تفسير سورة آل عمران

الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
تفسير سورة سورة آل عمران من كتاب الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه .
لمؤلفه مكي بن أبي طالب . المتوفي سنة 437 هـ

﴿ فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ ﴾

قوله تعالى: ﴿فإن حاجُّوكَ فَقُلْ أَسلمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه﴾:
(ذكر) بعضُ العلماء أنه منسوخٌ بقوله: ﴿وَجادِلْهُم بالتِي هِيَأحْسَن﴾ [النحل: ١٢٥].
قال أبو محمد: وهذا إنّما يجوز على قول من قال: إن مِنْ قوله تعالى: ﴿ثم إنَّ رَبَّك لِلذَّينَ هَاجَروا﴾ - في النحل - ألى آخرها مدنيّاًوهو قول قتادة.
[وأكثر العلماء على أن السورة مكية] إلا ثلاث آيات نزلَتْ بينأُحُد والمدينة وهي قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم﴾ إلى آخر السورة، فعلى قول الجماعة: لا يجوز أن تَنْسَخَ ﴿وَجَادِلْهُم بالتِي هِيَ أَحسن﴾ قَوْلَه:﴿فإن حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه﴾ لأنَّ المكيَّ لا ينسخُ المدنيَّ [البتَّةَ، ولا يجوز، كيف يَنْسَخُ الشَّيْءَ ما لم ينزل بَعدُ؟‍‍‍‍!
وهو يجوزُ على قول قتادة؛ لأن المدنيَّ يَنْسَخُ المدنيَّ].
قال أبو محمد: والذي أقولُه إن هذا لا نسخَ فيه؛ لأنَّ قولَه:﴿فَقُلْ أسلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه﴾ هو مِن المجادَلة بالتي هي أحسن. فالآيتان مُحْكَمتان.

﴿ قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ لِّيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ ﴾

قولُه تعالى: ﴿قالَ آيتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلاّ رَمْزاً﴾:
مَن أجازَ نَسْخَ القرآن بالسُّنَّةِ، قال: هذا منسوخٌ بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"لا صمت يوماً إلى الليل".
قال أبو محمد: وهذا لا يجوزُ أن يكونَ فيه نسخٌ؛ لأنه خبرٌ من اللهلنا عما كان مِن أمره لزكريّا عليه السلام. وليس بأمرٍ لنا. ولا (تَعبَّدنا اللهُبه فيجوزُ أن يُنْسَخ. إنّما هو حكايةٌ عمّا كان. ولا (تُنْسَخُ الحكاياتُلأنها إخبارٌ عمَّا كان.
وقد قيل: إن معنى الحديث: "لا صُمْتُ عَن ذكرِ الله يوماً إلى الليل"، وتركُ ذكرِ الله ممنوعٌ منه في كُلِّ شريعةٍ، فهذا هو المختار.
وإنما يجوز أن يكونَ هذا منسوخاً: لِقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صمتُ يوماً إلىالليل" - على قول مَن قال: إن شرائعَ الأنبياء يلزمُنا العملُ بها ما لم يُحْدِثاللهُ لنا حُكْماً يخالفُها. وهذا أصلٌ فيه تنازعٌ "بين أَهلِ الأُصول" سنذكره فيغير هذا الكتاب، وقد (ذكرنا) متقدِّماً منه طرفاً وإشارةً تُنَبِّهُ علىالصَّواب في ذلك.

﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقاتِه﴾:
قال قتادةُ: هذه الآيةُ منسوخةٌ بقوله: ﴿اتَّقوا الله مَا استَطَعْتُم﴾ [التغابن: ١٦].- وقاله الربيع بن أنس والسُّدِّي وابنُ زيد -.
وأكثرُ العلماء على أنه محكمٌ (لا نسخَ فيه)؛ لأن الأمرَ بتقوى الله لايُنْسَخُ. والآيتان تَرْجِعان إلى معنىً واحد.
قال أبو محمد: وهذا القولُ حسنٌ؛ لأن معنى ﴿اتَّقُوا اللهَ حقَّتُقاتِه﴾: اتقوه بغايَةِ الطَّاقَةِ، فهو قولُه: ﴿اتَّقوا الله ما استطعتم﴾؛ إذ لا جائزَأن يُكَلِّفَ اللهُ أحداً ما لا يُطيق. وتقوى اللهِ بغايةِ الطَّاقةِ واجبٌ فرضٌ فلا يجوزُ نَسْخُه؛ لأَنَّ في نسخِه إجازةَ التقصير مِنَ الطَّاقَةِ (في) التقوى، وهذا لا يجوز.
وقد قال قتادةُ والسُّدِّي وطاووس: "حقَّ تُقاتِه": أن يطاعَ فلا يُعصى، ويذكرَ فلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر.
قال أبو محمد: ولا يجوزُ نَسْخُ شيءٍ من هذا.
وقال ابن عباس: حقَّ تُقاتِه: أن تجاهدَ في الله حقَّ جهاده ولا تأخذَكَفي الله لومةُ لائم. وأن تقوموا لِلَّهِ بالقِسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم.
وهذا كُلُّهُ لا يُنْسَخُ ولا يحسُنُ فيه ذلك.

﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾

قولُه تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِن الأَمْرِ شيءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهُمْ﴾:
قال بعضُ الكوفيين: هذا ناسخٌ للقنوتِ الذي كان النبي - عليه السلام - يَقْنُتُ به في (شهر) رمضان، ويدعو فيه على الكفَّار مِن قومِه(وغيرِهم).
قال أبو محمد: وقد كان حَقُّ هذا أَلاَّ يُذْكَرَ في الناسخ والمنسوخ؛لأنَّه لم يَنْسَخْ قُرآناً. وأيضاً فإنه لو كان (هذا) منسوخاً لم يَجُزْ لنا أن ندعوَاليومَ على الكُفَّارِ ونلعَنُهم في صلاتنا، وذلك جائزٌ بإجماع.
وقد قال أَنسُ بنُ مالك وغيرُه: إنَّ هذه الآية نزلت فيما أصابَ النبيَّيومَ أُحُد من المشركين إذ كَسروا رُباعيَّتَه، وشَجُّعوا جبينه، فجعل - صلى الله عليه وسلم -يمسح الدم عن وجهه ويقول: كيف يُفْلِحُ قومٌ خضَّبوا (وجهَ) نَبيِّهم بدمه، وهو يدعوهم إلى الله؟‍‍! فنزلت: ﴿ليْسَ لَكَ مِن الأمْرِ شيءٌ﴾ - الآية -.
فهي غيرُ ناسخةٍ لشيء. وهذا أَولى بالآية.

﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

قوله تعالى: ﴿ولا تَحسَبَنَّ الذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أمْوَاتاً بَل أحيَاء﴾إلى: ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾:
روي عن مطرفِ عن مالكٍ عن ابن شهابٍ عن أنس بن مالك أنه قال: نزلت في الذين قُتلوا يومَ بئرِ معونة، وذلك أنهم لما أُدخلوا الجنةَ قالوا: يا ليتَ قومَنا يعلمونَ بما أكرمنا ربُّنا، فقال الله: أنا أُعْلِمُهُم عنكُم. فأنزل الله في ذلك: (بَلِّغُوا قومَنا أَنْ قَد لقينا رَبَّنا فرضيَ عَنَّا ورضينا عنه). قال أنس: وكان ذلك قُرآناً قرأناه، ثم نُسِخَ بقوله: ﴿ولاَ تَحْسَبَنَّ الذِينَقُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ إلى قوله: ﴿ولاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾.
قال أبو محمد: وكان حَقُّ هذا (أَلاَّ يُذْكَرَ في الناسخ لأنه لم ينسخ قرآناً مجمَعاً عليه يقطع على عينه. ولكن رواه مالك، عنهفذكرناه لأنه قد نَسخ شيئاً غيرَه.

Icon