ﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

نحن نعلم أن «قد» للتحقيق.. و «نرى».. فعل مضارع مما يدل على أن الحدث في زمن التكلم.. الحق سبحانه وتعالى يعطينا صورة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.. أنه يحب ويشتاق أن يتجه إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس.. وكان عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ قد اعتاد أن يأتيه الوحي من علو.. فكأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يتجه ببصره إلى السماء مكان إيتاء الوحي.. ولا يأتي ذلك إلا إذا كان قبله متعلقا بأن يأتيه الوحي بتغيير القبلة.. فكأن هذا أمر شغله.
إن الله سبحانه يحيط رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأنه قد رأى تقلب وجه رسوله الكريم في السماء وأجابه ليتجه إلى القبلة التي يرضاها.. فهل معنى ذلك أن القبلة التي كان عليها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهي بيت المقدس لم يكن راضيا عنها؟ نقول لا.. وإنما الرضا دائما يتعلق بالعاطفة، وهناك فرق بين حب العاطفة وحب العقل.. ولذلك لا يقول أحد إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يكن راضيا عن قبلة بيت المقدس.. وإنما كان يتجه إلى بيت المقدس وفي قلبه عاطفة تتجه إلى الكعبة.. هذا يدل على الطاعة والالتزام.
الله يقول لرسوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا أي تحبها بعاطفتك.. ورسول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يتطلع إلى هذا التغيير، فكأن عواطفه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اتجهت لتضع مقدمات التحويل.

صفحة رقم 630

قال الله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام.. والمراد بالوجه هو الذات كلها وكلمة شطر معناها الجهة، والشطر معناه النصف.. وكلا المعنيين صحيح لأنه حين يوجد الإنسان في مكان يصبح مركزاً لدائرة ينتهي بشيء اسمه الأفق وهو مدى البصر.. وما يخيل إليك عنده أن السماء انطبقت على الأرض.
إن كل إنسان منا له دائرة على حسب نظره فإذا ارتفع الإنسان تتسع الدائرة.. وإذا كان بصره ضعيفا يكون أفقه أقل، ويكون هو في وسط دائرة نصفها أمامه ونصفها خلفه.
إذن الذي يقول الشطر هو النصف صحيح والذي يقول أن الشطر هو الجهة صحيح.
وقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام.. أي اجعل وجهك جهة المسجد الحرام أو اجعل المسجد الحرام في نصف الدائرة التي أمامك.. وفي الزمن الماضي كانت العبادات تتم في أماكن خاصة.. إلى أن جاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فجعل الله له الأرض كلها مسجدا.
إن المسجد هو مكان السجود ونظراً لأن السجود هو منتهى الخضوع لله فسمي المكان الذي نصلي فيه مسجدا.
. ولكن هناك فرق بين مكان تسجد فيه ومكان تجعله مقصورا على الصلاة لله ولا تزاول فيه شيئا آخر. المسجد مخصص للصلاة والعبادة.. أما المكان الذي تسجد فيه وتزاول حركة حياتك فلا يسمى مسجداً إلا ساعة تسجد فيه.. والكعبة بيت الله. باختيار الله. وجميع مساجد الأرض بيوت الله باختيار خلق الله.. ولذلك كان بيت الله باختيار الله قبلة لبيوت الله باختيار خلق الله.
وقوله تعالى: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ يعني أينما كنتم.. فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ.. لأن الآية نزلت وهم في مسجد بني سلمة بالمدينة فتحول المسلمون إلى المسجد الحرام.. وحتى لا يعتقد أحد أن التحويل في هذا المسجد فقط وفى الوقت الذي نزلت فيه الآية فقط قال تعالى: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ..
وقوله جل جلاله: {وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَمَا الله

صفحة رقم 631

بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}.. أي أن الذين أوتوا الكتاب ويحاولون التشكيك في اتباع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.. يعلمون أن رسول الله هو الرسول الخاتم ويعرفون أوصافه التي ذكرت في التوراة والإنجيل.. ويعلمون أنه صاحب القبلتين.. ولو لم يتجه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من بيت المقدس إلى الكعبة.. لقالوا إن التوراة والإنجيل تقولان إن الرسول الخاتم محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يصلي إلى قبلتين فلماذا لم تتحقق؟ ولكان هذا أدعى إلى التشكيك.
إذن فالذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم.. لأنه في التوراة أن الرسول الذي سيجيء وسيتجه إلى بيت المقدس ثم يتجه إلى البيت الحرام.. فكأن هذا التحويل بالنسبة لأهل الكتاب تثبيت لإيمانهم بالرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وليس سببا في زعزعة اليقين.
وقوله تعالى: وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.. يريد الحق تبارك وتعالى أن يطمئن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن تشكيكهم لا يقدم ولا يؤخر.. فموقفهم ليس لطلب الحجة ولكن للمكابرة.. فهم لا يريدون حجة ولا دليلا إيمانياً.. ولكنهم يريدون المكابرة.

صفحة رقم 632

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية