ﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓ

استعظام البيت حتى لا يجسر عامتهم على تعظيم حرمته، ومن ضيقها كان ممقوتاً غير منفك من عقوبة أما متجلية للمناظر أو ظاهرة لأولي البصائر، وقرئ: " واتخذوا " على الأمر، وروي فيه أن النبي - ﷺ - قال لعمر لما انتهى إلى المقام: " هذا مقام أبينا إبراهيم، [فقال: ألاً نتخذه مصلى؟] " فأنزل الله- عز وجل- (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، فعلى هذا أمر فصل به بين الجملتين من الخبر المعطوفة، والمعطوف عليها، (وعهدنا إلى) أي، أمرناهما أمراً موثقاً عليهما بأن يطهرا البيت من الأنجاس والشرك وكل ما ينافي موضع الطهارة، للطائفين: أي القصاد، وقيل لأولي الطواف، وكلاهما مراد، والركع السجود: المصلين، وقيل: قد دخل في الأمر بتطهيره أن ببنيانه على تقوى كما قال: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ الآية.
قوله- عز وجل:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
الآية (١٢٦) - سورة البقرة.
البلد: الأثر الباقي، وسمي المدينة، وكركرة البعير.
والمفازة: بلداً للآثار الظاهر بها، وقيل للآثار في الجلد أبلاد، والبليد: المقيم على بلده أي مكانه، ثم جعل عبارة عمن لا نفاذ له في الأمر حتى صار أملك له، والمصير: المنتهي إليه في الأمر، ومنه المصير: لمنتهى الطعام، وصير البقرة مأواها، كالزريبة للغنم، وصير الباب: حيث مصيره، وإنما قيل: شق الباب اعتباراً بصورته لا بحقيقة مقتضي اللفظ، والاضطرار: حمل الإنسان على [ما يضره وهو في التعارف] حمل على الأمر بكره وذلك على وجهين: أحدهما بسبب خارج، وهو إما أن يضرب أو يهدد بالضرب حتى يفعله منقاداً، وإما أن يؤخذ بيده فيفعل ذلك به، والثاني بسبب من داخل، وذلك إما بقهر قوة له لا يناله بدفعها الهلاك، كمن غلب

صفحة رقم 312

عليه شهوة خمر أو قمار، وأما بقهر قوة يناله بدفعها الهلاك كمن اشتد به الجوع، فاضطر إلى أكل الميتة أو تناول مال الغير، ولما بنى إبراهيم عليه السلام البيت في فقر، ومن شرط المدن أن يتحرى في بنائها موضع يمكن أن يجري فيه نهر أو يشق فيه قناة، ويتخذ فيه مزرعة تفي بمطاعم قطانها، وعلم أن لا قوام لهم إلا بأن تجنى إليهم الثمرات، ولا يمكن جني الثمرات إليهم إلا بأمنه، سأل الله عز وجل - أن يجعله بلداً أمناً بسياسة ألاهية وأن يرزق أهله بتسخير الناس لجبي الثمرات إليه ولما سأله لهم الرزق، وكان قد سمع في جواب سؤاله الإمامة لذريته ما سمع تدارك سؤاله فقيده وقال: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فقال تعالى: وَمَنْ كَفَرَ تنبيهاً أن رحمته في الدنيا وسعت كل شيء، وأن نعمه فيها متاحة للكل ليجعلوها ذريعة إلى إدراك ثوابه، ثم من كفر وضيع النعم فمسوق إلى عذابه.
إن قيل: إن قوله (فأمتعه) يقتضي كثرة ثبات الفعل وقوله (قليلا) ينافيه، فكيف جمع بينهما؟ قيل: ذلك على وجهين، فإن نعمته في الدنيا وإن كانت كثيرة بإضافة بعضها إلى بعض، فقليلة بإضافتها إلى نعمة الآخرة، وعلى هذا قال: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، كيف لا يقل ما يتناهى بالإضافة إلى مالا يتناهى؟ وانتصاب " قليل " إما لكونه وصفا لمصدر محذوف أو لكونه ظرفاً، وتكون في العبارة به عن الزمان، كقوله تعالى: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ.

صفحة رقم 313

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية