تفسير سورة سورة الإنشقاق

عبد الكريم يونس الخطيب

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب (ت 1390 هـ)

الناشر

دار الفكر العربي - القاهرة

نبذة عن الكتاب

من مقدمات كتاببي المهذب في تفسير جزء عم



التفسير القرآني بالقرآن، للدكتور عبد الكريم الخطيب، وهو فيلسوف حقًّا، وتفسيره هذا تفسير كبير.

قال في مقدمة كتابه هذا: " ولا يستقيم هذا القول، الذي نقوله فى القرآن ـ بأنه مصدر التشريع الإسلامي ـ إلّا بفهم سليم صحيح لكتاب اللّه، ولا يكون هذا الفهم السليم الصحيح إلا عن طول تأمل وتدبر لكتاب اللّه، وتذوق لأساليب بيانه، ووقوف على بعض أسراره، وبهذا الفهم لكتاب اللّه، يتحقق لنا أمران: أولهما: اتصالنا بكتاب اللّه اتصالا وثيقا، قائما على معرفة به، وتذوق لجنى طعومه الطيبة، وهذا مما يجعل لتلاوتنا للقرآن، أو استماعنا لتلاوته أثرا فى نفوسنا، ووقعا على قلوبنا، وتجاوبا مع آدابه، واستجابة لنداءته.. فيما يدعو إليه، من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر!

وثانيهما: تصور مسائل الدين تصورا واضحا محددا، بلا ذيول، ولا معلقات..وبهذا يعرف المسلم الحكم قاطعا، فيما أحل اللّه، وفيما حرم، فيكون على بينة من أمره، فيما يأخذ أو يدع من أمر دينه! ومن أجل هذا كانت صحبتنا هذه لكتاب اللّه، على هذا الوجه، الذي لا ننظر فيه إلى غير كتاب اللّه، وإلى تدبر آياته، بعيدا عن طنين المقولات الكثيرة التي جاءت إلى القرآن من كل صوب، وكادت تخفت صوته، وتغيم على الأضواء السماوية المنبعثة منه!

إننا فى صحبتنا هذه للقرآن، لا نقيم نظرنا على غير كلماته وآياته، ولا نخط على هذه الصفحات غير ما يسمح لنا به النظر فى كلماته وآياته. إننا لا نفسر القرآن بالمعنى المعروف للتفسير، فى هذه الصحبة التي نصحب فيها كتاب اللّه.. وإنما نحن نرتل آيات اللّه ترتيلا.. آية آية، أو آيات آيات.. ثم نقف لحظات نلتقط فيها أنفاسنا المبهورة، لما تطالعنا به الآية أو الآيات، من عجب ودهش وروعة، ثم نمسك القلم، لنمسك به على الورق بعض ما وقع فى مشاعرنا من صور العجب والدهش والروعة.. وإنها لصور باهتة بالنسبة للواقع الذي حملته تلك المشاعر.. فما أبعد الفرق بين الشعور المشتمل علينا ونحن بين يدى كلمات اللّه، وبين الكلمة التي تنقل هذا الشعور!! ولكنها ـ على أي حال ـ معلم من معالم الطريق إلى كتاب اللّه، يمكن أن يجد فيه السالك نورا، ويزداد به المهتدى هدى.. «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ» «وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .. " التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 6) فما بعد



وهو يبدأ السورة ببيان هل هي مكية أم مدنية، ويذكر عدد آياتها، وعدد كلماتها وعدد حروفها، كما يذكر أسماءها، ثم بعد ذلك يذكر الآيات آية آية أو أكثر، ويذكر تفسير الآيات ويربطها بالآيات التي تشبهها ثم يتوسع في شرحها، وكثيرا ما يربطها بالواقع، ويذكر مناسبة السورة، ويذكر مناسبة الآيات أحيانًا، ويذكر أحياناً سبب النزول، وتقلُّ فيه الآثار، ويردُّ على كثير من الخرافات والإسرائيليات، ويدافع عن الإسلام بقوة، ولا يخلو من لفتات لغوية وبلاغية، وهو ينحى منحى المدرسة العقلية، ومن ثم يميل للتأويل، ويردُّ بعض أخبار الآحاد التي تعارض القرآن حسب وجهة نظره كسحر النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض أخبار المعراج وبعض علامات الساعة الكبرى.

بسم الله الرحمن الرّحيم

الآيات: (١- ١٥) [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١ الى ١٥]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤)
وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩)
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)
بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥)
التفسير:
قوله تعالى:
«إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» هو مثل قوله تعالى: «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ» - وتشقق السماء وانفطارها يوم القيامة، هو- كما قلنا- لما يكون فى قدرة الإنسان يومئذ على التصعيد فى آفاق السماء، دون أن يجد لهذا السقف الذي يراه فى الدنيا، أثرا.. فهى أبواب مفتحة، ينطلق فيها إلى ما لا حدود له..
«وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً» (١٩: النبأ) وقوله تعالى:
«وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ»
— 1501 —
أي أصغت، واستجابت لأمر ربها.. يقال أذن فلان لفلان، أي أصغى إليه، وأعطاه أذنه، متقبّلا ما يتحدث به إليه.. «وحقت» أي لزمتها الطاعة، وحقّ عليها الولاء والخضوع لأمر الله.. وهل تملك غير هذا؟ فإن لم تستجب لذلك طوعا أجابت كرها.. «فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (١١: فصلت) قوله تعالى:
«وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ. وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ» ومدّ الأرض، هو ظهورها كالبساط الممدود، فلا ترى العين المحلقة بعيدا فوقها، جبالا ولا هضابا، وإنما تراها على مستوى واحد، لا عوج فيها ولا أمتا.
وإلقاء ما فى الأرض: هو إخراج ما فيها من موتى، كما يقول سبحانه:
«وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها» (٢: الزلزلة) وفى التعبير هنا بلفظ الإلقاء- إشارة إلى أنها تلفظ ما فيها لفظا، كما يلقى سقط الجنين من بطن أمه.
وقوله تعالى: «وتخلت» أي أنها تخلت عما ألقته من بطنها، فلم تمسك به على ظهرها، وهذا ما يشير إلى أن الحشر سيكون فى موضع آخر غير الأرض، الله سبحانه وتعالى أعلم به.
قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ»
— 1502 —
هو جواب إذا الشرطية.. أي إذا حدث هذا، فاعلم يا أيها الإنسان أنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ومعنى الكدح: السعى الشديد، وقد أكد بقوله تعالى: «كدحا» أي سعيا جادّا متصلا، لا ينقطع..
أي أنه إذا حدثت هذه الأحداث، فتلك هى أشراط الساعة، وهنا تبدأ مسيرتك إلى المحشر، أيها الإنسان، وإلى لقاء ربك، وذلك على طريق كله أهوال وشدائد، تشيب لها الولدان..
قوله تعالى:
«فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً» أي وهناك فى موقف الحساب، يؤتى كل إنسان كتابه: «وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» (١٣- ١٤: الإسراء) فأما من أوتى كتابه بيمينه، فهو من أهل السلامة والنجاة. إنه يحاسب حسابا يسيرا، لا رهق فيه، لا عسر.. فما هو إلا أن يعرض فى موقف الحساب، حتى يخلى سبيله. ففترة العرض والانتظار، هى هذا الحساب اليسير.. ففى الحديث عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حوسب يوم القيامة عذّب» قالت: فقلت يا رسول الله: أليس قد قال الله:
«فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً» فقال: «ليس ذلك الحساب: إنما ذلك العرض.. من نوقش الحساب يوم القيامة عذب»
— 1503 —
ثم ينقلب من هذا الحساب- وقد برئت ساحته- يزف إلى أهله من إخوانه المؤمنين بشرى نجاته وسلامته، وقد غمره السرور، وفاض عليه البشر فلا يملك إلا أن يهتف بكل من يلقاه من أهل المحشر: «هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ» (١٩: الحاقة) قوله تعالى:
«وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً، وَيَصْلى سَعِيراً، إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ» «وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ» إشارة إلى أن المجرم حين رأى هذا الكتاب وما طلع به عليه من نذر الشؤم والبلاء- فرّ منه؟ وطرح يديه وراء ظهره بعيدا عنه، حتى لا يمسه، ولكن أنّى له أن يهرب منه، إنه لا بد أن يأخذه، فإن لم يمد يده هو إلى أخذه، لحق الكتاب به، وتعلق بشماله حيث بلغت مداها من الارتداد وراء ظهره.
وفى هذه الصورة ما يكشف عن حركات النفس، وما يتبعها من حركات ترتسم على الجوارح..!
وقوله تعالى: «فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً» أي أن من أوتى كتابه بهذا الأسلوب، من وراء ظهره، فسوف يصرخ صرخات الثبور، ويولول ولولات الهلاك، نادبا نفسه، ناعيا مصيره.. وكيف لا يكون منه هذا والنار قد فتحت أبوابها له.
وقوله تعالى: «إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً» إشارة إلى ما كان عليه هذا الضال فى الدنيا من غرور بنفسه، وإعجاب بحاله، وبما يسوقه إلى المؤمنين من كيد..
— 1504 —
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ» (٣١: المطففين) وقوله تعالى: «إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ» أي أن هذا الضالّ ظن أن لن يرجع إلى الله، وأن يبعث بعد الموت، ويحاسب على ما كان منه..
وحار: يحور: أي رجع إلى المكان الذي بدأ منه مسيرته، فى حركة دائرية تصحبه فيها الحيرة والقلق، والاضطراب.. وهكذا مسيرة الإنسان فى الحياة، بتحرك فيها على طريق دائرى، ينتهى من حيث بدأ ويبدأ من حيث انتهى.
وقوله تعالى:
«بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً» هو جواب بالإيجاب لما بعد النفي.. أي بلى ليحورنّ، ويرجعنّ إلى الله، الذي هو بصير بعباده، يعلم ما يصلحون له، وما يصلح لهم..
وهذه الحياة الأخرى، هى امتداد لحياة الإنسان الأولى على هذه الأرض..
والحياة على أية صورة نعمة من نعم الله، وهى على ما تكون عليه، خير من العدم.. ولو كانت الحياة الدنيا هى غاية حياة الإنسان، ثم عاد بعدها إلى العدم لكان شأنه فى هذا شأن أحط الحيوانات، من ديدان وحشرات.. وإرادة الله سبحانه وتعالى فى الإنسان أنه مخلوق مكرم مفضل على كثير من المخلوقات..
ومن مقتضى هذا التفضيل والتكريم أن تمتد حياته، وأن يتصل وجوده، وأن ينقل من عالم الأرض إلى عالم السماء! ولعل هذا هو بعض السر فى إضافة هذا الإنسان- على ضلاله- إلى ربه.. «إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً»..
فليتحمل الإنسان الضالّ، هذه النار فى سبيل الحياة، وليتطهر من أدرانه بها..
فتلك هى ضريبة الحياة، وإن كانت فادحة على أهل الكفر والضلال، كما كانت الحياة الدنيا ثقيلة على أهل العدل والإحسان..
م ٩٥- التفسير القرآن ج ٣٠
— 1505 —
وأما ما يتمناه الكافر حين يلقى به فى النار من قوله: الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً»
(٤٠: النبأ) فتلك صرخة من صرخات العذاب، إنه ينطق بها، وهو ممسك بالحياة حريص عليها، كما يفعل ذلك كثير من الناس فى الدنيا، حين تشتد بهم خطوبها، فيتمنون الموت.. ولو جاءهم الموت لفرّوا منه، وتشبثوا بحياتهم تلك..
الآيات: (١٦- ٢٥) [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١٦ الى ٢٥]
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)
وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)
التفسير:
قوله تعالى:
«فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ، لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ»..
قلنا- فى أكثر من موضع-: إن هذه الأقسام المنفية فى القرآن، إنما يقسم بها على أمور واضحة، لا تحتاج فى تقرير حقيقتها، وتوكيد وجودها، إلى قسم.. فالتلويح بالقسم هنا إشارة إلى أن ما يقسم عليه لا يحتاج إلى قسم
— 1506 —
لمن عنده أدنى نظر، أو مسكة عقل، فهو فى الواقع قسم مؤكّد بهذا النفي الذي وقع عليه..
والشفق: هو الصفرة المشوبة بحمرة، تعلو وجه النهار عند الغروب..
وهو إيذان بدخول الليل، ولهذا جاء الليل معطوفا على الشفق.. «فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ»..
وقوله تعالى: «وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ» - إشارة إلى ما يحمل الليل من نجوم وكواكب، كما أنه يحمل كل هذه الكائنات التي كانت تتحرك بالنهار، فيضمها إلى جناحه ويحملها على صدره، كما تحمل الأم وليدها.. والوسق:
الحمل، الذي يوضع على ظهر الدابة.
وقوله تعالى: «وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ» أي إذا اكتمل، وصار بدرا..
يقال: اتسق الشيء: أي بلغ غاية تمامه..
وفى الجمع بين الشفق، والليل، والقمر، مراعاة للمناسبة الزمنية الجامعة بينها.. فالشفق أول الليل من الأفق الغربي، والقمر أوله من الأفق الشرقي.. (حيث يكون اتساقه وكماله وهو بدر فى الليلة الخامسة عشرة.)
فالمقسم به الواقع عليه النفي، هو هذا الظرف من الزمن، وهو ليلة انتصاف الشهر القمري، حيث تغرب الشمس، ويطلع القمر.. أو حيث يولّى سلطان الشمس، ويقوم سلطان القمر..
فالظرف الزمنى هنا، هو الليل الذي يقوم عليه سلطان القمر..
والليل، بمثل الإنسان فى جسده الترابي، المظلم المعتم..
والقمر، يمثل الضمير، أو الفطرة المركوزة فى هذا الإنسان، والتي
— 1507 —
يهتدى بها إلى الحق والخير، حين تظلم شمس العقل، وتختفى فى ظلمات الحيرة، وبين سحب الشكوك والريب.
ولهذا وقع القسم على تلك الحال التي يركب فيها الإنسان غواشى الضلال، وتلقاه على طريقه المزالق والمعاثر: «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ» فلا يكون له مفزع حينئذ إلا فطرته، التي يهتدى بها إلى طريق النجاة، كما يفعل الحيوان فى تصريف أموره، على ما توجهه إليه غريزته.. فإذا افتقد الإنسان فطرته فى هذا الموطن، كان من الهالكين..
وقوله تعالى:
«لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ».
هو جواب لهذه الأقسام المنفية التي لوّح بها، والتي يخفيها النفي، ويظهرها للمقام..
وقوله تعالى: «طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ» أي لتتحولن عن حالكم تلك إلى حال أخرى مطابقة لها، حيث تجدون وجودكم فى الآخرة، صادرا عن وجودكم فى الدنيا..
وفى التعبير بالركوب، عن التحول من حال إلى حال، ومن موقف إلى موقف- إشارة إلى أن ذلك لا يكون إلا على طريق شاق، يلاقى فيه الناس الأهول والمخاطر..
إنهم ينتقلون من نهار، كله سعى وعمل، إلى ليل بطل فيه كل سعى وعمل.. وفى الليل يلتقى المهمومون مع همومهم، على حين يتناجى السعداء مع آمالهم وأحلامهم!.. ثم إنهم ينتقلون من الحياة إلى الموت، ثم من الموت
— 1508 —
إلى الحياة.. من الدنيا إلى الآخرة.. وهى رحلة طويلة شاقة يقطعها الإنسان فى جهد وعناء، متنقلا من حال إلى حال، ومتقلّبا فى صور مختلفة، ومنازل متبانية.
قوله تعالى:
«فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ»..
أي ما لهؤلاء المكذبين باليوم الآخر، لا يؤمنون به، ولا يعملون له وقد جاعتهم؟؟ به النذر؟.
وماذا أضلهم عنه، أو حجبهم دونه؟ إنه ليس إلا الكبر والعناد.. وإلا التنكر لفطرتهم التي تهتف بهم أن آمنوا بالله!.
وقوله تعالى:
«وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ».
ثم مالهم إذا تليت عليهم آيات الله، لا يسجدون لجلالها، ولا يخشعون لعظمتها؟..
وفى هذا إشارة إلى ما فى القرآن من جلال تعنو له الجباه، وتخشع لسلطانه القلوب.. «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» (٢١: الحشر)..
وقوله تعالى:
«بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ»..
هو إضراب عن هذا السؤال، الذي يستحثهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وإلى توقير آيات الله، والخشوع بين يديها.. فهذا التحريض لهم، لا ينفعهم، ولا يؤثر فيهم.. إنهم كافرون، والكافرون من شأنهم التكذيب:
— 1509 —
«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» (٦: البقرة) «إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ» (٩٦- ٩٧: يونس) وقوله تعالى:
«وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ»..
هو تهديد لهؤلاء المكذبين بآيات الله، المنكرين للبعث.. فالله سبحانه أعلم بما يجمعون من محصول ضلالهم وكفرهم..
ويوعون: من أوعى يوعى.. أي جمع وحفظ ما جمع فى وعاء.. ومنه قوله تعالى: «وَجَمَعَ فَأَوْعى» (١٨: المعارج)..
قوله تعالى:
«فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ».
وهكذا يتحول النبي مع هؤلاء المشركين المكذبين، من منذر إلى مبشر، ولكنه مبشّر بالعذاب الأليم لهم.. فهذا ما يبشرهم به، على حين يبشر المؤمنين بجنات النعيم.. وفى التعبير بالبشرى عن بالعذاب الأليم بدلا من الإنذار به- إشارة إلى أنه لا شىء لهؤلاء الضالين المكذبين يبشرون به فى هذا اليوم، وأنهم إذا بشروا بشىء فليس إلا النار، والعذاب الأليم.. وفى هذا تيئيس لهؤلاء الضالين من أي خير!! قوله تعالى:
«إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ»..
أي لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جزاؤهم من البر والإحسان، لا ينقطع أبدا.. فالاستثناء هنا منقطع..
— 1510 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

2 مقطع من التفسير