تفسير سورة سورة ص
الشعراوي
فكلمة الذكر تطلق على القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: وَقَالُواْ يٰأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [الحجر: ٦] ويُطلق الذكر على كتب الرسل السابقين، كما في قوله تعالى: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣].
ويُطلق الذكر على الصِّيت والسمعة، كما جاء في قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف: ٤٤] أي: القرآن.
وفي قوله تعالى: لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ.. [الأنبياء: ١٠] وما ارتفع العرب ولا علَتْ لغتهم إلا لأنها لغة القرآن.
ويُطلق الذكر أيضاً على التذكُّر، كما في قوله تعالى: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ.. [يوسف: ٤٢].
ويُطلق الذكر على التسبيح، كما في قوله تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ [النور: ٣٦-٣٧].
ويُطلق الذكر على معنى آخر، هو العطاء الجيد من الله، والعمل الطيِّع من العبد.
إذن: فلفظ الذكر أشبه في القرآن بالماسة تتلألأ في يدك، كلما قلَّبتها وجدتَ لها بريقاً. فكلُّ هذه المعاني تدخل تحت قوله تعالى: صۤ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ.
صۤ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ هذه معجزة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من الواجب أنْ يقتنعوا بها، وأنْ يؤمنوا بها لكنهم كفروا، فالمعنى: بل الذين كفروا ما صدَّقوه، بل هم في عِزَّة وشِقاق...
ومعنى: فِي عِزَّةٍ.. أي: عِزَّة الإثم، وهي التعالي والاستكبار عن الحق، وهي عزة بلا رصيد.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لكن من أين أتتهم هذه الشبهة؟ جاءتْ هذه الشبهة من استعظامهم الوجود، فهذا الكون البديع المحكم فيه أرض بها أنهار وجبال وزروع وثمار، وفيه سماء فيها شمس وقمر ونجوم وكواكب وأفلاك.. إلخ. فهذا الكون في نظرهم لا يقدر على خَلْقه واحد بمفرده، لا بد أن كثيرين اشتركوا في خَلْقه.
إذن: فعظمة الوجود هي التي جعلتهم يقولون بآلهة متعددة، وهنا لا بُدَّ أن نقولَ سبحان الله، فالعكس هو الصحيح في هذه المسألة، فعظمة الخَلْق دليل على أن الخالق واحد، ولو كان الخالق متعدداً لما جاء الخَلْق على هذا النظام والتناسق، ولو كان الخالق متعدداً لكان الحال كما وصفه الحق سبحانه: إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ.. [المؤمنون: ٩١].
فقولهم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً خطأ من ناحيتين: الأولى ظنُّهم أن عظمة الصنعة دليلٌ على تعدُّد الصانع، في حين أن عظمة الصنعة دليل على أن الصانع واحد، الأخرى: أنكم قُلْتم بتعدد الآلهة، والإله يعني المعبود المطاع في أوامره ونواهيه فقولوا لنا: بماذا أمرتكُم هذه الآلهة، وعَمَّ نهتكم؟ بل ماذا أعدَّتْ لمن أطاعها من الجزاء، وماذا أعدَّتْ لمن عصاها؟
إذن: قولكم آلهة كذب وهراء تقولونه بألسنتكم ما أنزل الله به من سلطان، ولو عرفتم معنى الآلهة ومعنى العبادة وأن المعبود لا بُدَّ أن يكون له منهج يسير عليه العباد، لو عرفتُم هذا لما قُلْتم بتعدُّد الآلهة.
لذلك الحق سبحانه يضرب لهم مثلاً، فيقول: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً.. [الزمر: ٢٩].
يعني: هل يستوي في العبودية عند مملوك لسيد واحد وعبد مملوك لعدة أسياد، وليتهم متفقون إنما متشاكسون مختلفون فيما بينهم، كذلك لا يستوي مَنْ عبد الله وحده ومَنْ عبد آلهة متعددة.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
هذه نَقْلة أخرى في جدالهم وتكذيبهم لرسول الله، فقبل ذلك كانوا يعترضون على بشرية الرسول، ويطلبون أنْ يكون الرسول مَلَكاً، والآن يتنازلون عن هذا المبدأ ويتحوَّلون إلى الذات، كما قال تعالى في موضع آخر: وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١].
يعني: لماذا محمد بالذات، وفينا أناس عظماء وسادة كانوا أَوْلَى منه بالرسالة؟ وهنا قالوا: أَءُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا لذلك الحق سبحانه يرد عليهم
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢] فجعل نبوته صلى الله عليه وسلم رحمة بهم.
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً [الزخرف: ٣٢].
يعني: كيف تتدخلون في هذه المسألة الهامة، تريدون أنْ تقسموا رحمة الله، والله هو الذي قَسَم لكم أمور الدنيا الهيِّنة، فجعل منكم سادة وعبيداً وأغنياء وفقراء.. إلخ إنْ كان الحق سبحانه هو الذي ينظم لكم أبسطَ أمور حياتكم، فكيف تطمعون في أنْ تقسموا أنتم فضل الله ورحمته؟
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] وذلك فَضْل الله يؤتيه مَنْ يشاء.
وقوله تعالى: بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي الذكْر هنا يعني القرآن، وكأن الحق سبحانه وتعالى يُسلِّي رسوله ويطيب خاطره، كما خاطبه في موضع آخر بقوله: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ الظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام. ٣٣]
والمعنى: لا تحزن يا محمد. فقومك لا يُكذِّبونك أنت إنما يُكذِّبون ما جئتَ به من الذكر، فأنت عندهم الصادق الأمين الذي لا غبارَ عليه، يعني المسألة ليست متعلقة بك وبشخصك أنت، إنما متعلقة بي أنا، فكأن الله تعالى حملها عن رسوله ليُطمئنه ويُسلِّيه ويُخفِّف عنه ما يلاقي من عناد قومه له.
وقوله سبحانه: بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ هذا لون من ألوان التهديد، يعني: لن يظلوا على هذه الحال من السلامة والنجاة فعذابهم قادم؛ ذلك لأن (لما) تفيد نَفْي الحدث في الماضي مع إثبات حدوثه في المستقبل، تقول: فلان لم يأْتِ يعني في الماضي وقد لا يأتي في الحاضر والمستقبل، إنما فلان لمَّا يَأْتي يعني: لم يأت في الماضي، وسوف يأتي في الحاضر أو المستقبل، فمعنى لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ يعني: حتى الآن لم ينزل بهم عذاب الله، لكن ينزل لا محالة.
فالعزيز هو الذي يغلب ولا يُغلب، فالله غالب لا يُغْلَب على أمره، ومَنْ كانت هذه صفته كيف يأخذون منه خزائن رحمته، وهو سبحانه: الْوَهَّابِ الذي يهب مَنْ يشاء تفضُّلاً وتكرُّماً منه سبحانه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وإياك أنْ تجعل المصيبة مصيبتين، حين تضعف أمام الأحداث فيجتمع عليك المصيبة والضعف عن تحملها...
هنا الحق سبحانه يريد أنْ يُسلِّي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ويُخفِّف عنه ما يلاقي من قومه، فقولهم عن رسول الله أنه ساحر وكاذب ومجنون.. إلخ كل هذا يُحزن رسول الله ويشقُّ عليه ويُؤلمه؛ لذلك مرَّتْ بنا آياتٌ كثيرة في تسليته صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ الظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].
وهنا يخاطبه ربه: اصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ثم يعطيه مثلاً من موكب الرسالات السابقة وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ لكن لماذا ذكر سيدنا داود بالذات في هذا المقام؟
قالوا: لأن قومَ سيدنا داود قالوا في حقه ما هو أفظع مما قيل في حَقِّ رسول الله، فكفار مكة قالوا: ساحر، وكاهن، وكذاب. أما قوم داود فقد اتهموه في شرفه وعفَّته وطهارته، حين زعموا أنه بعث بأحد قادته إلى حرب خارج البلاد؛ لأنه كان يحب زوجته، ويريد أنْ يخلوَ له الجو وينفرد بها، ومع ذلك صبر سيدنا داود.
والحق سبحانه يخاطب نبيه محمداً ويقول له: اصبر كما صبر داود. مع أن محمداً هو خاتم الرسل جميعاً، فلا رسالةَ بعده وفوَّضَه الله في أنْ يُشرِّع لأمته، وهذه خصوصية لم تسبق لأحد غيره من الرسل، وأرسل الله معه كتاباً خالداً مهيمناً على كل الكتب السابقة ومع ذلك يقول له ربه: اصبر كما صبر داود، وكما صبر إخوانك من الرسل ليدلَّ على أن أمة الرسالة أمة واحدة، كل منهم يُبلِّغ عن الله رسالة مناسبة لقومه، فالرسل جميعاً كشخص واحد.
لذلك قال تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ وبعد ذلك ذكر عدةَ رسُل من موكب الرسالات ولم يقُلْ عبادنا، كأنهم تجمعوا كلهم في مهمة واحدة فلا تفرق بينهم؛ لذلك يقول سبحانه: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَالَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ.. [الشورى: ١٣].
وقال صلى الله عليه وسلم:"لا تفضلوني على يونس بن متى".
لأنكم لا تعلمون مقاييس المفاضلة، فدعوا المفاضلة لله تعالى فهو الذي يُفضِّل، كما قال سبحانه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ.. [البقرة: ٢٥٣].
وتأمَّل هذا الشرف الكبير الذي ناله سيدنا داود حين تحدَّث الحق عنه، فقال وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ كذلك نال سيدنا محمد في استهلاك سورة الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١] فليس للإسراء حيثية، إلا أنه صلى الله عليه وسلم عبد أخلص العبودية لله فاستحق هذا الشرف العظيم؛ لذلك لما جَفتْ به الطائف واضطهدوه وشتموه جاء العزاء من الله، فإنْ كانت الأرضُ لم تحتَفِ بك، فسوف تحتفي بك السماء.
وقوله تعالى: ذَا الأَيْدِ يعني: صاحب القوة في العبادة، والإيمان يحتاج فعلاً إلى قوة تُعينك على الطاعة، وتزجرك عن المعصية، وتكبح جماحَ النفس حين تميل بك إلى المخالفة، أما الطاعة فتحتاج إلى قوة لأن الطاعةَ غالباً ما تكون ثقيلة على النفس، فتحتاج إلى قوة دافعة حافزة؛ لذلك يقول تعالى عنها: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَٰشِعِينَ [البقرة: ٤٥].
أما المعصية فلها لذة وجاذبية وشهوات تُلِح على النفس، فتحتاج كذلك إلى عزيمة وقوة رادعة كابحة؛ لذلك كثيراً ما يتكرر ذِكْر القوة في كتاب الله، فقال عن داود ذَا الأَيْدِ، وقال ليحيى عليه السلام: يٰيَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم: ١٢].
فالمؤمن لا بُدَّ أنْ يكون قوياً، قويَّ الإرادة والعزم، لا بُدَّ له من قوة الدفع إلى الطاعات لأنه يكسل عنها، وقوة الردع عن المعاصي لأنه يميلُ إليها، والإنسان لا يكسل عن الطاعة ولا يرغب في المعصية إلا حين يعزل العملَ عن الجزاء والعاقبة، ولو استحضر الجزاء وتذكَّر العاقبة لَهانت عليه الطاعة وخَفَّتْ على نفسه وسَهُلَتْ، ولَزِهدَ في المعصية، وفَرَّ منها فراره من الأسد...
ثم يقول تعالى في وصف سيدنا داود: إِنَّهُ أَوَّابٌ من الفعل آب آيب وأوَّاب صيغة مبالغة على وزن فعَّال. يعني: كثير التوبة والأوْب إلى الله، وهذه الكلمة فيها إشارة إلى أن الإنسانَ عُرْضة للمعصية، وأنه مهما تاب فهو مُعرَّض للعودة مرة أخرى؛ لأنه ليس معصوماً، المهم أنْ تحدثَ لكل ذنب توبةٌ، وألاَّ تكون مُصِراً على أن تعودَ...
وقوله تعالى في حَقِّ سيدنا داود: إِنَّهُ أَوَّابٌ تشرح لنا فيما بَعْد معنى
وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ [ص: ٢٤].
فإذا قرأتَ عن سيدنا داود: إِنَّا سَخَّرْنَا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ فاعلم أن الجبال تسبح على الحقيقة تسبيحاً لا يعلمه إلا ربها وخالقها. والميزة هنا لسيدنا داود ليست في تسبيح الجبال؛ لأن الجبال مُسبِّحة دائماً، إنما المعجزة هنا أنها تُسبِّح معه وتردد معه نشيداً واحداً، فالكلام في (معه) أي تُسبِّح مع تسبيحه.
لذلك قلنا في قولهم: سبِّح الحصى في يد رسول الله، قلنا: عدِّلوا العبارة، لأن الحصى يسبح حتى في يد أبي جهل، فالصواب والمعجز أن نقول: سمع رسول الله تسبيحَ الحصى في يده. هذه هي العظمة.
لذلك قالوا في كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ أي: داود والجبال والطير، كل منهم أواب لله خاضع له راجع إليه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قالوا: الفزع على قسمين: فزع يُحرِّك قلبك بالجزع ولكن قالبك سليم لم يتأثر. وفزع آخر ينضح من القلب على القالب فيتأثر حتى تظهر عليه علامات الفزع.
وقد كان فزع سيدنا داود من النوع الثاني، لماذا؟ قالوا: لأن الملائكة حين رأوْه على هذه الحال قالوا له لاَ تَخَفْ ولا يقولون له ذلك إلا إذا انفعلَ قالبُه انفعالاً يدلُّ على الخوف، فهذا دليل على أن الفزع تجاوز قلبه إلى قالبه.
ونفهم أيضاً من قولهم له لاَ تَخَفْ أنهم ليسوا من رعيته، وليسوا من البشر؛ لأن واحداً من الرعية لا يجرؤ أنْ يقول للملك: لا تخف.
وقولهم: خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ يدلُّ على اتفاقهم رغم خصومتهم، فقد تكلَّموا جميعاً في نَفَس واحد، أو تكلَّموا بالترتيب، أو تكلم واحد منهم وأمَّن الباقون، والمُؤمِّن أحد الداعين، فكونهم تكلموا بهذه الصورة المنظمة وأيديهم في أيدي بعض، فهذا يدلنا على أنه خلافَ بينهم، ولا يطمع أحد منهم في الآخر، إذن: ما المسألة؟ وما حقيقة مجيء هؤلاء على هذه الصورة؟ لا بُدَّ أن لهم هدفاً آخر.
ومعنى (بغى) حاول أنْ يطغى وأنْ يظلم فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ هذا القول منهم دلَّ على جراءتهم، ودلَّ على أنهم من ملأ آخر غير البشر من الملائكة. ومعنى وَلاَ تُشْطِطْ يعني: لا تبتعد عن الحق ولا تَجُرْ.
وَاهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ الصِّرَاطِ اهدنا أي جميعاً دون تمييز بين واحد وآخر، فهم خصم لكن سواء بدليل قولهم بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ دون أن يميزوا الباغي من الذي بُغِي عليه، والصراط هو الطريق المستقيم، وسواء الصراط يعني وسطه، والمعنى: دُلَّنا على الحق أو عين الحق، ثم أخذوا في عرض قضيتهم: إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً...
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
إذن: هذه المسألة لا دخلَ لها في القضية لأنه ظالم وإنْ لم يكن له تسعة وتسعون. إذن: سيدنا داود أولاً حكم قبل أنْ يسمع من الطرف الآخر، ثم أدخل في حيثية الحكم ما ليس له دَخْل فيه، وهو قوله: إِلَىٰ نِعَاجِهِ فربما هم حاقدون عليه أن يكون عنده تسع وتسعون.
وقوله تعالى: وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْخُلَطَآءِ أي: الشركاء لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ المعنى: أن هذه القضية ليستْ قضية فذَّة ولا مفردة، إنما هي ظاهرة كثيرة الحدوث بين الشركاء، فكثيراً ما يبغي شريكٌ على شريكه ويظلمه مع أنهم ما تشاركوا إلا لمحبة بينهما واتفاق وتفاهم، لكن هذا كله لا يمنع ميل الإنسان إلى أنْ يظلم، وما أشبه هؤلاء بالمقامِرين تراهم في الظاهر أحبَّة وأصدقاء، في حين أن كلاً منهم حريص على أخْذ ما في جيب الآخر.
ثم يلفتنا الحق سبحانه إلى أن هذه المسألة ليستْ على إطلاقها، إنما هناك نوع آخر من الشركاء لا يظلم، فمَنْ هم؟ هم الذين استثناهم الله بقوله: إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لكنهم قليلون وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ أي: أقلّ من القليل أو قليل جداً...
ثم يقول تعالى مبيناً حال سيدنا داود بعد أنْ مَرَّ بهذه القضية: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ يعني: اختبرناه وابتليناه، وظن هنا بمعنى علم وأيقن، وكأن الحق سبحانه يُعلِّم داود علم القضاء وأصوله فامتحنه بهذه المسألة، فكانت بالنسبة له [فتنة] في أمور ثلاثة: الأول: أنه خاف وفزع وهو في حضرة ربه من خَلْق مثله يقبلون عليه، وظن أنهم سيقتلونه. الثاني: أنه حكم للأول قبل أنْ يسمع من الآخر. الثالث: أنه أدخل في حكمه حيثية لا دخلَ لها في المسألة.
وكلمة فَتَنَّاهُ أي: اختبرناه من قولهم: فتن الذهب على النار ليُخلِّصه من العناصر الخبيثة فيه.
فلما علم سيدنا داود بذلك لم يتأَبَّ، إنما استغفر ربه من كل ذلك فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ.. أي: سقط على الأرض سقوطاً لا إرادياً، والسقوط هنا يناسب السجود لا الركوع؛ لذلك قال تعالى: يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً [الإسراء: ١٠٧] فكلمة خر أعطتنا المعنيين يعني: خرَّ ساجداً حالة كونه راكعاً قبل أنْ يسجد ومعنى وَأَنَابَ رجع إلى الله بالتوبة.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ومعنى "ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ "أي: أنهم يظنون أنها خُلِقَتْ باطلاً، ذلك ظَنُّهم وهو مجرد ظن، ولو جاء الخَلْق كما يظنون ما كان خَلْقاً، لأن الخَلْق لا بُدَّ أن يكون له غاية عند الخالق قبل أنْ يخلق، كما قلنا أن الذي اخترع الغسالة أو الثلاجة قبل أنْ يخلقها حدَّدَ لها مهمتها، لا أنه خلقها. وقال: انظروا فيما تصلح هذه الآلة.
فالذي صنع هو الذي يحدد الغاية، وهو الذي يضع قانون الصيانة لصناعته. لذلك نقول: إن ضلالَ العالم كله ناشئ من أنهم يريدون أنْ يقننوا بأنفسهم غاية ما صنع الله، ويريدون أنْ يضعوا لخَلْق الله قانون صيانته، وأنْ يتجاهلوا ما وضع الله، لا رد الأمر إلى صاحبه كما تفعل في أمور الدنيا، فكل صانع أعلم بما يُصلح صَنْعته.
ثم يأتي هذا التهديد: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ كثيراً ما يُهدِّد الخالق سبحانه خَلْقه بالنار، ويتوعَّدهم بالعذاب، والبعض يرى في ذلك لوناً من القسوة، والحقيقة أنها لَوْنٌ من ألوان الرحمة لا القسوة، فمن رحمة الله بنا أنْ يعظم الذنب، وأنْ يُظهر العقوبة، ومن رحمته بنا أنْ يضعَ الجزاء قبل أنْ يقع الذنْب؛ لأنك حين تستحضر الجزاء ترتدع ولا تفعل. إذن: التهديد والوعيد لحكمة.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
والقرآن مباركٌ، وآياته مباركة من حيث الأحكام الظاهرية، لأنه سيربي النفس على استقامة، هذه الاستقامة لو نظرتَ إليها اقتصادياً تجد أنها لا تُكلِّفك شيئاً، نعم الاستقامة لا تكلفك، أمَّا الانحراف فهو الذي يُكلِّف... ثم إن القرآن مُبَاركٌ من ناحية أخرى، فحين تتفاعل مع المنهج، وحين تعشقه يُبيِّن لك الحق سبحانه ألواناً من الأسرار يتعجَّب منها غيرك، ويفتح عليك فُتُوحات عجيبة، ألم يتعجَّبْ موسى -عليه السلام- وهو نبيّ الله من عمل العبد الصالح، والعبد الصالح عبد الله على منهج موسى، ومع ذلك أمر الله موسى أنْ يتبعَ العبد الصالح، وأن يتعلَّم منه، لكنه يتبعه بإخلاص وبعشق، فلما اتبعه موسى بعشق وإخلاص تعلَّم منه الأعاجيب،...
ومعنى لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِه.. والتدبُّر هو ألاَّ ننظر إلى الوسيلة نظرةً سطحية، إنما ننظر بتفكُّر وتمعُّن وحساب للعاقبة، ننظر إلى الخلفيات واللوازم لنستنبط ما في الشيء من العِبَر،... وقوله: وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ أي: أصحاب العقول الواعية، وتأمل هنا أن الحق سبحانه يُنبِّه العقول، ويُحرِّك الفهم إلى تأمُّل آياته في الكون، والمقابل لك أو الذي بينك وبينه صفقة لا ينبهك إليها، إلا لأنه واثق أنك ستُقبل عليها وإلا أخفاها ودلَّسَ عليك، كالذي يبيع لك سلعة جيدة تراه يشرح لك مزاياها، ويدعوك إلى اختبارها، والتأكد من جودتها ويُنبِّه عقلك إلى ما خَفِي عنك منها...
فالحق -سبحانه وتعالى- يدعونا إلى تأمُّل آياته وتدبُّرها والبحث فيها، لأنه سبحانه واثق أننا حين ننظر وحين نبحث ونتأمل سنقتنع بها، وسنصل من خلالها إلى الحق والصواب. ومع ذلك نرى البعض يقف أمام بعض المسائل الدينية يقول: هذه مسألة فوق البحث ولا عملَ للعقل فيها، ونقول: لكن أمرنا بالتدبُّر والتفكّر والتأمّل في الكون، فلا مانع أنْ نبحث.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
يعني: يمسح على سُوق الخيل وأعناقها دلالةً على إكرامها والاهتمام بها، وخصَّ السُّوق والأعناق من الخيل لأنها أكرمُ ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسُّوق أداة الحَمْل والجري، والمعنى أنه سُرَّ منها فمسح بيده على السُّوق والأعناق.
بعض المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يُراد به أنه أراد قَتْلها وذبْحها؛ لأنها أَلْهَتْهُ عن الصلاة، وهذا الكلام أقربُ إلى الإسرائيليات؛ لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب الخيل؟
والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في بني إسرائيل، وكثيراً ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبداً بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أنْ يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئاً من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرُّف، إلا لأنه ضمن منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملْك الواسع تعهَّد لله تعالى بهذه العدالة...
فكأنه لم يطلب النعمة والملْك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوةً كانت أعظمَ القُوَى في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣] أي: بلقيس...
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
والركْض هو القذف بشدة وسرعة، تقول: ركضتُ الفرسَ. يعني: غمزتُه برجلي هكذا من تحت ليسرع، ثم يتجاوز السياق مسألة الركض إلى النتيجة مباشرة هَـٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ولم يقل: فركض فخرج الماء كذا وكذا، إنما انطوى هذا كله، واكتفى بالأمر (ارْكُضْ).
والمعنى: أن في هذا الماء مغتسلاً لك وشراباً، لأن المرض الذي أصاب سيدنا أيوب يبدو أنه كان مرضاً جلدياً يترك على بشرته بُثوراً تشوِّه جلده. والآن نرى الأطباء الذين يعالجون الأمراض الجلدية يعالجونها بالمراهم الظاهرية التي تعالج ظاهر المرض، لكن لا تتغلغل إلى علاج سبب المرض الداخلي.
فكان من رحمة الله بسيدنا أيوب أنْ جعل شفاءه الظاهري والباطني في ركضة واحدة تخرج الماء، فيغتسل منه مُغتسلاً بارداً، يشفي ظاهر مرضه وشراب يشفي أسباب المرض في داخل جسمه.
ومضمون الذكرى هنا أنه لما صبر جاءه الفرج من الله، فعاد جسمه مُعَافاً سليماً بعد أنْ برئ من المرض ومن أسبابه، ثم عاد إليه أهله بزيادة مثلهم عليهم رفقاً بعواطفه. وهذا هو المراد بالرحمة في قوله رَحْمَةً مِّنَّا..، فهذه عطاءات متعددة جاءت ثمرة ونتيجة لصبره عليه السلام ورضائه بما قضى الله به.
إذن الذكرى التي نذكرها في هذه القصة أن الإنسان حين ينزل به الكرب يلجأ إلى الله، ويفزع إليه في كربه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ومعنى الأَخْيَارِ جمع خيِّر. والمعنى: اصطفيناهم لما فيهم من الخيرية، التي تؤهِّلهم لهذا الاصطفاء.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
فمن هذا الباب دخلتُ إليهم، ومن هذا الباب لأغوينهم أجمعين، فأنا لا آخذهم منك يا رب، ومَنْ تريده منهم لا أستطيع الاقترابَ منه، بدليل قوله بعدها: إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ إذن: عِزّتك عنهم هي التي أطمعتني فيهم.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
إذن: الحق سبحانه لا يكلِّفك بهذا الإقرار إنما يُذكِّرك به، لأن التكليف أُخِذَ عليك يوم أنْ كنتَ ذرةً في ظهر أبيك آدم، ولم تكُنْ لك شهوة.
ثم تختم السورة بقوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ أي: الذين كذَّبوا القرآن سيعلمون عاقبة هذا التكذيب، وسيعلمون أنه خبر صادق، سيعلمون ذلك بَعْدَ حِينِ قالوا: الحين يُرَاد به ظهور الإسلام وانتصاره على الكفر، بداية من معركة بدر إلى أنْ قال القائل: عجبتُ لهذا الأُمِيِّ، كيف يفتح نصف الدنيا في نصف قرن، نعم هذه عجيبة ولا تزال حتى الآن.
وقد شاهد هؤلاء المكذِّبون بأعينهم انتصارَ الإسلام واندحار الكفر، وشاهدوا نقصان رقعة أرض الكفر، وازدياد رقعة أرض الإيمان، كما قال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا.. [الرعد: ٤١] ومع ذلك لم يأخذوا من فتوحات الإسلام عبرة.
وقالوا: الحين يراد به القيامة حين يدخل هؤلاء المكذبون النارَ، عندها سيعلمون صِدْق هذا الكلام الذي أخبرهم الله به في قرآنه.
وكلمة النبأ لا تقال إلا للخبر العظيم الهام، كما قال سبحانه: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ [ص: ٦٧-٦٨].
فما بالك بنبأٍ الذي وصفه بأنه عظيم هو الله؟ وعظمة الخبر تأتي بمقدار ما يُهيئ من الخير للإنسان، فالخبر بأنك نجحت في القبول، غير الخبر بنجاحك في التوجيهية، غير الخبر بأنك أصبحت وزيراً، فعِظَم الخبر بمقدار ما يحمل لك من الخير المرجو منه للإنسان.
إذن: ما بالك بالخير الذي ينتظرك بعد قيامك بالتكاليف الربانية، إنه خير لا يسعدك في دنياك المنقضية فحسب، إنما يسعدك في آخرتك الباقية الخالدة، فعِظَم هذا الخبر أنه ضَمِن لك الحياتين الدنيا والآخرة.
وأسأل الله في آخر السورة أنْ يجعل لنا حظاً من قوله: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ.
تم عرض جميع الآيات
36 مقطع من التفسير