات في ضوء ما حكاه القرآن في أول السورة من تكذيب الكافرين لرسول الله، ففي الآيات الأولى من السورة قال تعالى: وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٤-٥] إلى أنْ قالوا: أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ [ص: ٨].
إذن: الآيات في صدر السورة تبين أن هؤلاء القوم عندهم خَلَل في قضيتين الأولى في قضية التوحيد أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً.. [ص: ٥] والأخرى: قضية النبوة أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا.. [ص: ٨].
فجاءت هذه الآيات لتردَّ عليهم ولتصحح هذا الخلل، فقال هنا: (قل) يا محمد إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ.. [ص: ٦٥] واختار هنا الإنذار مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بشيراً ونذيراً، لأن الكلام هنا في مواجهة الكافرين، فناسبهم الإنذار، وفي القضية الأخرى يقول سبحانه: وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ * رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ [ص: ٦٥-٦٦].
إذن: الآيات في صدر السورة تبين أن هؤلاء القوم عندهم خَلَل في قضيتين الأولى في قضية التوحيد أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً.. [ص: ٥] والأخرى: قضية النبوة أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا.. [ص: ٨].
فجاءت هذه الآيات لتردَّ عليهم ولتصحح هذا الخلل، فقال هنا: (قل) يا محمد إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ.. [ص: ٦٥] واختار هنا الإنذار مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بشيراً ونذيراً، لأن الكلام هنا في مواجهة الكافرين، فناسبهم الإنذار، وفي القضية الأخرى يقول سبحانه: وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ * رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفَّارُ [ص: ٦٥-٦٦].
آية رقم ٦٧
ﭿﮀﮁﮂ
ﮃ
معنى (نَبأ) هو الخبر الهام الذي وراءه حقائق لا يُكذِّبها الواقع.
وقال في سورة (النبأ): عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ [النبأ: ١-٢] ووصف بأنه عظيم لأنه سيترتب عليه أمران يتعلقان بالدنيا والآخرة. فإنْ كنتَ أخذت حظك في اتباع شهواتك في الدنيا، والدنيا لها نهاية، فستصْلَى في الآخرة ناراً لا نهاية لها.
وكان عليك أنْ تتنبه لهذه المسألة؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له أنْ يحدد غايته في الوجود، والغاية الحقيقية هي التي ليس بعدها بَعْد، أما الغاية التي بعدها بَعْد فليست بغاية، بل هي مرحلة تؤدي إلى ما بعدها، كالتلميذ ينجح في القبول مثلاً، فيؤدي به النجاح إلى الإعدادية، والنجاح في الإعدادية يؤدي به إلى الثانوية، والثانوية إلى الجامعة.
وهكذا حتى لو أخذ الدكتوراه فإنه ينتقل إلى ما بعدها من مراحل ثم الموت، حتى الموت ليس هو نهايةَ المطاف إنما بعده، إما إلى نار وإما إلى جنة، وهذه هي الغاية التي ليس بعدها بعد، لأنها باقية خالدة لا نهاية لها.
لذلك الحق سبحانه يُنبهنا إلى هذه الغاية (قل) يا محمد هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
وكلمة مُعرِض يعني: منصرف هي التي نقول عنها: فلان أعطاني عرض أكتافه يعني: مال عني وانصرف، وهذه الكلمة تمثيل لواقع الناس حين يُدْعَوْنَ للإنفاق، وحين يُدْعَوْنَ لعمل الخير، فمنهم مَنْ يُعرض عنه، ويكون الإعراض على مراحل؛ أولاً يميل عنك بوجهه ويلوي رقبته، ثم يعطيك جنبه، ثم يبالغ فيدير لك ظهره.
وقد صور لنا القرآن هذا المشهد، فقال سبحانه في وصف عاقبة الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ.. [التوبة: ٣٤-٣٥].
هكذا يكون الجزاء من جنس العمل، وبنفس ترتيب الإعراض في الدنيا، يكون الكي في الآخرة هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٥].
إذن: الأعضاء التي اشتركتْ في الإعراض هي التي ستُكْوى، وعلى قَدْر الإعراض يتسع الكَيِّ.
ثم أراد الحق سبحانه أنْ يُدلل على أن محمداً لا يعلم الغيب، فقال: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] لأنه سبحانه سبق أنْ تكلم عن تَخَاصُم أهل النار، فقال: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] وقد أوضح سبحانه تخاصم الملأ الأعلى من الملائكة في المبدأ، حين قالوا للحق سبحانه: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.. [البقرة: ٣٠] هذا هو خصامهم، لا أنهم يتخاصمون كما يتخاصم البشر؛ لأن الله قال عنهم: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].
إنما سمَّى الحوار الذي دار بينه سبحانه وبين الملائكة (تخاصم)، فكأنهم يغارون على الله أنْ يخلق خَلْقاً آخر هم البشر يعصونه ويفسدون في الأرض، كما أفسدتْ الجنُّ من قبل.
ثم يُبيِّن سبحانه أن محمداً لا يعلم الغيب، إنما يخبره اللهُ به وَحْياً: إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] فالذي أعلمني بما سبق يعلمني بما هو آتٍ، وهذا تَرقٍّ في علم الغيب.
والغيب له ستار يحجبه عنا ستار يحجب الماضي وستار يحجب المستقبل، يحجب الماضي الزمن لأن الزمن القديم مثلاً لم يكن فيه تدوين لأحداثه، ولو كان فيه تدوين فهو تدوين مزيف، لأنه رأْى البشر فيما حدث، وآراء البشر لا بُدَّ أن تختلف.
كذلك يحجب المستقبل زمنَ المستقبل، فأنت لا تعلم ما سيحدث مستقبلاً، أما الحاضر الذي نعيشه فزمنه واحد لكن مكانه مختلف، فحجابه المكان، فأنت تعلم الآن ما يحدث في مكانك، لكنك لا تعلم ما يحدث في الأماكن الأخرى.
فالمعنى أن الذي أخبرني أولاً بأن الملائكة قالت كذا وكذا هو الذي أخبرني بتخاصم أهل النار، إذن: فهو حق.
وقال هنا أيضاً نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] أي: واضح، لأن الحديث ليس للمؤمنين أهل البشارة، إنما للمخالفين فناسبهم أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠].
وقال في سورة (النبأ): عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ [النبأ: ١-٢] ووصف بأنه عظيم لأنه سيترتب عليه أمران يتعلقان بالدنيا والآخرة. فإنْ كنتَ أخذت حظك في اتباع شهواتك في الدنيا، والدنيا لها نهاية، فستصْلَى في الآخرة ناراً لا نهاية لها.
وكان عليك أنْ تتنبه لهذه المسألة؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له أنْ يحدد غايته في الوجود، والغاية الحقيقية هي التي ليس بعدها بَعْد، أما الغاية التي بعدها بَعْد فليست بغاية، بل هي مرحلة تؤدي إلى ما بعدها، كالتلميذ ينجح في القبول مثلاً، فيؤدي به النجاح إلى الإعدادية، والنجاح في الإعدادية يؤدي به إلى الثانوية، والثانوية إلى الجامعة.
وهكذا حتى لو أخذ الدكتوراه فإنه ينتقل إلى ما بعدها من مراحل ثم الموت، حتى الموت ليس هو نهايةَ المطاف إنما بعده، إما إلى نار وإما إلى جنة، وهذه هي الغاية التي ليس بعدها بعد، لأنها باقية خالدة لا نهاية لها.
لذلك الحق سبحانه يُنبهنا إلى هذه الغاية (قل) يا محمد هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
وكلمة مُعرِض يعني: منصرف هي التي نقول عنها: فلان أعطاني عرض أكتافه يعني: مال عني وانصرف، وهذه الكلمة تمثيل لواقع الناس حين يُدْعَوْنَ للإنفاق، وحين يُدْعَوْنَ لعمل الخير، فمنهم مَنْ يُعرض عنه، ويكون الإعراض على مراحل؛ أولاً يميل عنك بوجهه ويلوي رقبته، ثم يعطيك جنبه، ثم يبالغ فيدير لك ظهره.
وقد صور لنا القرآن هذا المشهد، فقال سبحانه في وصف عاقبة الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ.. [التوبة: ٣٤-٣٥].
هكذا يكون الجزاء من جنس العمل، وبنفس ترتيب الإعراض في الدنيا، يكون الكي في الآخرة هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٥].
إذن: الأعضاء التي اشتركتْ في الإعراض هي التي ستُكْوى، وعلى قَدْر الإعراض يتسع الكَيِّ.
ثم أراد الحق سبحانه أنْ يُدلل على أن محمداً لا يعلم الغيب، فقال: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] لأنه سبحانه سبق أنْ تكلم عن تَخَاصُم أهل النار، فقال: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] وقد أوضح سبحانه تخاصم الملأ الأعلى من الملائكة في المبدأ، حين قالوا للحق سبحانه: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.. [البقرة: ٣٠] هذا هو خصامهم، لا أنهم يتخاصمون كما يتخاصم البشر؛ لأن الله قال عنهم: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].
إنما سمَّى الحوار الذي دار بينه سبحانه وبين الملائكة (تخاصم)، فكأنهم يغارون على الله أنْ يخلق خَلْقاً آخر هم البشر يعصونه ويفسدون في الأرض، كما أفسدتْ الجنُّ من قبل.
ثم يُبيِّن سبحانه أن محمداً لا يعلم الغيب، إنما يخبره اللهُ به وَحْياً: إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] فالذي أعلمني بما سبق يعلمني بما هو آتٍ، وهذا تَرقٍّ في علم الغيب.
والغيب له ستار يحجبه عنا ستار يحجب الماضي وستار يحجب المستقبل، يحجب الماضي الزمن لأن الزمن القديم مثلاً لم يكن فيه تدوين لأحداثه، ولو كان فيه تدوين فهو تدوين مزيف، لأنه رأْى البشر فيما حدث، وآراء البشر لا بُدَّ أن تختلف.
كذلك يحجب المستقبل زمنَ المستقبل، فأنت لا تعلم ما سيحدث مستقبلاً، أما الحاضر الذي نعيشه فزمنه واحد لكن مكانه مختلف، فحجابه المكان، فأنت تعلم الآن ما يحدث في مكانك، لكنك لا تعلم ما يحدث في الأماكن الأخرى.
فالمعنى أن الذي أخبرني أولاً بأن الملائكة قالت كذا وكذا هو الذي أخبرني بتخاصم أهل النار، إذن: فهو حق.
وقال هنا أيضاً نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] أي: واضح، لأن الحديث ليس للمؤمنين أهل البشارة، إنما للمخالفين فناسبهم أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠].
آية رقم ٦٨
ﮄﮅﮆ
ﮇ
معنى (نَبأ) هو الخبر الهام الذي وراءه حقائق لا يُكذِّبها الواقع.
وقال في سورة (النبأ): عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ [النبأ: ١-٢] ووصف بأنه عظيم لأنه سيترتب عليه أمران يتعلقان بالدنيا والآخرة. فإنْ كنتَ أخذت حظك في اتباع شهواتك في الدنيا، والدنيا لها نهاية، فستصْلَى في الآخرة ناراً لا نهاية لها.
وكان عليك أنْ تتنبه لهذه المسألة؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له أنْ يحدد غايته في الوجود، والغاية الحقيقية هي التي ليس بعدها بَعْد، أما الغاية التي بعدها بَعْد فليست بغاية، بل هي مرحلة تؤدي إلى ما بعدها، كالتلميذ ينجح في القبول مثلاً، فيؤدي به النجاح إلى الإعدادية، والنجاح في الإعدادية يؤدي به إلى الثانوية، والثانوية إلى الجامعة.
وهكذا حتى لو أخذ الدكتوراه فإنه ينتقل إلى ما بعدها من مراحل ثم الموت، حتى الموت ليس هو نهايةَ المطاف إنما بعده، إما إلى نار وإما إلى جنة، وهذه هي الغاية التي ليس بعدها بعد، لأنها باقية خالدة لا نهاية لها.
لذلك الحق سبحانه يُنبهنا إلى هذه الغاية (قل) يا محمد هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
وكلمة مُعرِض يعني: منصرف هي التي نقول عنها: فلان أعطاني عرض أكتافه يعني: مال عني وانصرف، وهذه الكلمة تمثيل لواقع الناس حين يُدْعَوْنَ للإنفاق، وحين يُدْعَوْنَ لعمل الخير، فمنهم مَنْ يُعرض عنه، ويكون الإعراض على مراحل؛ أولاً يميل عنك بوجهه ويلوي رقبته، ثم يعطيك جنبه، ثم يبالغ فيدير لك ظهره.
وقد صور لنا القرآن هذا المشهد، فقال سبحانه في وصف عاقبة الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ.. [التوبة: ٣٤-٣٥].
هكذا يكون الجزاء من جنس العمل، وبنفس ترتيب الإعراض في الدنيا، يكون الكي في الآخرة هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٥].
إذن: الأعضاء التي اشتركتْ في الإعراض هي التي ستُكْوى، وعلى قَدْر الإعراض يتسع الكَيِّ.
ثم أراد الحق سبحانه أنْ يُدلل على أن محمداً لا يعلم الغيب، فقال: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] لأنه سبحانه سبق أنْ تكلم عن تَخَاصُم أهل النار، فقال: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] وقد أوضح سبحانه تخاصم الملأ الأعلى من الملائكة في المبدأ، حين قالوا للحق سبحانه: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.. [البقرة: ٣٠] هذا هو خصامهم، لا أنهم يتخاصمون كما يتخاصم البشر؛ لأن الله قال عنهم: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].
إنما سمَّى الحوار الذي دار بينه سبحانه وبين الملائكة (تخاصم)، فكأنهم يغارون على الله أنْ يخلق خَلْقاً آخر هم البشر يعصونه ويفسدون في الأرض، كما أفسدتْ الجنُّ من قبل.
ثم يُبيِّن سبحانه أن محمداً لا يعلم الغيب، إنما يخبره اللهُ به وَحْياً: إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] فالذي أعلمني بما سبق يعلمني بما هو آتٍ، وهذا تَرقٍّ في علم الغيب.
والغيب له ستار يحجبه عنا ستار يحجب الماضي وستار يحجب المستقبل، يحجب الماضي الزمن لأن الزمن القديم مثلاً لم يكن فيه تدوين لأحداثه، ولو كان فيه تدوين فهو تدوين مزيف، لأنه رأْى البشر فيما حدث، وآراء البشر لا بُدَّ أن تختلف.
كذلك يحجب المستقبل زمنَ المستقبل، فأنت لا تعلم ما سيحدث مستقبلاً، أما الحاضر الذي نعيشه فزمنه واحد لكن مكانه مختلف، فحجابه المكان، فأنت تعلم الآن ما يحدث في مكانك، لكنك لا تعلم ما يحدث في الأماكن الأخرى.
فالمعنى أن الذي أخبرني أولاً بأن الملائكة قالت كذا وكذا هو الذي أخبرني بتخاصم أهل النار، إذن: فهو حق.
وقال هنا أيضاً نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] أي: واضح، لأن الحديث ليس للمؤمنين أهل البشارة، إنما للمخالفين فناسبهم أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠].
وقال في سورة (النبأ): عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ [النبأ: ١-٢] ووصف بأنه عظيم لأنه سيترتب عليه أمران يتعلقان بالدنيا والآخرة. فإنْ كنتَ أخذت حظك في اتباع شهواتك في الدنيا، والدنيا لها نهاية، فستصْلَى في الآخرة ناراً لا نهاية لها.
وكان عليك أنْ تتنبه لهذه المسألة؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له أنْ يحدد غايته في الوجود، والغاية الحقيقية هي التي ليس بعدها بَعْد، أما الغاية التي بعدها بَعْد فليست بغاية، بل هي مرحلة تؤدي إلى ما بعدها، كالتلميذ ينجح في القبول مثلاً، فيؤدي به النجاح إلى الإعدادية، والنجاح في الإعدادية يؤدي به إلى الثانوية، والثانوية إلى الجامعة.
وهكذا حتى لو أخذ الدكتوراه فإنه ينتقل إلى ما بعدها من مراحل ثم الموت، حتى الموت ليس هو نهايةَ المطاف إنما بعده، إما إلى نار وإما إلى جنة، وهذه هي الغاية التي ليس بعدها بعد، لأنها باقية خالدة لا نهاية لها.
لذلك الحق سبحانه يُنبهنا إلى هذه الغاية (قل) يا محمد هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
وكلمة مُعرِض يعني: منصرف هي التي نقول عنها: فلان أعطاني عرض أكتافه يعني: مال عني وانصرف، وهذه الكلمة تمثيل لواقع الناس حين يُدْعَوْنَ للإنفاق، وحين يُدْعَوْنَ لعمل الخير، فمنهم مَنْ يُعرض عنه، ويكون الإعراض على مراحل؛ أولاً يميل عنك بوجهه ويلوي رقبته، ثم يعطيك جنبه، ثم يبالغ فيدير لك ظهره.
وقد صور لنا القرآن هذا المشهد، فقال سبحانه في وصف عاقبة الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ.. [التوبة: ٣٤-٣٥].
هكذا يكون الجزاء من جنس العمل، وبنفس ترتيب الإعراض في الدنيا، يكون الكي في الآخرة هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٥].
إذن: الأعضاء التي اشتركتْ في الإعراض هي التي ستُكْوى، وعلى قَدْر الإعراض يتسع الكَيِّ.
ثم أراد الحق سبحانه أنْ يُدلل على أن محمداً لا يعلم الغيب، فقال: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] لأنه سبحانه سبق أنْ تكلم عن تَخَاصُم أهل النار، فقال: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] وقد أوضح سبحانه تخاصم الملأ الأعلى من الملائكة في المبدأ، حين قالوا للحق سبحانه: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.. [البقرة: ٣٠] هذا هو خصامهم، لا أنهم يتخاصمون كما يتخاصم البشر؛ لأن الله قال عنهم: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].
إنما سمَّى الحوار الذي دار بينه سبحانه وبين الملائكة (تخاصم)، فكأنهم يغارون على الله أنْ يخلق خَلْقاً آخر هم البشر يعصونه ويفسدون في الأرض، كما أفسدتْ الجنُّ من قبل.
ثم يُبيِّن سبحانه أن محمداً لا يعلم الغيب، إنما يخبره اللهُ به وَحْياً: إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] فالذي أعلمني بما سبق يعلمني بما هو آتٍ، وهذا تَرقٍّ في علم الغيب.
والغيب له ستار يحجبه عنا ستار يحجب الماضي وستار يحجب المستقبل، يحجب الماضي الزمن لأن الزمن القديم مثلاً لم يكن فيه تدوين لأحداثه، ولو كان فيه تدوين فهو تدوين مزيف، لأنه رأْى البشر فيما حدث، وآراء البشر لا بُدَّ أن تختلف.
كذلك يحجب المستقبل زمنَ المستقبل، فأنت لا تعلم ما سيحدث مستقبلاً، أما الحاضر الذي نعيشه فزمنه واحد لكن مكانه مختلف، فحجابه المكان، فأنت تعلم الآن ما يحدث في مكانك، لكنك لا تعلم ما يحدث في الأماكن الأخرى.
فالمعنى أن الذي أخبرني أولاً بأن الملائكة قالت كذا وكذا هو الذي أخبرني بتخاصم أهل النار، إذن: فهو حق.
وقال هنا أيضاً نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] أي: واضح، لأن الحديث ليس للمؤمنين أهل البشارة، إنما للمخالفين فناسبهم أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠].
آية رقم ٦٩
معنى (نَبأ) هو الخبر الهام الذي وراءه حقائق لا يُكذِّبها الواقع.
وقال في سورة (النبأ): عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ [النبأ: ١-٢] ووصف بأنه عظيم لأنه سيترتب عليه أمران يتعلقان بالدنيا والآخرة. فإنْ كنتَ أخذت حظك في اتباع شهواتك في الدنيا، والدنيا لها نهاية، فستصْلَى في الآخرة ناراً لا نهاية لها.
وكان عليك أنْ تتنبه لهذه المسألة؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له أنْ يحدد غايته في الوجود، والغاية الحقيقية هي التي ليس بعدها بَعْد، أما الغاية التي بعدها بَعْد فليست بغاية، بل هي مرحلة تؤدي إلى ما بعدها، كالتلميذ ينجح في القبول مثلاً، فيؤدي به النجاح إلى الإعدادية، والنجاح في الإعدادية يؤدي به إلى الثانوية، والثانوية إلى الجامعة.
وهكذا حتى لو أخذ الدكتوراه فإنه ينتقل إلى ما بعدها من مراحل ثم الموت، حتى الموت ليس هو نهايةَ المطاف إنما بعده، إما إلى نار وإما إلى جنة، وهذه هي الغاية التي ليس بعدها بعد، لأنها باقية خالدة لا نهاية لها.
لذلك الحق سبحانه يُنبهنا إلى هذه الغاية (قل) يا محمد هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
وكلمة مُعرِض يعني: منصرف هي التي نقول عنها: فلان أعطاني عرض أكتافه يعني: مال عني وانصرف، وهذه الكلمة تمثيل لواقع الناس حين يُدْعَوْنَ للإنفاق، وحين يُدْعَوْنَ لعمل الخير، فمنهم مَنْ يُعرض عنه، ويكون الإعراض على مراحل؛ أولاً يميل عنك بوجهه ويلوي رقبته، ثم يعطيك جنبه، ثم يبالغ فيدير لك ظهره.
وقد صور لنا القرآن هذا المشهد، فقال سبحانه في وصف عاقبة الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ.. [التوبة: ٣٤-٣٥].
هكذا يكون الجزاء من جنس العمل، وبنفس ترتيب الإعراض في الدنيا، يكون الكي في الآخرة هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٥].
إذن: الأعضاء التي اشتركتْ في الإعراض هي التي ستُكْوى، وعلى قَدْر الإعراض يتسع الكَيِّ.
ثم أراد الحق سبحانه أنْ يُدلل على أن محمداً لا يعلم الغيب، فقال: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] لأنه سبحانه سبق أنْ تكلم عن تَخَاصُم أهل النار، فقال: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] وقد أوضح سبحانه تخاصم الملأ الأعلى من الملائكة في المبدأ، حين قالوا للحق سبحانه: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.. [البقرة: ٣٠] هذا هو خصامهم، لا أنهم يتخاصمون كما يتخاصم البشر؛ لأن الله قال عنهم: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].
إنما سمَّى الحوار الذي دار بينه سبحانه وبين الملائكة (تخاصم)، فكأنهم يغارون على الله أنْ يخلق خَلْقاً آخر هم البشر يعصونه ويفسدون في الأرض، كما أفسدتْ الجنُّ من قبل.
ثم يُبيِّن سبحانه أن محمداً لا يعلم الغيب، إنما يخبره اللهُ به وَحْياً: إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] فالذي أعلمني بما سبق يعلمني بما هو آتٍ، وهذا تَرقٍّ في علم الغيب.
والغيب له ستار يحجبه عنا ستار يحجب الماضي وستار يحجب المستقبل، يحجب الماضي الزمن لأن الزمن القديم مثلاً لم يكن فيه تدوين لأحداثه، ولو كان فيه تدوين فهو تدوين مزيف، لأنه رأْى البشر فيما حدث، وآراء البشر لا بُدَّ أن تختلف.
كذلك يحجب المستقبل زمنَ المستقبل، فأنت لا تعلم ما سيحدث مستقبلاً، أما الحاضر الذي نعيشه فزمنه واحد لكن مكانه مختلف، فحجابه المكان، فأنت تعلم الآن ما يحدث في مكانك، لكنك لا تعلم ما يحدث في الأماكن الأخرى.
فالمعنى أن الذي أخبرني أولاً بأن الملائكة قالت كذا وكذا هو الذي أخبرني بتخاصم أهل النار، إذن: فهو حق.
وقال هنا أيضاً نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] أي: واضح، لأن الحديث ليس للمؤمنين أهل البشارة، إنما للمخالفين فناسبهم أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠].
وقال في سورة (النبأ): عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ [النبأ: ١-٢] ووصف بأنه عظيم لأنه سيترتب عليه أمران يتعلقان بالدنيا والآخرة. فإنْ كنتَ أخذت حظك في اتباع شهواتك في الدنيا، والدنيا لها نهاية، فستصْلَى في الآخرة ناراً لا نهاية لها.
وكان عليك أنْ تتنبه لهذه المسألة؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له أنْ يحدد غايته في الوجود، والغاية الحقيقية هي التي ليس بعدها بَعْد، أما الغاية التي بعدها بَعْد فليست بغاية، بل هي مرحلة تؤدي إلى ما بعدها، كالتلميذ ينجح في القبول مثلاً، فيؤدي به النجاح إلى الإعدادية، والنجاح في الإعدادية يؤدي به إلى الثانوية، والثانوية إلى الجامعة.
وهكذا حتى لو أخذ الدكتوراه فإنه ينتقل إلى ما بعدها من مراحل ثم الموت، حتى الموت ليس هو نهايةَ المطاف إنما بعده، إما إلى نار وإما إلى جنة، وهذه هي الغاية التي ليس بعدها بعد، لأنها باقية خالدة لا نهاية لها.
لذلك الحق سبحانه يُنبهنا إلى هذه الغاية (قل) يا محمد هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
وكلمة مُعرِض يعني: منصرف هي التي نقول عنها: فلان أعطاني عرض أكتافه يعني: مال عني وانصرف، وهذه الكلمة تمثيل لواقع الناس حين يُدْعَوْنَ للإنفاق، وحين يُدْعَوْنَ لعمل الخير، فمنهم مَنْ يُعرض عنه، ويكون الإعراض على مراحل؛ أولاً يميل عنك بوجهه ويلوي رقبته، ثم يعطيك جنبه، ثم يبالغ فيدير لك ظهره.
وقد صور لنا القرآن هذا المشهد، فقال سبحانه في وصف عاقبة الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ.. [التوبة: ٣٤-٣٥].
هكذا يكون الجزاء من جنس العمل، وبنفس ترتيب الإعراض في الدنيا، يكون الكي في الآخرة هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٥].
إذن: الأعضاء التي اشتركتْ في الإعراض هي التي ستُكْوى، وعلى قَدْر الإعراض يتسع الكَيِّ.
ثم أراد الحق سبحانه أنْ يُدلل على أن محمداً لا يعلم الغيب، فقال: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] لأنه سبحانه سبق أنْ تكلم عن تَخَاصُم أهل النار، فقال: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] وقد أوضح سبحانه تخاصم الملأ الأعلى من الملائكة في المبدأ، حين قالوا للحق سبحانه: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.. [البقرة: ٣٠] هذا هو خصامهم، لا أنهم يتخاصمون كما يتخاصم البشر؛ لأن الله قال عنهم: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].
إنما سمَّى الحوار الذي دار بينه سبحانه وبين الملائكة (تخاصم)، فكأنهم يغارون على الله أنْ يخلق خَلْقاً آخر هم البشر يعصونه ويفسدون في الأرض، كما أفسدتْ الجنُّ من قبل.
ثم يُبيِّن سبحانه أن محمداً لا يعلم الغيب، إنما يخبره اللهُ به وَحْياً: إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] فالذي أعلمني بما سبق يعلمني بما هو آتٍ، وهذا تَرقٍّ في علم الغيب.
والغيب له ستار يحجبه عنا ستار يحجب الماضي وستار يحجب المستقبل، يحجب الماضي الزمن لأن الزمن القديم مثلاً لم يكن فيه تدوين لأحداثه، ولو كان فيه تدوين فهو تدوين مزيف، لأنه رأْى البشر فيما حدث، وآراء البشر لا بُدَّ أن تختلف.
كذلك يحجب المستقبل زمنَ المستقبل، فأنت لا تعلم ما سيحدث مستقبلاً، أما الحاضر الذي نعيشه فزمنه واحد لكن مكانه مختلف، فحجابه المكان، فأنت تعلم الآن ما يحدث في مكانك، لكنك لا تعلم ما يحدث في الأماكن الأخرى.
فالمعنى أن الذي أخبرني أولاً بأن الملائكة قالت كذا وكذا هو الذي أخبرني بتخاصم أهل النار، إذن: فهو حق.
وقال هنا أيضاً نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] أي: واضح، لأن الحديث ليس للمؤمنين أهل البشارة، إنما للمخالفين فناسبهم أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠].
آية رقم ٧٠
معنى (نَبأ) هو الخبر الهام الذي وراءه حقائق لا يُكذِّبها الواقع.
وقال في سورة (النبأ): عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ [النبأ: ١-٢] ووصف بأنه عظيم لأنه سيترتب عليه أمران يتعلقان بالدنيا والآخرة. فإنْ كنتَ أخذت حظك في اتباع شهواتك في الدنيا، والدنيا لها نهاية، فستصْلَى في الآخرة ناراً لا نهاية لها.
وكان عليك أنْ تتنبه لهذه المسألة؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له أنْ يحدد غايته في الوجود، والغاية الحقيقية هي التي ليس بعدها بَعْد، أما الغاية التي بعدها بَعْد فليست بغاية، بل هي مرحلة تؤدي إلى ما بعدها، كالتلميذ ينجح في القبول مثلاً، فيؤدي به النجاح إلى الإعدادية، والنجاح في الإعدادية يؤدي به إلى الثانوية، والثانوية إلى الجامعة.
وهكذا حتى لو أخذ الدكتوراه فإنه ينتقل إلى ما بعدها من مراحل ثم الموت، حتى الموت ليس هو نهايةَ المطاف إنما بعده، إما إلى نار وإما إلى جنة، وهذه هي الغاية التي ليس بعدها بعد، لأنها باقية خالدة لا نهاية لها.
لذلك الحق سبحانه يُنبهنا إلى هذه الغاية (قل) يا محمد هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
وكلمة مُعرِض يعني: منصرف هي التي نقول عنها: فلان أعطاني عرض أكتافه يعني: مال عني وانصرف، وهذه الكلمة تمثيل لواقع الناس حين يُدْعَوْنَ للإنفاق، وحين يُدْعَوْنَ لعمل الخير، فمنهم مَنْ يُعرض عنه، ويكون الإعراض على مراحل؛ أولاً يميل عنك بوجهه ويلوي رقبته، ثم يعطيك جنبه، ثم يبالغ فيدير لك ظهره.
وقد صور لنا القرآن هذا المشهد، فقال سبحانه في وصف عاقبة الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ.. [التوبة: ٣٤-٣٥].
هكذا يكون الجزاء من جنس العمل، وبنفس ترتيب الإعراض في الدنيا، يكون الكي في الآخرة هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٥].
إذن: الأعضاء التي اشتركتْ في الإعراض هي التي ستُكْوى، وعلى قَدْر الإعراض يتسع الكَيِّ.
ثم أراد الحق سبحانه أنْ يُدلل على أن محمداً لا يعلم الغيب، فقال: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] لأنه سبحانه سبق أنْ تكلم عن تَخَاصُم أهل النار، فقال: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] وقد أوضح سبحانه تخاصم الملأ الأعلى من الملائكة في المبدأ، حين قالوا للحق سبحانه: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.. [البقرة: ٣٠] هذا هو خصامهم، لا أنهم يتخاصمون كما يتخاصم البشر؛ لأن الله قال عنهم: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].
إنما سمَّى الحوار الذي دار بينه سبحانه وبين الملائكة (تخاصم)، فكأنهم يغارون على الله أنْ يخلق خَلْقاً آخر هم البشر يعصونه ويفسدون في الأرض، كما أفسدتْ الجنُّ من قبل.
ثم يُبيِّن سبحانه أن محمداً لا يعلم الغيب، إنما يخبره اللهُ به وَحْياً: إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] فالذي أعلمني بما سبق يعلمني بما هو آتٍ، وهذا تَرقٍّ في علم الغيب.
والغيب له ستار يحجبه عنا ستار يحجب الماضي وستار يحجب المستقبل، يحجب الماضي الزمن لأن الزمن القديم مثلاً لم يكن فيه تدوين لأحداثه، ولو كان فيه تدوين فهو تدوين مزيف، لأنه رأْى البشر فيما حدث، وآراء البشر لا بُدَّ أن تختلف.
كذلك يحجب المستقبل زمنَ المستقبل، فأنت لا تعلم ما سيحدث مستقبلاً، أما الحاضر الذي نعيشه فزمنه واحد لكن مكانه مختلف، فحجابه المكان، فأنت تعلم الآن ما يحدث في مكانك، لكنك لا تعلم ما يحدث في الأماكن الأخرى.
فالمعنى أن الذي أخبرني أولاً بأن الملائكة قالت كذا وكذا هو الذي أخبرني بتخاصم أهل النار، إذن: فهو حق.
وقال هنا أيضاً نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] أي: واضح، لأن الحديث ليس للمؤمنين أهل البشارة، إنما للمخالفين فناسبهم أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠].
وقال في سورة (النبأ): عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ [النبأ: ١-٢] ووصف بأنه عظيم لأنه سيترتب عليه أمران يتعلقان بالدنيا والآخرة. فإنْ كنتَ أخذت حظك في اتباع شهواتك في الدنيا، والدنيا لها نهاية، فستصْلَى في الآخرة ناراً لا نهاية لها.
وكان عليك أنْ تتنبه لهذه المسألة؛ لأن الإنسان لا بُدَّ له أنْ يحدد غايته في الوجود، والغاية الحقيقية هي التي ليس بعدها بَعْد، أما الغاية التي بعدها بَعْد فليست بغاية، بل هي مرحلة تؤدي إلى ما بعدها، كالتلميذ ينجح في القبول مثلاً، فيؤدي به النجاح إلى الإعدادية، والنجاح في الإعدادية يؤدي به إلى الثانوية، والثانوية إلى الجامعة.
وهكذا حتى لو أخذ الدكتوراه فإنه ينتقل إلى ما بعدها من مراحل ثم الموت، حتى الموت ليس هو نهايةَ المطاف إنما بعده، إما إلى نار وإما إلى جنة، وهذه هي الغاية التي ليس بعدها بعد، لأنها باقية خالدة لا نهاية لها.
لذلك الحق سبحانه يُنبهنا إلى هذه الغاية (قل) يا محمد هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
وكلمة مُعرِض يعني: منصرف هي التي نقول عنها: فلان أعطاني عرض أكتافه يعني: مال عني وانصرف، وهذه الكلمة تمثيل لواقع الناس حين يُدْعَوْنَ للإنفاق، وحين يُدْعَوْنَ لعمل الخير، فمنهم مَنْ يُعرض عنه، ويكون الإعراض على مراحل؛ أولاً يميل عنك بوجهه ويلوي رقبته، ثم يعطيك جنبه، ثم يبالغ فيدير لك ظهره.
وقد صور لنا القرآن هذا المشهد، فقال سبحانه في وصف عاقبة الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله: وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ.. [التوبة: ٣٤-٣٥].
هكذا يكون الجزاء من جنس العمل، وبنفس ترتيب الإعراض في الدنيا، يكون الكي في الآخرة هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: ٣٥].
إذن: الأعضاء التي اشتركتْ في الإعراض هي التي ستُكْوى، وعلى قَدْر الإعراض يتسع الكَيِّ.
ثم أراد الحق سبحانه أنْ يُدلل على أن محمداً لا يعلم الغيب، فقال: مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ص: ٦٩] لأنه سبحانه سبق أنْ تكلم عن تَخَاصُم أهل النار، فقال: إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ [ص: ٦٤] وقد أوضح سبحانه تخاصم الملأ الأعلى من الملائكة في المبدأ، حين قالوا للحق سبحانه: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.. [البقرة: ٣٠] هذا هو خصامهم، لا أنهم يتخاصمون كما يتخاصم البشر؛ لأن الله قال عنهم: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٦-٢٧].
إنما سمَّى الحوار الذي دار بينه سبحانه وبين الملائكة (تخاصم)، فكأنهم يغارون على الله أنْ يخلق خَلْقاً آخر هم البشر يعصونه ويفسدون في الأرض، كما أفسدتْ الجنُّ من قبل.
ثم يُبيِّن سبحانه أن محمداً لا يعلم الغيب، إنما يخبره اللهُ به وَحْياً: إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] فالذي أعلمني بما سبق يعلمني بما هو آتٍ، وهذا تَرقٍّ في علم الغيب.
والغيب له ستار يحجبه عنا ستار يحجب الماضي وستار يحجب المستقبل، يحجب الماضي الزمن لأن الزمن القديم مثلاً لم يكن فيه تدوين لأحداثه، ولو كان فيه تدوين فهو تدوين مزيف، لأنه رأْى البشر فيما حدث، وآراء البشر لا بُدَّ أن تختلف.
كذلك يحجب المستقبل زمنَ المستقبل، فأنت لا تعلم ما سيحدث مستقبلاً، أما الحاضر الذي نعيشه فزمنه واحد لكن مكانه مختلف، فحجابه المكان، فأنت تعلم الآن ما يحدث في مكانك، لكنك لا تعلم ما يحدث في الأماكن الأخرى.
فالمعنى أن الذي أخبرني أولاً بأن الملائكة قالت كذا وكذا هو الذي أخبرني بتخاصم أهل النار، إذن: فهو حق.
وقال هنا أيضاً نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠] أي: واضح، لأن الحديث ليس للمؤمنين أهل البشارة، إنما للمخالفين فناسبهم أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [ص: ٧٠].
آية رقم ٧١
هذا الكلام جاء من الحق - سبحانه وتعالى - للملائكة على سبيل الإخبار، لكن فهموا هم أنه استشارة، وأن الخالق سبحانه يستشيرهم في مسألة خَلق الإنسان؛ لذلك قالوا ما قالوه، وكان عليهم أنْ يتنبهوا إلى أن المسألة مبتوتٌ فيها، وأنها قضية منتهية؛ لأن الله أخبر بها بقوله: إِنِّي خَالِقٌ.. [ص: ٧١] هكذا بلفظ التوكيد.
وهنا لا بُدَّ أنْ نشيرَ إلى أن البعض يحاول الاستدراك على كلام الله في مسألة خَلْق الإنسان من طين، يقولون: إن القرآن قال مرة: من طين. ومرة: من ماء. ومرة: من حمأ مسنون. ومرة: من صلصال، والواقع أن هذه مراحل للشيء الواحد وليست اختلاف بدايات مأخوذ منها، فالتراب حين يوضع على الماء يصير طيناً، فإذا تُرِكَ الطين حتى عطن وتغيَّرت رائحته، فهو الحمأ المسنون، فإذا جَفَّ وتصلَّب فهو صَلْصَال كالفخار.
ولما خلق الله الإنسان خلقه من الطين، بمعنى أنه جامع لكل عناصر التربة السوداء والصفراء والرملية.. إلخ وقد توصَّل العلماء إلى أن هذه التربة هي الصالحة للزراعة، لأن الطينة أو التربة إنْ كانت متماسكة تمسك الماء تحت الجذر فيمور ويذبل النبات، وإن كانت رملية تسرب فيها الماء قبل أنْ يمتصَّه النبات.
إذن: نحتاج إلى تربة بين بين، بحيث تمسك الماء بالقدر الذي يتيح للنبات أنْ يستفيد منه ويمتص عناصر الغذاء، ثم يتسرَّب الباقي فلا يضر بالجذور.
كما توصل العلماء إلى أن عناصر جسم الإنسان عبارة عن ١٦ عنصراً، تبدأ بالأكسوجين بنسبة ٦٧% وهي أعلى نسبة وتنتهي بالمنجنيز. وأن الطين يحتوي على نفس هذه العناصر الستة عشر، وهذا يثبت صدْق الحق سبحانه في خلْق الإنسان من الطين.
ومعنى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. [ص: ٧٢] يعني: صوَّرْتُ قالبه وشكله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي.. [ص: ٧٢] يعني يصير مخلوقاً كاملاً تدبّ فيه الحياة ويتحرك فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [ص: ٧٢] أي: خرّوا ساجدين، ليس سجودَ عبادة، إنما سجود طاعة لصاحب الأمر بالسجود.
إذن: سجود الملائكة لم يكن لآدم ذاته، إنما كان لله الذي خلق آدم وأمر الملائكة أنْ تسجدَ له، ومعنى تسجد له كما تقول: أنا أسجد للقبْلة، فالسجود ليس للقبلة ذاتها إنما ناحيتها. فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ [ص: ٧٣-٧٤].
وهنا لا بُدَّ أنْ نشيرَ إلى أن البعض يحاول الاستدراك على كلام الله في مسألة خَلْق الإنسان من طين، يقولون: إن القرآن قال مرة: من طين. ومرة: من ماء. ومرة: من حمأ مسنون. ومرة: من صلصال، والواقع أن هذه مراحل للشيء الواحد وليست اختلاف بدايات مأخوذ منها، فالتراب حين يوضع على الماء يصير طيناً، فإذا تُرِكَ الطين حتى عطن وتغيَّرت رائحته، فهو الحمأ المسنون، فإذا جَفَّ وتصلَّب فهو صَلْصَال كالفخار.
ولما خلق الله الإنسان خلقه من الطين، بمعنى أنه جامع لكل عناصر التربة السوداء والصفراء والرملية.. إلخ وقد توصَّل العلماء إلى أن هذه التربة هي الصالحة للزراعة، لأن الطينة أو التربة إنْ كانت متماسكة تمسك الماء تحت الجذر فيمور ويذبل النبات، وإن كانت رملية تسرب فيها الماء قبل أنْ يمتصَّه النبات.
إذن: نحتاج إلى تربة بين بين، بحيث تمسك الماء بالقدر الذي يتيح للنبات أنْ يستفيد منه ويمتص عناصر الغذاء، ثم يتسرَّب الباقي فلا يضر بالجذور.
كما توصل العلماء إلى أن عناصر جسم الإنسان عبارة عن ١٦ عنصراً، تبدأ بالأكسوجين بنسبة ٦٧% وهي أعلى نسبة وتنتهي بالمنجنيز. وأن الطين يحتوي على نفس هذه العناصر الستة عشر، وهذا يثبت صدْق الحق سبحانه في خلْق الإنسان من الطين.
ومعنى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. [ص: ٧٢] يعني: صوَّرْتُ قالبه وشكله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي.. [ص: ٧٢] يعني يصير مخلوقاً كاملاً تدبّ فيه الحياة ويتحرك فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [ص: ٧٢] أي: خرّوا ساجدين، ليس سجودَ عبادة، إنما سجود طاعة لصاحب الأمر بالسجود.
إذن: سجود الملائكة لم يكن لآدم ذاته، إنما كان لله الذي خلق آدم وأمر الملائكة أنْ تسجدَ له، ومعنى تسجد له كما تقول: أنا أسجد للقبْلة، فالسجود ليس للقبلة ذاتها إنما ناحيتها. فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ [ص: ٧٣-٧٤].
آية رقم ٧٢
هذا الكلام جاء من الحق - سبحانه وتعالى - للملائكة على سبيل الإخبار، لكن فهموا هم أنه استشارة، وأن الخالق سبحانه يستشيرهم في مسألة خَلق الإنسان؛ لذلك قالوا ما قالوه، وكان عليهم أنْ يتنبهوا إلى أن المسألة مبتوتٌ فيها، وأنها قضية منتهية؛ لأن الله أخبر بها بقوله: إِنِّي خَالِقٌ.. [ص: ٧١] هكذا بلفظ التوكيد.
وهنا لا بُدَّ أنْ نشيرَ إلى أن البعض يحاول الاستدراك على كلام الله في مسألة خَلْق الإنسان من طين، يقولون: إن القرآن قال مرة: من طين. ومرة: من ماء. ومرة: من حمأ مسنون. ومرة: من صلصال، والواقع أن هذه مراحل للشيء الواحد وليست اختلاف بدايات مأخوذ منها، فالتراب حين يوضع على الماء يصير طيناً، فإذا تُرِكَ الطين حتى عطن وتغيَّرت رائحته، فهو الحمأ المسنون، فإذا جَفَّ وتصلَّب فهو صَلْصَال كالفخار.
ولما خلق الله الإنسان خلقه من الطين، بمعنى أنه جامع لكل عناصر التربة السوداء والصفراء والرملية.. إلخ وقد توصَّل العلماء إلى أن هذه التربة هي الصالحة للزراعة، لأن الطينة أو التربة إنْ كانت متماسكة تمسك الماء تحت الجذر فيمور ويذبل النبات، وإن كانت رملية تسرب فيها الماء قبل أنْ يمتصَّه النبات.
إذن: نحتاج إلى تربة بين بين، بحيث تمسك الماء بالقدر الذي يتيح للنبات أنْ يستفيد منه ويمتص عناصر الغذاء، ثم يتسرَّب الباقي فلا يضر بالجذور.
كما توصل العلماء إلى أن عناصر جسم الإنسان عبارة عن ١٦ عنصراً، تبدأ بالأكسوجين بنسبة ٦٧% وهي أعلى نسبة وتنتهي بالمنجنيز. وأن الطين يحتوي على نفس هذه العناصر الستة عشر، وهذا يثبت صدْق الحق سبحانه في خلْق الإنسان من الطين.
ومعنى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. [ص: ٧٢] يعني: صوَّرْتُ قالبه وشكله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي.. [ص: ٧٢] يعني يصير مخلوقاً كاملاً تدبّ فيه الحياة ويتحرك فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [ص: ٧٢] أي: خرّوا ساجدين، ليس سجودَ عبادة، إنما سجود طاعة لصاحب الأمر بالسجود.
إذن: سجود الملائكة لم يكن لآدم ذاته، إنما كان لله الذي خلق آدم وأمر الملائكة أنْ تسجدَ له، ومعنى تسجد له كما تقول: أنا أسجد للقبْلة، فالسجود ليس للقبلة ذاتها إنما ناحيتها. فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ [ص: ٧٣-٧٤].
وهنا لا بُدَّ أنْ نشيرَ إلى أن البعض يحاول الاستدراك على كلام الله في مسألة خَلْق الإنسان من طين، يقولون: إن القرآن قال مرة: من طين. ومرة: من ماء. ومرة: من حمأ مسنون. ومرة: من صلصال، والواقع أن هذه مراحل للشيء الواحد وليست اختلاف بدايات مأخوذ منها، فالتراب حين يوضع على الماء يصير طيناً، فإذا تُرِكَ الطين حتى عطن وتغيَّرت رائحته، فهو الحمأ المسنون، فإذا جَفَّ وتصلَّب فهو صَلْصَال كالفخار.
ولما خلق الله الإنسان خلقه من الطين، بمعنى أنه جامع لكل عناصر التربة السوداء والصفراء والرملية.. إلخ وقد توصَّل العلماء إلى أن هذه التربة هي الصالحة للزراعة، لأن الطينة أو التربة إنْ كانت متماسكة تمسك الماء تحت الجذر فيمور ويذبل النبات، وإن كانت رملية تسرب فيها الماء قبل أنْ يمتصَّه النبات.
إذن: نحتاج إلى تربة بين بين، بحيث تمسك الماء بالقدر الذي يتيح للنبات أنْ يستفيد منه ويمتص عناصر الغذاء، ثم يتسرَّب الباقي فلا يضر بالجذور.
كما توصل العلماء إلى أن عناصر جسم الإنسان عبارة عن ١٦ عنصراً، تبدأ بالأكسوجين بنسبة ٦٧% وهي أعلى نسبة وتنتهي بالمنجنيز. وأن الطين يحتوي على نفس هذه العناصر الستة عشر، وهذا يثبت صدْق الحق سبحانه في خلْق الإنسان من الطين.
ومعنى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. [ص: ٧٢] يعني: صوَّرْتُ قالبه وشكله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي.. [ص: ٧٢] يعني يصير مخلوقاً كاملاً تدبّ فيه الحياة ويتحرك فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [ص: ٧٢] أي: خرّوا ساجدين، ليس سجودَ عبادة، إنما سجود طاعة لصاحب الأمر بالسجود.
إذن: سجود الملائكة لم يكن لآدم ذاته، إنما كان لله الذي خلق آدم وأمر الملائكة أنْ تسجدَ له، ومعنى تسجد له كما تقول: أنا أسجد للقبْلة، فالسجود ليس للقبلة ذاتها إنما ناحيتها. فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ [ص: ٧٣-٧٤].
آية رقم ٧٣
ﮯﮰﮱﯓ
ﯔ
هذا الكلام جاء من الحق - سبحانه وتعالى - للملائكة على سبيل الإخبار، لكن فهموا هم أنه استشارة، وأن الخالق سبحانه يستشيرهم في مسألة خَلق الإنسان؛ لذلك قالوا ما قالوه، وكان عليهم أنْ يتنبهوا إلى أن المسألة مبتوتٌ فيها، وأنها قضية منتهية؛ لأن الله أخبر بها بقوله: إِنِّي خَالِقٌ.. [ص: ٧١] هكذا بلفظ التوكيد.
وهنا لا بُدَّ أنْ نشيرَ إلى أن البعض يحاول الاستدراك على كلام الله في مسألة خَلْق الإنسان من طين، يقولون: إن القرآن قال مرة: من طين. ومرة: من ماء. ومرة: من حمأ مسنون. ومرة: من صلصال، والواقع أن هذه مراحل للشيء الواحد وليست اختلاف بدايات مأخوذ منها، فالتراب حين يوضع على الماء يصير طيناً، فإذا تُرِكَ الطين حتى عطن وتغيَّرت رائحته، فهو الحمأ المسنون، فإذا جَفَّ وتصلَّب فهو صَلْصَال كالفخار.
ولما خلق الله الإنسان خلقه من الطين، بمعنى أنه جامع لكل عناصر التربة السوداء والصفراء والرملية.. إلخ وقد توصَّل العلماء إلى أن هذه التربة هي الصالحة للزراعة، لأن الطينة أو التربة إنْ كانت متماسكة تمسك الماء تحت الجذر فيمور ويذبل النبات، وإن كانت رملية تسرب فيها الماء قبل أنْ يمتصَّه النبات.
إذن: نحتاج إلى تربة بين بين، بحيث تمسك الماء بالقدر الذي يتيح للنبات أنْ يستفيد منه ويمتص عناصر الغذاء، ثم يتسرَّب الباقي فلا يضر بالجذور.
كما توصل العلماء إلى أن عناصر جسم الإنسان عبارة عن ١٦ عنصراً، تبدأ بالأكسوجين بنسبة ٦٧% وهي أعلى نسبة وتنتهي بالمنجنيز. وأن الطين يحتوي على نفس هذه العناصر الستة عشر، وهذا يثبت صدْق الحق سبحانه في خلْق الإنسان من الطين.
ومعنى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. [ص: ٧٢] يعني: صوَّرْتُ قالبه وشكله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي.. [ص: ٧٢] يعني يصير مخلوقاً كاملاً تدبّ فيه الحياة ويتحرك فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [ص: ٧٢] أي: خرّوا ساجدين، ليس سجودَ عبادة، إنما سجود طاعة لصاحب الأمر بالسجود.
إذن: سجود الملائكة لم يكن لآدم ذاته، إنما كان لله الذي خلق آدم وأمر الملائكة أنْ تسجدَ له، ومعنى تسجد له كما تقول: أنا أسجد للقبْلة، فالسجود ليس للقبلة ذاتها إنما ناحيتها. فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ [ص: ٧٣-٧٤].
وهنا لا بُدَّ أنْ نشيرَ إلى أن البعض يحاول الاستدراك على كلام الله في مسألة خَلْق الإنسان من طين، يقولون: إن القرآن قال مرة: من طين. ومرة: من ماء. ومرة: من حمأ مسنون. ومرة: من صلصال، والواقع أن هذه مراحل للشيء الواحد وليست اختلاف بدايات مأخوذ منها، فالتراب حين يوضع على الماء يصير طيناً، فإذا تُرِكَ الطين حتى عطن وتغيَّرت رائحته، فهو الحمأ المسنون، فإذا جَفَّ وتصلَّب فهو صَلْصَال كالفخار.
ولما خلق الله الإنسان خلقه من الطين، بمعنى أنه جامع لكل عناصر التربة السوداء والصفراء والرملية.. إلخ وقد توصَّل العلماء إلى أن هذه التربة هي الصالحة للزراعة، لأن الطينة أو التربة إنْ كانت متماسكة تمسك الماء تحت الجذر فيمور ويذبل النبات، وإن كانت رملية تسرب فيها الماء قبل أنْ يمتصَّه النبات.
إذن: نحتاج إلى تربة بين بين، بحيث تمسك الماء بالقدر الذي يتيح للنبات أنْ يستفيد منه ويمتص عناصر الغذاء، ثم يتسرَّب الباقي فلا يضر بالجذور.
كما توصل العلماء إلى أن عناصر جسم الإنسان عبارة عن ١٦ عنصراً، تبدأ بالأكسوجين بنسبة ٦٧% وهي أعلى نسبة وتنتهي بالمنجنيز. وأن الطين يحتوي على نفس هذه العناصر الستة عشر، وهذا يثبت صدْق الحق سبحانه في خلْق الإنسان من الطين.
ومعنى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. [ص: ٧٢] يعني: صوَّرْتُ قالبه وشكله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي.. [ص: ٧٢] يعني يصير مخلوقاً كاملاً تدبّ فيه الحياة ويتحرك فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [ص: ٧٢] أي: خرّوا ساجدين، ليس سجودَ عبادة، إنما سجود طاعة لصاحب الأمر بالسجود.
إذن: سجود الملائكة لم يكن لآدم ذاته، إنما كان لله الذي خلق آدم وأمر الملائكة أنْ تسجدَ له، ومعنى تسجد له كما تقول: أنا أسجد للقبْلة، فالسجود ليس للقبلة ذاتها إنما ناحيتها. فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ [ص: ٧٣-٧٤].
آية رقم ٧٤
ﯕﯖﯗﯘﯙﯚ
ﯛ
هذا الكلام جاء من الحق - سبحانه وتعالى - للملائكة على سبيل الإخبار، لكن فهموا هم أنه استشارة، وأن الخالق سبحانه يستشيرهم في مسألة خَلق الإنسان؛ لذلك قالوا ما قالوه، وكان عليهم أنْ يتنبهوا إلى أن المسألة مبتوتٌ فيها، وأنها قضية منتهية؛ لأن الله أخبر بها بقوله: إِنِّي خَالِقٌ.. [ص: ٧١] هكذا بلفظ التوكيد.
وهنا لا بُدَّ أنْ نشيرَ إلى أن البعض يحاول الاستدراك على كلام الله في مسألة خَلْق الإنسان من طين، يقولون: إن القرآن قال مرة: من طين. ومرة: من ماء. ومرة: من حمأ مسنون. ومرة: من صلصال، والواقع أن هذه مراحل للشيء الواحد وليست اختلاف بدايات مأخوذ منها، فالتراب حين يوضع على الماء يصير طيناً، فإذا تُرِكَ الطين حتى عطن وتغيَّرت رائحته، فهو الحمأ المسنون، فإذا جَفَّ وتصلَّب فهو صَلْصَال كالفخار.
ولما خلق الله الإنسان خلقه من الطين، بمعنى أنه جامع لكل عناصر التربة السوداء والصفراء والرملية.. إلخ وقد توصَّل العلماء إلى أن هذه التربة هي الصالحة للزراعة، لأن الطينة أو التربة إنْ كانت متماسكة تمسك الماء تحت الجذر فيمور ويذبل النبات، وإن كانت رملية تسرب فيها الماء قبل أنْ يمتصَّه النبات.
إذن: نحتاج إلى تربة بين بين، بحيث تمسك الماء بالقدر الذي يتيح للنبات أنْ يستفيد منه ويمتص عناصر الغذاء، ثم يتسرَّب الباقي فلا يضر بالجذور.
كما توصل العلماء إلى أن عناصر جسم الإنسان عبارة عن ١٦ عنصراً، تبدأ بالأكسوجين بنسبة ٦٧% وهي أعلى نسبة وتنتهي بالمنجنيز. وأن الطين يحتوي على نفس هذه العناصر الستة عشر، وهذا يثبت صدْق الحق سبحانه في خلْق الإنسان من الطين.
ومعنى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. [ص: ٧٢] يعني: صوَّرْتُ قالبه وشكله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي.. [ص: ٧٢] يعني يصير مخلوقاً كاملاً تدبّ فيه الحياة ويتحرك فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [ص: ٧٢] أي: خرّوا ساجدين، ليس سجودَ عبادة، إنما سجود طاعة لصاحب الأمر بالسجود.
إذن: سجود الملائكة لم يكن لآدم ذاته، إنما كان لله الذي خلق آدم وأمر الملائكة أنْ تسجدَ له، ومعنى تسجد له كما تقول: أنا أسجد للقبْلة، فالسجود ليس للقبلة ذاتها إنما ناحيتها. فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ [ص: ٧٣-٧٤].
وهنا لا بُدَّ أنْ نشيرَ إلى أن البعض يحاول الاستدراك على كلام الله في مسألة خَلْق الإنسان من طين، يقولون: إن القرآن قال مرة: من طين. ومرة: من ماء. ومرة: من حمأ مسنون. ومرة: من صلصال، والواقع أن هذه مراحل للشيء الواحد وليست اختلاف بدايات مأخوذ منها، فالتراب حين يوضع على الماء يصير طيناً، فإذا تُرِكَ الطين حتى عطن وتغيَّرت رائحته، فهو الحمأ المسنون، فإذا جَفَّ وتصلَّب فهو صَلْصَال كالفخار.
ولما خلق الله الإنسان خلقه من الطين، بمعنى أنه جامع لكل عناصر التربة السوداء والصفراء والرملية.. إلخ وقد توصَّل العلماء إلى أن هذه التربة هي الصالحة للزراعة، لأن الطينة أو التربة إنْ كانت متماسكة تمسك الماء تحت الجذر فيمور ويذبل النبات، وإن كانت رملية تسرب فيها الماء قبل أنْ يمتصَّه النبات.
إذن: نحتاج إلى تربة بين بين، بحيث تمسك الماء بالقدر الذي يتيح للنبات أنْ يستفيد منه ويمتص عناصر الغذاء، ثم يتسرَّب الباقي فلا يضر بالجذور.
كما توصل العلماء إلى أن عناصر جسم الإنسان عبارة عن ١٦ عنصراً، تبدأ بالأكسوجين بنسبة ٦٧% وهي أعلى نسبة وتنتهي بالمنجنيز. وأن الطين يحتوي على نفس هذه العناصر الستة عشر، وهذا يثبت صدْق الحق سبحانه في خلْق الإنسان من الطين.
ومعنى فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. [ص: ٧٢] يعني: صوَّرْتُ قالبه وشكله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي.. [ص: ٧٢] يعني يصير مخلوقاً كاملاً تدبّ فيه الحياة ويتحرك فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [ص: ٧٢] أي: خرّوا ساجدين، ليس سجودَ عبادة، إنما سجود طاعة لصاحب الأمر بالسجود.
إذن: سجود الملائكة لم يكن لآدم ذاته، إنما كان لله الذي خلق آدم وأمر الملائكة أنْ تسجدَ له، ومعنى تسجد له كما تقول: أنا أسجد للقبْلة، فالسجود ليس للقبلة ذاتها إنما ناحيتها. فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ [ص: ٧٣-٧٤].
آية رقم ٧٥
المتتبع لهذه القصة يجد أن القرآن استوعبها في سبع سور، لكن بأسلوب مختلف في كل منها، فمرة قال: أَبَىٰ.. [الحجر: ٣١] ومرة قال: أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ.. [البقرة: ٣٤].
المسألة الأولى التي أردنا توضيحها في هذه القصة أن الحق سبحانه لم يجعل الجنة التي خرج منها آدم إلى الأرض هي جنة المأوى، لأنه لم يُخلق للجنة ثم خرج منها بمعصيته، إنما خُلق آدم للخلافة في الأرض، وفي أول بلاغ عنه من الله قال تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً.. [البقرة: ٣٠].
إذن: هو مخلوق للأرض، ونظراً لأنه أبو البشر جميعاً، والبشر على صنفين: صنف معصوم هم الرسل، وصنف غير معصوم هم عامة الناس، فكان ولا بُدَّ أنْ يتمثّل في آدم ما ثبت للصنفين، عصى آدم أولاً، ثم اجتباه ربه وتاب عليه وعصمه الله بعدها، إذن: لم يَعْص آدم وهو نبي، إنما عصى قبل النبوة.
والحق - سبحانه وتعالى - لما عرض هذه المسألة وقال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً.. [البقرة: ٣٠] لم يشأ سبحانه بعدالته ورحمته أنْ يُنزِلَ آدم إلى الأرض ليعمرها بغير منهج من المناهج التي تُصلح حركةَ الحياة، ولم يشأ أنْ يُجرِّب فيه التكليف الأول، فصنع له قطعة من الأرض فيها كل مقومات الحياة وترفها، وأسكنه إياها ليدربه على التوجيه والتكليف بافعل ولا تفعل.
فأباح له أنْ يأكل من كل ما في هذا البستان إلا شجرة واحدة نهاه عن مجرد الاقتراب منها، ليمثل له الإباحة فيما أحل والحظر فيما منع، ثم ذكَّره بعداوة الشيطان له وحذَّر منه ومن وسوسته.
لكن أغوى الشيطانُ آدمَ، فأكل من الشجرة التي نُهِي عنها، وحدثتْ منه المخالفة التي ترتب عليها ظهور عورته لأول مرة، وهنا إشارة رمزية إلى أن العورات لا تظهر في المجتمع إلا بمخالفة منهج الله.
ثم نقف أيضاً عند وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ.. [البقرة: ٣٥] فلم يقل سبحانه: ولا تأكلا من هذه الشجرة، بل نهى عن مجرد قربها، لأن من حام حول الحِمَى يُوشِك أنْ يواقعه.
لذلك تجد الحق سبحانه حين يحدثنا عن الحدود التي أحلها الله لنا يقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] أما في الحدود التي حرّمها فيقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].
ونلحظ في الآية التي معنا قوله تعالى: يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ.. [ص: ٧٥] وفي الأعراف قال: مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ.. [الأعراف: ١٢] فمرة بالإثبات ومرة بالنفي. والمعنى واحد، لأن المتكلم بهذا الكلام هو الله رَبُّ العالمين، معنى مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ.. [ص: ٧٥] يعني: أردتَ أنْ تسجد، فعرض لك عارض، أما مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ.. [الأعراف: ١٢] يعني: أمَنعكَ مانع فلم تسجد قهراً عنك؟
وقوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. [ص: ٧٥] بيان لشرف هذا المخلوق، ويكفي في شرفه أن الله تعالى نسب خَلْقه إليه سبحانه مباشرة أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ [ص: ٧٥] يعني: السبب الذي دعاك إلى عدم السجود إما استكبارك أنْ تسجدَ لآدم، أم كنتَ من العالين؟
وقد اختلف العلماء في معنى العالين، بعضهم قال: من الطاغين المتكبِّرين الذي أعرضوا عن أحكام الله ومنهجه استكباراً، ومن ذلك قوله تعالى في فرعون: وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ [يونس: ٨٣] وقال سبحانه: تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣] أي: عُلُواً على أحكام الله، وعلى أوامر الله.
وقال آخرون: معنى العالين هم نوع من الملائكة، والذين لم يشملهم الأمر بالسجود لآدم، فالمأمور بالسجود هم الملائكة الذين لهم علاقة بهذا المخلوق وهم المدبِّرات الذين قال اللهُ عنهم فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً [النازعات: ٥] والمعقِّبات الذين قال الله فيهم لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ.. [الرعد: ١١] هؤلاء هم الذين أمروا بالسجود. أما العَالُون فهم ملائكة لا عملَ لهم إلا تسبيح الله، ولا صلةَ لهم بهذا الكون، ولا يدرون عنه شيئاً.
فالمعنى أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ [ص: ٧٥] أي الذين لم يشملهم الأمر بالسجود، وهذا المعنى أقرب للصواب، لأن الله تعالى قال قبلها: أَسْتَكْبَرْتَ.. [ص: ٧٥] فلا نفسر العالين بعدها بمعنى المتكبرين، لأنها تؤدي نفس المعنى الأول.
وهنا ينبغي أنْ نشيرَ إلى اختلاف العلماء حول طبيعة إبليس، حيث قال بعضهم: إنه من الملائكة. وقال آخرون: من الجن. أصحاب الرأي الأول يعتمدون على قوله تعالى: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [ص: ٧١-٧٢] فقالوا: إذن إبليس من الملائكة لأن الأمر وُجِّه إليهم، والدليل على ذلك أنه لما خالف وامتنع عن السجود عُوقِب، فهو إذن داخل في الأمر، والله سبحانه لم يأمر إلا الملائكة، فلو لم يكُنْ من الملائكة لم يُعاقَب.
ونقول في الرد على أصحاب هذا الرأي: لا بُدَّ أنْ نُفرِّق بين الدليل بالالتزام أو الاستنباط، وبين دليل النص، فإذا وُجِدَ نَصٌّ فلا مجالَ لدليل الالتزام أو الاستنباط، وقد قال الحق سبحانه في سورة الكهف: إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠] فكيف تُصرِّح الآية بأنه من الجن ونقول نحن: إنه من الملائكة؟
أما لماذا آخذه الله على عدم السجود إنْ كان من الجن؟ نقول: لأن الملائكة مقهورون على الطاعة، فهي غريزة فيهم لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] أما الإنس والجن فهم مُخيَّرون بين الإيمان أو الكفر، وبين الطاعة أو المعصية، فإذا جاء منهم مَنْ ألزم نفسه بالطاعة بحيث لا يعصي فهو أفضل من الملائكة، لأن الملائكة مقهورون على الطاعة أما هو فطائع باختياره وهو قادر على المعصية.
إذن: أخذ هذه الأفضلية، لأنه حمل نفسه على أن يطيع، وقد كان إبليس في هذه المنزلة حتى قيل: إنه طاووس الملائكة لأفضليته عليهم، فلما صدر الأمر للملائكة شمله أيضاً، لأنه إنْ كان أعلى منزلة من الملائكة وحالة الطاعة، فكان عليه أنْ يطيعَ الأمر، وإن كان أقلَّ من الملائكة، فالأمر للأعلى يستلزم الأمر للأدنى.
ومثَّلْنا لهذه المسألة قلنا: إذا دخل رئيس الجمهورية فوقف له الوزراء، فوقوف وكلاء الوزراء من باب أَوْلَى، وبذلك نحسم هذا الخلاف بعيداً عن الجدل الذي لا طائل منه.
وقوله تعالى: فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ [ص: ٧٣-٧٤] دليل على أنه مخلوق مختار، كالإنسان يطيع ويعصي، كما قال تعالى: فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. [الكهف: ٢٩].
ثم يحكي الحق سبحانه قوْلَ إبليس في الردِّ على ربه عز وجل:
قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ... .
المسألة الأولى التي أردنا توضيحها في هذه القصة أن الحق سبحانه لم يجعل الجنة التي خرج منها آدم إلى الأرض هي جنة المأوى، لأنه لم يُخلق للجنة ثم خرج منها بمعصيته، إنما خُلق آدم للخلافة في الأرض، وفي أول بلاغ عنه من الله قال تعالى: إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً.. [البقرة: ٣٠].
إذن: هو مخلوق للأرض، ونظراً لأنه أبو البشر جميعاً، والبشر على صنفين: صنف معصوم هم الرسل، وصنف غير معصوم هم عامة الناس، فكان ولا بُدَّ أنْ يتمثّل في آدم ما ثبت للصنفين، عصى آدم أولاً، ثم اجتباه ربه وتاب عليه وعصمه الله بعدها، إذن: لم يَعْص آدم وهو نبي، إنما عصى قبل النبوة.
والحق - سبحانه وتعالى - لما عرض هذه المسألة وقال: إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً.. [البقرة: ٣٠] لم يشأ سبحانه بعدالته ورحمته أنْ يُنزِلَ آدم إلى الأرض ليعمرها بغير منهج من المناهج التي تُصلح حركةَ الحياة، ولم يشأ أنْ يُجرِّب فيه التكليف الأول، فصنع له قطعة من الأرض فيها كل مقومات الحياة وترفها، وأسكنه إياها ليدربه على التوجيه والتكليف بافعل ولا تفعل.
فأباح له أنْ يأكل من كل ما في هذا البستان إلا شجرة واحدة نهاه عن مجرد الاقتراب منها، ليمثل له الإباحة فيما أحل والحظر فيما منع، ثم ذكَّره بعداوة الشيطان له وحذَّر منه ومن وسوسته.
لكن أغوى الشيطانُ آدمَ، فأكل من الشجرة التي نُهِي عنها، وحدثتْ منه المخالفة التي ترتب عليها ظهور عورته لأول مرة، وهنا إشارة رمزية إلى أن العورات لا تظهر في المجتمع إلا بمخالفة منهج الله.
ثم نقف أيضاً عند وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ.. [البقرة: ٣٥] فلم يقل سبحانه: ولا تأكلا من هذه الشجرة، بل نهى عن مجرد قربها، لأن من حام حول الحِمَى يُوشِك أنْ يواقعه.
لذلك تجد الحق سبحانه حين يحدثنا عن الحدود التي أحلها الله لنا يقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] أما في الحدود التي حرّمها فيقول: تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].
ونلحظ في الآية التي معنا قوله تعالى: يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ.. [ص: ٧٥] وفي الأعراف قال: مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ.. [الأعراف: ١٢] فمرة بالإثبات ومرة بالنفي. والمعنى واحد، لأن المتكلم بهذا الكلام هو الله رَبُّ العالمين، معنى مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ.. [ص: ٧٥] يعني: أردتَ أنْ تسجد، فعرض لك عارض، أما مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ.. [الأعراف: ١٢] يعني: أمَنعكَ مانع فلم تسجد قهراً عنك؟
وقوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ.. [ص: ٧٥] بيان لشرف هذا المخلوق، ويكفي في شرفه أن الله تعالى نسب خَلْقه إليه سبحانه مباشرة أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ [ص: ٧٥] يعني: السبب الذي دعاك إلى عدم السجود إما استكبارك أنْ تسجدَ لآدم، أم كنتَ من العالين؟
وقد اختلف العلماء في معنى العالين، بعضهم قال: من الطاغين المتكبِّرين الذي أعرضوا عن أحكام الله ومنهجه استكباراً، ومن ذلك قوله تعالى في فرعون: وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ [يونس: ٨٣] وقال سبحانه: تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣] أي: عُلُواً على أحكام الله، وعلى أوامر الله.
وقال آخرون: معنى العالين هم نوع من الملائكة، والذين لم يشملهم الأمر بالسجود لآدم، فالمأمور بالسجود هم الملائكة الذين لهم علاقة بهذا المخلوق وهم المدبِّرات الذين قال اللهُ عنهم فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً [النازعات: ٥] والمعقِّبات الذين قال الله فيهم لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ.. [الرعد: ١١] هؤلاء هم الذين أمروا بالسجود. أما العَالُون فهم ملائكة لا عملَ لهم إلا تسبيح الله، ولا صلةَ لهم بهذا الكون، ولا يدرون عنه شيئاً.
فالمعنى أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ [ص: ٧٥] أي الذين لم يشملهم الأمر بالسجود، وهذا المعنى أقرب للصواب، لأن الله تعالى قال قبلها: أَسْتَكْبَرْتَ.. [ص: ٧٥] فلا نفسر العالين بعدها بمعنى المتكبرين، لأنها تؤدي نفس المعنى الأول.
وهنا ينبغي أنْ نشيرَ إلى اختلاف العلماء حول طبيعة إبليس، حيث قال بعضهم: إنه من الملائكة. وقال آخرون: من الجن. أصحاب الرأي الأول يعتمدون على قوله تعالى: إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [ص: ٧١-٧٢] فقالوا: إذن إبليس من الملائكة لأن الأمر وُجِّه إليهم، والدليل على ذلك أنه لما خالف وامتنع عن السجود عُوقِب، فهو إذن داخل في الأمر، والله سبحانه لم يأمر إلا الملائكة، فلو لم يكُنْ من الملائكة لم يُعاقَب.
ونقول في الرد على أصحاب هذا الرأي: لا بُدَّ أنْ نُفرِّق بين الدليل بالالتزام أو الاستنباط، وبين دليل النص، فإذا وُجِدَ نَصٌّ فلا مجالَ لدليل الالتزام أو الاستنباط، وقد قال الحق سبحانه في سورة الكهف: إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠] فكيف تُصرِّح الآية بأنه من الجن ونقول نحن: إنه من الملائكة؟
أما لماذا آخذه الله على عدم السجود إنْ كان من الجن؟ نقول: لأن الملائكة مقهورون على الطاعة، فهي غريزة فيهم لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] أما الإنس والجن فهم مُخيَّرون بين الإيمان أو الكفر، وبين الطاعة أو المعصية، فإذا جاء منهم مَنْ ألزم نفسه بالطاعة بحيث لا يعصي فهو أفضل من الملائكة، لأن الملائكة مقهورون على الطاعة أما هو فطائع باختياره وهو قادر على المعصية.
إذن: أخذ هذه الأفضلية، لأنه حمل نفسه على أن يطيع، وقد كان إبليس في هذه المنزلة حتى قيل: إنه طاووس الملائكة لأفضليته عليهم، فلما صدر الأمر للملائكة شمله أيضاً، لأنه إنْ كان أعلى منزلة من الملائكة وحالة الطاعة، فكان عليه أنْ يطيعَ الأمر، وإن كان أقلَّ من الملائكة، فالأمر للأعلى يستلزم الأمر للأدنى.
ومثَّلْنا لهذه المسألة قلنا: إذا دخل رئيس الجمهورية فوقف له الوزراء، فوقوف وكلاء الوزراء من باب أَوْلَى، وبذلك نحسم هذا الخلاف بعيداً عن الجدل الذي لا طائل منه.
وقوله تعالى: فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ ٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ [ص: ٧٣-٧٤] دليل على أنه مخلوق مختار، كالإنسان يطيع ويعصي، كما قال تعالى: فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. [الكهف: ٢٩].
ثم يحكي الحق سبحانه قوْلَ إبليس في الردِّ على ربه عز وجل:
قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ... .
آية رقم ٧٦
نعم، خُلق آدم من الطين، وخُلِق إبليس من النار، لكن مَنْ قال إن الطين أقلُّ من النار، أو أن النار أعلى من الطين، لأن المخلوق لا يأخذ منزلة وميزة بجنسه، إنما يأخذ مَيْزته ممَّن خلقه، إذن: ليس هناك جنس أعلى من جنس، لأن الله خلق الجميع، وجعل لكل منهم مهمة في الحياة، فهم في الخَلْق لله سواء.
لذلك قلنا: إن الله تعالى جعل الأسبابَ للمؤمن وللكافر عطاء ربوبية، لكن لما آمن المؤمن خَصَّه الله بعطاء آخر، هو عطاء الألوهية في العبادة.
فإبليس لما خالف أمر الله، وادَّعى هذه الخيرية على آدم:
قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا... .
لذلك قلنا: إن الله تعالى جعل الأسبابَ للمؤمن وللكافر عطاء ربوبية، لكن لما آمن المؤمن خَصَّه الله بعطاء آخر، هو عطاء الألوهية في العبادة.
فإبليس لما خالف أمر الله، وادَّعى هذه الخيرية على آدم:
قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا... .
آية رقم ٧٧
ﯷﯸﯹﯺﯻ
ﯼ
الرجيم: المطرود من رحمة الله، المحروم من كل خير، ثم تأكد هذا المعنى في وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ [ص: ٧٨] إلى يوم القيامة. فردَّ إبليس بعد أنْ لعنه الله وطرده من رحمته:
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ... .
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ... .
آية رقم ٧٨
ﯽﯾﯿﰀﰁﰂ
ﰃ
الرجيم: المطرود من رحمة الله، المحروم من كل خير، ثم تأكد هذا المعنى في وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ [ص: ٧٨] إلى يوم القيامة. فردَّ إبليس بعد أنْ لعنه الله وطرده من رحمته:
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ... .
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِيۤ إِلَىٰ... .
آية رقم ٧٩
ﰄﰅﰆﰇﰈﰉ
ﰊ
يقول إبليس لرب العزة: فَأَنظِرْنِيۤ.. [ص: ٧٩] أي: أخِّر أجلي، إذن: فهو يعلم أن لكلٍّ أجلاً محدداً لا يتجاوزه، وقوْل إبليس لربه: فَأَنظِرْنِيۤ.. [ص: ٧٩] يفضح قوله لآدم لما أراد أنْ يُغويه بالأكل من الشجرة هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ [طه: ١٢٠] فلو كانت شجرة الخلد حقاً، فلماذا تطلب من ربك أنْ يُؤخِّر أجلك؟ ودلَّ ذلك أيضاً على غفلة آدم، فلو تنبَّه إلى هذه المسألة ما أكل من الشجرة.
ونفهم أيضاً من ذلك أن إبليس نفسه (المعلم الكبير) هو الذي تولَّى غواية آدم، ولم يترك هذه المهمة لواحد من ذريته، لماذا؟ قالوا: لأن آدم أصبح في صَفِّ الملائكة، فلا يناسبه شيطان صغير من الذرية، إنما الكبير إبليس.
ثم يجيب الحق - سبحانه وتعالى - إبليسَ فيما طلب، فيقول له: فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ [ص: ٨٠] المؤخَّرين إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ [ص: ٨١] أي: إلى يوم القيامة.
ونفهم أيضاً من ذلك أن إبليس نفسه (المعلم الكبير) هو الذي تولَّى غواية آدم، ولم يترك هذه المهمة لواحد من ذريته، لماذا؟ قالوا: لأن آدم أصبح في صَفِّ الملائكة، فلا يناسبه شيطان صغير من الذرية، إنما الكبير إبليس.
ثم يجيب الحق - سبحانه وتعالى - إبليسَ فيما طلب، فيقول له: فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ [ص: ٨٠] المؤخَّرين إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ [ص: ٨١] أي: إلى يوم القيامة.
آية رقم ٨٠
ﰋﰌﰍﰎ
ﰏ
يقول إبليس لرب العزة: فَأَنظِرْنِيۤ.. [ص: ٧٩] أي: أخِّر أجلي، إذن: فهو يعلم أن لكلٍّ أجلاً محدداً لا يتجاوزه، وقوْل إبليس لربه: فَأَنظِرْنِيۤ.. [ص: ٧٩] يفضح قوله لآدم لما أراد أنْ يُغويه بالأكل من الشجرة هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ [طه: ١٢٠] فلو كانت شجرة الخلد حقاً، فلماذا تطلب من ربك أنْ يُؤخِّر أجلك؟ ودلَّ ذلك أيضاً على غفلة آدم، فلو تنبَّه إلى هذه المسألة ما أكل من الشجرة.
ونفهم أيضاً من ذلك أن إبليس نفسه (المعلم الكبير) هو الذي تولَّى غواية آدم، ولم يترك هذه المهمة لواحد من ذريته، لماذا؟ قالوا: لأن آدم أصبح في صَفِّ الملائكة، فلا يناسبه شيطان صغير من الذرية، إنما الكبير إبليس.
ثم يجيب الحق - سبحانه وتعالى - إبليسَ فيما طلب، فيقول له: فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ [ص: ٨٠] المؤخَّرين إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ [ص: ٨١] أي: إلى يوم القيامة.
ونفهم أيضاً من ذلك أن إبليس نفسه (المعلم الكبير) هو الذي تولَّى غواية آدم، ولم يترك هذه المهمة لواحد من ذريته، لماذا؟ قالوا: لأن آدم أصبح في صَفِّ الملائكة، فلا يناسبه شيطان صغير من الذرية، إنما الكبير إبليس.
ثم يجيب الحق - سبحانه وتعالى - إبليسَ فيما طلب، فيقول له: فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ [ص: ٨٠] المؤخَّرين إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ [ص: ٨١] أي: إلى يوم القيامة.
آية رقم ٨١
ﰐﰑﰒﰓ
ﰔ
يقول إبليس لرب العزة: فَأَنظِرْنِيۤ.. [ص: ٧٩] أي: أخِّر أجلي، إذن: فهو يعلم أن لكلٍّ أجلاً محدداً لا يتجاوزه، وقوْل إبليس لربه: فَأَنظِرْنِيۤ.. [ص: ٧٩] يفضح قوله لآدم لما أراد أنْ يُغويه بالأكل من الشجرة هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ [طه: ١٢٠] فلو كانت شجرة الخلد حقاً، فلماذا تطلب من ربك أنْ يُؤخِّر أجلك؟ ودلَّ ذلك أيضاً على غفلة آدم، فلو تنبَّه إلى هذه المسألة ما أكل من الشجرة.
ونفهم أيضاً من ذلك أن إبليس نفسه (المعلم الكبير) هو الذي تولَّى غواية آدم، ولم يترك هذه المهمة لواحد من ذريته، لماذا؟ قالوا: لأن آدم أصبح في صَفِّ الملائكة، فلا يناسبه شيطان صغير من الذرية، إنما الكبير إبليس.
ثم يجيب الحق - سبحانه وتعالى - إبليسَ فيما طلب، فيقول له: فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ [ص: ٨٠] المؤخَّرين إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ [ص: ٨١] أي: إلى يوم القيامة.
ونفهم أيضاً من ذلك أن إبليس نفسه (المعلم الكبير) هو الذي تولَّى غواية آدم، ولم يترك هذه المهمة لواحد من ذريته، لماذا؟ قالوا: لأن آدم أصبح في صَفِّ الملائكة، فلا يناسبه شيطان صغير من الذرية، إنما الكبير إبليس.
ثم يجيب الحق - سبحانه وتعالى - إبليسَ فيما طلب، فيقول له: فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ [ص: ٨٠] المؤخَّرين إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ [ص: ٨١] أي: إلى يوم القيامة.
آية رقم ٨٢
ﰕﰖﰗﰘ
ﰙ
دلَّتْ على أن إبليس عرف كيف يُقسم حين قال: فَبِعِزَّتِكَ.. أي: بعزتك يا رب عن خَلْقك وغِنَاك عنهم وعن طاعتهم وإيمانهم فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. [الكهف: ٢٩].
فمن هذا الباب دخلتُ إليهم، ومن هذا الباب لأغوينهم أجمعين، فأنا لا آخذهم منك يا رب، ومَنْ تريده منهم لا أستطيع الاقترابَ منه، بدليل قوله بعدها: إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ إذن: عِزّتك عنهم هي التي أطمعتني فيهم.
فمن هذا الباب دخلتُ إليهم، ومن هذا الباب لأغوينهم أجمعين، فأنا لا آخذهم منك يا رب، ومَنْ تريده منهم لا أستطيع الاقترابَ منه، بدليل قوله بعدها: إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ إذن: عِزّتك عنهم هي التي أطمعتني فيهم.
آية رقم ٨٣
ﰚﰛﰜﰝ
ﰞ
دلَّتْ هذه الآية على أن العداوة ليست بين إبليس وربه، إنما بين إبليس وبني آدم، ودلَّتْ على أن إبليس عرف كيف يُقسم حين قال: فَبِعِزَّتِكَ.. [ص: ٨٢] أي: بعزتك يا رب عن خَلْقك وغِنَاك عنهم وعن طاعتهم وإيمانهم فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. [الكهف: ٢٩].
فمن هذا الباب دخلتُ إليهم، ومن هذا الباب لأغوينهم أجمعين، فأنا لا آخذهم منك يا رب، ومَنْ تريده منهم لا أستطيع الاقترابَ منه، بدليل قوله بعدها: إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٣] إذن: عِزّتك عنهم هي التي أطمعتني فيهم.
فمن هذا الباب دخلتُ إليهم، ومن هذا الباب لأغوينهم أجمعين، فأنا لا آخذهم منك يا رب، ومَنْ تريده منهم لا أستطيع الاقترابَ منه، بدليل قوله بعدها: إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٣] إذن: عِزّتك عنهم هي التي أطمعتني فيهم.
آية رقم ٨٤
ﭑﭒﭓﭔ
ﭕ
الكلام هنا لله عز وجل قَالَ فَٱلْحَقُّ.. [ص: ٨٤] أي: ما نصنع لك هو الحق وَٱلْحَقَّ أَقُولُ.. [ص: ٨٤] أي: أنا لا أقول إلا الحق، ولا يُطلب مني إلا الحق لأنِّي أنا الحق، ثم يُبيِّن سبحانه الحقَّ المراد الذي قاله الله وقضى به: لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٥] أي: منك ومن ذريتك وممَّنْ تبعك منهم، أي: من أمة محمد أي: أمة الدعوة، وهي من آمن أو كفر.
قالوا: أهذا حكم مُسْبق من الله تعالى على الخَلْق الذين سيجيئون بعد؟ ولو كان الأمر كذلك فالمسألة قهر وإجبار، والحقيقة أن الله تعالى كتب عليهم هذا بعلمه بما سيكون منهم باختيارهم لا بقهره لهم على أنْ يفعلوا، فلعلمه بما سيكون كتب، وليس في المسألة قهر ولا إجبار.
وقد مثَّلْنَا لهذه القضية - ولله تعالى المثل الأعلى - قلنا: إن المعلم في الفصل يستطيع من خلال علمه بمستوى التلاميذ أن يحدد نتائجهم فيقول: فلان سينجح وفلان سيرسب، فلعلمه بمستواهم الدراسي حكم عليهم، ولا دخل له في الامتحان ولا في تصحيحه.
قالوا: أهذا حكم مُسْبق من الله تعالى على الخَلْق الذين سيجيئون بعد؟ ولو كان الأمر كذلك فالمسألة قهر وإجبار، والحقيقة أن الله تعالى كتب عليهم هذا بعلمه بما سيكون منهم باختيارهم لا بقهره لهم على أنْ يفعلوا، فلعلمه بما سيكون كتب، وليس في المسألة قهر ولا إجبار.
وقد مثَّلْنَا لهذه القضية - ولله تعالى المثل الأعلى - قلنا: إن المعلم في الفصل يستطيع من خلال علمه بمستوى التلاميذ أن يحدد نتائجهم فيقول: فلان سينجح وفلان سيرسب، فلعلمه بمستواهم الدراسي حكم عليهم، ولا دخل له في الامتحان ولا في تصحيحه.
آية رقم ٨٥
الكلام هنا لله عز وجل قَالَ فَٱلْحَقُّ.. [ص: ٨٤] أي: ما نصنع لك هو الحق وَٱلْحَقَّ أَقُولُ.. [ص: ٨٤] أي: أنا لا أقول إلا الحق، ولا يُطلب مني إلا الحق لأنِّي أنا الحق، ثم يُبيِّن سبحانه الحقَّ المراد الذي قاله الله وقضى به: لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٥] أي: منك ومن ذريتك وممَّنْ تبعك منهم، أي: من أمة محمد أي: أمة الدعوة، وهي من آمن أو كفر.
قالوا: أهذا حكم مُسْبق من الله تعالى على الخَلْق الذين سيجيئون بعد؟ ولو كان الأمر كذلك فالمسألة قهر وإجبار، والحقيقة أن الله تعالى كتب عليهم هذا بعلمه بما سيكون منهم باختيارهم لا بقهره لهم على أنْ يفعلوا، فلعلمه بما سيكون كتب، وليس في المسألة قهر ولا إجبار.
وقد مثَّلْنَا لهذه القضية - ولله تعالى المثل الأعلى - قلنا: إن المعلم في الفصل يستطيع من خلال علمه بمستوى التلاميذ أن يحدد نتائجهم فيقول: فلان سينجح وفلان سيرسب، فلعلمه بمستواهم الدراسي حكم عليهم، ولا دخل له في الامتحان ولا في تصحيحه.
قالوا: أهذا حكم مُسْبق من الله تعالى على الخَلْق الذين سيجيئون بعد؟ ولو كان الأمر كذلك فالمسألة قهر وإجبار، والحقيقة أن الله تعالى كتب عليهم هذا بعلمه بما سيكون منهم باختيارهم لا بقهره لهم على أنْ يفعلوا، فلعلمه بما سيكون كتب، وليس في المسألة قهر ولا إجبار.
وقد مثَّلْنَا لهذه القضية - ولله تعالى المثل الأعلى - قلنا: إن المعلم في الفصل يستطيع من خلال علمه بمستوى التلاميذ أن يحدد نتائجهم فيقول: فلان سينجح وفلان سيرسب، فلعلمه بمستواهم الدراسي حكم عليهم، ولا دخل له في الامتحان ولا في تصحيحه.
آية رقم ٨٦
(قُلْ) أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ.. [ص: ٨٦] ولو قال: ما أسألكم عليه أجراً لاستقام المعنى أيضاً، لكن قوله: مِنْ أَجْرٍ.. [ص: ٨٦] من هنا دلَّتْ على أقل ما يُقَال له أجر ولو كان جنيهاً واحداً، أو قرشاً واحداً، فمن هنا نفت مطلق الأجر، أما كلمة أجر فهي تعني أجراً مُجْزياً يُعْتَدُّ به ولا تمنع وجود الأجر القليل، كما تقول: ما عندي مال، وما عندي من مال أي: من بداية ما يُقال له مال. ولو كان قرشاً واحداً.
وكَوْنُ الحق سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لهم يا محمد ما أسألكم عليه من أجر، كأنه يقول لهم: يا قوم إنَّ ما جاءكم به محمد عمل نافع لكم في دينكم وفي دنياكم، وكان الواجب عليكم أنْ تُعطوه أجراً عليه، إذن: هو يستحق الأجر لكن لن يسألكم إياه لأن ما يقدمه لكم لا يستطيع بشر أنْ يُؤدّي حقه أو يدفع ثمنه، فأجره لا يأخذه إلا من الله، فهو وحده القادر على أنْ يجازيه، وأنْ يُعوِّضه عما قدَّم.
إذن: محمد صلى الله عليه وسلم يستحق على هداية القوم وتبليغهم منهج ربهم أجراً، وهو غير زاهد في هذا الأجر، إنما يريد أنْ يُقوِّم هذا العمل بتقويم الذي أرسله بهذه الرسالة.
وهذه العبارة قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ.. [ص: ٨٦] سنة لازمة لجميع الأنبياء، فكلهم قالوها لأقوامهم عدا سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟
قالوا: لأن سيدنا إبراهيم أول ما دعا إلى الإيمان بالله ووحدانيته دعا أباه آزر، ولا ينبغي له أن يطلب أجراً من أبيه، كذلك سيدنا موسى أول ما دعا إلى الإيمان دعا فرعون الذي ربَّاه وأحسن إليه، فكيف يقول له: أعطني أجري.
وقوله سبحانه: وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦] المتكلِّف: هو المتصنِّع الذي يُظهر شيئاً فوق قَدْره المنوط به، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: يعني: لا تُحمِّلوا أنفسكم فوق طاقتها، كالذي يقترض ليقوم بواجب الضيافة، ثم يذهب الضيف ويبقى عليه الدين وهذا يجعله يكره الضيف بعد ذلك ويتأذى أنْ ينزل به.
إذن: كُنْ على طبيعتك، وقُمْ بواجب الضيافة على قَدْر طاقتك. ولِمَ لا وقدوتك صلى الله عليه وسلم يقول: وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦] لأن الأمر الذي جئتُ به لا يحتاج إلى تكلُّف إقناع لأنه أمر موافق للطبيعة.
ولك أنْ تستعرضَ أحكام الشرع، وأنْ تنظرَ فيها، أهي صالحة في ذاتها أم لا؟ الدين يقول لك: لا تكذب. فمَنْ يقول إن الخير في الكذب؟ الدين يقول لك لا تغش فمن يقول: إن الصلاح في الغش؟ الدين نهاك عن شرب الخمر فمَنْ يقول إنها تصلح؟ ومَنْ ينكر أنها تفسد العقلَ الذي ما كُرِّم الإنسان إلا به؟
إذن: كلها أحكام واضحة لا تحتاج إلى تكلُّف في الإقناع بها، لأنها توافق الفطرة السليمة.
ثم يقول سبحانه: إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [ص: ٨٧] أي: ما هو أي القرآن إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [ص: ٨٧] والذكر والتذكير لا ينشأ إلا من نسيان شيء سابق ونريد أنْ نُذكِّرك به، فالقرآن ذكْر بمعنى أنْ يُذكِّرك بما نسيته من العهد الأول عهد الفطرة الذي أخذه الله عليك وأنت في طوْر الذَّرِّ، فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ.. [الأعراف: ١٧٢] فأقر الجميع قَالُواْ بَلَىٰ.. [الأعراف: ١٧٢].
فقال الله تعالى: إذن احفظوا هذا العهد وتذكروا هذا الإقرار أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ.. [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: الحق سبحانه لا يكلِّفك بهذا الإقرار إنما يُذكِّرك به، لأن التكليف أُخِذَ عليك يوم أنْ كنتَ ذرةً في ظهر أبيك آدم، ولم تكُنْ لك شهوة.
فقوله تعالى عن القرآن: إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [ص: ٨٧] دلَّ على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من قمة توحيد الله والإيمان به إلى فرعيات التكليف وجزئياته أمر كان في القديم، عرفه الجميع وأقرُّوا به، والقرآن فقط مُذكِّر بهذا العهد الأول.
ثم تختم السورة بقوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ [ص: ٨٨] أي: الذين كذَّبوا القرآن سيعلمون عاقبة هذا التكذيب، وسيعلمون أنه خبر صادق، سيعلمون ذلك بَعْدَ حِينِ [ص: ٨٨] قالوا: الحين يُرَاد به ظهور الإسلام وانتصاره على الكفر، بداية من معركة بدر إلى أنْ قال القائل: عجبتُ لهذا الأُمِيِّ، كيف يفتح نصف الدنيا في نصف قرن، نعم هذه عجيبة ولا تزال حتى الآن.
وقد شاهد هؤلاء المكذِّبون بأعينهم انتصارَ الإسلام واندحار الكفر، وشاهدوا نقصان رقعة أرض الكفر، وازدياد رقعة أرض الإيمان، كما قال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا.. [الرعد: ٤١] ومع ذلك لم يأخذوا من فتوحات الإسلام عبرة.
وقالوا: الحين يراد به القيامة حين يدخل هؤلاء المكذبون النارَ، عندها سيعلمون صِدْق هذا الكلام الذي أخبرهم الله به في قرآنه.
وكلمة النبأ لا تقال إلا للخبر العظيم الهام، كما قال سبحانه: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
فما بالك بنبأٍ الذي وصفه بأنه عظيم هو الله؟ وعظمة الخبر تأتي بمقدار ما يُهيىء من الخير للإنسان، فالخبر بأنك نجحت في القبول، غير الخبر بنجاحك في التوجيهية، غير الخبر بأنك أصبحت وزيراً، فعِظَم الخبر بمقدار ما يحمل لك من الخير المرجو منه للإنسان.
إذن: ما بالك بالخير الذي ينتظرك بعد قيامك بالتكاليف الربانية، إنه خير لا يسعدك في دنياك المنقضية فحسب، إنما يسعدك في آخرتك الباقية الخالدة، فعِظَم هذا الخبر أنه ضَمِن لك الحياتين الدنيا والآخرة.
وأسأل الله في آخر السورة أنْ يجعل لنا حظاً من قوله: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ [ص: ٨٨].
وكَوْنُ الحق سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لهم يا محمد ما أسألكم عليه من أجر، كأنه يقول لهم: يا قوم إنَّ ما جاءكم به محمد عمل نافع لكم في دينكم وفي دنياكم، وكان الواجب عليكم أنْ تُعطوه أجراً عليه، إذن: هو يستحق الأجر لكن لن يسألكم إياه لأن ما يقدمه لكم لا يستطيع بشر أنْ يُؤدّي حقه أو يدفع ثمنه، فأجره لا يأخذه إلا من الله، فهو وحده القادر على أنْ يجازيه، وأنْ يُعوِّضه عما قدَّم.
إذن: محمد صلى الله عليه وسلم يستحق على هداية القوم وتبليغهم منهج ربهم أجراً، وهو غير زاهد في هذا الأجر، إنما يريد أنْ يُقوِّم هذا العمل بتقويم الذي أرسله بهذه الرسالة.
وهذه العبارة قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ.. [ص: ٨٦] سنة لازمة لجميع الأنبياء، فكلهم قالوها لأقوامهم عدا سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟
قالوا: لأن سيدنا إبراهيم أول ما دعا إلى الإيمان بالله ووحدانيته دعا أباه آزر، ولا ينبغي له أن يطلب أجراً من أبيه، كذلك سيدنا موسى أول ما دعا إلى الإيمان دعا فرعون الذي ربَّاه وأحسن إليه، فكيف يقول له: أعطني أجري.
وقوله سبحانه: وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦] المتكلِّف: هو المتصنِّع الذي يُظهر شيئاً فوق قَدْره المنوط به، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: يعني: لا تُحمِّلوا أنفسكم فوق طاقتها، كالذي يقترض ليقوم بواجب الضيافة، ثم يذهب الضيف ويبقى عليه الدين وهذا يجعله يكره الضيف بعد ذلك ويتأذى أنْ ينزل به.
إذن: كُنْ على طبيعتك، وقُمْ بواجب الضيافة على قَدْر طاقتك. ولِمَ لا وقدوتك صلى الله عليه وسلم يقول: وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦] لأن الأمر الذي جئتُ به لا يحتاج إلى تكلُّف إقناع لأنه أمر موافق للطبيعة.
ولك أنْ تستعرضَ أحكام الشرع، وأنْ تنظرَ فيها، أهي صالحة في ذاتها أم لا؟ الدين يقول لك: لا تكذب. فمَنْ يقول إن الخير في الكذب؟ الدين يقول لك لا تغش فمن يقول: إن الصلاح في الغش؟ الدين نهاك عن شرب الخمر فمَنْ يقول إنها تصلح؟ ومَنْ ينكر أنها تفسد العقلَ الذي ما كُرِّم الإنسان إلا به؟
إذن: كلها أحكام واضحة لا تحتاج إلى تكلُّف في الإقناع بها، لأنها توافق الفطرة السليمة.
ثم يقول سبحانه: إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [ص: ٨٧] أي: ما هو أي القرآن إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [ص: ٨٧] والذكر والتذكير لا ينشأ إلا من نسيان شيء سابق ونريد أنْ نُذكِّرك به، فالقرآن ذكْر بمعنى أنْ يُذكِّرك بما نسيته من العهد الأول عهد الفطرة الذي أخذه الله عليك وأنت في طوْر الذَّرِّ، فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ.. [الأعراف: ١٧٢] فأقر الجميع قَالُواْ بَلَىٰ.. [الأعراف: ١٧٢].
فقال الله تعالى: إذن احفظوا هذا العهد وتذكروا هذا الإقرار أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ.. [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: الحق سبحانه لا يكلِّفك بهذا الإقرار إنما يُذكِّرك به، لأن التكليف أُخِذَ عليك يوم أنْ كنتَ ذرةً في ظهر أبيك آدم، ولم تكُنْ لك شهوة.
فقوله تعالى عن القرآن: إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ [ص: ٨٧] دلَّ على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من قمة توحيد الله والإيمان به إلى فرعيات التكليف وجزئياته أمر كان في القديم، عرفه الجميع وأقرُّوا به، والقرآن فقط مُذكِّر بهذا العهد الأول.
ثم تختم السورة بقوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ [ص: ٨٨] أي: الذين كذَّبوا القرآن سيعلمون عاقبة هذا التكذيب، وسيعلمون أنه خبر صادق، سيعلمون ذلك بَعْدَ حِينِ [ص: ٨٨] قالوا: الحين يُرَاد به ظهور الإسلام وانتصاره على الكفر، بداية من معركة بدر إلى أنْ قال القائل: عجبتُ لهذا الأُمِيِّ، كيف يفتح نصف الدنيا في نصف قرن، نعم هذه عجيبة ولا تزال حتى الآن.
وقد شاهد هؤلاء المكذِّبون بأعينهم انتصارَ الإسلام واندحار الكفر، وشاهدوا نقصان رقعة أرض الكفر، وازدياد رقعة أرض الإيمان، كما قال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا.. [الرعد: ٤١] ومع ذلك لم يأخذوا من فتوحات الإسلام عبرة.
وقالوا: الحين يراد به القيامة حين يدخل هؤلاء المكذبون النارَ، عندها سيعلمون صِدْق هذا الكلام الذي أخبرهم الله به في قرآنه.
وكلمة النبأ لا تقال إلا للخبر العظيم الهام، كما قال سبحانه: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
فما بالك بنبأٍ الذي وصفه بأنه عظيم هو الله؟ وعظمة الخبر تأتي بمقدار ما يُهيىء من الخير للإنسان، فالخبر بأنك نجحت في القبول، غير الخبر بنجاحك في التوجيهية، غير الخبر بأنك أصبحت وزيراً، فعِظَم الخبر بمقدار ما يحمل لك من الخير المرجو منه للإنسان.
إذن: ما بالك بالخير الذي ينتظرك بعد قيامك بالتكاليف الربانية، إنه خير لا يسعدك في دنياك المنقضية فحسب، إنما يسعدك في آخرتك الباقية الخالدة، فعِظَم هذا الخبر أنه ضَمِن لك الحياتين الدنيا والآخرة.
وأسأل الله في آخر السورة أنْ يجعل لنا حظاً من قوله: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ [ص: ٨٨].
آية رقم ٨٧
ﭩﭪﭫﭬﭭ
ﭮ
ثم يقول سبحانه: إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ أي: ما هو أي القرآن إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ والذكر والتذكير لا ينشأ إلا من نسيان شيء سابق ونريد أنْ نُذكِّرك به، فالقرآن ذكْر بمعنى أنْ يُذكِّرك بما نسيته من العهد الأول عهد الفطرة الذي أخذه الله عليك وأنت في طوْر الذَّرِّ، فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ.. [الأعراف: ١٧٢] فأقر الجميع قَالُواْ بَلَىٰ.. [الأعراف: ١٧٢]. فقال الله تعالى: إذن احفظوا هذا العهد وتذكروا هذا الإقرار أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ.. [الأعراف: ١٧٢-١٧٣].
إذن: الحق سبحانه لا يكلِّفك بهذا الإقرار إنما يُذكِّرك به، لأن التكليف أُخِذَ عليك يوم أنْ كنتَ ذرةً في ظهر أبيك آدم، ولم تكُنْ لك شهوة.
إذن: الحق سبحانه لا يكلِّفك بهذا الإقرار إنما يُذكِّرك به، لأن التكليف أُخِذَ عليك يوم أنْ كنتَ ذرةً في ظهر أبيك آدم، ولم تكُنْ لك شهوة.
آية رقم ٨٨
ﭯﭰﭱﭲ
ﭳ
فقوله تعالى عن القرآن: إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ دلَّ على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من قمة توحيد الله والإيمان به إلى فرعيات التكليف وجزئياته أمر كان في القديم، عرفه الجميع وأقرُّوا به، والقرآن فقط مُذكِّر بهذا العهد الأول.
ثم تختم السورة بقوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ أي: الذين كذَّبوا القرآن سيعلمون عاقبة هذا التكذيب، وسيعلمون أنه خبر صادق، سيعلمون ذلك بَعْدَ حِينِ قالوا: الحين يُرَاد به ظهور الإسلام وانتصاره على الكفر، بداية من معركة بدر إلى أنْ قال القائل: عجبتُ لهذا الأُمِيِّ، كيف يفتح نصف الدنيا في نصف قرن، نعم هذه عجيبة ولا تزال حتى الآن.
وقد شاهد هؤلاء المكذِّبون بأعينهم انتصارَ الإسلام واندحار الكفر، وشاهدوا نقصان رقعة أرض الكفر، وازدياد رقعة أرض الإيمان، كما قال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا.. [الرعد: ٤١] ومع ذلك لم يأخذوا من فتوحات الإسلام عبرة.
وقالوا: الحين يراد به القيامة حين يدخل هؤلاء المكذبون النارَ، عندها سيعلمون صِدْق هذا الكلام الذي أخبرهم الله به في قرآنه.
وكلمة النبأ لا تقال إلا للخبر العظيم الهام، كما قال سبحانه: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
فما بالك بنبأٍ الذي وصفه بأنه عظيم هو الله؟ وعظمة الخبر تأتي بمقدار ما يُهيئ من الخير للإنسان، فالخبر بأنك نجحت في القبول، غير الخبر بنجاحك في التوجيهية، غير الخبر بأنك أصبحت وزيراً، فعِظَم الخبر بمقدار ما يحمل لك من الخير المرجو منه للإنسان.
إذن: ما بالك بالخير الذي ينتظرك بعد قيامك بالتكاليف الربانية، إنه خير لا يسعدك في دنياك المنقضية فحسب، إنما يسعدك في آخرتك الباقية الخالدة، فعِظَم هذا الخبر أنه ضَمِن لك الحياتين الدنيا والآخرة.
وأسأل الله في آخر السورة أنْ يجعل لنا حظاً من قوله: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ.
ثم تختم السورة بقوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ أي: الذين كذَّبوا القرآن سيعلمون عاقبة هذا التكذيب، وسيعلمون أنه خبر صادق، سيعلمون ذلك بَعْدَ حِينِ قالوا: الحين يُرَاد به ظهور الإسلام وانتصاره على الكفر، بداية من معركة بدر إلى أنْ قال القائل: عجبتُ لهذا الأُمِيِّ، كيف يفتح نصف الدنيا في نصف قرن، نعم هذه عجيبة ولا تزال حتى الآن.
وقد شاهد هؤلاء المكذِّبون بأعينهم انتصارَ الإسلام واندحار الكفر، وشاهدوا نقصان رقعة أرض الكفر، وازدياد رقعة أرض الإيمان، كما قال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا.. [الرعد: ٤١] ومع ذلك لم يأخذوا من فتوحات الإسلام عبرة.
وقالوا: الحين يراد به القيامة حين يدخل هؤلاء المكذبون النارَ، عندها سيعلمون صِدْق هذا الكلام الذي أخبرهم الله به في قرآنه.
وكلمة النبأ لا تقال إلا للخبر العظيم الهام، كما قال سبحانه: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
فما بالك بنبأٍ الذي وصفه بأنه عظيم هو الله؟ وعظمة الخبر تأتي بمقدار ما يُهيئ من الخير للإنسان، فالخبر بأنك نجحت في القبول، غير الخبر بنجاحك في التوجيهية، غير الخبر بأنك أصبحت وزيراً، فعِظَم الخبر بمقدار ما يحمل لك من الخير المرجو منه للإنسان.
إذن: ما بالك بالخير الذي ينتظرك بعد قيامك بالتكاليف الربانية، إنه خير لا يسعدك في دنياك المنقضية فحسب، إنما يسعدك في آخرتك الباقية الخالدة، فعِظَم هذا الخبر أنه ضَمِن لك الحياتين الدنيا والآخرة.
وأسأل الله في آخر السورة أنْ يجعل لنا حظاً من قوله: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ.
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
88 مقطع من التفسير