ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌ

أَلَسْتم خير من ركب المطايا (١)
أي: أنتم كذلك.
وقوله تعالى: مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الملك: تمام القدرة واستحكامها (٢)، وقد مرَّ. ومعنى الآية: أنه يملك السماوات والأرض ومن فيهن، وهو أعلم بوجه الصلاح فيما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ (٣).
وقوله تعالى: مِنْ وَلِيٍّ هو فعيل بمعنى الفاعل (٤)، يقال: هو والي الأمر ووليُّه، أي: القائم به والذي يلي عليه (٥).
وشرحنا (٦) معنى الولي عند قوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥٧] ومعنى: وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ تحذير العباد من عذابه، إذ لا مانع منه (٧).
١٠٨ - قوله تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ الآية، قد ذكرنا بعض أحكام أم في قوله: أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة: ٦]، (٨) والذي بقي هاهنا أن أم تقع (٩)

(١) عجزالبيت:
وأندى العالمين بطون راح
وهو لجرير، في "ديوانه" ص ٨٥، وفي "المجموع شرح المهذب"١٠/ ٢٩٨، "المعجم المفصل" ٢/ ١٣٣، وانظر ٢/ ٣٦٣.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٩١، وينظر: "الوسيط" ١/ ١٩٠.
(٣) نفسه.
(٤) انظر: "البحر المحيط" ١/ ٣٤٥.
(٥) ينظر: "الوسيط" ١/ ١٩٠.
(٦) يعنى: سيأتي شرحه.
(٧) ينظر: "الوسيط" ١/ ١٩٠.
(٨) "البسيط" ١/ ٤٧٤ - ٤٧٥ تحقيق: الفوزان.
(٩) في (ش): (تقطع).

صفحة رقم 235

عاطفة بعد الاستفهام، كقولك: أخرج زيدٌ (١) أم عمرو؟ وأَزَيدٌ عندك أم عمرو؟، فيكون معنى الكلام: أيهما عندك؟، ولا تكاد تكون عاطفة إلا بعد الاستفهام (٢).
قال الفراء: ويجوز أن يستفهم بها، فتكون (٣) على جهة النسق في ظاهر اللفظ، وفي المعنى تكون استفهامًا مبتدأً به، منقطعًا مما قبله، وذلك مثل قوله تعالى: الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [السجدة: ١ - ٣]. فجاءت (أم) وليس قبلها استفهام، وهي دليل على أنها استفهام مُبتدأ على كلام قد سبقه (٤)، وتقديره: بل أتقولون افتراه، فلو لم يتقدمه كلام لم يجز أن تستفهمَ مبتدئا كلامك بـ (أم)، ولا يكون إلا بالألف أو بهل، فأم استفهام متوسط والمتقدم يكون بالألف أو بهل (٥).
فأما قوله أَمْ تُرِيدُونَ فيجوز فيه الوجهان جميعًا، إن شئت قلت قبله استفهام رُدَّ عليه، وهو قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ (٦).
فإن قيل: كيف يُرَدّ (أم تريدون) عليه والأول خطاب للنبي - ﷺ -، والثاني خطاب للجماعة؟ قيل: الله تعالى رجع في الخطاب من التوحيد إلى الجمع، وما خوطب به عليه السلام فقد خوطب به أُمّته، فيكتفى به من أُمّته، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١]، فوحَّد ثم جَمَعَ،

(١) في (ش): (زيدًا).
(٢) ينظر: "مغني اللبيب" ١/ ٤٢، "البحر المحيط" ١/ ٣٤٦.
(٣) في (أ)، (م): (فيكون).
(٤) كذا في "معاني القرآن" للفراء١/ ٧١.
(٥) من قوله: (فأم استفهام)... ساقط من (ش).
(٦) كذا في "معاني القرآن" للفراء ١/ ٧١.

صفحة رقم 236

كذلك فيما نحن فيه، ويكون المعنى على هذا: أيُّهما عندكم العلم بأن الله قدير، وأن له ملك السماوات والأرض، أم إرادة سؤال الرسول الآيات؟ والله تعالى علم أيهما عندهم.
وإن شئت جعلت أم منقطعًا مما قبله في المعنى، مستأنفًا بها الاستفهام، فيكون استفهامًا متوسطًا في اللفظ مُبتدئًا في المعنى، كقوله تعالى: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ الآية. ثم قال: أَمْ أَنَا خَيْرٌ [الزخرف: ٥١ - ٥٢] وهذا يطرد فيه الوجهان العطف بالاستفهام، والابتداء به (١). ومثله قوله: مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ [ص: ٦٢ - ٦٣]. فمن قرأ: أَتَّخَذنَاهُم بفتح الألف فـ (أم) جاءت بعد الاستفهام (٢)، ومن وصل الألف فـ (أم) فيه بمنزلته في قوله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [السجدة: ٣].
قال الفراء: وربما جعلت العرب (أم) إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه أيٌّ على جهة (بل) فتقول (٣): هل لك قبلنا حقٌ أم أنت رجل ظالم؟ على معنى: بل أنت (٤).
وأنشد ابن الأنباري على هذا:

تروحُ من الحيِّ أم تَبْتَكرْ وماذا يضُرُّك لو تَنْتَظِرْ (٥)
(١) ينظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٧٢.
(٢) ينظر: "معاني القرآن" للفراء ١/ ٧١ - ٧٢.
(٣) في (أ)، (م): (فيقول). وفي "معاني القرآن" ١/ ٧٢: (فيقولون).
(٤) كذا بنحوه في "معاني القرآن" للفراء ١/ ٧٢، ونقل أغلب ما سبق عن الفراء الطبري في "تفسيره" ١/ ٤٨٤ - ٤٨٥، وينظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية ١/ ٤٤١.
(٥) البيت لامرئ القيس، ينظر: "ديوانه" ص ٦٨، "لسان العرب" ٥/ ٢٧٧٧، (مادة: عبد)، "المعجم المفصل" ٣/ ٣١.

صفحة رقم 237

فقال: يجوز أن تكون أم في هذا البيت مردودة على الألفِ المُضْمَرة مع تروح وكافية منها، كقوله:

فوالله ما أدري وإنْ كنتُ داريًا بسبعٍ رمينَ الجمرَ أم بثمانِ (١)
ويجوز أن يكون هي حرف الاستفهام متوسطًا.
فأما التفسير فقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من قريش، قالوا: يا محمد، (اجعل لنا) (٢) الصَّفَا ذهبًا، ووسِّع لنا أرضَ مكة، وفجَّر الأنهار خلالها تفجيرًا، نؤمنْ بك، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٣). والذي سأل قوم موسى أنهم قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣]، (٤). قال
(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة، ينظر: "ديوانه" ص ٢٦٦، "المعجم المفصل" ٨/ ١٨٦.
(٢) ساقطة من (م).
(٣) كذا ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١/ ١١١٠، والمصنف أيضًا في "أسباب النزول" ص ٣٤، القرطبي ٢/ ٦٢، وأبو حيان في "البحر المحيط" ١/ ٣٤٥ وذكره الحافظ في "العجاب" ١/ ٣٥٠ عن الواحدي، وقال: ذكره الثعلبي، ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.. وقد ذكر الطبري في تفسيره ١/ ٤٨٣، ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٣٢٨ أسبابًا أخرى، ومن ذلك: ما رواه ابن أبي حاتم بسنده الحسن كما في "التفسير الصحيح" ١/ ٢١٣ عن محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة، ووهب بن زيد لرسول الله - ﷺ -: يا محمد ايتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارًا نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك عن قولهم: (أم تريدون..) الآية. قال الثعلبي في "تفسيره" ١٥/ ١١١: والصحيح إن شاء الله أنها نزلت في اليهود حين قالوا: ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة، لأن هذه السورة مدنية، وتصديق هذا القول: قوله عز وجل: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ [النساء: ١٥٣].
(٤) قال الشنقيطي في "أضواء البيان" ١/ ١٤٥ لم يبين هنا الذي سأل موسى من قبل من هو؟ ولكنه بينه في موضع آخر، وذلك في قوله: (يسألك أهل الكتاب...) الآية.

صفحة رقم 238

المفسرون: إن (١) اليهود وغيرهم من المشركين تمنَّوا (٢) على رسول الله - ﷺ -، فمِنْ قائلٍ يقول: ائتنا بكتاب من السماء جملة واحدة (٣)، كما أتى موسى بالتوراةِ، ومِن قائلٍ يقول، وهو عبد الله ابن أبي أمية المخزومي (٤): ائتني بكتاب من السماء فيه من الله رب العالمين إلى أُبي بن (٥) أُميّة: اعلم أني قد أرسلت محمدًا إلى الناس، ومِن قائلٍ يقول: لن نؤمن أو تأتي بالله والملائكة قَبيلًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٦).
وقال أبو إسحاق: معنى الآية: أنَّهم نُهوا أن يسألوا النبي - ﷺ - مالا خير لهم في السؤال عنه (٧)، إنما خُوطبوا بهذا بعدَ وضوحِ البراهين لهم، وإقامتهم (٨) على مخالفتهم (٩).

(١) في (ش): (بأن).
(٢) تحرفت في "أسباب النزول" ص ٣٧ إلى تمنعوا.
(٣) ساقطة من (أ)، (م).
(٤) هو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم ابن عمة النبي - ﷺ - عاتكة بنت عبد المطلب، كان من كفار مكة ومن أقوى المعارضين للرسول - ﷺ - ودعوته ولم يزل كذلك حتى عام الفتح، فهاجر إليه قبل الفتح هو وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب، وأسلما وحسن إسلامهما، وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف، ورُمي من الطائف بسهم فقتله. ينظر: "معجم الصحابة" لابن قانع ٢/ ٥٢١، "أسد الغابة" ٣/ ١٧٧، "البداية والنهاية" ٤/ ١٣٠.
(٥) في الأصل: أبي بن، والتصويب من "أسباب النزول" ص ٣٨.
(٦) ينظر تخريج كلام ابن عباس السابق، وكذا أيضا في "أسباب النزول" للمصنف ص ٣٧ - ٤٨، "البحر المحيط" ١/ ٣٤٦.
(٧) في "معاني القرآن" عنه وما يكفرهم وإنما.
(٨) في "معاني القرآن" وإقامتها.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٩٢.

صفحة رقم 239

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية