قوله تعالى: اجعل هذا بَلَداً آمِناً : الجَعْلُ هنا بمعنى التصيير فيتعدَّى لاثنين ف «هذا» مفعولٌ أولُ و «بلداً» مفعولٌ ثانٍ، والمعنى: اجْعَلْ هذا البلدَ أو هذا المكانَ. و «آمناً» صفةٌ أي ذا أَمْن نحو: «عيشةٌ راضيةٌ» أو آمِناً مَنْ فِيه نحو: ليلةٌ نائمٌ. / والبلدُ معروفٌ وفي تسميته قولان، أحدُهما: أنه مأخوذُ من البَلْدِ. والبَلْدُ في الأصل: الصَّدْر يقال: وضَعَتِ الناقةُ بَلْدَتها إذا
صفحة رقم 108
بَرَكَتْ أي: صدرَها، والبَلَدُ صدرُ القُرى فسُمِّي بذلك. والثاني: أنَّ البلدَ في الأصل الأثَرُ ومنه: رجلٌ بَليد لتأثير الجهل فيه، وقيل لِبَرْكَةِ البعيرِ «بَلْدَة» لتأثيرِها في الأرض إذا بَرَك قال:
| ٧١٩ - أُنِيخَتْ فأَلْقَتْ بَلْدَةً فوق بلْدةٍ | قليلٌ بها الأصواتُ إلاَّ بُغامُها |
قولُه: وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ يجوزُ في «مَنْ» ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكونَ موصولةً، وفي محلِّها حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أنَّها في محلِّ نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه، قال اللهُ وأرزقُ مَنْ كَفَرَ، ويكونُ «فأمتِّعُه» معطوفاً على هذا الفعلِ المقدَّرِ. والثاني من الوجهين: أن يكونَ في محلِّ رفعٍ بالابتداء و «فأمتِّعُه» الخبرَ، دَخَلَت الفاءُ في الخبرِ تشبيهاً له بالشرطِ، وسيأتي أنَّ أبا البقاء يمنعُ هذا والردُّ عليه. الثاني من الثلاثةِ الأوجهِ: أن تكونَ نكرةً موصوفةً ذكرَه أبو البقاء، والحكمُ فيها ما تقدَّم من كونِها في محلِّ نصبٍ أو رفع. الثالث: أن تكونَ شرطيةً ومحلُّها الرفعُ على الابتداءِ فقط، و «فأمتِّعُه» جوابُ الشرط.
ولا يجوزُ في «مَنْ» في جميع وجوهِها أَنْ تكونَ منصوبةً على الاشتغال، أمَّا إذا كانَتْ شرطاً فظاهرٌ لأنَّ الشرطيةَ إنما يفسِّر عاملَها فعلُ الشرطِ لا الجزاءُ، وفعلُ الشرطِ هنا غيرُ ناصبٍ لضميرِها بل رافعُه، وأمَّا إذا كانت موصولةً فلأنَّ صفحة رقم 109
الخبرَ الذي هو «فأمتِّعه» شبيهٌ بالجَزاء ولذلك دَخَلَتْه الفاءُ، فكما أن الجزاءَ لا يفسِّر عاملاً فما أشبهَه أَوْلى بذلك، وكذا إذا كانَتْ موصوفةً فإنَّ الصفةَ لا تُفَسِّرُ. وقال أبو البقاء: «لا يجوزُ أن تكونَ» مَنْ «مبتدأ و» فأمتِّعُه «الخبرَ، لأنَّ» الذي «لا تدخُل الفاءُ في خبرها إلا إذا كان الخبرُ مُسْتَحِقَّاً بالصلةِ نحو: الذي يأتيني فله درهمٌ، والكفرُ لا يَسْتَحِقُّ به التمتُّعُ، فإنْ جَعَلْتَ الفاءَ زائدةً على قولِ الأخفش جازَ، أو [جعلت] الخبرَ محذوفاً و» فأمتِّعُه «دليلاً عليه جاز، تقديرُه: ومَنْ كَفَرَ أرزُقُه فَأمتِّعه.
ويجوز أَنْ تكونَ «مَنْ» شرطيةً والفاءُ جوابَها. وقيل: الجوابُ محذوفٌ تقديرُه: ومَنْ كَفَرَ أرزُقْ، و «مَنْ» على هذا رفعٌ بالابتداءِ، ولا يجوزُ أَنْ تكونَ منصوبةً لأن أداةَ الشرطِ لا يَعْمل فيها جوابُها بل فعلُ الشرطِ «. انتهى.
أمَّا قولُه:» لأنَّ الكفرَ لا يَسْتِحقُّ به التمتُّعُ «فليس بِمُسَلَّم، بل التمتعُ القليلُ والمصيرُ إلى النار مُسْتَحِقَّان بالكفرِ، وأيضاً فإنَّ التمتعَ إنْ سَلَّمْنا أنَّه ليس مُسْتَحِقاً بالكفر، ولكن قد عُطِفَ عليه ما هو مُسْتَحِقٌ به وهو المصيرُ إلى النار فناسَبَ ذلك أنْ يَقَعا جميعاً خبراً، وأيضاً فقد ناقَض كلامَه لأنه جَوَّز فيها أن تكونَ شرطيةً، وهل الجزاءُ إلا مُسْتَحِقٌّ بالشرط ومُتَرَتِّبٌ عليه فكذلك الخبرُ المُشَبَّهُ به. وأما تجويزُه زيادةَ الفاءِ وحَذْفَ الخبر أو جوابَ الشرطِ فأوجهٌ بعيدة لا حاجةَ إليها. وقرىء: أُمْتِعُه مخففاً من أَمْتَع يُمْتِعُ وهي قراءةُ ابنِ عامر، وفَأُمْتِعُّه بسكونِ العينِ وفيها وجهان: أحدُهما: أنه تخفيفٌ كقولِه:
| ٧٢٠ - فاليومَ أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ | ................... |
| ٧٢١ - اضطَرَّكَ الحِرْرُ مِنْ سَلْمى إِلى أَجَأٍ | ................... |
قوله:» وبئس المصيرُ «» المصير «فاعل والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي: النارُ. ومصير: مَفْعِل من صار يصير، وهو صالحٌ للزمان والمكانِ، وأمَّا المصدرُ فقياسُه الفتحُ لأنَّ ما كُسِر عينُ مضارِعِه فقياسُ ظرفِيَّة الكسرُ ومصدرُه الفتحُ/. ولكن النحويين اختلفوا فيما كانَتْ عينُه ياءً على ثلاثةِ مذاهبَ، أحدها: أنه كالصحيحِ وقد تقدَّم. والثاني: أنه مُخَيَّرٌ فيه. والثالث: مذاهبَ، أحدها: أنه كالصحيحِ وقد تقدَّم. والثاني: أنه مُخَيَّرٌ فيه. والثالث: أن يتُبع المسموعُ فما سُمِعَ بالكسرِ أو الفتح لا يَتَعَدَّى، فإنْ كان» المصيرُ «في الآية اسمَ مكانٍ فهو قياسي اتفاقاً، والتقدير: وبِئْسَ المصيرُ النارُ كما تقدَّم، وإن كان مصدراً على رأي مَنْ أجازه فالتقدير: وبِئْسَ الصيرورةُ صَيْرورتُهم إلى النار. صفحة رقم 113
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط