اختبار إبراهيم عليه السّلام وخصائص البيت الحرام وفضائل مكة
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٤ الى ١٢٦]
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)
الإعراب:
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ فيه تقديم المفعول على الفاعل، وهو واجب، لاتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول.
مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بدل منصوب من أَهْلَهُ بدل بعض من كل، وضمير مِنْهُمْ يعود إلى المبدل منه، لأن بدل البعض من الكل، لا بد أن يعود منه ضمير إلى المبدل منه لفظا أو تقديرا.
وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا: مِنَ إما منصوب بفعل مقدر تقديره: وأرزق من كفر، وإما مرفوع مبتدأ، وهي شرط، وفَأُمَتِّعُهُ الخبر والجواب. وقَلِيلًا منصوب إما لأنه صفة لمصدر محذوف، وتقديره: تمتيعا قليلا، أو لأنه صفة لظرف محذوف، وتقديره: زمانا قليلا.
البلاغة:
ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ تشريف له، بتكليفه الأوامر والنواهي التي يظهر بها استحقاقه للإمامة.
وَأَمْناً فيه استعمال المصدر محل اسم الفاعل للمبالغة، وتقديره: وآمنا.
وطَهِّرا بَيْتِيَ إضافة البيت لله عز وجل للتشريف والتعظيم، لا أن هناك مكانا محل الله تعالى.
المفردات اللغوية:
ابْتَلى إِبْراهِيمَ اختبره، والابتلاء: الاختبار، أي معرفة حال المختبر بتكليفه بأمور يشق عليه فعلها أو تركها، ليجازيه عليها. بِكَلِماتٍ أي أوامر ونواه، قيل: هي مناسك الحج، وقيل خصال الفطرة: وهي المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وفرق الشعر وقلم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء. فَأَتَمَّهُنَّ أداهن تامات. إِماماً قدوة في الدين أو رسولا. ذُرِّيَّتِي أولادي، أي اجعل أئمة منهم. عَهْدِي بالإمامة. الظَّالِمِينَ الكافرين منهم، دل على أنه ينال غير الظالم.
الْبَيْتَ بيت الله الحرام أو الكعبة. مَثابَةً مرجعا ومآبا يثوبون إليه من كل جانب. وَأَمْناً مأمنا من الظلم والإغارة الواقعة في غيره، كان الرجل يلقى قاتل أبيه، فلا يتعرض له مَقامِ إِبْراهِيمَ هو الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت. مُصَلًّى مكان صلاة، بأن تصلوا خلفه ركعتي الطواف.
طَهِّرا بَيْتِيَ من الأوثان. الْعاكِفِينَ المقيمين فيه، الملازمين له. والثَّمَراتِ المأكولات التي تخرجها الأرض. والاضطرار: الإلجاء والحمل على الشيء أو الإكراه.
سبب نزول الآية (١٢٥) :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى:
روى البخاري وغيره عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو أخذت من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى. وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ [التحريم ٦٦/ ٥] فنزلت.
المناسبة العامة للآيات:
بعد أن ذكّر الله تعالى بني إسرائيل نعمه، وأبان كيف قابلوا النعم بالكفر والجحود، أعقب ذلك بقصة إبراهيم عليه السّلام أبي الأنبياء، الذي يزعم اليهود والنصارى انتماءهم إليه، ولو صدقوا لا تبعوا النبي محمدا صلّى الله عليه وسلّم، لأنه أثر دعوة أبيه إبراهيم حين دعا لأهل الحرم، فالكلام كله متصل مع أهل الكتاب.
التفسير والبيان:
واذكر يا محمد لقومك المشركين وغيرهم حين اختبر الله إبراهيم ببعض التكاليف من أوامر ونواه، فأتى بها على وجه الكمال، وأداها خير أداء، كما قال سبحانه: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم ٥٣/ ٣٧]. وبما أن الله تعالى عالم بصدق المختبر، فكان المراد أنه عامله معاملة المختبر، ليظهر ذلك للخلق.
والمراد من ذكر الوقت في قوله وَإِذِ ابْتَلى ما وقع فيه من الحوادث. ولم يعين القرآن الكلمات، فقيل: هي مناسك الحج، وقيل: إنها الكوكب والشمس والقمر التي رآها واستدل بأفولها على وحدانية الله تعالى، وقيل: غير ذلك.
فجازاه الله تعالى أحسن الجزاء، وقال له: إني جاعلك للناس رسولا وإماما تؤمهم في دينهم، ويأتمون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصالحون، فدعا الناس إلى ملة التوحيد ونبذ الشرك.
قال إبراهيم: وجاعل بعض ذريتي كذلك؟ متمنيا لذريته الخير في سلوكهم ودينهم وأخلاقهم، ولا غرو فالإنسان يتمنى أن يكون ابنه أحسن منه.
فأجابه الله تعالى: أجبتك إلى طلبك، وسأجعل من ذريتك أئمة للناس، ولكن لا ينال عهدي بالإمامة أو النبوة الظالمين الذين ظلموا أنفسهم، إذ هم لا يصلحون أن يكونوا قدوة للناس، لأن الإمام قدوة للناس في حراسة الدين
وأهله وحمل الأتباع على الاستقامة، ومنع الجور، فإذا كان الإمام ظالما لنفسه بالانحراف، فكيف يقوّم غيره؟ والمراد بالعهد: النبوة أو الإمامة.
وفيه دليل على مقت الظلم، والتنفير من الظالمين، والبعد عنهم.
ثم ذكرّ الله تعالى العرب في هذه الآيات بنعم كثيرة، منها: جعل البيت الحرام (الكعبة) مرجعا للناس يقصدونه، ومآبا يثوبون إليه للعبادة وقت الحج وغيره، وفي ذلك تنشيط لحركة التجارة والاقتصاد وجلب الخير، ومنها جعله مأمنا يطمئن إليه الأفراد من المخاوف، فمن دخله كان آمنا، ويتخطف الناس من حوله، كما قال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً، وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ، وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ؟ [العنكبوت ٢٩/ ٦٧].
ثم أمر الله المسلمين أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى، بأن يفضلوه على غيره في الصلاة، لشرفه بقيام إبراهيم فيه، فالأمر فيه للندب، لا للوجوب، والمسلمون مأمورون بذلك كما أمر به المؤمنون المعاصرون لإبراهيم الخليل عليه السّلام.
وهذا البيت طاهر مطهر، وصينا إبراهيم وإسماعيل بتطهيره من الأوثان وعبادة الأصنام التي كان عليها المشركون قبل أن يصير في يد إبراهيم عليه السّلام، وتطهيره من كل رجس حسي أو دنس معنوي كاللغو والرفث والتنازع فيه، حين أداء المناسك والعبادات كالطواف والسعي بين الصفا والمروة، والإقامة فيه، والركوع والسجود،
وقد روي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: أنه لما فتح مكة، دخل المسجد، فوجدهم قد نصبوا على البيت الأوثان، فأمر بكسرها، وجعل يطعن فيها بعود في يده، ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [الإسراء ١٧/ ٨١].
وفيه أن إبراهيم ومن بعده كانوا مأمورين بهذه العبادات، وإن لم تعرف
الكيفية وطريقة الأداء. وسمي بيتا، لأن الله جعله معبدا لأداء العبادة الصحيحة، وأمر المصلين أن يتجهوا إليه في عبادتهم.
والحكمة في اتخاذ الكعبة مقرا لاتجاه المصلين: هو توحيد المشاعر والعواطف، وحصر الاتجاه إلى الذات الإلهية المقدسة، رمزا إلى حضوره تعالى، والحضور الحقيقي محال عليه، فكان المراد أن رحمته الإلهية تحضره. ومن ثم كان التوجه إلى الكعبة كالتوجه إلى تلك الذات العلية.
ومن نعمه تعالى على العرب التي أمر الله نبيه أن يذكّرهم بها: دعاء إبراهيم عليه السّلام: أن يجعل هذا البلد في أمن وطمأنينة، فلا يتسلط عليه الجبارون، ولا يعكر صفوه المجرمون الآثمون، ويحميه سبحانه وتعالى من الخسف والزلزال والغرق والهدم ونحو ذلك من مظاهر سخط الله على بلاد أخرى.
ودعاؤه أن يرزق أهله من أنواع الثمار وأطيبها، ومن خيرات الأرض وبركاتها وأمنها، إما بالزرع بالقرب منه، وإما بأن تجبى إليه من الأقطار الشاسعة، وقد حصل كل ذلك، كما هو مشاهد، وكما قال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [القصص ٢٨/ ٥٧].
وفي إجابة دعاء إبراهيم تكريم للمؤمنين، وإن كانت رحمة الله شاملة للمؤمنين والكافرين، فيرزق الله الجميع، كما قال تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ، وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [الإسراء ١٧/ ٢٠] لكن تمتيع الكافر بنعم الدنيا قصير محدود، ثم إلى النار، فمن كفر يرزقه الله أيضا، ويمتعه بهذا الرزق أمدا قليلا، وهو مدة وجوده في الدنيا، ثم يساق إلى عذاب جهنم سوقا اضطراريا، وبئس المصير مصيرهم الذي ينتظرهم.
وفيه ترغيب لعرب قريش بالإيمان، وزجر عن الكفر، وترهيب لهم
ولأهل الكتاب من الإعراض عن دعوة الإسلام، فالله تعالى خص طلب الرزق للمؤمنين، إشارة إلى جدارتهم واستحقاقهم له.
فقه الحياة أو الأحكام:
النبوة أو الإمامة في الدين الصالحة الدائمة الأثر تتطلب الاستقامة على أوامر الله واجتناب نواهيه، والإمامة المؤقتة القائمة على الانحراف والظلم تحفر لنفسها قبرها بيدها، وتدمر كيانها، وتقوض عرش وجودها. فالظلم مانع من الإمامة ومن اتخاذ الظالم قدوة للناس. ولا تكون الإمامة الصالحة أو النبوة إلا للأفاضل الذين يعملون الصالحات، ويرشدون إلى الخير، ويزجرون أنفسهم وغيرهم عن الشر والآثام، ولا حظّ للظالمين في شيء من هذا، لأن الظلم مؤذن بخراب المدنيات، وتدمير الحضارة والعمران.
واستدل جماعة بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل، مع القوة على القيام بذلك. فأما أهل الفسوق والجور والظلم، فليسوا له بأهل، لقوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.
والذي عليه أكثر العلماء: أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه، لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض.
وإن تعظيم البيت الحرام بالطواف حوله والسعي فيه أمر قديم من عهد أبينا إبراهيم عليه السّلام، وتخصيصه بالاتجاه إليه رمز لوجوده تعالى هناك، مع أن ذاته العلية لا تتحدد بمكان، وحضوره تعالى معناه حضور رحمته، وإفاضة فضله، وإسباغ نعمه، وإجابة الدعاء فيه.
والجدير بالرزق الإلهي: من آمن بالله واليوم الآخر، وأطاع ربه، واستقام على أوامر الله، واجتنب ما نهى الله عنه.
والإنسان مخير في اختيار الحق والطيّب والتزام جادة الاستقامة، وترك الباطل والخبيث، بما أعطاه الله من العقل، وبما أرشده به من الوحي، فمن حاد عن ذلك، فقد ظلم نفسه، وعرّضها للعذاب والشقاء، ويكون ذلك سببا لحملة على العذاب، وإلجائه إليه، وصب السخط عليه والانتقام منه.
وأما الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم: فهي الوظائف التي كلفه بها، ولما كان تكليفها بالكلام سميت به، كما يسمى عيسى بالكلمة، لأنه صدر عن الكلمة، وهي كن، وتسمية الشيء بمقدمته أحد قسمي المجاز.
واختلف العلماء في بيان المراد من الكلمات على أقوال، منها ما يأتي:
أحدها- أنها شرائع الإسلام، وقد أكملها إبراهيم عليه السّلام، فما قام أحد بوظائف الدين مثله، ثم قام بها بعده كثير من الأنبياء عليهم السّلام، وخصوصا محمدا صلّى الله عليه وسلّم. قال ابن عباس: ما ابتلى الله أحدا بهن، فقام بها كلها إلا إبراهيم عليه السّلام، ابتلي بالإسلام، فأتمه، فكتب الله له البراءة، فقال: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم ٥٣/ ٣٧].
الثاني- أنها الفطرة التي أقامها الله تعالى فيه.
روت عائشة في الصحيح عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللّحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم (غسل عقد ظهور الأصابع لاجتماع الوسخ فيها)، وحلق العانة، ونتف الإبط، وانتقاص الماء أي الاغتراف منه، ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة».
الثالث- أنها الكوكب والشمس والقمر، التي رآها واستدل بأفولها على وجود الله تعالى ووحدانيته. وهذا القول هو الذي فسر به ابن كثير (الكلمات) ثم أورد قول ابن جرير الطبري وحاصله: أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه أنه المراد على
التعيين إلا بحديث أو إجماع. ثم قال: ولم يصح في ذلك خبر، بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.
الرابع- قال ابن عباس: «الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجة نمرود في الله، وصبره على قذفهم إياه في النار ليحرقوه، والهجرة من وطنه حين أمر بالخروج عنهم، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمر بذبحه» ويظهر أن هذا أصح الأقوال.
واختلف العلماء أيضا في تفسير الأمن على أربعة أقوال:
الأول- أنه أمن من عذاب الله تعالى، والمعنى أن من دخله معظّما له، وقصده محتسبا الأجر، سلم من العذاب، ويعضده
قول النّبي صلّى الله عليه وسلّم في الصحيح: «من حج فلم يرفث ولم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
الثاني- معناه: من دخله كان آمنا من التشفي والانتقام، كما كانت العرب تفعله فيمن أناب إليه، من تركها لحق يكون لها عليه.
الثالث- أنه أمن من حد يقام عليه، فلا يقتل به الكافر، ولا يقتص فيه من القاتل، ولا يقام الحد على المحصن والسارق، قاله أبو حنيفة وغيره.
الرابع- أنه أمن من القتال،
لقوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الصحيح: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار».
قال ابن العربي: والصحيح فيه القول الثاني، وهذا إخبار من الله تعالى عن منّته على عباده، حيث قرر في قلوب العرب تعظيم هذا البيت، وتأمين من لجأ إليه، إجابة لدعوة إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم، حين أنزل به أهله وولده، فتوقع عليهم الاستطالة، أي الاعتداء، فدعا أن يكون أمنا لهم، فاستجيب دعاؤه «١».
والصحيح من اتخاذ مقام إبراهيم مصلّى معناه: موضعا للصلاة المعهودة، كما بان في سبب نزول الآية السابق ذكره عن عمر رضي الله عنه، واتضح منه أربعة أمور: وهي أن ذلك الموضع هو المقام المراد في الآية، وأن المراد به الصلاة المتضمنة للركوع والسجود، لا مطلق الدعاء، وأن الصلاة عقب الطواف، وأن ركعتي الطواف مطلوبتان، وهما عند المالكية: واجبتان، فمن تركهما، فعليه دم.
وقال الجصاص الحنفي عن قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى هو أمر ظاهره الإيجاب، والمراد بالآية فعل الصلاة بعد الطواف،
وقد روي أن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قد صلاهما عند البيت.
فدلت هذه الآية على وجوب صلاة الطواف، ودل فعل النّبي صلّى الله عليه وسلّم لها تارة عند المقام، وتارة عند غيره على أن فعلها عنده ليس بواجب.
ويفهم من قوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ عدم جواز تولية الظالم، أو الفاسق، ولا فرق بين القاضي وبين الخليفة في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وأن الفاسق لا يكون خليفة ولا يكون حاكما، كما لا تقبل شهادته ولا خبره لو روى خبرا عن النّبي عليه السّلام.
قال ابن خويز منداد: وكل من كان ظالما لم يكن نبيا ولا خليفة ولا حاكما ولا مفتيا، ولا إمام صلاة، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه، حتى يعزله أهل الحل والعقد.
وقال أيضا: وأما أخذ الأرزاق (المخصصات المالية) من الأئمة الظلمة فله ثلاث أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذا على موجب الشريعة فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره. وإن كان مختلطا
حلالا وظلما، فالورع تركه، ويجوز للمحتاج. وإن كان ما في أيديهم ظلما صراحا فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم «١».
وقال الجصاص: دل قوله تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ على أن الإجابة وقعت له في أن ذرية إبراهيم أئمة.
واستدل أبو حنيفة بقوله تعالى: وَأَمْناً على ترك إقامة الحد في الحرم على الزاني المحصن والسارق إذا لجأ إليه، وعضدوا ذلك بقوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمران ٣/ ٩٧]. والصحيح- كما قال القرطبي- إقامة الحدود في الحرم، وأن ترك إقامتها من المنسوخ لأن الاتفاق حاصل أنه لا يقتل في البيت، ويقتل خارج البيت.
وآية: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ استدل بها أبو حنيفة والشافعي والثوري على جواز صلاة الفرض والنفل داخل البيت الحرام، قال الشافعي رحمه الله: إن صلى في جوفها مستقبلا حائطا من حيطانها، فصلاته جائزة، وإن صلى نحو الباب، والباب مفتوح، فصلاته باطلة، وكذلك من صلى على ظهرها، لأنه لم يستقبل منها شيئا.
وقال مالك: لا يصلي في البيت الفرض ولا السّنن، ويصلي فيه التطوع (غير الرواتب)، غير أنه إن صلى فيه الفرض، أعاد في الوقت، ودليله: ما
رواه مسلم عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد أن النّبي صلّى الله عليه وسلم لما دخل البيت، دعا في نواحيه كلها، ولم يصلّ فيه حتى خرج منه، فلما خرج ركع في قبل الكعبة ركعتين.
والحاصل: لا خلاف في صحة التطوع في الكعبة، وأما الفرض فلا يصح عند المالكية، لأن الله تعالى عين الجهة بقوله تعالى: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة ٢/ ١٥٠].
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي